الفصل 6 | من 50 فصل

رواية امرأة العقاب الفصل السادس 6 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
21
كلمة
4,735
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

لحظات مرت كالساعات، وعدنان لا يزال يقف يحدق بذلك الواقف أمامه. حين دقق النظر في ملامح وجهه، تذكره جيدًا. أنه نفس الرجل الموجود بالصور مع زوجته. التهبت عيناه، وفي اللحظة التالية فورًا اندفع على حاتم، وهو يوجه له عدة لكمات عنيفة ويصيح: "إيه اللي بتعمله هنا يا ****؟

تصلبت جلنار في مكانها وهي فاغرة شفتيها، لا تصدق ما تراه أمامها. أما نشأت، فكان يقف بهدوء تام ونظرات متشفية في حاتم. الذي وقف من على الأرض ورد اللكمة لعدنان، فسالت الدماء من فمه على إثرها وهتف بنظرات نارية: "امشي بالذوق يا عدنان، بدل ما أتصل بالبوليس وأخليه يجي ياخدك."

مسح عدنان بإبهامه الدماء من جانب فمه، وهو يرمقه بنصف نظرة مميتة. ثم اندفع نحوه كالثور الهائج، وقبض على رقبته ودفعه بقوة ليصطدم بالحائط. وحاصره وهو ممسكًا برقبته ويهتف في وجهه، بنظرة دبت الرعب في أوصال جلنار: "طيب اسمع انت بقى يا شاطر. هتبعد عن مراتي وبنتي ومتقربش منهم، وإلا أقسم برب العزة أدفنك في أرضك دلوقتي. ولا أنت ولا البوليس بتاعك يقدر يعملي حاجة." ركضت جلنار نحوهم وأمسكت بعدنان تحاول إبعاده عن حاتم،

وهي تصيح بخوف: "أنت اتجننت؟ ابعد عنه يا عدنان." استقرت نظرة في عيناه قذفت الرعب في نفسها، جعلتها تتراجع خطوة للخلف. بينما حاتم، فأفلت نفسه من بين براثن عدنان بصعوبة، وهم بالانقضاض عليه مرة أخرى لولا جلنار التي هرولت نحوه ووقفت أمامه تهتف بتوسل: "امشي يا حاتم، أبوس إيدك عشان خاطري. متقلقش عليا." أطلقت شهقة عالية وهي تشعر بقبضة عدنان التي قبضت على ذراعها بعنف وجذبها إليه، وهو يصرخ بها بصوته الجهوري:

"إنتي تعالي هنا، لسه حسابك جاي معايا." كتم حاتم قبضته بقوة حين رآه وهو يمسكها بهذه الطريقة ويصرخ بها. لكن نظرة جلنار المتوسلة له جعلته يتراجع مجبرًا، واستدار وانصرف متوعدًا لعدنان. بمجرد انصرافه، دفعت جلنار عدنان بعيدًا عنها وهي ترمقه بنظرة مشتعلة، كلها غضب وغل. بينما الآخر، فعاد يجذبها من ذراعها وهو يصيح بصيحة هادرة: "بيعمل إيه الحيوان ده هنا؟ تدخل نشأت وأبعد عدنان عن ابنته، وهو يهتف بحدة:

"إحنا اتفاقنا كان إني هقولك على مكان بنتك، بس متقربش من بنتي يا عدنان." انطلقت ضحكة عالية من جلنار التي هتفت بهستريا: "اتفاق؟ اتفاق تاني! إنتوا أقذر اتنين عرفتهم في حياتي. أنا لو أقدر أقتلكم كنت عملتها من زمان. بس للأسف واحد أبويا والتاني أبو بنتي، ومقدرش أحرمها من أبوها." صرخت بها جلنار بصوت نفضها في أرضها: "اخرسي، مسمعش صوتك خالص."

ثم نظر لنشأت وقبض على ذراعه وجذبه معه إلى إحدى الغرف وأغلق الباب عليهم. بينما هي، فجفت دمعة حارقة سقطت من عيناها ودخلت إلى الصالون وجلست على الأريكة، وقدماها تهتز بقوة من فرط سخطها. استمر حديثهم لثلاث دقائق تقريبًا، حتى خرج عدنان أولًا من الغرفة، يتبعه نشأت الذي ألقى نظرة عاجزة على ابنته واتجه نحو الباب وانصرف. ضحكت جلنار باشمئزاز وهتفت لعدنان الذي تحرك نحوها: "إيه؟ اديته قرشين وسكتّه بيهم؟

ما هو انتوا الاتنين أحقر من بعض." وصل عدنان إليها وانحنى عليها بنصف جسده العلوي وهمس بفحيح أشبه بفحيح الأفعى، ونظرة متوعدة: "هدخل أشوف بنتي، وبعدين هفضالك." طالعته بقرف وغيظ، امتزج بابتسامة ساخرة منها. بينما هو، فانتصب في وقفته واندفع يبحث عن ابنته في أرجاء المنزل.

