الفصل 5 | من 50 فصل

رواية امرأة العقاب الفصل الخامس 5 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
30
كلمة
4,785
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

كانت جلنار تجلس في حديقة المنزل وتتصفح هاتفها وتشرب كوب اللبن الصباحي الخاص بها. بجانبها صغيرتها كذلك تمسك بكوب اللبن وترتشف منه ببطء. حتى صاحت فجأة بسعادة طفولية: _مامي .. خلصت اللبن. نظرت لها جلنار وشهقت بدهشة مصطنعة وهي تبتسم ثم قالت: _بالسرعة دي. هزت "هنا" رأسها بإيجاب بينما جلنار فانحنت عليها وطبعت قبلة عميقة على وجنتها وهتفت بحنو: _شطورة ياحبيبة ماما.

ثم ابتعدت عنها وضيقت عيناها بذهول وهي تحدق في الجهة التي أمامها وتهمس بوجه معالمه جادة ومريبة: _إيه اللي هناك ده. التفتت الصغيرة فورًا برأسها للجهة التي تنظر منها أمها. وبمجرد ما التفتت برأسها غارت جلنار عليها تدغدغها في جسدها الصغير بقوة. فتنطلق منها ضحكات عالية وهي تحاول الفرار من أمها وتارة يمتزج ضحكها بصراخ. حتى تركتها وهي تبادلها الضحك. وثبت "هنا" جالسة بعد أن التقطت أنفاسها من شدة الضحك وقالت وهي تلتصق بأمها:

_هو احنا مش هنكلم بابي تاني !! اختفت ابتسامة جلنار وقالت بخفوت: _بابي أول مايفضى هيكلمنا ياحبيبتي. _طيب احنا إمتى نرجع بيتنا ؟ اطالت النظر في أعين ابنتها الحزينة وقالت بأسى: _مش عارفة. أطرقت الصغيرة رأسها لأسفل بيأس ثم عادت تستكمل اسألتها: _بابي قاعد مع تيتا وطنط فييدة ؟ تأففت جلنار بصوت مسموع بعد سماعها لاسم فريدة من ابنتها واعتدلت في جلستها لتقول بحدة بسيطة:

_هنا أنا قولتلك كذا مرة ياحبيبتي طنط فريدة مش بتحبنا خالص. اتسعت عيني الصغيرة وقالت بتعجب: _يعني طنط فييدة وحشة. مسحت جلنار على وجهها وهي تزفر بخنق ثم أجابت على ابنتها بحزم: _أيوة .. ويلا بينا ندخل عشان الجو برد وكدا ممكن تتعب. استقامت "هنا" واقفة وامسكت بيد أمها وسارت معها إلى الداخل، وهي تفكر متى سيعود والدها فلقد اشتاقت له كثيرًا. ***

تمسك بيدها كوب شاي وباليد الأخرى قطعة بسكوت تغمرها في الشاي وتخرجها لتضعها في فمها وهي تشاهد التلفاز على إحدى قنوات المسلسلات التركية المدبلجة. زاد انتباهها وتركيزها على المشاهدة عندما جاء مشهد بين أبطال المسلسل وهم يتشجارون. فظلت محدقة بالتلفاز وهي تلوي فمها بقرف من شخصية البطل في المسلسل. ثم التقطت قطعة بسكوت أخرى وفعلت معها كما فعلت بالأخرى وهتفت بقرف وهي تلقيها بفمها قاصدة بطل المسلسل:

_طاب والله العظيم الواد مراد ده بني آدم براس كلبة. سكتت للحظات تستمع لرد البطلة على البطل في التلفاز ثم هتفت بخنق: _هما إيه المتخلفين عقليًا دول .. يابت سبيه هما كلهم صنف عرة والله. وفجأة شعرت بكف قوى نزل على رقبتها من الخلف فانتفضت واقفة والتفتت بجسدها للخلف فوجدتها جدتها. صاحت في ضيق: _هو حد جه جمبك ياحجة بتضربي ليه. اقتربت منها فوزية وهي تشمر عن أكمامها وتقول بوعيد وابتسامة متشفية:

