وإنك تسكن الروح، وهذا مكان خاص جدًا بك، هو أعمق من الروح بين الوتين والنبض، وإن الروح تألف من تحب، والروح للروح دوما ما تحن. قد يستطيع المرء أن يلمس القلب بيديه لكن الروح لا تُمس لكنك وحدك دونًا عن سائر الخلق قد فعلت. بعدما غاب بيجاد لساعةٍ يتحدث بهاتفه جُن جنونها وهي تنتظره فقررت حاسمة أمرها أن لا هاتف اليوم ولا الغد ولا طيلة مكُوثهما معًا. بالنهاية الهاتف لا يجلب الا المشاكل.
تأففت من اتساع ابتِسامته بعد إنهاء المكالمة، وكأنها ضحكة نصر. مازالت تشعر، وأن هناك شئ يخفيه عنها لكنها صدقًا لم تعد تهتم. اقتربت منه وألقت بهاتفها بعيدًا بعدما أغلقته، وأمسكت بهاتفه وفعلت به كمثل. ضحك وأمسك بهاتفه؛ فغضبت فعاد يسلم أمره إليها وهو يعطيها هاتفه. أرادت أن تسرق معه بضع لحظاتٍ من العمر. بالأمس فتح لها قلبه، وحكى الكثير مما كان يخفيه عنها.
فتح لها قلبه طواعيةً؛ لتدلِف إليه. تشعر بأنه يشبهها وهي تشبهه. تشعر بشيء بدأ يتسلل إليها بجواره أو هو بدأ بالفعل وهي تنكره وهو كمثل. لا تعلم لما أرادت أن تستمع لنُصح أثير، وتنتهز فرصة العمر بجواره. الله يعلم أنها لا تكترث إلا لذلك الدفء الذي يتسلل إليها بجواره، والله يعلم أيضًا متى ستسنح لهما الفرصة مجددًا؛ ليكونوا معًا بهذا القرب.
ليلة أخري بجواره، ومازالت تمطر بغزارة؛ ليستحيل عليهم الخروج من البيت إذ أغرقت الأمطار الوديان من كل اتجاه. إنه الجو الأحب لقلبها كم تعشق فصل الشتاء، وتعشق كل ما به حتى أزمة الطرقات، وحتى غرقها بالمياه ببلدتها كانت تعشقها. إنه فصل الحنين والأشواق والأمنيات.
لقد باتت تنتظر ساعات الليل؛ لتقضيها بالثرثرة معه لكنها اليوم أرادت أن تكون هيَّ، وهو، ولا أحاديث جانبية على الهاتف تشتتهما. فعلى كل حالٍ هاتفها ما أن يرن يشتعل بالغضب. عمار لا يتوقف من إرسال الرسائل لها، وهي صدقًا سئمت من اتهامات عينيه حتى بعدما قصت له كل شيء لا تزال تشعر بأنه لا يصدقها.
وقفت أمام الشرفة مجددًا لم يرى أنثى مثلها تعشق مشاهدة الأمطار إلا هي وطفلها ومؤخرًا عدي الذي صار يقلدهما بكل شيء. كلما رأى سعادة ابنته التي يراها لأول مرة منذ ولادته يشعر بالامتنان لوجودهما بحياته يشعر وكأن الله يكافئه بهما. كلما ازدادت سعادتهم تمنى لو يظلوا هنا بقية العمر هو وهي وطفليهما؛ وليذهب العالم أجمع للجحيم لن يكترث إليه.
إغلاقها للهواتف كان مبتغاهُ منذ أتوا لهنا لكنه مقيد بعمله، وعليه متابعة ما يدور بعيدًا عنه كما أنه لا يجرؤ على اقتحام مساحتها الخاصة يشعر بألف قيد يقيده عنها أولهم رد فعلها. اقترب؛ لينتشلها من شرودها هامسًا بصوت أجش: _بت أحسد المطر. استدارت تنظر له متعجبه، ولم يصلها مغزى حديثه بعد: _ولما؟ _لأنكِ تعشقين تأمله. _أتعلم! أراه كلوحة فنية متكاملة. _كما أراكِ أنا. _تراني أنا؟
_نعم، أتتذكرين ذلك اليوم الذي التقيت بكِ به أول مرة؟ _أجل بالطبع، فأنا لم أنساه قط لقد كان يومًا مميزًا لي. _وما المميز به؟ _كنت قد أتممت عدتي، وتخلصت من كل ما يربطني بالماضي. _نعم تذكرت صياحك حينها كنت حانقًا جدًا عليك. _ولما؟ _ربما غِرت منكِ مثلًا. _غرت مني! _لكني كنت أراكِ كجنية خرجت لي من العدم. _أنا! _نعم أنتِ بل أكثر من ذلك. كنتِ أشبة بلوحة فنية خرجت عن إطارها؛ لتزين الطرقات بصخبها، وضحكتها المميزة.
