الفصل 15 | من 27 فصل

رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسما السيد

المشاهدات
17
كلمة
2,299
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

بيجاد: لم أتغنى يومًا بعشق امرأة، ولم أكن كشباب جيلي، ولم ألتفت يومًا لفسوق الطبقة المخملية التي أنتمي إليها. بعد أزمة زواجي الأول، وتهديدات الجد التي لا حصر لها كي أتزوج من نيرة ابنة عمي التي كنت على دراية كاملة بفسوقها وأنها تتشابه كليًا مع نساء الطبقة المخملية بل تكاد تفوقهم نرجسية وشر، اخترت شقيقتها الصغرى "نوار" نكاية بها.

بُعرفنا الثروة لا تخرج للغريب. الإرث يتناقله الأبناء من دمٍ واحد، وابنة العم لا يأخذها إلا ولد عمها؛ لينتهي الأمر بالثروة فيما بينهم، ولا تخرج للغريب. أحكام قديمة وضعوها ونقلوها أبًا عن جد. لم أكن أعلم أن "نوار" عاشقة لأخي من والدي الذي يأتي لنا بزيارات فقط، إذ كان أخي غارقًا هو الآخر بحياته الخاصة، هو لم يكترث لها كما لم أكترث أنا بنيرة ولا أكترث لها. دائرة مفرغة من العلاقات السامة التي تحتم علينا.

لم يكن اختياري لها عن حب، إنما لعلمي أنها قد تكون زوجة صالحة. لطالما كانت منكمشة على نفسها هادئة. حينما علمت بأمر عشقها لأخي الذي أخبرتني به نيرة، واجهتها بالأمر فلم تنكر. صارحتُ أخي الذي رفض رفضًا قاطعًا الارتباط بها.

أخي عاشق للحرية ويكره العائلة بأكملها. يعيش بعالمه الخاص لا دخل له بعالمنا. لطالما كان على خلاف واضح مع الجد، فالجد لا يعترف إلا بصناعة الأدوية، ناهيك عن رفضه له ناعتًا إياه بابن زنا لأن والدي أتى به من علاقة عابرة لليلة واحدة. والدة الفاسق ذو النزوات الكارثية. بايرام رفض رفضًا تامًا الدخول لكلية الصيدلة، وتحرر برحيله عن البلد.

بشماتة أخبرت نيرة شقيقتها؛ لتنهار الأخيرة، ويعلم الجد بالأمر، ويأمر الجد بزواجي من نوار التي استسلمت، ورضت بالأمر كما رضيت أنا. زواجنا كان اتفاقًا فيما بيننا لنتزوج، وننشئ عائلة. زواج مصلحة من الدرجة الأولى. كان زواجًا روتينيًا مفرغًا من العاطفة. بعد أشهر حملت نوار ولكن كنت منغمسًا بالعمل. لم ألتفت لها إلا حينما لاحظت فيروز تبدل حالها، وهنا اكتشفنا الكارثة أن زوجتي متعاطية. متى وأين؟ ومن ساعدها؟ لا إجابة عندها.

حاولتُ بكل السبل أن أعالجها وأرفع من روحها المعنوية. تركت كل العمل من أجلها، ومن أجل طفلي. رفضت إخباري من فعل بها هذا، وسحبها لذلك الطريق لكن لم أفلح حتى وصل الأمر لانتحارها مرة بعد مرة، وبكل مرة كان الله ينجي طفلهما. الأمر بدأ يتسرب للإعلام، وكان علي دراية كاملة بأن نيرة من تفعل بل شك بأنها السبب بتعاطيها لكن لا دليل عليها.

ضيقت الخناق عليها حتى أصبحت بشهرها السابع، وهناك احتمالات قوية بولادة طفل معاق أو مشوه. لم تستطع أموال الكون علاجها. وضعتها تحت الإقامة الجبرية، ولم أفلح بحبسها.

أتذكر جيدًا ذلك اليوم الذي أودى بحياتها، ومعه فقدت قدمي حينما استطاعت نوار الخروج بحثًا عن السم، وهي بآخر أيام حملها، وهرولت للخارج بجنون، وأسرعت أنا خلفها حينها أتت سيارة مسرعة. كانت على وشك اصطدامها، لأسرع لإنقاذها لكن للأسف لم أستطع. رحلت هي واستطاعوا إنقاذ الطفل، وفقدت ساقي، وتشتت العائلة.

رحل الكثير من الآمال والأمنيات معها، وما أن تعافيت هُزم الجد وانحنى، وبقيت أنا، وأحزاني، وطفلي الذي ولد من ذوي الاحتياجات الخاصة الذي لم يتقبله أحد إلا أنا وشقيقتي وشقيقي الذي نذهب لنزوره كل عام رافضًا العودة. يد حانية يعرف صاحبتها تمسكت بذراعه بينما يقف شاردًا بشرفة جناحه بعد يوم مميز كما أيامه التي تغير روتينها كليًا منذ دخولها هي وطفلها لحياته.