_لتكوني فاكرة عشان غلب عليا النوم امبارح وهربتي مني هسيب اللي عملتيه يعدي بسهولة كدا. ظلت مهرة تتقهقر للخلف وهي تقول بنبرة خائفة: _استهدي بالله بس وهنتفاهم .. طب بزمتك إنتي كنتي ترضهالي .. ده عبيط جاي يتقدم ولأبس بنطلون فسفوري ، اللون رشق في عيني جابلي حول والله. فوزية بغيظ: _ياختي بركة ! ابتسمت مهرة ببلاهة بعدما أحست بهدوء انفعال جدتها قليلًا ثم تحركت بحذر وخبث نحو جدتها حتى قفزت بجوارها ولفت ذراعيها

حول أكتافها تقول بمكر: _يازوزا أنا مواصفات فتى أحلامي مختلفة. _أكيد اهطل زيكم. هرة بشفتين مزمومتين: _لا لا انتي مش هتفهميني وبتستهزئي بأحلامي التافهة. تنهدت فوزية بعدم حيلة ثم اتجهت وجلست على الأريكة لتقول بصوت مرهق: _يابنتي حرام عليكي عايزة اطمن عليكي وافرح بيكي قبل ما اموت .. انتي أمانة امك الغالية الله يرحمها لو حصلي حاجة هسيبك لمين. أجابتها بسخافة وهي تضحك: _سبيني لضميري.

انحنت فوزية وهمت بالتقاط شبشبها لكن مهرة قفزت وجلست بجوارها فورًا وهي تحتضنها وتهتف بضحك ومرح: _تموتي فين بس ده انتي صحتك زي البومب ، ده أنا قرب يجيلي كساح وإنتي بتجري زي الخيل. دفعتها فوزية بخفة هاتفة بسخط بسيط: _نقي عليا يا بنت رمضان مش كفاية فقعالي مرارتي عايزة تجيبي اجلي كمان. انحنت عليها وطبعت قبلة عميقة على جبهتها وهي تقول بعذوبة: _ربنا يديكي الصحة يازوزا ويخليكي ليا .. هو أنا أقدر أعيش من غيرك برضوا.

طالعتها فوزية بحنان ثم جذبتها لأحضانها وهي تملس على شعرها وتطبع قبلات متفرقة عليه بحب. *** داخل منزل شقيقة أسمهان. سارت باتجاه أسمهان وهي تحمل كأسين من العصير الطازج ثم وضعتهم على منضدة صغيرة أمامهم وجلست بجوار شقيقتها وهي تسأل باهتمام: _لسا مفيش خبر عن جلنار يا أسمهان ؟ هتفت أسمهان بخنق محدثة شقيقتها: _يعني أنا جيالك يا ميرفت عشان تجبيلي سيرة اللي ما تتسمى دي. ميرفت بعدم فهم:

_أنا نفسي افهم إنتي مش طيقاها ليه .. هي البنت عملتلك إيه ، دي حتى جيبالك حفيدة زي القمر ماشاء الله. أسمهان بغل وحقد: _مش طيقاها عشان بنت نشأت الرازي .. ده راجل قذر وكل يوم مع ست شكل .. وكل همه الفلوس ومصلحته وبس واهي بنته زيه لما لقت مفيش فايدة من ابني ومش هتعرف تاخد حاجة منه قالت اطلب الطلاق ولما رفض خدت البنت وهربت والله اعلم بقى قاعدة مع مين دلوقتي ولا بتعمل إيه. ميرفت بلطف وإشفاق:

_يا أسمهان حرام عليكي متظلميش البنت .. جلنار كويسة وتستاهل أفضل حاجة .. متحسسنيش إن عدنان ملاك نازل من السما ، ماهي البنت هربت لما عرفت أنه عايز ياخد بنتها منها ومش كفاية معذبها معاه ومهملها ، و كل اهتمامه مديه لفريدة ولبنته ، وبعدين مش إنتي اللي كنتي عايزاه يتجوز تاني عشان يخلف وفضلتي تزني عليه لغاية ما تعب من الزن ووافق. أجابتها وهي تعتدل في جلستها وتقول بنظرات مشتعلة:

