يقف يحيي البالغ من العمر خمسة وعشرون عامًا على جبل شاهق الارتفاع. يحيي: ليه ليه يا أمي تسبيني وتمشي؟ ليه؟ عشرين سنة كنتي بتجري ورا الأوهام ليه؟ ينزل من على الجبل حاملاً حملاً ليس له حمل. كبير على قلبه فقدانه لأمه قد أثار جنونه. يمشي مسافة لا يُقال عنها إلا كبيرة، حتى وصل لبيت صديقه. يحيي: تعالي يا يحيي. علي: ازيك يا يحيي. يحيي: ازيك يا علي. علي: الحمد لله، مالك في إيه؟
يحيي: مخنوق يا علي، كل يوم بطلع عالجبل بفتكر اللي حصل. كنت طفل عندي خمس سنين لما شفت أمي بتدخلها. سابتني بإرادتها يا علي، كنت بجري عشان ألحقها بس الميعاد فات واتقفلت. فضلت قاعد مستنيها كتير بس ما فيش فايدة. ثم أردف: عدت السنين وأنا كل يوم بطلع على الجبل أستناها تيجي، كان ذنبي إيه أنا؟ كنت طفل عايز أمه، إنما هي كانت مجنونة بالظاهرة دي وعايزة تعرف كل حاجة عنها، حتى أبحاثها كلها كانت عنها.
علي: خلاص اللي فات مات يا يحيي، كمل حياتك وانسى. يحيي: مستحيل، لازم أشوفها وأسألها كانت ليه أنانية كده. مش قادر أنسى اليوم ده، مش بيطلع من دماغي، أرجوك يا علي ساعدني. العشرين سنة فاتوا، يعني ممكن تحصل في أي وقت. علي: مش عارف إمتى يا يحيي. يحيي: أرجوك يا علي، أنا عارف إنك تعرف كويس أوي لأني شفت أبحاثك عنها.
علي: مستحيل يا يحيي أخليك تتعرض للخطر. أنا أعرف شكلها من بره بس، إنما من جوه لأ. ربنا اللي يعلم، أنا مش عالم ولا باحث، مجرد فضول أعرف تكوينها بس. يحيي: مش جدودنا كانوا بيحكوا عنها؟ علي: دي أساطير بيألفوها ويحكوها للأطفال زي مصاصين الدماء والزومبي. يحيي: يا علي الفرصة مش بتتكرر، دي كل عشرين سنة، أرجوك اقف جنبي. علي: روح بس ارتاح يا يحيي للصبح. يحيي: طيب يا علي، بس هاجيلك. تصبح على خير.
يمشي يحيي من بيت صديقه يعبر الشوارع بتفكير. يقف وينظر بتمعن إلى هذا الجبل البعيد وكأنه عدو له، وكأنه سلب حياته. ثم يشيح بنظره عنه ويدخل إلى بيته. لتقابله هذه المرأة العجوز بالابتسامة. يحيي: عاملة إيه يا داده سامية؟ داده سامية: الحمد لله، أنت كنت عالجبل برده؟ يحيي: ها... لأ. داده سامية: بطل كذب يا يحيي، أنا اللي مربياك. يحيي: أيوه يا داده، كنت عالجبل. داده سامية: انسي يا يحيي.
يحيي: ممكن أنسى بس لو قابلتها، عايز أعرف تضحيتها بيا كانت تستاهل ولا لأ. يدخل يحيي غرفته بدون انتظار الرد وينام على سريره بملل. ثم قال بتفكير: يا ترى يا علي هتساعدني؟ *** تشرق الشمس فتتسلل إلى داخل غرفته أشعتها حتى استيقظ حين أزعجه الضوء الموجه لعينيه. فاق من نعاسه وهو يتثاءب، حتى انتبه لهاتفه الذي كان يهتز بجواره. فتحه ليرى من المتصل، إنه علي. رد عليه. علي: عايزك بسرعة، تعال. يحيي: أنت كويس؟ في إيه؟ قلقتني.
