الحياة لا تبقى على وتيرةٍ واحدة، تتقاذفنا من اليمين لليسار بلا شفقة منها. إن كنت أنت لا تعي قيمتك وقيمة ما تمتلك، فلا تلومن الزمن، ولا الحياة، ولا المواقف التي ستظهر لك حقيقتك، وحقيقة ما فرطت به بلا وعي منك. كل شيء ياعزيزي له نهاية كما البداية التي ظننتها أنت بلا أهمية فلا تلومن إلا نفسك وتوقف عن نعت الزمن، والحياة بما ليس بهم.
مازالت تنظر لصورة ابنتيها بحسرةٍ يشوبها الغضب. لقد أحنت ابنتها الأولى رأسها أمام الجميع، وجعلت من سيرتها علكةً لكل البلد. ليتها قتلتها تلك الليلة، ولم تزوجها أبدًا وأبْقتها بجانبها تتحسر على شبابها، وتنظر لصديقاتها بعين التمني لما يمتلكن.
وتلك الأخرى التي كبرت كارهةً لها، وحينما أرادت تزويجها من ابن شقيقتها فضلت الانتحار على أن تتزوج وتُرضيها، وبسببها قضت ليلة كاملة متهمة بالإهمال والتسبب بقتلها إلى أن فاقت ابنتها، وأخبرتهم الحقيقة، وأنه لا ذنب لها؛ لتصبح كلتاهما مصدر خزيها وعارها، ولولا شقيقتها التي أنقذت ريم منها؛ لقتلتها وانتهت حقًا حينها. أمسكت بصورتهم الأخرى هي وهما ووالدهم وشقيقهم، والأخرى كانت لربى وطفلها، وأخرى بزفافها وهي بيد زوجها.
وعلى ذكر زوجها فكرت بذعر: ماذا لو عاد ظافر باحثًا عن طفلهِ وزوجته اللعينة التي أحنت رأسها وهربت؟! ماذا لو فُضحت، وانكشف ما تخفيه عن العالم أجمع؟!
كلما رأت سعادة أهل ذلك الحقير التي عاقبت ابنتها ومنعتها من الزواج منه تتحسر أكثر. تراهم سعداء، يملكون كل شيء فقدته الراحة، والمال، وكل شيء تمنته لأولادها صار من نصيبهم، وهي الخراب، والحزن دومًا ما تؤول إليه حياتها. لقد سمعت بأنه صار يملك أموالًا لا حصر لها، ويرسل أموالًا كثيرة لوالديه بعدما حدث ما حدث، واضطر والده أن يبعده عن ابنتها بعد تلك الفضيحة التي أحدثها ومعارضته لأهله حينها، وتوسله لهم من أجل الزواج من ابنتها.
ليست وحدها من كانت معترضة لكن والديه أيضًا، فاستحال عليهم مجابهتهم، ومجابهتها هي بالأخص. بل وأسرعت هيّ بتزويج ابنتها ولم ترأف بها، ولم تكترث لحرمة موت زوجها التي لم يتحمل الأمر، ورحل تاركًا غصة من هذا الأمر لم تزل، ويبدو لن تزول طيلة حياتهم.
دلف ابنها الأكبر "محمود" الذي ما إن رأى تلك الصور بيد والدته أسرع؛ ليقطعها أربًا بعصبية وغضب، ومن ثم قذفها؛ فتناثرت بكل مكان، وهو ينعت شقيقاته بأبشع الصفات، ويتهمها بالتقصير بتربيتهن. ارتفع صوته فاستقامت والدته سريعًا قبل أن تستيقظ زوجته تشمت بها، وتعرف ما يخفونه عنها، مردفةً بذعر: "اصمت ستستيقظ زوجتك، وتسمعنا لا تتسبب بفضحنا أكثر! اغتاظ محمود من والدته، ونهرها صارخًا: "هذا كل ما يهمك أن تسمع زوجتي!
ألم تهتمي بِفضيحتنا بالبلدة إن عرف أحد بأمر ابنتك المبجلة التي نهبت مال زوجها وهربت..! "ليتك تركتني اقتلهما، ولم تتركيهما بلا تربية! "الأولى التي فضحتنا حتى تزوجت "ظافر" ومات أبي بسببها، بل وتَركتِها تعيش بمفردها بعد وفاة حموَيها؛ لتفعل ما فعلت."