_كنت هجوزه بنت سليم العايد ، نسب نتشرف بيه مش نشأت القذر ده .. لكن تقولي إيه بقى في عمته .. عارفة لو كانت عايشة لغاية دلوقتي أنا كنت اكلتها بسناني. تنهدت ميرفت بعدم حيلة مش حقد شقيقتها وبغضها للجميع الذي لا ينتهي أبدًا وقالت بتهكم: _ده بدل ما تدعي للست بالرحمة وتقولي ربنا يرحمها. _ماتت وسابتلي البلوة اللي اسمها جلنار دي بعد ما اقنعت عدنان أنه يتجوزها. ميرفت بنفاذ صبر:

_طيب اشربي العصير يا أسمهان وخلينا نتكلم في حاجة تاني. زفرت أسمهان بعصبية بسيطة ثم التقطت كأس العصير وبدأت ترتشف منه بهدوء وهي تفكر في طريقة للتخلص من زوجة ابنها الثانية حتى تتفرغ بعد ذلك لفريدة. *** دخلت إلى غرفة قديمة بالقصر لا يدخلها أحد إلا نادرًا ثم وقفت على عتبة الباب وأخرجت رأسها وجعلت تتلفت يمينًا ويسارًا لتتأكد من عدم وجود أحد ثم أغلقت الباب جيدًا ودخلت لتجيب على الهاتف وهي تهتف باستياء:

_أنا مش قولتلك مليون مرة متتصلش بيا خالص إلا لو في حاجة ضروري. أتاها صوت الآخر وهو يهتف بهيام: _ماهو في حاجة ضروري وهي إنك وحشتيني ياديدي. ارتفعت الابتسامة المحبة على شفتيها وقالت بدلال: _هو إنت لحقت ما أنا كنت معاك امبارح اليوم كله. _إنتي بتوحشيني كل دقيقة ياحبيبتي .. طمنيني عملتي إيه امبارح لما رجعتي. تنفست الصعداء بضيق وقالت: _حصلت مشكلة كبيرة وعدنان كان على أخره ومن امبارح مش بيتكلم معايا.

_وبعدين مع عدنان أنا قولتلك اديني بس الإشارة وصدقيني هنرتاح منه خالص يافريدة. صاحت بصوت مرتفع نسبيًا: _أنت اتجننت نرتاح منه إيه .. أنا مقدرش اعمل حاجة زي كدا ، واحدة واحدة نخلص من جلنار دي الاول وبعدين هشوف هتصرف إزاي مع عدنان. _زهقت يافريدة عايزاك تخلصي منه أو تتطلقي حتى عشان تكوني ليا لوحدي .. مبقتش قادر استحمل. سكتت لبرهة من الوقت وهي تستعيد في ذهنها كافة الأحداث منذ زواجه بجلنار وحتى الآن.

كيف كانت فرحته وهي تراه يحمل ابنته بين ذراعيه لأول مرة ونظراته الدافئة لجلنار منذ ولادتها. خوفه وجنونه عليها الآن وهي بعيدة عنه وغيرته المفرطة عليها. لقد اشبعها من كلماته حول حبه الوحيد لها وأن جلنار لا تعنيه بشيء ولكن أفعاله أظهرت العكس تمامًا. هتفت فريدة بقسوة: _اطمن عدنان أصلًا مبقيش ليه أي مكان في قلبي .. أنا مستنية الوقت المناسب وبعدها صدقني هكون ليك لوحدك ومفيش حاجة هتقدر تفرقنا. ثم هتفت فورًا باضطراب بسيط:

_أنا هقفل عشان ممكن حد يسمعني وانا مش ناقصة مصايب مش عايز ادي فرصة لعدنان أنه يشك فيا حتى. _طيب ياحبيبتي خلي بالك من نفسك. _وإنت كمان .. سلام. أنهت معه الاتصال ثم جلست على الفراش الذي خلفها وبقت تحملق أمامها بعينان تطلق شرارات الغضب والغيظ. *** داخل مكتب عدنان في القصر. جالسًا على الأريكة ويمسك بصورة صغيرة بين يديه ويحدق بها في أعين مشتاقة ومتألمة. لم يعد يحتمل فراق صغيرته عنه أكثر من ذلك.

