فاقت من شرودها على ما حدث قبل أربعة أشهر. أربعة أشهر مرت، ولم تلمح طيفه إلا وتشاجرا معًا يحاصرها، وكأنها ملك يمينه حقًا، وكأن زواجها منه لم يكن لمهمةٍ ما، وانتهت الآن. ستجن! لقد سئمت الأمر كله، ولم تعد تتحمل الأمر. لم تنسى ما فعله معها، ولا أمر احتجازه لها لمدة أسبوعين بتلك المنطقة الجبلية داخل الوديان، ولا برودة التعامل معه ناهيك عن أوامره التي لا تنتهي في فعل هذا وذاك، وعدم فعل هذا وذاك.
حتى أغضابه لها كان يسيطر عليه ببرودة. كانت ترى غضبه بعينيه، لكنه كان باردًا جدًا معها. لم ترَ صمته إلا برودًا. لا تصدق تبرير الجميع له أنه متفهم يعي ما تمر به! ورغم أنه أعادها لمنزلها كما أرادت حينما انتهى الأمر برمته، وهدأت السوشيال ميديا، وانتهى الأمر تمامًا كما لو كان لم يكن، إلا أنها لم تسلم منه. بعد أسبوعين من المكوث معه كان هذا الوقت كفيلًا بأن يتعلق طفلها به. حتى صار تعلقًا مرضيًا لم تعد تسيطر عليه.
وكلما حاولت بشتي الطرق إبعاده عنه يجد طفلها ألف طريقة ليتواصل معه. كيف يفكر هذا الرجل؟ وماذا يريد منها بعد؟ لم تسامح بعد، لكنها لم تتحدث بما فات. مازالت تتحسس عن أمر تلك المرأة التي خدعتها، وأودت بها لطريق لم تجد مفرًا للخلاص منه بعد. حتى بعدما أخبرها رامي بأن آل الزيني سحبوا الشكوى، وهم فعلوا المثل، وعادت إعلاناتهم تغزو المحطة، وعاد فانزها يطالبها بالظهور، لكنها لم تنسى لهم بعد اتهامها بما ليس بها. لم تصفُ بعد.
لقد صُدمت بالوجه الحقيقي للسوشيال ميديا حتى كرهته. وتلك المرأة خصيصًا، وما فعلته معها تسبب بجرح لن يمحى أثره بقلبها أبدًا. فقط تريد أن تعلم لما فعلت ما فعلت وجهًا لوجه! تأففت بصوت استمعت له هبة وأثير، وهي تغدو ذهابًا وإيابًا أمامهم كالتي تقف على صفيح ساخن لا تهدأ أبدًا. هتفت هبة باستنكار: ربى ما بكِ لقد تعبنا من أجلك والله.. اهدأي ألم يخبرك أنه مع بيجاد وعدي؟! لا تعلم من أين ظهر لها هذا عدي هو الآخر.
لم تكن تعلم أن لديه ابن. ها هي خدعة أخرى تتلقاها على يديه، ستجن حتمًا. إنه يتفنن بغضبها، لكنها لما تهتم أن كان متزوجًا ولديه ابن أم لا؟! بالنهاية هي حالة خيرية بالنسبة له، وستنتهي على كل حال. لمحتهما يضحكان بخبث عليها. لتهتف هبة بخبث: زوجته ميتة، وهذا طفله منها. لقد تحسست عن الأمر لا تقلقي. فرامي بات يعرف عنه كل شيء منذ تلك الحادثة، وهما صديقان مقربان جدًا حتى أن رامي يشكر به وبأخلاقه. اتسعت عيناها قبل أن تنفجر بهما:
لا تضحكا لقد سئمت منكما والله، وخصيصًا أنتِ أثير أنتِ من خدعتني لولاكِ ما خُطف عز، وما اضطررت لفعل ما لم أحسب حسابًا له. تأففت أثير. إنه ذات الحوار اللعين مجددًا، وذاك اللوم، لكنها لم تعد تكترث به! نظرت لها باستنكار، وهتفت: اطلبي الطلاق إذًا لما تصمتين؟ جذبت شعرها التي تعقده بقوة حتى استرسل صارخة: لقد فعلت.. فعلت والله، ولم يجيبني بإجابة تثلج قلبي. سأجن من أفعال هذا الرجل والله.
