الجزء الأخير أهدِي هذا الجزء من الرواية لابني جمال (12 عامًا) ولأم حازم؛ لأنهم توقعوا نهاية الرواية توقعًا صحيحًا. مكرم ساخرًا: خايفين من إيه يا أغبياء، إن الأرض تنشق ولا صواعق تنزل من السما عشانها؟ أهي الأرض ما انشقتش ولا ضربنا البرق والرعد، وما فيش صواعق نزلت من السما. يلا عروها، أنا عايز كل البلد تتفرج عليها.
فاقترب الرجال منها وجذبوا ثوبها الأسود فمزقوه، لين كشف ثوبها الداخلي الملون الجميل، وبان الحزام الجلدي حول خصرها. في حين أخفض النساك رؤوسهم، فاليوم لطخت رؤوسهم بالعار. فاقترب مكرم منها وجذبها من جديلتها الطويلة وقال بسخرية: طلعتي مزة يا شيخة، ده أنا والرجالة هننبسط أوي، أخيرًا بقى لكي فايدة. ثم وضع يده على مقدمة ثوبها حتى يشقه. فقالت أم النساك: لم آمن على نفسي أبدًا وأنت هنا يا تاجر، فلم أعد أسير إلا ومعي سلاح.
قالتها وهي تسحب خنجرها من الحزام حول خصرها، وقبل أن يستوعب مكرم كلامها، كانت غرست الخنجر في بطنه. لتقول بقوة: ما منعني رجالك أن أقتلك يا مكرم. ليسقط مكرم على ركبتيه وقال لرجاله بصوت يئن من الوجع: اقتلوها، خلصوا عليها.
ولكن قبل أن يقترب منها الرجال، سقط رجلان قتلى، ليلتفت رجال مكرم في رعب، بينما يقتربوا من القتلى في يجدوا أحدهم مات برصاصة والآخر بسهم في قلبه، وقبل أن ينتبهوا، سمعوا سيلًا من الرصاص يطلق عليهم وعبد الرحمن على حصانه (الفتاك) ، حصان أسود كالليل يجري كالريح بعيون لامعة كالشهب. اخترق الفتاك الجموع، بينما زلزل قلوب الرجال صرخة عبد الرحمن: لبيك نصرة الحق، لبيك يا رب.
وكأن صرخته أيقظت الهمم النائمة وأشعلت النار في قلوب خامدة، فقام الجميع مرددًا: لبيك نصرة الحق، لبيك يا رب، ليهاجم الرجال بأيديهم الخالية رجال مكرم المسلحين.
ورجال مكرم يطلقون الرصاص بعشوائية، فيسقط الرجال ولكن لا تسقط الهمم، فالغادر يطلق رصاصة يقتل رجل، لكن في لحظة يحاوطوه عشرة رجال، وقبل أن يضرب الثانية، يجد نفسه في الأرض والكل يضرب فيه. فالصغار تقذف الحجارة والرجال تضرب بالصخور، وحتى النساء تشق غطاء رأسها وتخنق به الأعداء أو تربط به أرجلهم.
أما أم النساك فقد حملها عبد الرحمن على ظهر حصانه ليخترق الجموع ويرجع بها، دون الاهتمام لطلقات الرصاص التي أطلقوها عليه، ليقف الحصان ويسقط عبد الرحمن قبل أن تنزل أم النساك، والتي صرخت مستنجدة لتجد طارق أمامها ومعه سلاح يصوب به على كل من يقترب منهم. أم النساك: أجرنا يا غريب، أرجوك. فاقترب طارق من عبد الرحمن ليجده يأخذ أنفاسه الأخيرة والدماء تسيل من كل مكان بجسده. طارق: متخافش يا عبد الرحمن، هتبقى بخير.
عبد الرحمن: أم النساك... أجر... أم النساك. لتقترب منه أم النساك وهي تبكي: أنا معك عبد الرحمن، لا تخف علي. عبد الرحمن: أخفي شعرك أم النساك، لا تجعلي آخر أعمالي ذنب. فخلع طارق ثوبه فالتفت به أم النساك، وبعدها اقتربت من عبد الرحمن لتقول ببكاء: تماسك عبد الرحمن، ستكون بخير إن شاء الله. عبد الرحمن: ما بال النساك؟ طارق: متخافش يا عبد الرحمن، أخيرًا فاق النساك ووقفوا ياخدوا حقهم بإيدهم. عبد الرحمن: الحمد لله.