قلبه يصرخ شوقًا لها ، وروحه تائهة في الفضاء تبحث عن مستقرها ، ولن تعود له إلا عند عودة فتاته إليه. جلنار اختارت العِقاب الأمثل له ، بدلًا من أن تعذبه بأي شيء آخر اختارت الأكثر ألمًا بالنسبة له وهو إبعاد ابنته عنه. والآن هو يتخبط بيأس باحثًا عن أبرة في كومة من القش ولا يتمكن من إيجادهم. من جهة ابنته وخوفه عليه واشتياقه لها ومن جهة أخرى تلك الماكرة التي تفعل كل ما بوسعها حتى تثير جنونه وغيرته.

لم يتمكن من إخراج صورتها من عقله مع ذلك الرجل منذ أمس. وكلما تعصف بذهنه يظهر الاحمرار في عيناه ويزداد وعيده لها أكثر. وليت عقله اللعين يتوقف عند هذا الحد فقط بل يستمر في طرح أسئلة وتخيلات تزيد من جنونه أكثر. ماذا كان رد فعلها هل كانت سعيدة بلمسة ذلك الوغد لها أم أنها نفضت يده عنها ؟ من يكون ذلك الرجل ؟ هل الأمر تخطى مجرد لمسة يد ؟!

( ماذا تفعلين ياجلنار ، اقسم لكِ إنني حين أجدك ستنالين العقاب الذي تستحقينه مني وسأجعلك تتوسلين أن ارحمك ولن أشفق عليكِ ) كانت جملة قاسية وجافة يهمسها لنفسه تعبر عن مدى دماره الداخلي من كل شيء تفعله تلك المتمردة. عاد ينظر إلى الصورة التي بيده من جديد ويبتسم بصفاء ثم تقذف بذهنه فجأة ذكرى له مع صغيرته. فتح باب غرفتها ببطء شديد ثم ادخل رأسه أولًا فوجدها تجلس على الأرض ومنشغلة باللعب بألعابها الخاصة.

وحين فتح الباب كاملًا ودخل بجسده كله فالتفتت هي برأسها نحو الباب ووثبت واقفة بفرحة وركضت نحوه تتعلق بقدميه وهي تهتف بصوت طفولي: _بابي. انحنى إليها وامطرها بوابل من قبلاته الحانية على وجهها كله وهو يهمس بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا: _ياروح بابي .. جبتلك حاجة حلوة معايا. لمعت عيناها بوميض متشوق وقالت بحماس: _شوتلاته ؟ ( شوكولاته ) قهقه عاليًا وهز رأسه بإيجاب ثم هتف بخبث جميل: _بس مش هتاخديها إلا بشرط.

اختفت ابتسامتها وحل محلها اليأس فوجدته يميل بوجهه للجانب يشير إلى وجنته هامسًا: _عايز بوسة كبيرة اووووي. رتمت عليه تعانقه وهي تعطيه قبلة قوية وعميقة على وجنته فيهتف بضحكة بسيطة وبهيام: _الله .. احلى بوسة في حياتي. ثم مال بوجهه للجانب الآخر وأشار لوجنته الأخرى: _وحدة هنا كمان. فعلت بالمثل وبقوة أشد على وجنته الآخرى ثم ابتعدت ووقفت تنظر له منتظرة أن يخرج لها الحلوى.

فمد يده في جيبه سترته وأخرج قطعة شوكولاته كبيرة نسبيًا مغلفة بورقة جميلة فصاحت "هنا" بسعادة وجذبتها من يده ثم فورًا بدأت تزيل الغلاف عنها ووضعت جزء منها في فمها وهي تأكلها بفرحة ولطخت فمها كله ويديها بها. ثم نظرت لأبيها الذي يتابعها بحنو وحب وكسرت قطعة صغيرة منها ومدت يدها بها إلى فمه ثم لفت ذراعيها حول عنقه وعانقته وهي تطبع قبلة صغيرة على وجنته وتهمس: _بحبك أوي يابابي.