لا ينكر أن هذا الطفل حرك به شيئًا كامنًا، وجعله يقع بعشقه ليعترف صدقًا إن كان ابنه ملك قلبه كاملاً من قبل فأصبح الآن مناصفة بينهما. كان يخشى الخطوة التي اتخذها اليوم بالقرب بينه وبين عدي لكن انسجامهم معًا، وتقبلهم لبعضهم البعض جعله بقمة سعادته. جل ما يخشاه هو خروج والده بكارثة حقيقية يدمر بها كل شيء. اختفاؤه يقلقه لكن إلى متى سيختفي؟! هتفت فيروز بمكر:

_لقد أصبحت شاردًا طيلة الوقت. لو لم تكن بيجاد الزيني العملي البحت الذي لا يعترف بالعشق والغزل لقلت أنك واقعًا بالعشق لا محالة. ضحك بخفوت، واستدار مواجهًا لها: _لقد تركت أمر العشق لكِ. خذي نصيبي لكِ أنت وفيصل. أنا لم أولد للعشق. أجابته باستنكار: _ما هذا الكلام! لقد خُلقنا لنحب لا لنعمل فقط. لن أقول للكرة لأني على علم أن قلبك لا يكره أحد. أنت على رغم ما تفعله نيرة بك وبنا من مصائب، وكوارث أعلم أنك لا تكرهها.

كانت تتحدث بضحك لتغيظه؛ ليلكذها هو بخفة: _لقد فقدت صوابك. أقسم لك أنا لا أكره بحياتي إلا نيرة. انفجروا بالضحك لتهتف هي: _ليست على حالتها الطبيعية منذ سفر أبي. لا أعلم أشعر أن هناك ما تخشى أن يظهر للعلن أو ربما أبي وهي متورطان بمصيبة جديدة، وخائفون من معرفة الجد بها بعد كارثة ربى. _ربما توقع كل شيء.

_أتعلم الشخص الأسعد على الإطلاق من رحيل أبي هو والدتك وجدي. ليتك سمعته يصرخ صباحًا حينما سأل فادي عنه قائلًا: "لا أحد يسألني عنه، ليته يبقى حيث هو للأبد حتى لا يتسبب بفضيحتنا أكثر من ذلك". _لقد باتت عادة استراق السمع لديك سهلة ما شاء الله. أمسك بأذنها قبل أن تهتف بضحك: _يا إلهي يا أخي أنت تعرف أني أعشق الثرثرة والقيل والقال. ثم أني لا أفعل شيء طيلة اليوم غير الاهتمام بعدي، والتسوق. تعرف أن فيصل لا يتركني!

تركها، وهو يضحك عليها، ويتذكر أخرى وطفلها يعشقون الثرثرة، وأردف: _حسنًا عفوت عنك. ليصمت قليلًا قبل أن يردف: _سأهرب قريبًا لأسبوع أو أكثر مع عدي. أخبرك حتى لا تقلقي أن استيقظت يومًا، ولم تجدي أحدًا منا هنا. _إلى أين؟ _سر يا صغيرتي سر.. لا تكوني فضولية. أمسك بأذنها، وهي تضحك بسعادة، وهي تتمنى لو تهرب معه؛ ليعدها أن رضى زوجها ذات يوم سيأخذها معه.

كانت نيرة تراقبه حينما خرج على عجلٍ بعدما ودع شقيقته متعللًا بوجود عمل مهم، وهو يهاتف أحدهم باهتمام. لم يلتفت خلفه ليتمالكها الغضب: _حسنًا يا بيجاد لنرى ماذا تخفي بعد؟!

ستجن، كل ما خططت له ذهب أدراج الرياح مع غياب عمها التي لم تستطع الوصول إليه للآن، ولا هو تواصل معها، ومع تضييق فيصل الخناق حولها، وسحب الجد منها إدارة شركتها لأدوات التجميل لم تعد تأخذ حريتها محاصرة طيلة اليوم بعد الفضيحة الأخيرة التي وصل صداها للجد. الجد الذي أصدر قرارات حاسمة بشأن السيدات، وأولها منعها من العمل والسهر والحفلات بعد الفضيحة التي حدثت لهم. ستجن وتتمنى فقط لو يظهر عمها. *** بالبلدة

اتسعت عينا عمار بفرحة حقيقية حينما استطاعت زوجة وحيد أن تحادث ربى أخيرًا، وتطلب منها زيارتها؛ لتوافق ربى بطيب قلب حتى أنها رحبت بها. أخبرتها أن الأطفال يستمعون كثيرًا عن الأهرامات، والقاهرة، ويتمنون زيارتها لكنها لا تعلم أين تمكث ليومين فقط. رحبت بها ربى بمنزلها، واعطتها عنوانها على أن تبقي الأمر سرًا بينهم، ولا تخبر أحد عن مكانها.