أم النساك: سآتيك بالحكيم يداوي جروحك. عبد الرحمن: لا يا أم النساك، ما بقى بالعمر إلا ثواني، كنتي عادلة مع كل الناس إلا أنا. أم النساك ببكاء: لا عبد الرحمن، لا تحملني ذنبك. عبد الرحمن: وهل العاشقين ذنب إلا الهوى؟ أنصفت الكل وجيرتي علي. أم النساك: آثرت وحدة الصف ومنع تشتت الرجال وضحيت بك، فحليني من ذنبك.
عبد الرحمن: ما عليكي ملامة يا أم النساك، لكن لا تظلمي نفسك من أجل النساك، لا تحرمي نفسك الحياة، كوني كما عهدتك في شموخ الجبال ورقة الزهور، عيشي سندًا وأمًا للنساك، لكن لا تنسي نصيبك من الدنيا. أم النساك: أرجوك عبد الرحمن، ارتاح. بعدها سمعوا تكبيرات عالية. فقالت أم النساك بسعادة: لقد نصرنا الله على من أراد بنا سوء. عبد الرحمن: الحمد لله الذي جعل نصره آخر عهدي بالدنيا. أم النساك: عبد الرحمن.
عبد الرحمن: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا و... فتصرخ أم النساك: عبد الرحمن، عبد الرحمن، آه يا عبد الرحمن. طارق: الصبر عند الصدمة الأولى يا أم النساك. أم النساك: إنا لله وإنا إليه راجعون، أستغفرك ربي وأتوب إليك. طارق: قومي يا أم النساك نشوف حصل إيه للنساك، دول محتاجينك دلوقتي، قومي وخليكي زي ما اتعودنا عليكي قوية. أم النساك: اسبقني يا غريب وسألحق بك.
فيتركها طارق جالسة بجوار جثمان عبد الرحمن. قليلًا بعدها مسحت دموعها وقامت رافعة رأسها في عزة، تسير خطوات واثقة إلى أن بلغت ساحة النساك، والتي كانت مفروشة بالجثث، فقد راح الكثير الكثير من النساك رجال ونساء وأطفال. لكنهم قضوا على كل أتباع مكرم. وقفت أم النساك تشاهد كل هذا القدر من الخراب لتكبر بصوت عال. فرد عليها النساك التكبير،
لتقول بصوت واثق: انظروا أمرهم، واحد واحد، داووا المصاب منهم واستروا الموتى وترحموا على الجميع، فهم بين يدي عزيز مقتدر. فدار النساك بين الجميع، بينما علا صوت النحيب، فما من بيت إلا وراح منه رجل أو شاب أو صغير. هكذا حالنا، نحزن ونحزن وبعدها تستمر الحياة، وهذا حال النساك، عادوا نساكًا، يأكلون كالنساك، يلبسون كالنساك قديمًا، يحيون حياة النساك قديمًا، ولكن قلوبهم هل عادت كقلوب النساك قديمًا؟
طارق: تصدقي إني بقيت أحب المكان ده زيك، ولما أحس بضيق أجي أقعد هنا. أم النساك: أهلًا يا غريب. فاقترب وجلس بجوارها وقال: فعلًا، شكل مية البحيرة الصافي وشجر الصفصاف والتوت على الجانبين حلو أوي. طيب ممكن أعرف ليه مهمومة كده؟ أم النساك: عندما يملأ القلب الألم، فما ترى العين إلا الحزن، وما تحمل النفس إلا الهم. طارق: ليه يا أم النساك؟ ما خلاص ربنا رفع عنا الغمة ورجعت كل حاجة لأصلها. أم النساك: أو عاد كل شيء على أصله؟
طارق: ليه بتقولي الكلام ده؟ أم النساك: يحملني النساك ذنبهم، يحملوني مسؤولية ما حدث لهم. طارق: وأنتِ مالك؟ أنتِ أكتر واحدة طالبتي بطرد التجار وكلهم عارضوكي. أم النساك: لا يسأل الشاة لما هاجمها الذئب، بل يسأل الراعي لما غفل عن غنماته. لا يعترفون أن الذئاب لا تهاجم إلا الشاة الشاردة. طارق: أنتِ ما غلطتيش في حق حد، أنتِ حاولتي كتير وكنتي هتدفعي الثمن غالي أوي قدامهم كلهم، أوعي تلومي نفسك. أم النساك: شكرًا لك يا غريب.