"والأخرى التي كادت تقتل نفسها، ولا تتزوج برجل لو عاشت عمرها كله تتمنى مثله لن تجد مثله، وبالأخير تدافع عنها شقيقتك، وكأننا من أخطأنا بحقها بل ومنعتها من زيارتنا وقاطعتكِ بكل أريحية، وصممت أن تكمل تعليمها كأننا المخطئون بكل شيء."
خرست تمامًا، وهي تعي صدق كلامه. ليتها لم تتركهما وخاصة ربى لأحضان شقيقتها التي كان لها الفضل الأكبر بتحرر بناتها هي ووالدهم رحمه الله. ليتها ما فعلت وتركت ربى وحدها. بالنهاية ريم بعصمة رجل حقيقي، وما تلي ذلك لا يخصهم مادامت بعيدةً عنها، ولها رجل يحكمها. همت بالحديث لكنها آثرت الصمت ما إن رأت زوجة ابنها قادمة باتجاههم يعلو صفحة وجهها ابتسامة ساخرة كأنها استمعت لهم، وتريد إيصال لها أنها تعلم كل شيء.
لم تستطع الانتظار، هتفت بغضب بعدما نظرت لزوجته بحقد: "تصبحون على خير." لكن دينا زوجة ابنها لم تستطع الصمت هتفت بينما هبطت بجذعها الأعلى يقودها فضولها تلملم بقايا صور ابنتيها، وخاصة ربي وطفلها: "أمي لقد نسيتِ هذه يا الله هذه ربى! لطالما سمعت عن جمالها، ولكني لم أكن أعلم أنها فاتنة هي وطفلها هكذا. إنها تفوق ريم جمالًا رغم أنهم يمتلكون لون العين ذاته العسلي الفاتح."
لم تكن دينا تكذب بحديثها الأخير. لطالما استمعت عن حكاية ربى مع ابن عمها التي هزت البلدة، وعن قسم الأخير بعدم عودته لهنا بعد رفض الأهل زواجه من ابنة عمه. كانت صغيرة بعمر الرابعة عشر آنذاك، وكانت تستمع لحكاوي شقيقها الأكبر عن جمال ربى، وإعجابه بها بينما هي غارقة بعشق ابن عمها عمار صديقه آنذاك لكنها لم تكن رأتها من قبل، وحتى بعد زواجها انتابها الفضول؛ لتراها لكنها قد رحلت مع زوجها هكذا أخبروها هم. لكنها كانت تتلصص على الأحاديث الدائرة بينهم، وبعض الإشاعات فتأكدت أن زوجها يخفي أمر هروبها من بعد موت والدة زوجها التي كتبت لها كل شيء هي وطفلها، وأنها باعتهم وهربت، ولم يعودوا يعلموا عنها شيء.
اتسعت عيناها ذعرًا، وسقطت قطع الصورة من يدها ما أن استمعت لصوت زوجها الآمر: "دينا هيا بنا، واتركي كيد النساء هذا على جنب." لعنته بسرها. لطالما كان بالمرصاد لها. اقتربت من حماتها، وفتحت كف يدها، ووضعت باقي الصورة بها بعدما التقت أعينهم معًا بتحدٍ، ومن ثم هرولت خلف زوجها. هتفت الأم بحقد: "أيتها الحقيرة الماكرة أستفق لكِ فقط، وأريكِ كيف يكون اللعب معي فقط لأفق لك؟! ***
يجلس على تلك الأريكة بذلك القصر الذي خصصه لملذاتهِ وسهراته التي لا تخلو من النساء كعادته. لم يتخطى الخمسين بعد! لما يتهمونه إذًا بـ العجوز الخرف خصيصًا هي تلك الغزال التي نهرته، ورفضته، ولم تكترث! اشتعلت عينيه بنار الانتقام منها كلما تذكر رفضها له. لم ترفضه إحداهن من قبل أبدًا إلا هي بل وتجرأت لتنعته بـ العجوز الخرف، وهو من يراه لا يميز عمره عن عمر ابنه الأكبر.
لطالما كانت النساء عبيد تحت قدميه يفعل ما يفعله بهن، وينتهي حالهن جميعًا مكان ما يريد لهن. هو ليس فاسقًا، إنه فقط عاشق للنساء الجميلات المتمردة. يعشق كسر أنفهن، ويتمتع بترويضهم ليضعهم بعد ذلك كما قدر هو لهم. لا يهتم أن كان مرضًا ما يعاني منه أو عرضًا لكن لا امرأة ترفضه.
