أخذ الرجال طارق واتجهوا ينادون على أم النساك، وكلما مروا على أحد إلا ووقف يشاهد الغريب الذي عثروا عليه. ونادوا: "أقبلى يا أم النساك، أقبلى وجدنا غريب." فخرجت عليهم أم النساك بلباسها الأسود الحالك، وصوتها الهادئ القوي الواثق، ونظرت لما يحملونه على الأذرع: "يا سبحان الله. أين عثرتم عليه؟ ((في هذه اللحظة كان طارق يقاوم الإغماء ويجاهد بفتح عينيه.) الرجل: "أنظري في أمره يا أم النساك." أم النساك:
"وهل انتزعت الرحمة من قلوبكم؟ كيف أنظر في أمره وهو على هذا الحال. أيوب." أيوب: "بأمرك أم النساك." أم النساك: "تولى أمره وإرعاه وارسلوا للحكيم ليداويه. فإن برأ نظرت أمره، وإن مات فصلوا عليه وواروه في التراب." في هذه اللحظة وجه طارق نظره المشوش، فلم يرَ سوى عيون شديدة السواد. بعد ثلاثة أيام. بدأ ينتبه لنفسه ويفوق من نومه الثقيل، ليشعر بملمس ناعم أسفل منه غير ملمس الرمال ولا التراب، ليتحسس بيديه وعيونه مغلقة،
فلو كان ما يشعر به حلم فليستمتع به قبل أن يفوق. ليسمع صوت يقول: "الحمد لله، بدأ الغريب يفوق." ليفتح عيونه ببطء فيرى رجل جالس بجواره، له بشرة سمراء وعيون سوداء ولحية طويلة. فقال طارق بعيون نصف مفتوحة: "أنا فين؟ لم يجبه الرجل، ليفتح طارق عيونه ويحاول الاعتدال، ليساعده الرجل على الجلوس. فيقول طارق: "أنا فين؟ وإنت مين؟ لكن الرجل كان منتبهاً لوجه طارق فقال: "سبحان الله، عيون خضراء. من أنت أيها الغريب؟
وما حاجتك في أرض النساك؟ طارق: "أرض النساك. يعني إيه؟ وإنت مين؟ الرجل: "أنا أيوب. وأنت غريب في أرض النساك، وجدناك منذ ثلاثة. وأمرت أم النساك أن تبقى في ضيافتها حتى تبرأ من مرضك، وبعدها تنظر في حالك." طارق: "مين أم النساك؟ وهتنظر في حالي إزاي؟ وإنت ليه بتتكلم زي المسلسلات الدينية القديمة كده؟ كلمني عادي عشان أفهمك." أيوب: "أنا لا أفهمك أيها الغريب، لكن أحب عينيك، كيف جعلتها خضراء." طارق: "إيه شلة المجانين دي."
فيسمعون صوت ينادي، فيخرج أيوب ويعود بأطباق فخارية، يقدمها. أيوب: "أقبل أيها الغريب، فقد أرسلت أم النساك الطعام مع خادمتها." طارق: "أنا اسمي طارق، وبعدين كويس إنكم جبتوا الأكل ده، أنا واقع من الجوع." وينظر إلى الطعام ويقول: "إيه ده؟ أيوب: "سمِ بالله وكل، إنه خبز شعير ومرق ولحم." فنظر للأكل بإشمئزاز، ولكنه جائع، فرأى أيوب يكسر الخبز ويضع عليه قطعة من اللحم ويأكل، فبدأ يقلد أيوب، فقطع كسرة من الخبز ووضع عليها قطعة لحم،
وأكل ليجد طعمه رائع، لا يعلم هل هو فعلاً رائع أم من شدة الجوع يحسه رائع. رأى أيوب يرفع الصحن ويشرب المرق، فشعر بالقرف من الرجل، لكن بعد قليل قلده وشرب مثله، حتى شبع. وبعدها قرب له أيوب جره الفخاري وقال: "سمِ بالله واشرب، فهذا منقوع الأعشاب محلى بالعسل، إشرب منه حتى تسترد عافيتك كما وصانا الحكيم." فأخذ طارق الكوب ليقول بإشمئزاز: "على آخر الزمن هشرب منقوع. إيه القرف ده." فيقربه من أنفه فيشم رائحة أعشاب،
فيأخذ رشفة لكنه يبصقها لغرابة طعمها، لكن مع إصرار أيوب شرب قليلاً. فقال أيوب: "بالشفاء إن شاء الله. أيها الغريب، أقصد طارق، أحضرت لك قربة ماء وثوب من عندي فاغتسل، فأم النساك ستنظر في أمرك." وقف طارق وأيوب أمام مجلس النساك، وقد بدأ يتوافد الرجال، فالأمر غريب عليهم والكل ينتظر ليرى الغريب، نادى أيوب: "أم النساك، أم النساك، أم النساك." لينتبه طارق بوجود كتلة سوداء مكتومة في ركن من المجلس، فأشار لأيوب: "يه ده؟