فابتسم طارق وقال: بتشكريني؟ أخيرًا قلت حاجة عجبتك. فالتفتت له أم النساك لتنظر لعينيه وتقول: أشكرك على مساندتك لي دائمًا. أشكرك لأني أجدك كلما احتجت إليك. أشكرك لأنك أنقذتني من مكرم. أشكرك لأنك... ليقاطعها ويقول: وهل يشكر العاشق أنه لعيون عاشقة هائم؟ فابتسمت له أم النساك لتنظر لعينيه لثوانٍ بعدها قالت: تاقت نفسي لتذوق قبلتك. طارق بصدمة: بتقولي إيه يا أم النساك؟ أنتِ عايزاني؟ فهزت رأسها بالإيجاب.
فأكمل طارق: أنتِ، أنتِ عايزاني أبوسك؟ أم النساك: أحبك يا غريب، أحبك. طارق: أنتِ بتتكلمي بجد؟ قوليها تاني. عشان خاطري تاني، أصلي مش مصدق وداني. فابتسمت أم النساك بخجل ثم قالت: أحبك يا غريب، أحبك يا طارق. فلم يصدق نفسه، فمال عليها ملتقطًا شفاها ليهيم بين السحب الوردية في حلم من الخيال، وهو يشعر بتجاوب أم النساك معه، ليتركها بعد ثوانٍ لينظر لوجهها المضرج بحمرة الخجل، لتنظر له وتقول بضعف: خذني معك يا غريب.
طارق: أخدك فين؟ أم النساك: ارحل بي بعيدًا عن أرض النساك، خذني معك لبلادك. طارق بدهشة: نرجع مصر؟ طب والنساك؟ أم النساك: خذني بعيدًا عن هنا يا غريب، كرهت كل شيء هنا، كرهت الأرض والأشجار، كرهت البحيرة والجبال، كرهت الناس، كرهت كوني أمًا للنساك. كرهت حملهم الثقيل، أنا بشر ولي طاقة وقد استنزفوا كل ما لدي، أريد أن أرتاح. طارق: طيب لو مشينا، النساك هيعملوا إيه؟
أم النساك: لا يهمني، فليدبروا حالهم بنفسهم. وهنيئًا لمن طمع بحكمهم، أما أنا فزاهدة كارهة. يا حر قلبي على حال النساك، ما عاد النساك نساكًا، وما بقي بيننا النسك. طارق: ليه بتقولي كده؟ أم النساك: أتعلم يا غريب أن هلك أكثر من خمسين شاة وسبعة بقرات. طارق: ليه؟
أم النساك: كانت هذه الأنعام هبة مني لإكرام حفظة القرآن، والآن ما عدنا نكرم حفظة؛ لأن الصغار انشغلوا بألعاب التجار، وانشغل الأهل بما يشتروه من التجار، فهلكت الأنعام حزنًا على حالها. طارق: وهي البهائم بتموت من الحزن؟ أم النساك: يا غريب، ربك قال: ((يمحق الله الربا ويربي الصدقات)
) وهذه الأنعام كانت هبات في فعل الخير. يا لهف قلبي، سيقال هلك النساك في زمن أم النساك. سيقال آخر عهدنا بالنسك عندما حكمتنا أم النساك. وتريدني أبقى؟ خذني معك يا غريب، خذني من هذه الأرض. طارق: يعني بتتكلمي بجد؟ هتقبلي تعيشي معايا هناك؟ ده أنا...
ده أنا هعيشك ملكة، هشتغل ليل نهار، هعمل المستحيل عشان أوفر لك كل احتياجاتك، وأجيب لك كل اللي نفسك فيه، وعمرك ما هتندمي. بصي، هاخد عربية من اللي مركونين وهاملاها بالمية والأكل، وهنهرب بالليل وهما نايمين، والصبح مش هيلاقوا لنا أثر. أم النساك: ليس عليّ ذنب كي أهرب يا غريب، بل سأرحل أمام الجميع. طارق: أنا فرحان أوي، مش مصدق إنك هتيجي معايا، مش مصدق إنك قبلتي تتجوزيني وهتعيشي معايا. بعدها
سمعوا من بعيد صوت بينادي: أم النساك يا أم النساك، أغيثي النساك يا أم النساك. أم النساك: ما الأمر يا امرأة؟ المرأة: يتعارك النساك في السوق. أم النساك: لِمَ؟ أحدُهم أخذ غنيمة من بيت التاجر وأرادها الآخر، فتشاجروا عليها وتشابكوا بالأيدي، وكل يعاونه أتباعه، والآن يكاد يقتل النساك بعضهم.
