يحدق في الصور ويده تقبض على الهاتف بعنف حتى كاد أن يهمشه إلى أجزاء بين قبضته. لا يفكر بأي شيء سوى بما تراه عيناه أمامه الآن. كيف أنها تبتسم لذلك الجالس بجوارها، وكيف سمحت له أن يلمسها. كلما تعصف بذهنه احتمالية خيانتها له وأن قد يكون هناك رجل آخر، يصاب بالجنون وتتملكه حالة من الغضب المدمر. والآن تلك الفكرة تستمر في التردد بذهنه دون توقف حتى أوشكت على سلبه لما تبقى من عقله.
مسح على وجهه وهو يزأر من بين شفتيه كالوحش الجائع لالتهام فريسة، ويجز على أسنانه بقوة. نظر لهاتفه وفتح إحدى تطبيقات السوشيال ميديا التي قامت مؤخرًا بمحادثته عليه، وضغط على زر الاتصال بها. يضع الهاتف على أذنه وينتظر ردها ومعالم وجهه مرعبة، وعيناه حمراء تمامًا كنيران ملتهبة. لم تجيبه بعد رنات طويلة، فعاد مرة أخرى يتصل ومن بين شفتيه يطلق ألفاظًا نابية يتوعد لها بمجرد أن تفتح الاتصال.
على الجانب الآخر كانت جلنار تمسك بهاتفها ورنينه يرتفع أكثر فأكثر بين يديها. وسؤال واحد تطرحه في ذهنها بتردد: هل أجيب عليه أم لا؟ وبعد لحظات طويلة من الوقت قررت أن تجيب وترى ماذا يريد. فتحت الاتصال ووضعت الهاتف على أذنها، وبمجرد ما أن فتحت، أفحمها بصيحة جهورية منه: "وياترى الهانم مبتردش عليا ليه بقى؟ ضيقت عيناها بدهشة وهتفت بخفوت مضطرب: "إيه ياعدنان؟ عاد يصرخ، ولكن هذه المرة بنبرة أرعبتها حقًا:
"مين اللي متصورة معاه ده في عيد الميلاد يا مدام؟ سكتت لبرهة من الوقت لا تفهم ما يقصده. أي عيد ميلاد يقصد؟ ومن هو الذي التقطت معه الصور؟ "حاتم!!! " همستها لنفسها بصدمة، ثم هتفت بهدوء بسيط تجيب عليه: "قصدك على مين بالظبط؟ ضحك من بين حالته المخيفة وهتف بعصبية: "على مين! ليه هو في كام واحد يا بنت الرازي؟ اقسم برب العزة لو طلعتي بتخونيني لأكون... انفعلت هي الأخرى وصرخت به تقاطعه: "بخونك إيه أنت مجنون؟ "جاوبي على السؤال!
كانت صرخة عنيفة منه بعثت القليل من الرهبة في نفسها لتجيبه باستياء: "ده صديق ليا وهو اللي بيساعدني هنا، مفيش حاجة أكتر من كده." قرص قبضة يده وقال محاولًا تمالك أعصابه: "امممم صديق وبيساعدك." شعرت بغصة مريرة في حلقها من اتهامه المؤلم لها وصاحت بسخط: "والله العظيم ما في حاجة بينا، كفاية شك يا عدنان حرام عليك." "إنتي وبنتي فين؟
سقطت دمعة حارة على وجنتيها ولم تجيبه خشية من أن يظهر اهتزاز صوتها ويكتشف بكائها. فوجدت صرخة نفضتها بأرضها تخرج من الهاتف لأذنيها وهو يقول: "بقولك إنتي فين؟ تمتمت بصوت يحمل بحة البكاء: "مش هقولك ومش هتعرف، وحتى لو عرفت مش هتقدر تاخد بنتي مني." عدنان بوعيد حقيقي ونبرة مرعبة: "تمام براحتك، بس قريب أوي هلاقيكي وصدقيني هوريكي النجوم في عز الضهر وهخليكي تشوفي مين هو عدنان الشافعي على حق."
انهمرت دموعها بغزارة على وجنتيها، ولكنها جاهدت في عدم إظهار هزة صوتها وهي تهتف بقوة مزيفة وباحتدام: "بكرهك يا عدنان.. بكرهك."
