فى الأتوبيس المتجه إلى إحدى القرى السياحية جلس شاب في الثلاثين من عمره بعيون خضراء ساحرة وشعر كستنائي ناعم ووجه جميل يسحر النساء بوسامته الشديدة. يضع الهيد فون في أذنيه وينتظر بدء الرحلة. يتمنى أن تجلس بجواره مزة جامدة تطري الجو وتضيع وقت الرحلة الطويل. بعد قليل بدأ الركاب يدخلون الأتوبيس وهو يقيم كل فتاة تصعد: لا دى تخينة.... أمورة بس مش أوي.... ياخبر أبيض دى فورتيكة. فأشار لها لتجلس بجواره فالتفتت حولها ثم
ابتسمت واقتربت منه تحية: هاى فيه حد معاك. فيبتسم ويرد التحية: هاى ولو فيه أرميه من الأتوبيس عشانك. فجلست بجواره وقالت بدلع: ميرسى. فمد يده يسلم: أنا طارق خليل. فمدت يدها لتسلم عليه: أنا شوشو. فابتسم: شوشو ده دلع إيه استنى أفكر أكيد دلع شمس لأن ده الاسم الوحيد اللي لايق عليكي. فانتفخت هذه الساذجة وكالبالون ثم قالت بدلع ماسخ جدا: لأ ده دلع شهد. فقال في نفسه ((شهد يا بنت الكدابة ده إنتي أخرك شوقية) ليقول لها برومانسية:
أه يا قلبي أموت في العسل يا عسل. لتذوب تلك الفتاة في يده لينظر لساعته ويقول: أسرع مزة اتعرفت عليها ما أخدتش في إيدي أكتر من عشر دقائق ده رقم قياسي أخش بيه الموسوعة. لتنظر له: وإنت بتشتغل إيه يا طارق. فقال الكلمة السحرية اللي تحبها كل البنات: رجل أعمال وعندي شركة صغيرة للاستيراد والتصدير. لتنظر الفتاة بسرعة ليده لترى هل يلبس دبلة لترى يديه الاثنتين خاليتين لتقول في نفسها:
هو ده أنا لازم أوقع المز ده ده لو حصل هغيظ كل قرايبنا وخصوصا رحمة بنت عمي اللي شافت نفسها علينا بعد ما اتخطبت لدكتور هتتفرس هي وإخوتها لما أتخطب له. فيبتسم بسخرية وهو يتأمل شوشو بنت جميلة بشعر أسود قصير مع خصلات شقراء ترفعه بنظارة شمسية ترتدي فستان صيفي قصير فوق الركبة بكشف عن زراوئها وصدرها. لينظر لعينيها ويقول: مش معقول عيونك دي ولا عدسات. فتقول بسرعة: لأ والله عيوني. فيقول بهيام مصطنع:
مش معقول كل الجمال ده طبيعي ده إنتي ملكة. لتبتسم له في إغراء ليقول: إنتي معلشة إسمعي كده معايا. ليشغل هاتفه المحمول على أغنية المهرجانات وصوت حمو بيكا الجاهوري يرتفع وشوشو تغني معه وهي تهز أكتافها وترقص في مكانها حتى أن البعض شاركهم في التصفيق. لتنتهي الأغنية فيشغل أغنية ستو أنا وهو يوجه لها الكلمات مع أكرم حسني وهي ترد عليه مع أيتن عامر. لتنتهي الأغنية وينظر لها ويقول في نفسه
((هذه هي علاقة البنات في المصايف لذيذة ومنعشة مثل الأيس كريم تستمتع به ويلطف الجو وايضا تذوب وتختفي مع حرارة الشمس وقت ممتع ولذيذ بلا ارتباط وبلا أي مسؤولية)
وبعد عدة ساعات بدأ يشعر بالملل فهذه السخيفة تكاد تلتصق به حتى أنها فتحت هاتفها لتريه صورها بالمايوه لتؤكد له أنها خست كثيرا عن العام الماضي وبعدها بدأت تريه صور قريباتها وصديقاتها لتؤكد له أنها أجمل منهم جميعا ملل ملل ملل لاشيء جديد كلها حركات مكررة تفعلها الفتيات.