_لا تكذب يا بيجاد عليَّ، هل تراني بذلك الجمال؟! _أنا لا أكذب عليك أبدًا أنتِ أجمل امرأة رأتها عيناي.
كانت تخشى أن يكون كاذبًا عليها رغم أنها تود لو كان صادقًا لكنها آثرت الصمت، واكتفت بالقاء نظرة ماكرة عليه جعلته يشك بأمرها. لكنها سرعان ماضحكت وعاودت النظر للخارج، وهو بجوارها يرمقها كل حين بنظراته العاشقة بتلك العينين الزيتونيه التي تزيد من وسامته المفرطة نظراته التي لم يعد يكافح كي يخفيها، وهيَّ كمثل إلى أن شعرت باحتمالية تعب قدمه فجلست، وهي تشير له أن يجاورها لكنه بدلًا من ذلك أمسك يدها وسحبها خلفه بهدوء،
فهتفت بدهشة: _إلى أين يا بيجاد؟! سحبها حيث الدرج؛ ليصعدوا معًا الدرجات الفاصلة بحماسٍ غير مكترثًا بإصابته: _بيجاد اهدأ قدمك ستتأذى. _لا تقلقي عليّ. اتسعت عيناها ما أن وجدت نفسها على السطح، والمطر يهطل بغزارة بلا توقف. دفعها بخفة لتستمتع بالمطر وتنحى هو جانبًا. دارت بسعادة حول نفسها تشعر وكأن المطر ينهمر؛ ليغسل كل ما مضى من حياتها بعيدًا عنه.
ووقف هو ينظر إليها بشغف. رؤيتها بهذه السعادة كان أقصى أمانيه منذ كُتبت على اسمه وصارت ملكًا له. كل شيء يحدث لهما معًا الآن كان أمنيته الوحيدة. هي لا تعلم ماذا يفعل من أجلها؟ ومن يحارب؟
لا تعلم أنه يقضي الليل ينظر لوجهها. لم يكن من قبل هكذا مع امرأة غيرها حتى مع زوجته الراحلة وهذا سبب كافي ليعلم منه أن الحب دق أبواب قلبه التي كفرت بالعشق دائمًا. لطالما سخر من الحب والمحبين لكنها أتت وغيرت كل ما به. انتبه لها، ولِنبرة صوتها التي تغويه. كل ما بها يغويه لِيسقط كل ثانية بعشقها: _أقسم بيجاد أني أردت الصعود منذ الصباح لكن كنت خائفة منك.
ضحك بسعادة، وهو يشاهدها تدور كفراشة بالهواء إلى أن توقفت، واقتربت منه تخفي نفسها أسفل معطفه الطويل؛ ليهتف بضحك عليها، وهو يخفيها بداخله: _بهذة السرعة انتهى شغفك. _لا بل؛ لأبللك معي ليس عدلًا أن اتبلل وحدي. ضحك من قلبه عليها معها يشعر، وكأنه يستعيد حياته الماضية. تحقيق أمنياتها أمر يسعده حقًا كما تحقيق انتقامه ممن آذاها وآذاه غايته الكبرى.
هتفت بدهشة بينما مد يده؛ ليجذبها حتى ترقص معه بهدوء وخطوات متباطئة أذابتهما معًا؛ لتهمس بصوت مغري: _هل انت الفانوس السحري؟ من أين خرجت لي يا إلهي؟ قد تكون جنيًا يارجل لست بشري! لطالما كانت خالتي تخبرني بيقين أن بي مس من الجان؛ لذلك كنت أحتفظ بذلك السلسال؛ ليحميني منه. لم يستطع تمالك ضحكته. ضحك كما لم يضحك من قبل ثم مال هامسًا لها بحنو: _إذا أنا جني الفانوس السحري خاصتك هيا أخبريني عن أمنياتك الثلاث أسرعي قبل الهرب.