فور انتهاء جملتها، أنهت الاتصال فورًا وألقته على الفراش. ثم جثت على الأرض بجواره ودفنت وجهها بين راحتي كفيها تبكي بحرقة وبألم. تبكي كل شيء في حياتها. على زواج فاشل يقف على أعتاب الانتهاء، وعلى ابنة ستعيش مصيرًا مجهولًا وحزينًا لا تستحقه، وعلى أب قاسٍ لا يبالي بشيء سوى بمصالحه الشخصية وأمواله، وأخيرًا على قلب مهشم يدعي القوة.
بينما هو، فكان يقف كالبركان الذي تطفح حممه البركانية على سطحه. وأمامه لحظات قصيرة قبل أن يعلن انفجاره. ولم يتمكن من التحكم في انفعالاته أكثر من ذلك، حيث نظر إلى محتويات سطح مكتبه وأزاحها بيديه كلها دفعة واحدة لتنزل على الأرض محدثة ضجيجًا عاليًا. *** بقصر الشافعي.....
كانت أسمهان تجلس على المقعد الهزاز في الحديقة وبيدها كوب القهوة خاصتها ترتشف منه ببطء. وبجانبها مسجل كلاسيكي جميل يصدح صوته بفيروزات الصباح. حتى ارتفع صوت رنين هاتفها بجوارها. فمدت يدها على المسجل وأغلقته ثم أمسكت بالهاتف وأجابت بحزم: "أيوه، عملت إيه؟ "كله تمام ياهانم.. الصور وصلت لعدنان باشا وهو شافها." ارتفعت الابتسامة الشيطانية على شفتيها وهدرت بحدة:
"أوعي تكون عملت حركة غبية كدا ولا كدا وعرفته مكانها، عارف لو ده حصل هعمل فيك إيه؟ هتف بثقة تامة وغطرسة: "عيب يا هانم، هو أنا مبتدأ؟ ده أنا تربيتك. بس بيني وبينك الست جلنار دي وتكة عنده حق الباشا يغير عليها." خرجت صيحة صارمة من أسمهان وهي تهتف بقوة: "اخرص ياحيوان.. أنت ملكش دعوة بأي حاجة غير اللي بطلبه منك بس وتنفذه من غير كلام." لوى الرجل فمه بتهكم وقال بخنق: "حاضر ياست هانم.. وأنا تحت أمرك."
نزلت الهاتف من على أذنها وأنهت الاتصال وهي تهتف باشمئزاز: "جاتك القرف." ثم عادت الابتسامة تعلو شفتيها من جديد وتهمس بسعادة ووعيد: "مبقاش أنا أسمهان الشافعي أما خليت ابني يطلقك ويرميكي برا زي الزبالة." رأت آدم وهو يخرج من باب المنزل ويتجه نحو سيارته، فقالت بحنو وصوت عالٍ نسبيًا: "رايح فين يا آدم؟ توقف للحظات وأجابها بابتسامة هادئة: "رايح المعرض ياماما، عايزة حاجة أجبهالك معايا؟
"لا ياحبيبي، عايزة سلامتك.. خلي بالك من نفسك." أرسل لها قبلة في الهواء وهو يبتسم ثم أكمل طريقه نحو سيارته ليستقر بها وينطلق نحو معرضه الخاص. *** في مساء ذلك اليوم.... وصلت زينة أمام باب المعرض وهي تحمل بين يديها طعامًا. تارة تنظر للمعرض وتارة للكيس الذي يحتوي بداخله على ورق عنب. وتفكر بينها وبين نفسها: هل أخطأت عندما جاءت له بالطعام أم أنها فكرة رائعة؟ فتجيب على نفسها بصوت مسموع بعض الشيء:
"مش سمر قالتلي شوفي هو بيحب إيه واعملهوله.. هو بيحب ورق العنب؟ وكالعادة كلما تكون تقف تتشاور مع نفسها في حوار يخصه، يقطع هو حوارها مع نفسها. سمعت صوته وهو يخرج من الباب ويقول بوجه بشوش: "زينة واقفة كدا ليه؟ تعالي! اقتربت منه ووقفت أمامه تمامًا ثم قالت بابتسامة عريضة تحاول التحلي بالثقة وعدم الخجل: "عامل إيه يا آدم؟ نظر للكيس الذي بين يديها رافعًا حاجبه باستغراب ثم نظر لها وقال بلطف: "كويس الحمدلله.. إيه الكيس ده؟
ابتسمت بحياء وقالت وهي تتجه لداخل المعرض وتقول: "تعالى هقولك." دخل خلفها وهو يبتسم بحيرة، فوجدها تجلس فوق أحد المقاعد وتجذب الطاولة الصغيرة أمامها ثم تبدأ بإخراج علبة بلاستيكية صغيرة شكلها رقيق وتضعها على الطاولة وهي تقول بحماس: "عملت ورق عنب وقولت لازم تدوقه، فجبتلك معايا منه، عشان تدوقه وتقولي رأيك." قهقه بصوت عالٍ على طريقتها وقال بنظرات مشتهية: "طال والله انتي بنت حلال.. تعرفي كان نفسي فيه."