لم تمهله اللحظة ليجيب عليها حيث بمجرد ما ابتعدت عنه ورأت الشوكولاته التي طبعت على وجهه بسبب فمها الملطخ بها. انفجرت ضاحكة بصوت عالي. ضيق هو عيناه باستغراب ثم تحسس وجنته بانامله فاتسعت عيناه بدهشة وغيظ مزيف، وباللحظة التالية كان يحملها ويلقي بها على فراشها الصغير ويتولي مهمة دغدغتها بوجهه كله في جسدها ورقبتها وهي تطلق ضحكات جلجلت أرجاء المنزل كله حتى وصلت لأذن أمها التي سمعتها وهي بالمطبخ وابتسمت بحب.

جذبه من ذكرياته الجميلة مع ابنته ، صوت انفتاح الباب ودخول فريدة ، وضع صورة ابنته على المنضدة الصغيرة التي بجانب الأريكة ، وتصنع تجاهله لها تمامًا حتى وجدها تجلس بجواره وهي تهتف بأسف: _أنا آسفة يا عدنان .. اوعدك إنها مش هتتكرر تاني. تنمقها بنظرة دبت الرعب في أوصالها وقال بشراسة:

_أنا مش هنتظر منك توعديني يافريدة .. إيه اللي حصل امبارح ده واللي كنتي بتعمليه وخروجك من غير أذني مش هيتكرر غصب عنك لأن لو حصل واتكرر أنا مش مسئول عن تصرفاتي بعد كدا. هتفت بنظرات مستاءة ووجه يعطي احمرار مريب: _أنت بتتصرف معايا بالطريقة دي ليه ياعدنان .. أنت عمرك ما عاملتني كدا ، أكيد بسبب الحقيرة اللي اسمها جلنار. مسح على وجهه وهو يزفر بحنق ثم أجابها بنظرة قوية:

_إنتي عارفة إنك بنسبالي متتحطيش في مقارنة لا مع جلنار ولا غيرها .. لكن إنتي اللي شكلك مش قادرة تتقبلي خطأك وإنك لازم تتعاقبي ، متقارنيش نفسك بحد .. إنتي غلطتي وكان لازم تتعاقب. تنفست الصعداء وهي بداخلها تشتعل بنيران الغضب، أتت للإعتذار منه فقط حتى تحافظ على المتبقى من علاقتهم بالنسبة لها إلى حين تتخلص منها ومنه نهائي. خرجت صوتها مكتوم بالغيظ: _واللي عملته معايا إمبارح مكنش عقاب كفاية بنسبالك !! عدنان بحزم:

_انفعالي عليكي امبارح إنتي السبب فيه لأنك استنفذتي كل طاقة صبري على تصرفاتك في الفترة الأخيرة. فريدة بوجه محتدم: _وعقابك ليا ده هيستمر لغاية إمتى ؟! عدنان بجفاء وبرود: _لغاية ما احس إنك اتعلمتي من غلطك واشوفك بتنفذي اللي قولت عليه.

لم تبذل أي مجهود في محاولة استعطافه أو جعل قلبه يلين لها قليلًا ، رغم معرفتها أنها إذا حاولت وبمجرد كلمات بسيطة منها ستنجح في الأمر لكنها لم تهتم كثيرًا للحصول على مسامحته أو غيره من الأساس. استقامت واقفة وقالت بمضض: _انا هطلع اوضتي لو احتجت حاجة انده عليا. ثم اندفعت من المكتب بسرعة وهي عبارة عن جمرة من النيران الملتهبة ولا تتوقف عن الوعيد لتلك المدعوة بجلنار !!

بينما هو فظل يحملق على اثرها وهو يغضن حاجبيه بحيرة من أمرها !! *** عبر آدم من بوابة الشركة واتجه إلى المصعد الكهربائي واستقل به. ثم ضغط على زر الصعود للطابق الثالث حيث يوجد مكتبه ومكتب أخيه. لحظات عابرة وتوقف المقعد ثم انفتح الباب ليخرج ويتجه نحو مكتبه لكنه لمح نادر وهو يقف أمام باب مكتب أخيه ويهم بفتحه للدخول، فغير وجهته فورًا وتحرك نحو مكتب أخيه وهتف بصوت مرتفع بعض الشيء: _نادر !