علي: البؤرة الخضراء يا علي. يحيي: طيب.. طيب جاي. يرتدي ملابسه بسرعة فائقة ويغتسل ثم يخرج من غرفته. داده سامية: يلا يا يحيي، اقعد افطر. يحيي: مشوار كده عالسريع وجاي. داده سامية: إيه؟ وشغلك؟ يحيي: مش هتأخر يا داده. يمشي هرولة إلى بيت صاحبه تتضارب بعقله مئات الأفكار. هل سيساعده علي وأخيرًا سيحقق مبتغاه؟ قاطع تفكيره رؤية رب عمله. قال في تفكير: مش ناقصاك خالص يا عم سعيد. سعيد: ماشاء الله، رايح على فين بدري كده؟
معروف عنك إنك من أواخر اللي بييجوا الشغل. يحيي: مشوار كده. سعيد: مشوار إيه؟ يحيي: عم سعيد، دا أنا واقف في مطحن، يعني في إيه؟ هو أنت اشتريتني؟ سعيد: طب مخصوم منك... يحيي: يا عم غور بقى من وشي. قالها وهو يغادر ضجرًا منه ومن معاملته. سعيد بصوت عالٍ: ابقى شوفلك شغل تاني لأني رفدتك. يحيي: أحسن. يدخل بيت صديقه في عجلة من أمره. يحيي: إيه يا عم؟ في إيه؟ علي: مش عارف أقولك إيه بس... يحيي: بس إيه؟ علي: أنا واثق فيك يا يحيي.
يحيي: إيه يا علي؟ علي: أنا عارف إن من أحلامك إنك تدخل البؤرة الخضراء، أنا عارف ميعاد الظاهرة. يحيي: امتى؟ علي: هاقولك يا يحيي، بس لازم أفهمك شوية حاجات. يحيي: إيه؟ علي: من خلال سنوات كتير من البحث وأبحاث مامتك اللي جبتها لي، توصلت لكذا معلومة. ثم أردف: البؤرة الخضراء دي، زي ما تعرف، ظاهرة مش بتتكرر إلا كل 20 سنة. بتتكون إزاي أو من إيه؟
مامتك ما ذكرتش إلا أنها غازات نادرة زي النجوم كده، هي غازات برضه. وعلى كلامها إن دي نتيجة تجمع كبير من الشهب. هاتقولي إزاي؟ ما أعرفش. الثقب الأسود ده بقى خطير بمعنى الكلمة. لما يبقى جواه مجال مغناطيسي بيسحب أي حاجة بالشكل ده، يبقى خطير. يحيي: أنا مش فاهم، إحنا إزاي في القرن الواحد وعشرين ولسه ما نعرفش سر البؤرة دي؟ علي: في حاجات كتير مش معلوم عنها ولا عن تكوينها، زي مثلث برمودة، ماحدش قدر يعرف إيه اللي فيه.
يحيي: طيب، أتذكر إن في مظاهر للحياة في البؤرة دي. علي: لأ... مجرد الفكرة مخوفاني يا يحيي. الظاهرة دي مش بتحصل إلا كل عشرين سنة، متخيل؟ يعني أنت كده بتدمر حياتك. يحيي: وأنا راضي يا علي، ميعادها إمتى؟ علي: بعد يومين. قال وهو يبتسم: يوم عيد ميلادي الـ 25، أظن ما فيش هدية أحسن من كده تقدمها ليا. علي: ربنا يسترها. يحيي: ما تخافش يا علي، وإن حصل لي حاجة، ما تحملش نفسك ذنب، أنا مسؤول عن قراراتي.