"يلا ياعم عد الجمايل بقى." اقترب وجذب مقعدًا آخر ليجلس قبالتها ويفتح العلبة ثم يلتقط الشوكة الموضوعة بالداخل ويغرزها في واحدة ثم يرفعها لفمه ويأكلها. ظهر الإعجاب على وجهه بعد أن تذوق طعمه ثم ألقى بالشوكة على الطاولة وقال ساخرًا: "لا شوكة إيه بقى ده مش عايز شوكة." خرج صوتها الرقيق وهي تقول برقة: "عجبك؟ أجابها وهو يأكل بنهم واستمتاع: "اممم جميل أوي يازينة.. انتي اللي عملاه؟ ابتسمت باستحياء وقالت بخفوت: "أيوة."
"تسلم إيديكي." اتسعت ابتسامتها وبقت تتأمله وهو يأكل وعيناها تطلق شرارات العشق. وبذهنها تعصف أفكار منحرفة. لكم تود معانقته الآن وتقبيله، لكن لو قتلوها لن تفعلها بالتأكيد. لماذا لا يفعلها هو؟ لاحظ هو نظراتها إليه فتوقف عن الأكل وتنحنح بإحراج بسيط لتنتصب في جلستها وتقول بتلعثم: "بــ.. بالهنا والشفا." هز رأسه بابتسامة بسيطة ثم قال بجدية: "أخبار كليتك إيه؟ "أهو فاضل شهرين وامتحن واتخرج واخلص خالص." آدم بنبرة رزينة ورائعة:
"هانت خلاص، شدي حيلك واستحملي الشهرين دول." أومأت لها بتفهم وهي تبتسم باضطراب ملحوظ. ثم بدأت تلاحظ التجديدات التي طرأت على المعرض ولفت انتباهها إحدى لوحاته الفنية لتقول بانبهار: "الله جميلة أوي اللوحة دي يا آدم." التفت برأسه للخلف ينظر إلى ما تنظر إليه ثم عاد برأسه إليها مرة أخرى وقال بغمزة: "اعتبريها هدية مني ليكي في احتفالية المعرض." زينة بصدمة: "بتهزر؟ "لا طبعًا مش بهزر.. طالما عجبتك يبقى حلال عليكي."
وثبت واقفة ومن دون أن تشعر وجدت نفسها ترتمي عليه وتعانقه وهي تهتف كالمتغيبة عن الواقع: "ميرسي أوي يا دوما بجد." فور انتهائها من جملتها، علت الصدمة الحقيقية لمعالمها وهي لا تزال متعلقة برقبته. "فعلتها.. عانقته، كيف! يبدو أنني فقدت عقلي." ارتدت للخلف بسرعة وقالت بنظرات زائغة وصوت مرتبك ومتلعثم: "اا... آسفة مـ .. مقصدش."