تصنم الآخر بأرضه وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يلتفت له بجسده كاملًا وهو يبتسم ببرود. فوقف آدم أمامه وقال بخشونة: _خير واقف عند مكتب عدنان ليه ؟ نادر بنبرة ممتعضة: _كنت داخل احط الملفات دي على مكتبه عشان لما ياجي يشوفهم. آدم بصرامة: _تقدر تدهاني أنا وهوصلها ليه متقلقش. ابتسم نادر بسخرية وقال بضجر: _هو في إيه بظبط يا آدم .. أنت مضايق مني في حاجة وأنا معرفش !!

أجابه بشموخ واضعًا كفيه في جيبي بنطاله وهتف بصراحة مألوفة عليه .. دون أن يتردد لحظة في نطق أي كلمة سيقولها: _في إني مش مستلطفك يانادر ولا طايقك وده من غير أي سبب سبحان الله .. وأنا لما يكون مش مستلطف حد يبقى أكيد الشخص ده مش تمام فخليك حذر عشان أنا عيني عليك ، ومكتب عدنان طول ما هو مش موجود يبقى الافضل متدخلهوش خالص. ثم أخرج كفه من جيب بنطاله ورتب على كتف نادر بابتسامة باردة وهو يقول بنظرات ذات معنى:

_يلا روح كما شغلك يابشمهندس. ثم استدار وعاد يتجه نحو مكتبه مرة أخرى بينما نادر فظل واقفًا وهو يتابعه بعيناه الملتهبة ويهتف بنظرة شيطانية: _شكلك مش هتجبها لبر معايا يا ابن الشافعي. *** في مساء ذلك اليوم. خرجت جلنار من الحمام وهي تلف حول جسدها منشفة وتمسك بأخرى صغيرة تجفف بها شعرها. ثم اتجهت نحو خزانتها حتى تخرج ملابسها.

وبينما كانت تبحث عن منامة بعينها وسط الملابس ، وقعت يداها على فستان من اللون الذهبي ، طويل وبحاملات رفيعة ومن الخلف لديه فتحة ظهر واسعة أما الامام فينزل بشكل مستقيم في منتصف الصدر ليظهر جزء ليس صغير منه. تجمدت يداها وهي تحدق به ، لا تعرف لماذا أخذته معها حين غادرت المنزل ولكنها لن تنسى حين أهداه لها بمناسبة عيد ميلادها منذ سنتين وكيف فرحت أنه تذكرها بشيء وسط إهماله الدائم لها.

أخرجته من الخزانة ومدت أناملها تتلمسه برقة وإعجاب ، ورغبت بشدة أن ترتديه مجددًا. ولم تتردد كثيرًا حيث سرعان ما شرعت في ارتدائه ثم وقفت أمام المرآة وهي تتفحص نفسها بنظرها. كان مثالي تمامًا ويسرق الأنفاس على جسدها الأنوثي للدرجة التي جعلها تقف تحملق بنفسها في إعجاب. شردت فجأة بذهنها متذكرة اللحظة الأولى التي ارتدته فيها عندما أهداه لها.

تتلفت حول نفسها يمينًا ويسارًا أمام المرآة وهي تبتسم حتى تجمدت مكانها حين شعرت به من خلفها وهو يلف إحدى ذراعيه حول خصرها بتملك والآخر يضعه على ذراعها وينظر الانعكاس وجهها في المرآة وثم إلى الفستان الذي حبس أنفاسه وهمس: _كأنه متفصل خصيصًا ليكي. أحست بتسارع نبضات قلبها وتمتمت باستحياء بسيط ورقة: _ميرسي ياعدنان شكله جميل أوي وعجبني جدًا. سمعت همهمته بالقرب من أذنها التي أثارت في جسدها رعشة بسيطة وهو يحملق

بها بنظرات خبيثة ويبتسم: _أنا مش قادر أشيل عيني من عليكي. بادلته الابتسامة ثم التفتت له بجسدها و....... انتشلها من شرودها صوت رنين الهاتف الصاخب. نظرت لنفسها بصدمة فكأنها كانت بعالم آخر لا تشعر بشيء. نفضت عن رأسها تلك الذكرى وأفكارها كلها ثم أمسكت بالهاتف وأجابت على المتصل بصوت خافت: _أيوة ياحاتم. _عاملة إيه ياجلنار ؟

