الفصل 24 | من 27 فصل

رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسما السيد

المشاهدات
18
كلمة
2,002
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 89%
حجم الخط: 18

تبدو هادئة جدًا إليّة، وهدوءها يقلقه أكثر من أي وقت. يشعر أن بها خطب ما لدرجة أنها لم تعترض على العودة. لقد كانت بالأمس متمسكة بألا ترحل، عاكفة أن تبقى هنا أبد الدهر بين ذراعيه. كانت متوترة، يشعر بذلك، وإن استطاعت إخفاء الأمر كليًا عنه. اقترب منها يهمس لها: _ربى ما بك؟

لم تتحدث، فقط اكتفت بأن تقترب منه، وتمسك بيديه. زفر بحزن، يعلم ما تفكر به، بأنهما سيبتعدا وسيعود ليتسلل لها كما السارقون ككل ليلة، ولكنه سيحاول إنهاء كل شيء، ويعلن زواجهما غير مكترثًا لشيء.

وصلا معًا حيث محطتهما الأخيرة، ودعها بنظرة عينيه. أما هي، فكانت تتحاشى النظر إليه لئلا تبكي. حتى عدي لم تستطع أن توقظه وتودعه، تشعر وكأن قطعة منها تفارقها. بحياتها لم تتوقع أن تحب شخص كل هذا الحب، لم يتوقع أن يعوضها الله هكذا بعد كل ذلك البؤس. نظرة عيناها كانت كفيلة بقول كل شيء. اقتربت، وقبلت عدي الغافي بسلام مرة بعد مرة، واستودعته عند الله وتركته.

ود لو يعودوا ادراجهم، يخطفها لأحضانه ضاربًا بكل التعقل عرض الحائط، لكنها لم تلتفت إليه. تلقفتها أيدي هبة، وربي ما أن دخلت عليهما، لكنها لم تكن بحالتها المعتادة، لا غاضبة ولا مستكينة، بها شيء غير طبيعي، لاحظه الكل. _ربى أنتِ بخير. هتفت أثير بتلك الكلمات حينما لاحظوا شرودها الغير طبيعي، حتى أنها لم تثور من تلميحاتهم المخجلة كما كانت تفعل كل مرة.

_نعم، فقط متعبة من طول المسافة. لقد أتينا بالسيارة؛ لأن عدي يخشي الطائرة، لذا طال الوقت بنا وسئمت. _هكذا فقط. _نعم، هذا ما بالأمر. نظرت لها هبة بصمت، كانت تعلم أنها تخفي شيئًا. نظرت هبة وأثير لبعضهما البعض، وآثروا الصمت. *** ضرب أبو رضوان كفًا على كف من أمر ذلك الرجل الذي يصول ويجول خلف المبنى كمن به مس. قبل أن يقترب منه صارخًا عليه: _ماذا تفعل هنا؟ من سمح لك بالدخول؟ ارحل من هنا قبل مجيء الأمن، فهم لن يرحموك.

لم يجبه محمود، ابتعد بصمت كحالته منذ أمس. لقد أخبره ذلك النجس شامتا أنها تمكث هنا بطبقة الصفوة والأغنياء مع ذلك النجس التي على علاقة به. كلما نظر للمكان سأل نفسه: من أين لها كل هذا المال إن كانت شريفة بحق؟ مؤكد ما يقال عنها حقيقيًا؛ لذا سينفذ ما خطط له بلا تأنيب ضمير، سيغسل عاره بيديه. خرج من الكومباوند بأكمله، سيعود فيما بعد حتى لا يثير الانتباه حوله، وسينتهي الأمر ويعود أدراجه. ***

ما أن دلف بيجاد للقصر وجد منذر أمامه، وأول ما سأل عنه كان على سير خطتهما وعن ذلك المدعو طليقها. _لا تقلق، كل شيء يسير كما نرغب. _حسنًا، لا تنسَ محاوطة المبنى الخاص بربى، لا أريد ذبابة تدلف إليه بلا هوية. _حسنًا.

تفاجأ بفيروز تهرول إليه، فصمت منذر ولم يخبره بأمر والدته. ابتسم بيجاد عليها، كانت دائمًا وأبدًا مدللته. ابتسم بسعادة، ورغم الحزن والقلق المتملك منه على تلك التي تركها خلفه، إلا أنه لا ينكر سعادته بلقائه بفيروز التي بكت بحرقة أقلقته عليها. _بيجاد، أخيرًا اشتقت لكما. _وأنا أيضًا اشتقت لكِ يا صغيرتي. ما بكِ، لما تبكين؟

اقترب فيصل يحتوي الأمر حتى لا يفتعل بيجاد فضيحة بعد علمه، ويسمع الجد الذي ما زال لا يعلم عن اختفاء مؤمنه شيء. _لا تناديها بذلك الاسم، إنها صغيرتي أنا. ألستِ كذلك يا روحي؟ استنكر بيجاد حديث فيصل الذي أبعدها عنه وعن أحضانه؛ ليسكنها بين ذراعيه؛ ليهتف فيصل بتملك: _آسف، لم تعد لك، هي ملكي أنا.