فنظر أيوب ثم انتفض: "غض بصرك يا هذا، فأم النساك تصلي. يا ميساء، أسدلي الستائر حتى تفرغ أم النساك من صلاتها." فأقبلت الخادمة أسدلت الستائر. ليقول طارق في نفسه: "بتغيير عليها أوي، على إيه دي حتى أم النساك يعني أد جدة جدتي." وبعد فترة انزاحت الستائر، ليسمع الجميع الصوت الهادئ يقول: "السلام عليكم ورحمة الله." ليرد الجميع "السلام" والكل ينظر للأرض، إلا طارق الذي رفع عيونه ليراها فتسمر مكانه،
فقد رأى جسد طويل رشيق متشح بالسواد، وغطاء رأس بنفس اللون، لتستقر عينيه على وجه أبيض دائري، وشفاه وردية ربانية، وأنف مستقيم، ليصعد بنظره ليرى عيون واسعة شديدة السواد المقلتين مزينة بكحل رباني، ((من قال العيون الخضراء تسحر والعيون الزرقاء تأسر، فالعيون العربية السوداء تقتل بغير سلاح) لشابة لم يزد عمرها عن السابعة والعشرين من عمرها. هل هذه الفتنة الربانية هي أم النساك؟ لتقترب منه أم النساك قليلاً وتنظر لوجهه،
ويتتلاقى عيناه الخضراوان بعينيها فقالت: "سبحان من أنبت الزرع في صحراء عينيك فإخضرت." فابتسم بثقة فقد علم أنه سحرها بعينيه، وقال: "عجبتك عينيا يا قمر." لكنها أخفضت نظرها واستعاذت بالله من الشيطان، لتقول بجدية: "من أنت أيها الغريب؟ ومن أين أتيت؟ وكيف وصلت أرض النساك؟ فسبل عينيه وتصنع الرقة وقال: "أنا طارق من مصر." لتفتح عيونها السوداء بشدة وتقول بلهفة: "مصر؟ أي مصر تقصد؟ هل تقصد قوله تعالى
((ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون) أمازال فرعون يحكم مصر؟ طارق: "فرعون مين؟ إنتوا بتقولوا إيه." ليقول أحد الحكماء: "تقصد مصر قوله تعالى ((قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير إهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم) ليقول ثانٍ: "أتقصد قوله ((وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) أمازلتم تملكون خزائن الأرض؟ ليقول طارق بسخرية: "خزائن إيه؟
صلي على النبي، هو إحنا لاقيين ناكل ده، إحنا بنستورد فوانيس رمضان من الصين." أم النساك: "كيف وصلت ديارنا؟ طارق: "معرفش، بس إنتوا ليه مستغربين؟ أم النساك: "لم يطئ غريب أرض النساك منذ ثلاثمائة عام. ما دخلها أحد ولا خرج منها أحد." طارق: "يااااه، ده أنا هتكتب في كتاب التاريخ عندكم أول غريب بعيون خضراء." قالها وضحك، لكن لم يشاركه أحد الضحك، فاختفت ضحكته السخيفة وقال: "بس إنتوا لو جيتوا عندنا هكرمكم و... أم النساك:
"ارحل عنا أيها الغريب." ففزع طارق: "أرحل؟ أرحل فين؟ أم النساك: "عد من حيث أتيت، لا مكان لك بأرض النساك." طارق بخوف وبصوت عالي: "ليه؟ حرام عليكي، عايزاني أرجع ليه؟ هو أنا عارف الطريق وأرجع للضباع تاكلني حي، وإلا للجوع والعطش في الصحراء. كنتوا ليه بتعالجوني مادمتم هتموتوني؟ أم النساك: "استغفر ربك يا هذا، فالموت والحياة بأمر الله وحده." طارق: "ونعم بالله ما قلتيش حاجة، بس إنتي كده بتحكمي عليّا بالإعدام." أم النساك:
"سنأمر لك بدابة وطعام وماء يكفيك ثلاثة." طارق: "ولما يخلصوا أعمل إيه؟ أموت في الصحراء؟ حرام عليكي، إنتي ما فيش في قلبك رحمة." أم النساك: "يا هذا، ربك الرزاق، فقد تجد بلادك قبل انتهاء المؤنة." طارق: "ولو ما لقيتش أعمل إيه؟ أبوس إيدك أتوسل... فقاطعته أم النساك غاضبة: "اصمت يا هذا، وارفع رأسك، فمن خفض رأسه لغير الله إنزل، ومن خفضها لربه أعزه." طارق: "طيب قولي أعمل إيه، وإنتي مش رحماني، عايزاني أرجع للمرمطة تاني."
أم النساك: "يا هذا، أرض النساك ليست للأغراب، إن دخلتها فلن تخرج منها أبداً، فعد لبلادك." فكر طارق قليلاً وقال: "معنديش أي خيار، أنا موافق." فقالت له أم النساك: "إذا قد اخترت ووافقت وأصبحت أول غريب في أرض النساك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!