ابتسم آدم بطبيعية وقال بعذوبة ومرح محاولًا امتصاص خجلها رغم أنه هو أيضًا اندهش من فعلتها ولم يكن يتوقعها أبدًا: "في إيه عادي يابنتي.. تعالي هفرجك على بقية اللوح اللي جواه." هزت رأسها بالنفي وقالت بتوتر ملحوظ: "لا لا أنا همشي عشان متأخرش." "متخافيش أنا هوصلك." "خليني امشي أفضل أحسن، أنت عارف خالتك لما بتتعصب وأنا قولتلها إني مش هتأخر." تنهد بهدوء وقال بلطف: "طيب براحتك يلا هوصلك." هتفت برفض سريع ولهجة خجلة وقد
ارتفعت الحمرة لوجنتيها: "لا مش عايزة أتعبك، أنا هروح وحدي." آدم بصوت رجولي خشن وحاد: "مش هسيبك تمشي وحدك طبعًا يازينة، يلا بلاش كلام كتير وشكرًا على ورق العنب." لانت نبرته في جملته الأخيرة لتظهر بشائر الابتسامة على ثغره وهو يقولها فتبادله الابتسامة بأخرى مضطربة دون أن تجيب. ***
استقامت جلنار واقفة من على الأريكة بعدما سمعت صوت طرق الباب. جففت دموعها التي لم تتوقف منذ مكالمتها مع عدنان. حملت ابنتها النائمة على قدميها وذهبت بها إلى غرفتها لتضعها على فراشها برفق ثم دثرتها بالغطاء وعادت للخارج في اتجاه الباب. فتحت الباب وهي تقف بثبات لتواجه أمامها حاتم الذي كان يبتسم باتساع، ولكن تلاشت ابتسامته تدريجيًا عندما رأى وجهها الشاحب وعيناها المنتفخة من أثر البكاء. ودخل فورًا ثم أغلق الباب وقال بزعر:
"مالك يا جلنار؟ تكلفت الابتسامة وقالت بصوت جاهدت في إخراجه طبيعيًا: "مفيش حاجة، مرهقة شوية بس ياحاتم.. تعالى نتكلم جوه." تقدمته هي بالسير إلى الداخل وكان هو خلفها، ثم جلس بجوارها على الأريكة وقال باهتمام ونبرة حانية: "احكيلي في إيه؟ تنفست الصعداء بخنق وقالت بخفوت: "عدنان كلمني." قطب حاتم حاجبيه باستغراب، فكيف اتصل بها ورقمها تغير منذ أن جاءت هنا؟ هتف بحيرة: "اتصل بيكي إزاي يعني؟
"على الإنترنت، شاف صورنا في عيد الميلاد وكلمني واتخانق معايا." رمش بعينيه عدة مرات في عدم فهم ثم اعتدل في جلسته وقال بهدوء ونبرة بدأت تتحول للغلظة: "واحدة واحدة يا جلنار.. صور إيه اللي شافها وإزاي شافها وعرف يكلمك على الإنترنت إزاي أصلًا! أحست بأن دموعها على وشك الانهمار مجددًا، فشدت على محابسهم وقالت بثبات مصطنع: "واضح إن في حد بعتلنا صور ليا أنا وأنت وبعتها ليه وهو اتجنن طبعًا لما شافها وافتكرني بخونه."
ظهرت الغيرة في عيني حاتم الذي قال بغضب: "ما يتنيل يفتكر اللي يفتكره.. إنتي زعلانة ليه؟ مش هتطلقي منه لما ترجعي؟ إيه اللي مضايقك؟ جلنار باستياء: "لازم أضايق ياحاتم.. لما يتهمني بحاجة زي كدا يبقى لازم أضايق. أنا من ساعة ما اتجوزته ومبصيتش لراجل غيره وكنت محترمة جوازنا حتى لو كان فاشل وكنت مجبرة عليه."