أغمضت عيناها بطفولة قبل أن تهتف بعفوية: _يا إلهي أخشى أن تفهمني خطأ. _لا لن أفعل بالتأكيد. ضحك بينما هي انتابها شك من نبرته لكنها لم تكترث منذ وثقا معًا عهد الصداقة، وهي أصبحت أكثر تقبلًا للحديث معه، لا تُخفي عليه شيئًا، وهو كمثل: _هيا ربى أسرعي. ضحكت، واقتربت منه هامسة بطفولة: _أخبرك سرًا، وليكن بيننا؟ _أخبريني كل أسرارك يا ربى ولا تخجلي. _حسنا سأخبرك أتعلم؟! لقد كانت أمنيتي دائمًا هو أن أصبح راقصة.
_ماذا.. ماذا تقولين أنتِ؟ كاد يضحك حقًا على وجهها الذي رحلت عنه كل ملامح البهجة، وحل محلها حزن حقيقي: _هذه كانت ردة فعل والدتي حينما استمعت لي وأنا أحدث خالتي عنها. يا إلهي أذكر حينما تمردت في مرة، وصعدت مسرح المدرسة كراقصة بإحدى المناسبات دون إخبار أحد ليكتشف أخي الأمر، ويخبر والدتي؛ وتقوم القيامة بعدها. _ماذا فعلوا بك؟! مالت تتحسس قدميها تلقائيًا فهي تشعر بحكة بأقدامها كلما تذكرت:
_لقد أَكلت ليلتها عشرون ضربة على قدمي التي رقصت بها بعد جلسة حكم دامت لمنتصف الليل، وأنا أبكي؛ لترحمني والدتي من العقاب فتقترح خالتي مشكورة ضربي عشرون ضربة على قدماي التي رقصت بهما حتى ينتهي عقابي، وأعود للمدرسة صباحًا. كانت تتحدث غير واعية على الشماتةِ التي ارتسمت بعينه؛ ليهتف بسعادة داخلية: _من أقام الحد؟ _أخي بالطبع. _رجل والله، وقليل عليك عشرون ضربة. _نعم! ماذا تقول أنت؟! _أقول الصدق لو كنت مكانهم لفعلت أكثر.
اغتاظت، وضربت الأرض بأقدامها كالأطفال: _لم يطلب أحد رأيك! أنت الآن جني الفانوس، وعليك أن تُنفذ رغبتي فقط. هتف باستنكار: _وما هي رغبتك سيدة ربى خانو؟ _الرقص. _علي جثتي. _بيجاد أتوسل إليك. _انسِي ربى وتأدبي وإلا... _وإلا ماذا؟ _اقتلعت عقلك اللعين هذا من مطرحه. _ولكنها مجرد أمنية. _أن ترقصي هنا على السطح تبًا لأمانيكِ هذه التي تأتي بغير أماكنها. تأففت مردفة: _أين أرقص إذًا؟! اقترب منها هامسًا بأذنها برغبة:
_ربما لي مثلًا، لزوجك بغرفة نومنا، وأنا أعدك أني سأشاهد بأدب. _وقح.. أريد الرقص تحت المطر ليس كما فهمت أنت. _دعك من تذمرك هذا الذي سَيدفعني لِفعل شيء لن يروقك الآن إن فعلتِ، وأخبريني ما هي أمنيتك الثانية؟ _امم، حسنا ولكنك سَتنفذ الآن بلا جدال. _على حسب عزيزتي، هل أمنية مشروعة أم مجنونة بلا أدب كسابقتها؟ _اصمت أنت لا فائدة منك، واستمع لي. أمنيتي أن تعزف لي تلك المعزوفة التي شاهدتها على هاتفك، وكنت تُريها للأولاد.
كانت قد شاهدت فيديو له وهو يعزف الكمان. معزوفة بإحدى الحفلات تُرجح أنها كانت قبل إصابته لكنها بالفعل أَخذت قلبها، وهالها جمال عَزفه. _أمم حسنًا هذا شيء أقبل به. لو كان أحد غيرها طلب منه ذلك لم يكن ليقبل أبدًا لكنها استثناء بكل شيء. لمعت عيونها، وهمست من أين لنا بكمان الآن؟
اقترب من الغرفة المغلقة ودفعها؛ ليدلفْ لغرفة مرتبة مبهجة جدًا بها كل ما يحتاجه المرء للعيش وحده بهكذا مكان على السطح. اقترب يمد يده لكِمانه المعلق على الحائط، فهتفت بسعادة: _انت رائع حقًا! لمحت التردد بعينيه، فهمت ما يعانيه فبدأت بِتشجيعه؛ ليهتف: _أنتِ متأكدة مما ستجعليني أقدم علية! _نعم؛هذه أمنيتي. _أنتِ مزعجة حقًا! _من أجلي بيجاد. _حسنا.. لا أعلم أين كنتِ تخبئين كل هذه الثرثرة وكل هذا الجنون لكن من أجلك سأفعل.