لقد قيده والده العزيز بزواجه المبكر من ابنة عمه المبجلة. كان، ولا يزال زواج مصلحة لا يمت للود بصلة، ورغم تفاني زوجته بالبدء في جعله يلتفت لها إلا أنه لم يحبها يومًا واعترف لها. جمعهما فقط حب الطبقة المخملية والمال، والسلطة، ومن ثم فسوقها وقوتها غير ذلك لم ولن يجمعهم شيء أبدًا، ولا حتى أولادهم. لم تعد تهتم وهو كمثل في حين وقع قلبه أسيرًا للنساء جميعهن، وتأتي بالنهاية أنثى وترفضه، ولم تلتفت له ولا لمغرياته كلها.
لقد سلك معها كل الطرق حتى طريق الزواج التي تعشقه الطبقة الكادحة منهن لكنها لم تلتفت أيضًا؛ لذا سيفعل المستحيل لتكن له، وتأتيه أسفل قدميه تتوسله أن يرحمها، ويرأف بها. رفع هاتفه ينظر لصورتها التي تزين هاتفه، ولعابه يسيل كالعادة؛ ليتذوق فاكهته المحرمة قبل أن يعاقبه أحدهم باختطافها منه.
شرد بوقاحةٍ بها إلى أن اقتربت إحداهن تنظر لصورتها بحقد وغضب، وهي تفكر أنها ستبتلع كل تلك الأمور بأكملها منه حتى تنتقم منها، وتراها ذليلة أمامها شبيهةً بها، وهتفت: "لتلك الدرجة تعجبك؟! خرج حديثها باستنكار قبل أن يلتفت "فريد الزيني" ناظرًا لها بحده: "أنا لا أُرفض يا حلوة أنتِ تعلمين ذلك جيدًا، وتلك المرأة ستأتيني راكعة ذليلة، وبعدها سأريها من هو "فريد الزيني"، وما هو بقادر أن يفعله ليصل لها، وتأتيه طواعية."
انتشت فرحة وهي تراها مكانها تتفنن لإرضاء رغباته المريضة. لما عليها وحدها أن تقع فريسة لأمثاله لتكن هي مثله. انتبهت لحديثه: "الآن دعكِ من حديثك هذا، وأخبريني بالجديد معك فأنت تعرفين على كل حال ما أريده تمامًا منكِ، كيف تسير الخطة معك؟ ابتلعت ريقها بخوف منه، ومن غدره التي تعرفه لو قلب عليها ستخسر الكثير، وهذا ما لا تريده. عدلت من نبرتها بينما تميل؛ لتلتصق به بعهر مقزز كما يعشق هو:
"فعلت كما أمرت لقد بلعت الطعم، واقتنعت بكل ما قيل لها هي، وإعدادها والمالكي أيضًا، والآن الصنارة تنتظر أن نرفعها، ونبتسم."
ابتسم معجبًا بتشبيهاتها التي لا مثيل لها حقًا بينما شرد عقله بسمكته العنيدة التي يئس من اصطيادها بطرقه المشروعة التي يعرفها؛ ليتفنن بأخرى يغامر فيها بسمعة صناعاتهم، يدعو فقط أن لا ينتبه أحد لخطته من العائلة وخاصةً أبيه وابنه عقبة حياته كلها. هو سيفعل المستحيل من أجل كسر أنفها؛ لتخضع له على كل حال.
لمعت عيناه بالحقد حينما تذكر آخر لقاء بينهم قبل شهرًا كاملًا حينما بصقت عليه، وتركته ممزقة منه ناعتة إياه بـ العجوز الخرف حينما عرض عليها المال مقابل ليلة واحدة؛ ليتوالى حصارهِ لها بكل جرأة مغريًا إياها بالمال والشهرة التي تريدها لكنها لم تلتفت لشيء أبدًا حتى عرضة الزواج الشرعي كي تقتنع رفضتهُ. لقد فعل المستحيل من أجلها لكن رأسها كصخرٍ متحجرٍ لا يلين أبدًا. "ما بك يا باشا أين سرحت؟!
انتبه على لمستها الجريئة التي أدخلته في عالم الملذات الذي يهواه، ويهوى قذارته بينما عقله يفكر كيف يتفنن بإذلالها حينما تأتيه، ويثأر لنفسه حتى أنه بدأ يمارس عنفه وقذارته على تلك التي بين يديه يناديها ويبصق عليها كما فعلت معه. يتخيلها تمامًا وكأنها هي بل وصل الأمر ليناديها باسمها. صفعها بقوة مرددًا: "قبلي قدم سيدك الآن يا ربى" لتتوالى صفعاته حتى صرخت الأخيرة: "لست ربى أنا مني يا باشا.. مني.. ارحمني"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!