أخيرا قرر أنه سيدعي النوم حتى تتركه هذه الملتصقة فارتدى نظارته الشمسية ومال برأسه على الكرسي حتى صدقت أخيرا أنه نام لتشعر بالملل فتنام هي الأخرى واضعة رأسها على كتفه. ولكن بعد قليل غلبه النوم فعلا ونام فالطريق طويل فسينام بضع ساعات. استيقظ مفزوع على اهتزازات عنيفة وصرخات قوية فالتفت حوله ليرى الأتوبيس يتخبط في الطريق والكل يصرخ ويستجير بالله: (يارب أستر) (يارب نجينا)
ويرى شوشو تصرخ وهي تتمسك به في رعب وهناك من قفز من شباك الأتوبيس ليخبط الأتوبيس في صخرة عملاقة لينقلب على رأسه ويدور في شقلبات عنيفة والكل في الداخل يتخبط في السقف والكراسي والصرخات عالية وفجأة غاب عن الوعي مستسلما للموت.
بعد عدة ساعات فاق ليلمس رأسه ليشعر بالألم وبسائل لزج يخرج من رأسه بدأ يفتح عينيه لكن الظلمة شديدة لا يرى أي شيء لكنه يسمع تأوهات متفرقة ويتلمس بيديه أجساد بعضها حي والآخر جثة هامدة ليحاول التحرك والزحف على قدميه ويديه يشعر بالرمال لكنه لا يعلم هل هو داخل الأتوبيس أم خارجه فمد يده يلتمس السقف فلم يشعر به فعرف أنه خارج الأتوبيس ليظهر في الظلام نور كشافين صغيرين يتحركان معا وبعدها سمع صوت عواء طويل فعرف أنهما عيون
الذئاب تنير في الظلام وأنه سيكون وليمة للذئاب فبدأ يتحرك في حذر ويتخبط والذئب يقترب منه فأخذ حفنات من التراب يرمي بها الذئاب وهو يدعو الله في رعب أن ينجيه حتى تركته الذئاب ليقوم بسرعة يجري في تخبط فالعمر واحد والروح غالية لم يلتفت لصوت الصرخات التي يسمعها من خلفه حتى أنهكه التعب فاستسلم ونام.
شعر بحرارة الشمس العالية ففتح عينيه بصعوبة ليجد نفسه في وسط الصحراء رمال في رمال الشمس حارقة ويكاد يموت من الجوع والعطش فرفع رأسه للسماء وقال بصوت عالي يرجو الله: ((يارب نجيني يارب) ((هكذا حالنا لا نذكر الله إلا في الشدائد إلا من رحم ربي)
لينظر بعيد ليرى الماء يترقرق فوق رمال الصحراء فيجري بقوة يشكر الله أن نجاة وكلما اقترب يرى الماء بعيد فيشعر بالأمل ويجري وكلما اقترب بعد الماء ليدرك بعد فترة أن ما يراه هو السراب ليجعله اليأس يلوم الله ((استغفر الله)
) ليه يا رب تعمل فيا كده ليه ليزحف وييأس وبتعب ليمر الوقت وحرارة الشمس العالية أثرت عليه ليستسلم كالعادة ويفوق بعد فترة ليجد الدنيا قد أظلمت ولا يعلم كم قضى من الليل لكن أصوات الذئاب من بعيد ترعبه فيلجأ لله أن يحميه ويتحرك في الظلمة وقد فتك به التعب والإجهاد وأنهكه الجوع والعطش ليزحف على يديه ويجر نفسه ليشعر بتغيير في ملمس الرمل وينجلي الظلام ليرى نفسه أمام حقل وزرع أخضر فأصبح كالمجنون يضع في فمه كل ما تقتله يده من حشائش يأكل أي شيء حتى ولو عشبة شوك فالجائع لا يمتلك حق الاختيار يمتص الحشائش ليبلل ريقه الجاف من قطرات الندى.
ليسمع صوت أقدام تقترب منه وصوت رجل يقول: سبحان الله من أنت؟ غريب في أرض النساك. ليقع طارق فاقد الوعي بينما يصرخ الرجل: يا عباد الله أقبلوا غريب في أرض النساك. ليقبل رجلين ويقولوا: ما نفعل به يا عبد الله. فيقول: نأخذه لأم النساك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!