نظرت فيروز لكليهما بفرحة قبل أن تميل رافعة عدي الذي يمسك بقدم بيجاد، وعيناه تذرف الدموع، ويتمتم باسم عز التي باتت على دراية كاملة بمن هو، لكنها آثرت تجاهل الأمر. _لما تبكي يا عدي؟ ألم تشتق إليّ؟

نظر بيجاد لحالة عدي بعدما رفض رجاء ربي بالأمس بأن يبقى معها. هو واثق بأنها خير من يعتمد عليه، لكن لم يحن الوقت بعد لكشف بعض الأمور، وأولها علاقته بها. لأول مرة يشعر بأنه أخطأ بتوطيد علاقة طفله وعز، وأخيرًا علاقته بربى التي صار تعلق عدي بها تعلقًا مرضيًا، حتى صار يناديها بـ "ماما" كما يفعل عز.

صدم حينما بكى عدي بأحضان فيروز رافضًا بقاءها بين ذراعيه، يتمتم باسم ربى تارة، وتارة باسم عز. حاول بشتى الطرق احتواء الأمر؛ ليصل الأمر بابنته لحد الصراخ، وأنتابته نوبة من البكاء الهستيري، التي أتى على إثرها الجميع، حتى الجد الذي ينظر له بنظرة مبهمة غامضة؛ لينتهي الأمر بفيروز باكية، وهي تلوم شقيقها بهمس: _يا إلهي، لما جلبته للقصر إن كان متعلقًا بهما لهذا الحد؟ لقد نساني عدى.

الندم يعصف به، حائر هو بين الأمرين، ولكنه يشعر بشيء غير طبيعي، خصوصًا بعد سؤاله عن والدته التي تجاهله الكل. بعد ساعة كان بجناحه، تجاوره شقيقته تنظر لعدي الذي اندمج كليًا مع عز الذي يحدثه بمكالمة فيديو. كانت فيروز تتأمله بحنو ممزوج براحة أن عدي أخيرًا استطاع أن يجد من يتقبله بحالته هذه. لن تكون أنانية لتلك الدرجة، وتحزن وتحزن شقيقها التي تشعر وكأنه يحمل جبالًا من الهم على عاتقه.

كانت عيناه حائرة وهو ينظر تارة لابنه، وتارة لمن يحدثه، وكأنه يبحث عن أحدهم خلف شاشة الفيديو، وهي ليست غبية حتى لا تعلم على من يبحث. أرادت أن تخرجه مما هو به، اقتربت منه، وهمست بشيء من السعادة لم تستطع إخفائها: _بيجاد، أريد أن أخبرك بشيء ما. اعتدل ناظرًا لها باهتمام، يلمح بعينيها فرحة لم تستطع إخفائها. _أنتِ ثاني أحد أخبره هنا من بعد فيصل. هتف بحماس حينما امتدت يدها تتحسس بطنها: _لا تقل، أخمن أنا، تنتظرين طفلًا!

أومأت بسعادة، وألقت بنفسها بين ذراعي بيجاد الذي تلقفها على الفور. _أخيرًا يا صغيرة، هنيئًا لكِ. _أخيرًا يا بيجاد، لقد عوض الله صبري خيرًا. لقد أخذني فيصل للطبيبة وأخبرتنا أنني حامل بتوأم منذ شهرين. هتف بسعادة، وهو يحتضنها بحنو: _ألم أخبرك من قبل (ما أجمل عوض الله! _نعم، أنت دومًا على حق. حمدًا لله.

كان بيجاد الأقرب إليها على الدوام، وكأنه الأب والأم والصديق والأخ. عالمها دائمًا ما كان يتلخص بشقيقها وفيصل وعدي. لم تكن مقربة يومًا من نساء العائلة، حتى والدتها لم تكن مقربة منها لذلك الحد الذي يدفعها لتجري، وتلقي بنفسها بين ذراعيها تحكي لها عن أي شيء. احتوى فرحة شقيقته كما يفعل على الدوام، صدقًا هو سعيد من أجلها، وبتلك اللحظة تمنى لو يحظى يومًا بطفل مثلها ممن عشق.