خطة محكمة من عمار قد اتفقوا عليها من قبل. لقد ظلت لأربعة أشهر لا تجيبها حتى يئسوا من ردها عليهم. أجابتها قبل أيام متعللة أن هاتفها القديم قد كسر وجلبت غيره، ولم تكن تعلم من يتصل؟ لقد قرر وحيد مساعدته بعدما أفضى بكل ما في قلبه لصديقه باكيًا. صديقه الذي أصر أن يساعده ما أن تأكد من زوجته صدق قصته مع ربى. لقد كانت زوجته على دراية تامة بها بل معظم البلد على علم بقصتهم معًا. _يا إلهي أخيرًا مازلت لا أصدق.

_أخيرًا يا عمار سيجمعك الله بها لكن. _لكن ماذا؟ _أخشي أن يعرف أخوها بالأمر. _ومن سيخبره؟ فقط أعطني العنوان التي أعطته لزوجتك و أخرجوا أنفسكم من الحكاية. سأتعامل أنا. _لكن كن عاقلاً ولا تتهور، ولا تفكر أن الأمر بهذه السهولة. لا تنسى أنها هاربة منهم، وأنها لازالت زوجة لذلك القذر. _لا تقلق. رحل وحيد ليجلس عمار شاردًا بلقائها. _أخيرا يا ربى. ***

لا أحد يلتفت لحالتها النفسية والروحية. تشعر وكأنها ممزقة داخليًا بين الماضي التي انتزعت حقها منه عنوة، والحاضر التي أوقعت نفسها به بغباء. تريد الهرب من كل شيء لكن لا أحد يساعدها أبدًا. لا أحد يعلم ما عانته إلا هي، وما دفعها للهرب من ذلك المكان المسمى قرية؟ وما هي إلا قرية كل من بها وعليها ظالم.

لا أحد يرى تلك الندوب التي تزين جسدها من كثرة العنف الزوجي التي تلقتها على يد زوجها طيلة الشهر الوحيد من زواجهم. كان شخصًا مقززًا لأقصى درجة كم كانت تشعر بالرهبة منه! لم تكره بحياتها غيره حتى بلحظاتهما الحميمية كان عنيفًا مقرفًا.

الآن، وبتلك اللحظة تتمنى لو كان لديها أحد تحكي له. الآن فقط تشعر، وكأنها بحاجة حقيقية لطبيبة نفسية. لطالما نصحتها أثير بذلك لكنها لم تكترث. أثير ترى أشياء ظاهرية فقط، فماذا لو رأت ندوب جروحها، وآثار الجلد التي تعبت من معالجة أثره؟

لا أحد لها بعد الآن حتى شقيقتها ابتعدت عنها، ولا تلومها هي خير من يعلم أنها تكافح هي الأخرى في حياة فُرضت عليها. تكافح حياة قاسية بالقرية. نظرت للأعلى تناجي ربها كما اعتادت دائمًا. تدعو بتضرع وكسرة أن يرحمها الله. يخفف عنها، وأن لا يريها قيمة الأشياء بعد زوالها، وأن لا يجعل يديها ترتفع لغيره بالرجاء. فجأة تملك منها خوف لا إرادي كما يحدث كلما انهارت.

انكمشت على نفسها بفراشها تحاول ألا تخرج صوت بكائها حتى لا يسمعه أحد ويشفق عليها. تحاول قدر المستطاع أن تكتم أنفاسها حتى لا يستمع أحد لها كما كانت من قبل. عقلها صور لها أن والدتها هنا تقف بالزاوية تنظر لها بحدة ووعيد كما كانت دائمًا تفعل معها حينما كانت تفعل أي شيء يثير غضبها. كانت تأمرها بعدم إخراج صوتها بل تجبرها على كتم أنفاسها بقوة حتى لا يستمع لها والدها؛ فتفعل إلى أن ينتهي عقابها وتغفو.

هي الآن تراها بكل مكان بالغرفة. الآن تجردت من كل قوة اصطنعتها خلف مكانتها المزيفة التي أعطتها لها الشهرة والسوشيال ميديا. بداخلنا الكثير من الأسرار، والمواقف المؤلمة لو اطلع حاقدونا عليها؛ لأشفقوا على جراحنا. لو يعلمون كم من الأميال سرنا، وكم من الصعاب تخطينا لنخرج بتلك الهيئة المبهرة لما أقبلوا على أذيتنا! العجيب بالأمر أن كل جراح الكون تهون إلا الجراح التي طالتنا على أيدي من نحب.

شرد عقلها بالماضي، ولم تعد تشعر أن كانت بالماضي أم بالحاضر. عادت للطفلة التي تركتها خلفها بالقرية، ولتلك المواقف التي ظنت أنها استطاعت تخطيها. عادت لأيام مضت جل ما كانت تريد بها أن تغفو مطمئنة. تهيأ لها من بين عتمتها صورة والدها يرنو إليها؛ فهتفت بابتسامة: _بابا هل عدت أخيرًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...