زعجه بشدة اعترافها حول محافظتها على قلبها من أجل زوجها، وهذا يوضح شيئًا واحدًا وهو حبها له. وأنها لم تفكر بالجالس أمامه هذا أبدًا من قبل! تمتم بصوت متحشرج: "وكلمك إزاي برضوا؟ "أنا كلمته مرة فيديو على نفس التطبيق، فهو اتصل بيا عليه النهارده." خرجت صيحة قوية منه حاتم وهو يهتف بسخط: "نعم كلمتيه ليه!!! جلنار بنظرات صارمة وصوت تبدلت نبرتها الهادئة إلى أخرى محتدمة:
"مكلمتهوش عشان سواد عيونه ياحاتم.. 'هنا' كان واحشها أوي وفضلت زعلانة ومضايقة إنها مش عارفة تكلمه ولا هو بيتصل، فاضطريت اتصل بيه عشانها." حاتم بغضب تعجبت منه: "وهو إحنا مش اتفقنا إن إنتي مش هتتواصلي معاه ولا تكلميه خالص يا جلنار إلا لما ترجعي وتتطلقي منه؟ جلنار:
"مقدرتش ياحاتم أشوف بنتي زعلانة بالشكل ده.. ثم إن كدا كدا هيعرف مكاني سواء هو أو بابا، مش هفضل هربانة منهم كتير. أنا كنت بحاول أكسب وقت بس بعيد عنهم عشان أفكر هتصرف إزاي لما أرجع." نفث بنظرة ساخرة لا يصدق ما يسمعه من فمها وكأنها على وشك التراجع في قرارها الذي جاءت إلى هنا وهي مصرة عليه: "ليه هو إنتي ناوية ترجعي في كلامك وتتراجعي عن الطلاق ولا إيه؟
لا تفهم سبب حرصه الشديد على طلاقها هذا ولماذا كل هذا الغضب والانفعال بمجرد أن أخبرته أنها حدثت عدنان، لكنها لم تهتم كثيرًا حيث قالت بإصرار وعناد شديد: "مستحيل أرجع.. هيطلقني غصب عنه.. أنا سكت عن حاجات كتير بس مش هسكت على شكه فيا." لم يعجبه حديثها مطلقًا وأحس أنه على وشك خسارتها وأن ذلك "العدنان" سيعود ويسلبها عقلها فتصبح مسيرة بأوامره وبقلبها الذي سينبض من أجله فقط.
زفر الهواء من فمه بحنق ظاهر ومسح على وجهها متأففًا دون أن ينظر لها. بينما هي فظلت تتابع انفعالاته الغريبة بتعجب!! *** هرولت فوزية مسرعة نحو باب الشقة بعد سماعها لرنة الجرس. وعلى وجهها ابتسامة مشرقة وعريضة. فقد وصل العريس ومعه عائلته. فتحت الباب وكانت في المقدمة والدة العريس التي اقتربت وعانقت فوزية بعناق حار وهتفت فوزية بسعادة: "أهلًا وسهلًا.. اتفضلوا." ابتعدت عنها والدة العريس ودخل من خلفها الحاج ممدوح الأعور
(والد العريس) وهو يتنحنح بأدب ويحمل بين يديه علبة مستطيلة من التفاح الأحمر: "إزي الصحة ياحجة فوزية؟ "بخير الحمدلله ياحج، اتفضل اتفضل.. ولا كإن له لزوم والله التعب ده ياحج." أجابها ممدوح بوجه مبتسم: "يزيد فضلك.. ولا تعب ولا حاجة، دي حاجة صغيرة كدا." وأخيرًا كان آخرهم يدخل صابر (العريس) ويحمل على ذراعيه قفص كبير من المانجا. ألقى التحية على فوزية التي رحبت به ترحيبًا حارًا وببشاشة.
كانت مهرة من داخل غرفتها تدور يمينًا ويسارًا منتظرة شيئًا معينًا، حتى سمعت صوت صافرة من أسفل شرفتها. فخرجت إلى الشرفة تطل منها تنظر للصبي الصغير (ميدو) وتشير له بأصابعها الخمسة وتهمس بصوت غير مسموح: "خمس دقايق."
دخلت للداخل فورًا ثم ألقت نظرة أخيرة على مظهرها في المرآة ثم غادرت الغرفة فور سماعها لصوت جدتها وهي تنده عليها. اتجهت نحوهم وكانت نظراتهم مستنكرة ومدهوشة لما ترتديه. حيث ترتدي بنطال بني اللون واسع وعريض يخص جدها المتوفي وأعلاه تيشيرت من اللون الأبيض ولم تبذل أي مجهود في تسريح شعرها جيدًا رغم نعومته. جلست بجانب جدتها دون أن تصافحهم حتى وظلت تنقل نظرها بينهم بابتسامة بلهاء وهي ترى الاشمئزاز على وجههم والغضب الذي سيطر على ملامح جدتها.