سؤال بالتوقيت المناسب تمامًا .. وليتها تتمكن من الإجابة عليه بصدق ، لكنها ستؤثر الرد التقليدي على سؤال كهذا بالطبع حيث ردت بعبوس: _كويسة. حاتم في إيجاز ونبرة جادة: _طيب أنا جايلك دلوقتي عايز اتكلم معاكي في كام حاجة كدا. _تمام مستنياك. أغلقت الاتصال معه ثم تنفست الصعداء بضيق وهمت بتبديل ملابسها لكن صوت طرق الباب جعلها تقف بتعجب. لا يعقل أن يكون وصل بهذه السرعة بالطبع.

لحظة أخرى وعاد الطرق من جديد لكن بقوة أشد فخافت من أن تستيقظ ابنتها من الصوت المزعج ، ألقت بشال قصير على كتفيها حتى يخفي نصف جسدها العاري من الأعلى وغادرت الغرفة متجهة نحو الباب وفتحت بوجه مضطرب وغاضب بنفس اللحظة. تجمدت الدماء في عروقها وهي ترى أبيها أمامها. كيف وصل وعرف مكانها كل هذا لا يهم. الأهم أن الآن لم يعد هناك مجال للهرب مرة أخرى وحتمًا ستعود لما فرت هاربة منه. شعرت بصفعته القوية التي نزلت على وجنتها وهو يدخل

ويغلق الباب ويصيح بها: _بتاخدي بنتك وتهربي بيها .. هي دي آخرة التربية اللي ربتهالك ياجلنار. وضعت كفها على وجنتها ورمقت أبيها بنظرة نارية ثم قالت بسخط: _إنت إيه اللي جابك !! جذبها من ذراعها وهو يهتف بعصبية: _جاي ارجع بنتي وحفيدتي اللي هربانة بيها مني ومن أبوها. استقامت بشموخ وقالت بانفعال: _بنتك وحفيدتك !!

.. كانت فين بنتك دي لما أجبرتها على الجواز .. كانت فين لما فضلت تتوسلك عشان تطلقها منه وأنت مكنتش بتوافق .. كانت فين لما اتفقت مع عدنان إنه ياخد بنتي مني ويطلقني .. هااا كانت فين اتكلم يا نشأت الرازي. تمتم نشأت بهدوء مستفز: _أنا كلمت عدنان قبل ما اركب الطيارة وآجي وهو أكيد ركب في الطيارة اللي بعدي وجاي دلوقت. ثم سكت لبرهة من الوقت واقترب منها يمسك بذراعيها بكلتا يديه ويقول بنبرة مهتمة ورخيمة:

_طلعي الطلاق ده من دماغك ياحبيبتي .. أنا مش هقدر على عدنان الشافعي ، تراجعي ولو مراته التانية هي اللي مسببة ليكي المشكلة ، أنا واثق إنك تقدري تخليه يطلقها ويبقى ليكي لوحدك .. صدقيني كدا أفضل ليكي. ابتسمت بعدم استيعاب لما يخرج من بين شفتيه ، لا تصدق أن ذلك الرجل هو أبيها. هو لا يصلح حتى أن يطلق عليه اسم أب !! دفعت يديه بعيدًا عنها بعنف وتراجعت للخلف وهي تقول بسخرية وأعين دامعة:

_قصدك أفضل ليك أنت .. عشان مصالحك وشغلك معاه ميوقفش ومتخسرش مشاريعك وصفقاتك يا نشأت بيه الرازي .. صح ولا لا ! .. أنت لا يمكن تكون أب ، أنا أصلًا بعتبرك ميت ومليش أب. صاح بها في صوت مرتفع:

_المشاريع والصفقات دي هي اللي هترجع اسم الرازي تاني في السوق .. احنا على عتبة الإفلاس لو مش حاسة ، لما تتطلقي منه فكرك إنك هترجعي تعيشي في قصر ابوكي وفي الهنا والعز اللي كنت عايشة فيه .. لا وقتها هنكون افلسنا ياجلنار يمكن حتى القصر هيتحجز عليه ومش هيفضل معانا ولا أي حاجة. انهمرت دموعها على وجنتيها بحرقة.