_أنا هكذا دائمًا مع من أرتاح لهم. _هل ارتحت لي؟ _جدًا، جدًا حتى أني قررت أن التصق بكَ دائمًا هيا لا تطل بالأمر. ضحك بسعادة حقيقية. الوقت الذي يقضيه معها بمثابة نعيم خالص لا يود الخروج منه. أكثر ما كان يخشاه أن تبتعد عنه يوم أو ترغب بالفراق. إن كانت تود الالتصاق به؛ لتلصق أكثر، وهو سيكون أكثر من سعيد بِالتصاقها. كان المطر قد بدأ يتوقف، واحتل الصمت المكان. نظر لها فَشجعته بعينيها؛ ليغرق بعدها بالعزف.
كان بالفيديو يعزف معزوفة عمر خيرت الشهيرة التي تعشقها هي أيضًا "عارفة" بدأ يغرق بعزفه لكنها فاجأته بصوتها الذي شدت به من خلفه كَكروان. (عارفة..مش عارف ليه..بتونس بيكِ، وكأنك من دمي..على راحتي معاكِ وكأنك أمي..مش عارف ليه؟! انتهي وصمت وصمت كل شيء من حولهما إلا من نظرات العينين. كل شيء هنا يحث المرء على التمرد، الحنين، والرغبة وهو بشر ضعيف.
يقولون أن العمر يمر. هو صدقًا يمر. يمر بكل ما به إن كان خيرًا أم شر، وأنا أعترف أني عشقت حُنوة عليّ. لم أصرخ يومًا ونَهرني، ولم أغضب وتَركني. كان مزيج عجيب الشكل. يعلم متى يكون حازمًا، ومتى يرخي الحبل؟ من قال أن الرجل يكن رجلًا فقط بالصفع والصراخ طيلة الوقت! الرجل الحقيقي هو من يحتوي من هم أدنى منه. وهو كان هادئًا منذ عرفته إلا من نظرات العينين التي كانت تُوشي لها بكل شيء يخفيه القلب.
انتهي العزف، ومعه بدأ كل شيء. عيناه التي تعامدت على عيني كانت تحكي ما لم نستطع البوح به. أراد القرب، وأردت أنا العيش دومًا بين كلتا الذراعين. اقتربت بإرادتي ولم يجبرني عليه. أردت أن يعاملني كزوجة ولو لليلة واحدة فقدت تعقلي. لقد أهلكني هذا الكبرياء اللعين الذي يطل من عينيه. أنا الآن أعترف أنا أرغب به، وهو أمنيتي الثالثة التي لن أستطيع أن أصرح بها أبدًا إليه ولو هرمت.
الحياة بين ذراعيهِ كانت كالنعيم الذي تمنيت يومًا أن أحيا به طيلة العمر. همس بصوت أجش قبل أن يأسر شفتيها، ويغمرها بعاطفة أطاحت بما تبقى لديهم من عقل: _رُبى أشعر برغبة قوية بك. إما أن تهربي الآن من أمامي أو لتقتربي ولا تلوميني فيما بعد! ولم تكن هي بحالٍ أفضل منه لم تتحدث لكنها كانت أكثر من مُرحبةٍ به. إذ شعرت وكأن هناك بين أحضانه مغناطيس قوي يجذبها إليه.
نار الشوق أحرقت كليهما، وكلاهما آثرا الغرق حتى تنطفئ؛ لتنتهي الليلة بها غافية بين ذراعيه طواعية. وباعتراف صادق بالعشق اعترفوا به كلاهما بعد ما حدث؛ لترحل الصداقة للأبد، وتبدأ مرحلة العشق والوله. همس وهو يشعر بلمسة من يديها: _يا إلهي أنا أعشقك يا رُبى منذ الليلة لا خلاص لكِ مني. همست بذات الشعور: _وأنا لكَ بكلِ الحب.
إنه الحب من يجعلنا لا نسيطر على أي شيء. يصنع من كَذِباتنا عَالمٌ من الصدق، ومن خيباتنا ينسج خيط أملٍ عجيب الشكل. إنه الحب بكل تخبطاته من يجعل الكافرين به يسخرون منا بكل قبح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!