لتقول بمزاح وهي تضحك: "لا مؤاخذة أصل البنطلون غسلته الصبح ومنشفش.. والجيش قال اتصرف." تبادلوا النظرات المنصدمة بين بعضهم البعض، بينما فوزية انحنت على حفيدتها وهمست بوعيد حقيقي وهي تستشيط غيظًا: "والنعمة الشريفة لأربيكي يامهرة.. إيه اللي لابساه ده؟ "بنطلون الحج الله يرحمه، عارفة لو لبستيه يازوزا هياكل منك حتة صدقيني.. تحبي أروح أغيره وتلبسيه؟
تمالكت أعصابها واشاحت بنظرها عنها تنظر للضيوف وهي تبتسم بتصنع ونيران الغيظ مشتعلة بداخلها. هم ممدوح بأن يتحدث متجاهلًا منظر مهرة، لكنها قاطعته وهي تهب واقفة وتقول: "يوه يقطعني.. لا مؤاخذة نسيت الشربات، وحياة قرعتك اللي بتلمع دي ياحج ما أنت قايل حاجة غير لما تشربوا الشربات الأول."
رفع ممدوح يده إلى رأسه يتحسس ملمسها الأملس والناعم لعدم وجود أي شعر بها ونقل نظره بين الجميع بوجه مكتوم من الغيظ. بينما والدة العريس فاقتربت على فوزية وهتفت بنظرات ساخرة بعد رحيل مهرة: "هي مالها بنت بنتك يافوزية؟ ابتسمت فوزية بتكلف وقالت بإحراج: "معلش صغيرة بقى وهي بتحب تهزر كدا كتير.. دمها خفيف ماشاء الله." ظلت مهرة تجوب في المطبخ إيابًا وذهابًا وهي تهتف باغتياظ: "ماشي ياميدو الكلب.. وحياة أمك لأربيك."
ثم صك سمعها صوت طرق الباب العنيف ولم يكن ليد واحدة، فركضت للخارج فورًا حتى تفتح الباب ودخلت مجموعة من أطفال المنطقة. ثم أشارت لهم على الداخل وهي تغمز. فركضوا فورًا متصنعين أنهم في طريقهم للغرفة الداخلية التي سيأخذون فيها الدرس المزيف، لكن توقفوا عند مرورهم من أمام الصالون الذي موجود به العريس وعائلته وصاح واحدًا منهم وهو يشير على صابر: "الحقوا!
نظروا جميعهم إلى إشارة إصبعه وأسرعوا إلى الداخل ووقفوا جميعهم وهم يرددون ويتراقصون بأجسادهم الصغيرة ويخرجون لسانهم: "يصابر يا جزمة ياللي ملكش لزمة." نظر صابر وتبادل النظرات النارية مع والديه فوزية. بينما مهرة هرولت راكضة من الخارج إلى الأطفال وهي تصيح عليه بغضب مزيف حتى تدفعهم للغرفة الداخلية. بينما صابر نظر لفوزية وقال باحتدام: "إيه ياحجة فوزية هو إحنا جايين بيتك نتهزق ولا إيه؟
هبت فوزية واقفة وصاحت في الأطفال بعصبية وهي تدفعهم للخارج. بينما مهرة فقالت وهي تهتف محدثة صابر بابتسامة مستفزة: "لا مؤاخذة يا جزمة.. أقصد يا صابر أصل أنا بقيت بدي دروس والنهاردة معاد الدرس." صرخت فوزية بانفعال: "دروس إيه دي ومن إمتى؟ هزت مهرة أكتافها بعدم مبالاة وقالت ببرود: "من النهاردة." استقام ممدوح واقفًا وهو يقول بوجه محمر من الغضب:
"لا ده كدا زادت قوي.. قوم بينا ياصابر ويلا ياحجة وهات علبة التفاح وقفص المانجا ده معاك كمان." استقاموا وحملت والدته علبة التفاح وهو القفص واتجهوا للخارج وسط محاولات فوزية للاعتذار منهم عن ما صدر عن حفيدتها. بينما مهرة فهتفت وهم على الباب وتقول ببرود وهي تكتم ضحكتها: "طب سيب كيلو مانجا حتى أتسلى عليه وهندفعلك حقه." ثم همست لنفسها وهي تلوي فمها بقرف: "عيلة نتنة بصحيح."