ليتها ولدت يتيمة من دون أب حتى لا ترى كتلة القسوة والجفاء المتجسدة أمامها في هيئة أب ، ظلت تتقهقر للخلف وهي تشهق ببكاء حار حتى اصطدمت بالأريكة من خلفها وارتدت جالسة عليها ثم قالت بصوت موجوع: _ملعون الفلوس كلها اللي تخليك تبيع بنتك عشانها .. وترميها لراجل قاسي ومبيحبهاش عشان مصلحتك وشغلك. اقترب منها وجثى أمامها ثم أمسك بكفها وهتف في نظرة تحمل الوعيد ونظرات دافئة:

_عدنان مش. هيقدر يأذيكي حتى لو رجعتيله مش هيقدر .. وطول ما ابوكي عايش متخافيش مش هسمح لحد أن يمس شعرة منك. اندفعت صارخة به بهستريا وهي تجذب يدها من بين يديها:

_أنت مش ابويا .. أنت بنسبالي نشأت الرازي وبس .. وصدقني لو اقدر اغير هويتي واشيل اسمك من حياتي كلها هعملها ، كان نفسي ماما تكون موجودة دلوقتي وتشوف اللي بتعمله فيا عشان مصلحتك وفلوسك .. بس خلي في علمك أنا مش هسكت اكتر من كدا .. سكت لاربع سنين وأنا مستحملة جشعك وطمعك وإهمال عدنان ليا وكأني نكرة مش موجودة ، بس كفاية أوي لغاية كدا وهتشوفوا جلنار الرازي اللي على حق من هنا ورايح. كان سيجيب عليها لكن صوت الرنين الباب أوقفه.

استقام واتجه نحو الباب ليفتح فوجد حاتم أمامه. ابتسم له باستهزاء وقال: _أهلًا أهلًا. أطال حاتم النظر فيه بصدمة وسرعان ما دفعه من طريقه ودلف للداخل وهو يهتف: _جلنار فين !! وجدها جالسة على الإريكة وتحدق في اللاشيء أمامها بوجه مهموم وممتلئ بالدموع. هرول نحوها وجثى أمامها يهتف بتلهف وقلق: _جلنار إنتي كويسة ؟ .. عملك حاجة ؟! هزت رأسها بالنفي دون أن تتفوه ببنت شفة بينما نشأت فهتف باستياء وغضب وهو يجذب حاتم من أمام ابنته:

_أنت تبعد عن بنتي خالص ومتقربش منها نهائي فاهم ولا لا ياواطي. دفع حاتم يده عنه وصاح به بانفعال: _أنا برضوا اللي واطي .. ياراجل يامهزق ، وليك عين كمان تتكلم وتقولي متقربش منها. نشأت بعينان التهبت بالنيران: _لا ده أنت كدا عايز يتقرص على ودنك كويس يا ابن الرفاعي عشان تعرف بتتكلم مع مين. _بتكلم مع واحد حقير باع بنته وحفيدته عشان مصلحته والفلوس .. أنا اللي حايشني عنك إنك راجل كبير بس مش اكتر.

هم نشأت بأن يندفع نحوه ليضربه لكن جلنار وثبت ووقفت في المنتصف بينهم صارخة بانهيار: _بس كفاية. ثم نظرت لحاتم وقالت بوجه منفتر: _ملوش لزمة ياحاتم خلاص عدنان جاي في الطريق. لجمت الدهشة لسانه وظل يحملق بها للحظات طويلة دون أن يتحدث وفجأة ارتفع صوت جرس الباب للمرة الثالثة ، وهذه المرة كان الطارق معروف. نظرت جلنار لحاتم الذي اندفع نحو الباب بعصبية ووجه يشع غضب ونقم ، فاندفعت خلفه وهي تهتف برجاء:

_حاتم استني ارجوك متفتحش .. حاتم ! لكن لا حياة لمن تنادي حيث وقفت هي على مسافة بعيدة منه وهي تراه يفتح الباب ليظهر من خلفه عدنان بهيئته المعتادة ووجهه كان يظهر عليه مدى ثورانه الداخلي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...