الله يريحني من هذا العالم بأكمله، إنه بارد كالجليد. لا تدعي على نفسك يا ابنتي الله. هتفت هبة باستنكار ضاحكة عليها. لتنظر لها بغيظ قبل أن ينفجروا بالضحك عليها. لتهتف أم رضوان بينما تمصمص شفتيها بصوت وصل لهما: دلع نساء والله! ماذا يفعل الرجل بعد؟ لقد اشترى باقي البيت بأكمله لها بعد إصرارها على ترك الفيلا التي اشتراها لها، ويدفع برجلين كلٌ منهما يشبه الفيل خلفها حمايةً لها ولطفلها ناهيك عن الحراسة المشددة للمبنى بأكمله.
نحن ننام بأمان بفضله والله! يصرف أموالًا طائلة عليها، وعلى طفلها، ولا فائدة منها. ليست وجه نعمة هذه والله! لو كنت مكانها لارتميت أسفل قدميه كل يوم أغسلها وأدلكها بحب كما كانت تفعل أمينة لسِي السيد. ليته ينظر لي، وكنت تركت أبا الهم والغم زوجي، وقلت له مرحبًا يا قلبي. ماذا؟ ماذا تقولين أنت؟ هل تتغزلين به يا امرأة؟ هتفت ربى بصدمة بتلك الكلمات. لينفجر الجميع بالضحك. وتردف مجددًا قائلة: أم رضوان هل أنتِ مدركة لما قلتِ؟
كان صوت همس أم رضوان عاليًا وصل إليهم. لينفجر كلًا من هبة وأثير بالضحك غير مكترثين لما قد تلقاه أم رضوان على يد ربى. هتفت أم رضوان تلك المرة بلا تردد بينما تعتدل، وتلملم بواقي قشر حبات البطاطس قائلة: لا تزعلي مني يا أستاذة ربى فيما قلت وسأقول والله.. إنه شاب مثل الورد خسارة بكِ، لكن خذي مني هذا الكلام. هذا الرجل لن يتركك للأسف، إنه هائم بكِ. صرخت ربى: اخرسي يا أم رضوان. لا لن أخرس.
ألم تتساءلي من قبل لما لا يتركك رغم أنكِ تتفننين بإغضابه؟! أجيبك أنا. الرجل لا يتحمل كل هذا التحمل إلا إذا كان عاشقًا، والدكتور بيجاد يبدو هكذا. اسمعي مني، ولا تدعيه يفلت من يدك. اتسعت أعين ربى من حديثها، بينما هبة وأثير مازالوا يضحكون عليها. أردفت أم رضوان بهيام: إنه يشبه الممثلين الأتراك. يا إلهي إنه يشبه كمال بمسلسل الحب الأعمى! أتعلمين شيئًا؟ وأنتِ تشبهين البطلة بأفعالها الكارثية، لستِ وجه خير مثلها.
صرخت ربى عليها: يا إلهي اصمتي اصمتي.. نظرت لهبة وأثير، وهتفت: أنا صاعدة أنتن.. أنتن ستدفعاني للجنون والله. هتفت أم رضوان من خلفها: هكذا لقد تعديت العيل. لقد نصحتها وهي حرة! الساعة الثانية عشر. الجو بارد، والسماء صافية. كم تعشق هذا الجو رغم أنها تعاني طيلة فصل الشتاء من نزلات البرد بأنواعها. لا تمتلك مناعة كافية لتصد هجمات البرد القارصة، كما لم يعد لديها قوة لتواجه أحد. تشعر بفقدان شغف لكل شيء، متعبة، مثقلة.
جل ما تريد هو أن تبتعد من هنا.. تبتعد كثيرًا وإلى الأبد. زفرت بتعب، وعادت للغرفة تنظر لطفلها الذي لم يصمت لثانية منذ عاد من لقائه مع بيجاد وعدي. لا تعرف ماذا تفعل بعد لتبعده عنه؟! كم صرخت به أن يبتعد عن طفلها، لكنه لم يكترث لها. آخر مواجهة بينهما كانت قبل أيام ليصرخ عليها بطريقة صدمتها لأول مرة منذ عرفته قائلًا إنه حتى إن طلقها هو لن يفترق عن عز الدين، لذا عليها أن تفصل بين علاقتها وعلاقته مع طفلها. ستجن.