ثم رفعت نظرها لجدتها التي طردت الأطفال وصرخت فيهم بصوتها المرتفع. ثم أغلقت الباب ونظرت لمهرة وعيناها حمراء كالدم من الغضب. ثم التقطت حذائها من قدمها وقالت بوعيد: "شايفة الجزمة دي.. هنزل بيها على نفوخك وهدعكك بيها." شهقت مهرة بفزع وأسرعت ركضًا نحو غرفتها وأغلقت الباب عليها لتسمع صوت جدتها من خلف الباب وهي تصرخ: "أما أربيكي يابنت رمضان الأحمدي مبقاش أنا فوزية." سمعت صوتها الساخر وهي تهتف ببرود ضاحكة:
"طلقني.. لو مش عاجبك طلقني." "الصبر من عندك يارب.. هتجلطيني يابنت الـ ****." ارتفعت ضحكات الأخرى من الداخل، بينما فوزية فظلت تحاول فتح الباب ولكن باءت كل محاولاتها بالفشل. فجذبت مقعدًا وجلست أمام الباب تقول بنبرة متوعدة: "طيب اديني قاعدةالك اهو أما أشوف هتعرفي تطلعي إزاي من جوا.. خليكي قاعدة عندك." ***
فتح عدنان الباب ودخل فوجد أمه تجلس على الأريكة أمام التلفاز وتشاهد أحد المسلسلات الكلاسيكية. تنهد بقوة واقترب منها من الخلف وانحنى على رأسها يطبع قبلة حانية عليه ويهتف بوجه واضح عليه الهم والضيق: "عاملة إيه ياست الكل؟ التفتت له أسمهان بجسدها وطالعته بنظرة قلقة وهمست: "كويسة ياحبيبي.. إنت مالك شكلك مضايق من حاجة؟ عدنان بخفوت فهو ليس في مزاج أبدًا للحديث: "مفيش حاجة متقلقيش، تعبان بس من الشغل، هطلع أريح في أوضتي شوية."
هزت رأسها بأيجاب وقالت بحنو وهي تضغط على كفه بحب: "ماشي ياحبيبي ريح دلوقتي وبكرة نبقى نتكلم." هز رأسه بالموافقة في ابتسامة باهتة ثم استدار واتجه نحو الدرج. وقبل أن يصعد أول درجاته هتفت أسمهان بنبرة ليست طبيعية: "صحيح، فريدة مش فوق؟ صُدم بأرضه على أثر جملتها. كيف ليست بالأعلى؟ الساعة الآن تجاوزت الثانية عشر بعد منتصف الليل! التفت بجسده ناحية أمه وهتف بنبرة غليظة: "إزاي يعني مش فوق؟ أمال فين؟ أسمهان
بنبرة واضح عليها الحنق: "هي مقالتلكش؟ طلعت من الصبح وقالت إن في واحدة صاحبتها عملت حادث وهتروح تزورها في المستشفى واحتمال تتأخر ولغاية دلوقتي مرجعتش ورنيت عليها مش بترد." عدنان بوجه بدأت تظهر عليه بشائر حالته المرعبة: "مش بترد.. وقاعدة برا لغاية الوقت ده! تمام، لما ترجع قوليلها إني مستنيها فوق."
ثم استدار وصعد الدرج متجهًا إلى غرفته وهو يخرج هاتفه ويجري اتصال بها ولكن بلا إجابة منها. مما هيج عواصفه أكثر. فما فعلته جلنار والغضب المكبوت بداخله منذ لحظتها يبدو أنه سيكون من نصيب فريدة وستحظى بضعف حالته العصبية بالصباح. فتح الباب على مصراعيه ودخل ثم جلس على الفراش وقدماه تهتز بشدة من فرط السخط. ينتظر عودتها حتى تنال عقابها المستحق. دقائق مرت حتى أصبحت ساعة كاملة!!