علي: قلبي مش مطاوعني يا يحيي. يحيي: صدقني يا علي، لو كنت عايش مش هاستنى العشرين سنة دول، هحاول أطلع بأي شكل. علي: وعد. يحيي: وعد. علي: جهز نفسك يا يحيي. يحتضنه علي ويبادله يحيي الحضن. يحيي: مش هنسى وقفتك جنبي يا علي. علي: أرجوك فكر وقرر كويس الأول يا يحيي. يحيي: حاضر يا علي. يرحل يحيي من منزل علي وهو بداخله تساؤلات كثر. ماذا عن وعده؟ هل سيوفيه أم أن للقدر رأي آخر؟
ماذا يوجد في هذه البؤرة الخضراء ولماذا تظهر كل عشرين عامًا بالتحديد؟ هل والدته بخير أم ماذا؟ كاد فضوله يقتله لسنوات كثيرة. يدخل منزله شارداً حتى أنه لم ينتبه لمربيته. داده سامية: إيه يا يحيي؟ مالك؟ يحيي ينتبه لها: ولا حاجة يا داده. داده سامية: اتاخرت على الشغل؟ يحيي: لا، أنا أخدت إجازة. داده سامية: إجازة؟! يحيي: أيوه، أخدت إجازة. داده سامية: أخدت إجازة ولا اترفدت؟ يتحدث بعصبية قائلاً: أجي أشتكيلك؟
داده سامية: سيبك منه، سيبك من أي حاجة. أنت إيه اللي في دماغك؟ يحيي بتوتر: ما فيش حاجة. داده سامية: من إمتى وأنت بتكدب يا يحيي؟ يحيي: يا داده أرجوكي. داده سامية: احكيلي يا يحيي، وأنا مش هأعرضك في اللي عايز تعمله. يحيي: احكيلي أنتِ عن البؤرة الخضراء. داده سامية: اشمعنى السيرة دي؟ يحيي: عادي، أهو أنا مرفود، وأنتي فاضية، يعني مش ورانا حاجة.
داده سامية: ماشي. بيقولوا إن البؤرة الخضرة دي فيها ملك خالد بيجدد شبابه كل عشرين سنة، وعشان يجدد شبابه بيضحي بناس من الأرض. دول بالنسبة له كده زي ما بيقولوا إكسير الخلود. عشان كده البؤرة الخضرا بتفتح كل عشرين سنة. يحيي: طب ما ممكن الناس تبعد عنها؟ داده سامية: الناس بيروحوا ليها برجليهم لأن الإنسان طبعه فضولي، عشان كده بيروحوا برجليهم وهي بتسحبهم، مع إنهم عارفين اللي فيها، بس بيقنعوا نفسهم إن دي أساطير.
يحيي: طب لو في يومها ما حدش راح؟ اللي بيحصل؟ داده سامية: بتتحرك وبتدور على الناس. يحيي: بتتحرك؟ داده سامية: أيوه. بيقولوا إنها بتبقى مختارة اللي عايزاهم، مش زي ما الناس فاهمة إنهم بيروحوا بإرادتهم. هما هيا اللي بتشدك ناحيتها بإرادتها. يحيي: وبدأت من إمتى يا دادة؟ داده سامية: من زمان جدا. دا جدي كان بيحكي لي إن جده حكاله عنها، وجده... جده حكاله عنها. يعني من زمان جدا. يحيي: وأمي يا دادة؟ داده سامية: أمك مالها؟
يحيي: إيه اللي خلاها مجنونة بيها للدرجة دي؟ داده سامية: قولتلك، البؤرة الخضرة يا يحيي، هي اللي بتختار، وهي اختارت أمك. يحيي: أنا مش مصدق الكلام ده. داده سامية: ده اللي سمعناه من جدودنا. نظر يحيي في الفراغ بتفكير. هل يعقل أن يكون صحيحًا؟ البؤرة من تختار من يدخلها، وأنها يريد الذهاب إليها لأنها اختارته؟ تقاطع تفكيره قائلة: أحطلك الفطار؟ يحيي: لا، ماليش نفس.
دخل غرفته ونام على سريره وظل ينظر في سقف الغرفة. إنه قرار صعب، نعم. إنه فضولي ويعشق المغامرة، ولكن قد دب الخوف في قلبه حينما قالت إن البؤرة من تختار، وأنك تظن أنها بإرادتك ولكنها هي من تشدك إليها. أمامه يومان فقط، يومان ليقرر. اليوم وغدًا. يحيي: هاتخاف وتسيب الفرصة ولا هاتكمل؟ طب ودادة سامية لو عرفت أكيد مش هاتوافق، وهتسيبها إزاي وهي محتاجة اللي يراعيها؟ أغمض عينيه مريحًا عقله من التفكير حتى ذهب في نوم عميق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!