قبل أن يغفو طفلها هتف بما جعلها في حيرة من أمرها، وهي أنه سيقضي الإجازة مع بيجاد وعدي بالبيت الجبلي. الآن تتمالك أعصابها ألا تتهور، وتفعل ما قد يعود عليها بالسلب. يوافقها الجميع، لكنها لم تعد مرتاحة لأي شيء. تشعر بالحصار منه لكل شيء بحياتها. هبطت الدرج الفاصل بين شقتها وشقة رامي. لتفتح لها هبة بقلق: ربى ما بكِ هل أنتِ بخير؟ أين رامي أريده هبه؟ استمع رامي لصوتها، وخرج مسرعًا: ما بكِ ربى؟ هل حدث شيء لعز؟
لا عز بخير، أريدك أن تتدخل لإنهاء ذلك الأمر بيني، وبين بيجاد الزيني. أريد الطلاق بأسرع وقت. اتسعت أعين كلا من هبة ورامي. ليزفر رامي بالأخير قبل أن يجيبها بما صدمها: لا ربى لن أفعل. نعم، ولما؟! صمت رامي، ثم هتف: هذا الموضوع مرة أخرى يا ربى. إلى متى سأظل أخبرك أن عليكِ الصبر قليلًا بعد؟ إلى متى لقد سئمت، أريد حريتي. كلما طال الوقت كلما تعلق عز به، وهذا سيصعب عليّ أمر الفراق.
زفر رامي، يعلم أنها لو صممت على شيء، ولم يفسر لها الأمر ستتسبب بكارثة. اسمعيني ربى. طالما اسمك على اسم بيجاد الزيني فأنتِ بأمان. أنتِ لا تعلمين شيئًا. هدرت بجنون: لا تجنني! ما هذا الشيء الذي لا أعلمه؟ أخبروني سأجن؟! اهدئي ربى، واسمعيني. لقد هرب فريد الزيني وللان لم يستطيعوا الوصول إليه، كما أن هناك خطر منه مازال قائمًا عليكِ. يا إلهي! هرب! لكن أي خطر سيعود عليّ مجددًا؟
الرجل كان يريدني، وها قد أصبحت زوجة لابنه، حتى وإن تطلقنا الأمر بالنسبة له قد انتهى. بالنسبة لك نعم انتهى، لكن للأسف. لقد أخبرني معاذ أن فريد الزيني متورط بقضية اتجار بالبشر، وأعضاء بشرية، وبلاوي وقذارات اكتشفها آل الزيني أيضًا مؤخرًا. وهم بنفسهم يتعاونون مع الشرطة لحل الأمر وإنهاء مهزلة فريد الزيني، لكن إياكِ أن يعرف أحد بهذا! وماذا يخصني أنا بكل ذلك؟ صمت قليلًا قبل أن يردف بنبرة هادئة: أنتِ على رأس القائمة ربى.
أنتِ كنتِ ومازلتِ دجاجته الرابحة التي يريدها. أنا.. لا.. لا أصدق.. كيف... اهدئي ربى. فريد الزيني كان خطته هي أنتِ منذ البداية. لما.. لما.. سأجن..! لا أعلم، لكن أظن ليس لأنه يريد عضوًا من جسدك، هو يريدك كغانية أو.. صمت ولم يستطع أن يكمل ليهتف مجددًا: الأمر معقد صدقيني. أتريدني أن أأمن على نفسي مع ولد الشيطان؟ هتفت باستنكار قبل أن يجيبها رامي بصدق: أنتِ لا تعلمين ماذا يفعل بيجاد؛ لحمايتك!
صدقيني ربى لن يحميكِ إلا ولد الشيطان كما تقولين. لا تظلميه فهو مثلنا صُدم بوالده. خرجت بلا حديث، لم تلتفت لنداءات هبة، وهي تكافح ألا تبكي حقًا قبل أن تدلف لشقتها، وتغلقها بقوة. أرادت البكاء حقًا، والصراخ، لكن وقعت عينيها على تلك الخادمة التي تلازمها منذ التصق اسمه باسمها، تعلم أنها بالتأكيد تنقل له كل شيء عنها أولًا بأول. دلفت لغرفتها تاركة غرفة طفلها التي كانت تغفو بها، وسرعان ما انهارت تمامًا.
صوت بكائها كان مرتفعًا. تلك المرة استمعت له الخادمة التي أسرعت تهاتف رب عملها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!