فقامت أم النساك مسرعة الخطى يتبعها طارق والمرأة حتى وصلوا للسوق، فوجدت ما أحزن القلب وأدماه. فالكل يضرب في الآخر بكره، والكل يسب في الآخر. فنظرت لطارق بألم وكأنها تقول: انظر يا غريب، قلوب النساك ما عادت كما السابق. وبدأت تسير بين الرجال المتعاركين وهي ترى الدماء تسيل من الاثنين، وتقول: "الله أكبر". فلم ينتبه لها أحد، فبقوة لا تدري من أين أتتها سحبت الرجلين، ففرقت بينهم وصرخت بأعلى صوتها: "الله أكبر".
فبدأ الرجال يتوقفون وبدأ العراك يهدأ حتى صمت الكل. فقالت أم النساك: أتباهى بكم يا عباد الله وأنا أرى دماءكم تسيل بأيدي بعضكم. أكاد أعانق السماء فخرًا بكم. أروني ما تصارعتم لأجله. فأخرج أحدهم من جيبه هاتف محمول فرغ شحنه. فقال أحدهم: أنا أحق به منه، فقد مات أبي وعمي وأصيب ابني، أما هو فمات أخوه فقط، فأنا أحق. الآخر: أنا من وجدته في بيت التاجر، فهذه غنيمتي وحدي. تمسك أم النساك
الهاتف باستحقار وتقول: على هذا يتصارع النساك؟ أدماء أهلكم وأرواحهم تقاس بهذا؟ بئس الرجال أنتم، ليتها يبست بطون أمهاتكم ولا نرى يومًا يتصارع النساك من أجل هذا... ثم التفتت لشاب وقالت: عبد الرحمن. فقال لها الشاب: لقد مات عبد الرحمن. أم النساك: أعلم، لكنك من اليوم صرت عبد الرحمن. فكاد الشاب أن يقفز من الفخر والسعادة أن جعلته أم النساك في مكانة عبد الرحمن، رجل العدالة والأمن. أم النساك: أشعل نارًا ببيت التاجر،
ومر بين البيوت وقل: أمرت أم النساك بحرق كل ما أتى به التاجر في أرضنا، واجمع من البيوت كل ما اشتراه الناس من التاجر. الشاب: بأمرك أم النساك. فأكملت: ما عرفنا الجوع إلا عندما أغرونا بطعامهم، ولا عرفنا المرض إلا عندما أذلونا بدوائهم، ولا عرفنا الخوف إلا عندما رفعوا علينا سلاحهم، وما أدركت كمالنا إلا عندما رأيت نقصهم، فأحرق كل ما أتوا به فلا نحتاج لهم.
فارتفعت ألسنة النيران الكبيرة تأكل كل ما أحضره التجار من ملابس لوجبات لألعاب لسلاح. ليقول الشاب: لقد خربت إحدى السيارات وبقيت واحدة. أم النساك: دعها واملأها بالطعام والماء، فهي للغريب. فابتسم طارق لكن اختفت ابتسامته عندما قالت له أم النساك: ارحل عن أرضنا يا غريب، ارحل عن أرضنا. طارق: إنتي بتقولي إيه يا أم النساك؟ أم النساك: ارحل عن أرضنا، فأرض النساك لا يدخلها أحد. طارق: بس أنا واحد منكم.
أم النساك: ما كنت واحدًا منا قط، كنت غريب وبقيت غريب، وأرض النساك لا يدخلها غريب ولا يخرج منها غريب، فارحل من أرضنا يا غريب. طارق: لا يا أم النساك، متسبينيش يا أم النساك، أرجوكي يا أم النسااااااك. ثم نظر فوجد الكل ينظر له بدهشة، فالتفت حوله فوجد نفسه في الأتوبيس وشهد تنظر له بدهشة وتقول: مالك يا طارق ومين أم النساك دي؟ فدار بعينيه في كل مكان ليدرك أن أرض النساك وأم النساك ما كانت إلا حلم طويل. النهاية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!