لكن كل سعادتهما وأمانيهما ذهبت ما أن صرخت شريفة صرخة مدوية جعلت الدماء تجف بأوصالهما، لتهتف فيروز بذعر: _أمي يا بيجاد. _ما بها والدتك؟ _متغيبة، مؤكد حدث لها شيء. أسرع بيجاد حيث صوت الصراخ، وتبعته فيروز ليقفا كلاهما أمام ضابط المباحث الذي هتف بصبر مجددًا: _لقد عثرنا على جثتها بفيلا ما، وبعد تبين وضع الجثة تبين أنها فارقت الحياة ضربًا بالرصاص منذ يومين، وبعد البحث خلف هويتها علمنا أنها السيدة مؤمنه.

صرخت فيروز باكية، بينما شلت الصدمة بيجاد الذي هتف: _ماذا تقول أنت؟ هل جُننت! _أنا مقدر بصدمتك دكتور بيجاد، لكن هذه الحقيقة. لقد وجدنا والدتك مقتولة بجوار جثة رجل الأعمال عصام السكري بوضع... صمت الضابط بحرج، ليأتيه صوت الجد من خلفهم هاتفًا بأمر: _وضع ماذا؟ _وكأنها كانت بعلاقة ما مع المدعو عصام السكري. صرخ بيجاد، وكاد يدفعه صارخًا لولا يد منذر التي أبعدته عنه بآخر لحظة، معتذرًا للضابط. _يا إلهي، ماذا تقول أنت؟

أكمل الجد ولم يكترث بصراخ حفيده وجنونه: _من قتلهم؟ هل وصلتم لشيء؟ _للآن لا. لم يتمالك الجد نفسه، سقط مغشيًا عليه، وسقط معه كل كبرياء تمسك به، ومن ثم مفارقًا للحياة. ليتحول القصر بعد ساعات لساحة عزاء وحرب من الصحافة والإعلام، لتصبح فضيحتهم على الملأ بظرف ساعتين. *** _ارجوك يا ماجد رشفة واحدة، سأموت، ارحمني. صفعها ماجد بقسوة، ومال ممسكًا بشعرها: _ولما لم ترحميها؟ _آسفة، آسفة أقسم لك، لم أكن أقصد.

_كاذبة، عاهرة لعينة، أي شقيقة أنتِ! كيف فعلت ذلك بها؟ هتفت نيرة بصوت ممزق من البكاء والرجاء: _لقد انتقمت لها على كل حال، وصرت مثلها. أرجوك أعطني الجرعة الآن. _لا بعينيك.

لم تصدق أنه هاتفها صباحًا؛ لتخرج مهرولة إليه، ولم تكترث بأحد وتأتي هنا تتوسله ولا يرأف بها. تتلوى في الأرض تارة، وتارة أخرى تدق رأسها بالحائط من الألم الذي يفتك بكل خلية بها؛ ليقرر بعد برهة بعدما اكتفى من رؤية ذلها أسفل قدميه، رفعها من شعرها بقوة هامسًا بخبث: _تريدين الخلاص؟ _أجل. _أخبريني من أنتِ الآن؟ _عاهرة. _لا، قاتلة. _نعم، نعم، أنا قاتلة. _قتلتِ من؟ _نوار.. قتلتها. _بماذا؟ _جعلتها تدمن أخطر أنواع المخدرات.

_لما؟ _لأني أكرهها، أخذت ما لي، أخذت بيجاد، وحب كل من حولها. صفعها بقوة، وبقسوة مرة بعد مرة حتى اقترب منها، وألقى لها جرعتها أرضًا؛ لتستنشقها دفعة واحدة، ومن ثم تخطف ما تبقى بيده وتعاود استنشاقه دفعة واحدة. حاول ماجد إبعاده عنها، لكنها كانت أسرع منه، ولم تعِ أن الأمر زاد معها عن الحد؛ لتمر الثانية وتبدأ بالتعرق، ويزداد نبض قلبها، وما هي إلا دقائق وفارقت الحياة.

لم يرأف ماجد بها ولم يحزن لحظة عليها. بصق عليها وخرج قاصدًا المطار راحلًا عن البلاد كلها، تاركًا أمر فريد الزيني لأهله والشرطة، لقد اكتفى. قبل إغلاقه لهاتفه، أرسل كل شيء يعرفه لبيجاد، وكل الفيديوهات ليخبره برسالة كشفت كل شيء، أنه قد وفى بالوعد ويرحل على وعد باللقاء.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...