وأخيرًا وصلت وكانت وجهتها فورًا إلى غرفتها بالأعلى بعد أن أخبرتها أسمهان بأن زوجها بانتظارها بالأعلى. وكانت يبدو عليها الحنق والقرف منها وهي تحادثها مما أكد لها أن عدنان هو عبارة عن قنبلة موقوتة بالأعلى وتنتظرها حتى تنفجر بها! فتحت الباب ببطء وخوف ثم دخلت وهي تنظر للجالس على الفراش وهيئته مرعبة. رمقها بنظرة دبت الرعب في أوصالها فظلت واقفة مكانها لا تتحرك كالصنم تمامًا، حتى سمعت همسة متحشرجة خرجت منه وهو
يسأل بهدوء ما قبل العاصفة: "إنتي عارفة الساعة كام دلوقتي! الساعة واحدة يا مدام يامحترمة." ابتلعت ريقها بتوتر وقالت بخوف بسيط: "أنا آسفة بس صحبتي كانت تعبانة أوي يا عدنان واضطريت أقعد معاها وأنا مرجعتش وحدي.. باباها وصلني." وثبت واقفًا وغار عليها كالثور الهائج وهو يصرخ بصوت جلجل في أرجاء القصر كله حتى أن آدم الكامن بغرفته سمع صوت صياح أخيه:
"أنا مليش دعوة بالزفت اللي بتقوليه ده ولا بصحبتك ولا قرف.. أنا ليا دعوة بمراتي اللي قاعدة برا البيت لغاية الساعة واحدة بليل من غير ما تقولي ومبتردش على تلفونها كمان." كانت أسمهان من الأسفل تسمع صوت صياح ابنها وتبتسم بشماتة في تلك الشيطانة الصغيرة. بينما فريدة بالاعلى فصابتها نفضة فور صرخته العنيفة بها وقالت بارتعاد: "التلفون كان في الشنطة والله يا عدنان ومسمعتهوش." قبض على ذراعها بقسوة وجذبها إليه وهو
يهتف بنبرة مرتفعة وانفعال: "أنا ليا فترة سايبلك السايب في السايب وبتطلعي وتدخلي براحتك من غير ما تقوليلي وأنا مطنش بمزاجي عشان مش عايز أزعلك مني.. بس لغاية هنا وكفاية أوي، قسمًا عظمًا يافريدة لو رجلك عتبت برا عتبة القصر من غير إذني لتشوفي اللي عمرك ماشوفتيه مني فاهمة ولا لا.. واللي حصل النهارده ده اعتبريه أول تحذير مني ليكي." ثم سكت لبرهة وهدأت نبرة صوته قليلًا ليقول بصوت أشبه بفحيح الأفعى:
"مش معنى إني بحبك وإنك أغلى حاجة عندي يبقى تستغلي النقطة دي وتعملي اللي على هواكِ، أنا صبري ليه حدود وإنتي عارفة ده كويس، متضطرنيش إني أتصرف معاكي بالطريقة دي تاني ياريت." ثم ترك ذراعها بجفاء ونزع سترته وهو يستدير ويلقيها على الفراش وهو متجه نحو الحمام.. تاركًا إياها تقف بصدمة لا تصدق أن هذا هو عدنان الذي طالما كان مثال في الحنان والحب ولم يعاملها بهذه الطريقة قط منذ زواجهم. لابد أن تلك الأفعى جلنار هي السبب! ***
أجاب نشأت على الهاتف بتلهف ليسمع صوت الطرف الآخر وهو يقول بحماس: "عايز الحلاوة الأول بقى ياباشا على الأخبار السكرة اللي جبتهالك دي." "اخلص ياحيوان.. اتكلم وإلا أقسم بالله ها... قاطعه وهو يقول بخوف وضيق: "خلاص وعلى إيه ياباشا من غير إلا.. بنت سيادتك موجودة في أمريكا مع الواد اللي اسمه حاتم الرفاعي.. بس مش قاعدة معاه في نفس بيته هو في بيت وهي في بيت وبتشتغل معاه في شركته." "والعنوان؟ "العنوان في كاليفورنيا (.......
هتف نشأت بفرحة: "استنى اتصال مني عشان أقولك تيجي وتاخد بقية فلوسك." أجاب الآخر بنظرات جشعة وصوت مسرور: "تسلم ياباشا.. وأنا هستنى اتصالك." أنهى معه الاتصال وألقى بالهاتف بجواره وهو يبتسم بسعادة. وبدأ يعد الخطط الجديدة من الآن، فعثوره على ابنته خير فرصة له بكل شيء وليس عمله فقط!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!