فتح باب إحدى الغرف المزين برسومات أطفال من الخارج، وأدخل رأسه فقط. فيجد صغيرته نائمة في فراشها، وضوء الغرفة بني خافت مريح للأعصاب. وتنام محتضنة بين أحضانها دمية جميلة قام بشرائها هو لها. وقف على عتبة الباب يحلق بها بسكون، وقلبه يتراقص فرحًا من الداخل.

دخل وأغلق الباب، ثم اقترب من فراشها وجثى أمامها متأملًا ملامحها الصغيرة التي يعشقها. الآن فقط يشعر بأن روحه التائهة عادت لمستقرها من جديد، وهو يرى فتاته بخير أمامه. تجمعت الدموع في عيناه، وانحنى على رأسها يطبع عدة قبلات متتالية في شوق شديد، وبيده يملس على شعرها بحنو، هامسًا في دفء وصوت مبحوح:

"وحشتيني أوي يا هنايا. لو تعرفي أنا كنت بتعذب إزاي في بعدك عني. إنتي النفس اللي بتنفسه، ومقدرش أعيش من غيرك لحظة واحدة. بس أوعدك إن مش هسمح لحد ياخدك مني تاني أو يبعدك عني يا روح بابا." سقطت دمعة صادقة من عيناه، وهو لا يتوقف عن تقبيلها بحذر حتى لا تستيقظ. رغم أنه يرغب كثيرًا في رؤية ابتسامتها التي تأثره، وسماع صوتها الذي يعيد الحياة لروحه البائسة وهي تقول له (بابي)

، إلا أنه عز عليه أن يوقظها من سباتها العميق. فاكتفى ببث شوقه لها عن طريق قبلاته على شعرها ووجنتيها وكفها. خرجت همسة تحمل الاعتذار، وصوته واضح عليه البكاء: "أنا آسف يا حبيبتي."

تململت في فراشها بانزعاج بسيط، فابتعد فورًا عنها حتى لا يوقظها. وانتظر للحظات قصيرة حتى تعمقت في النوم من جديد، وعاد يطبع قبلته الأخيرة على وجنتها بعمق، وعلى شفتيه ابتسامة أبوية حانية. ثم استقام واقفًا على قدميه، ورفع أنامله مجففًا دمعته، ليعود لطبيعته الشامخة والقوية في لحظة قبل أن يغادر غرفة صغيرته.

دخلت جلنار غرفتها وجلست على فراشها، وهي تطرق بحذائها على الأرض في عنف، وبيدها تمسح على وجهها، زافرة بعصبية، محاولة تمالك نفسها حتى لا تنزل دمعة واحدة منها فتظهر ضعيفة أمامه.

نزعت ذلك الشال الذي يخنقها أكثر وألقته بانفعال على الفراش في عشوائية، متأففة بقوة. وفجأة، انفتح الباب على مصراعيه ودخل هو، ثم أغلقه خلفه. استقامت على قدميها تقف أمامه بشموخ، فوجدته يتحرك نحوها بخطوات بطيئة ونظرات لا تبشر بخير أبدًا. حتى أصبح أمامها تمامًا وتمتم بصوت بعث القليل من الرهبة في نفسها: "مين الحقير اللي كان موجود برا ده؟ ابتسمت ببرود، قاصدة استفزازه، وتمتمت بنبرة مثلجة: "إنهي واحد فيهم؟

أصل كان في حقراء كتير برا، وفي واحد منهم لسه واقف قدامي أهو." احمر وجهه وظهرت عليه بشائر فقدانه لصوابه تمامًا. فأطلقت صرخة مكتومة حين جذبها من شعرها وهمس في أذنها بهمس قاسٍ وعينان ملتهبتان: "متخلينيش أوريك الحقارة اللي على حق يا جلنار. هروبك ببنتي واختفائك طول الفترة دي كوم، ووجودك مع راجل غريب وسماحك ليه إنه يلمسك ويقربلك دي كوم تاني. عارفة لو طلعتي بـ... صرخت به بعصبية وهي تحاول أفلات شعرها من قبضته:

"هتعملي إيه يعني ها؟ هتقتلني مثلًا؟ "يعني هو صح، إنتي بتخونيني؟ تمكنت أخيرًا من الأفلات من قبضته وصاحت به بهستيريا: "هو إيه اللي صح؟

إنت مجنون ومريض نفسي. أنا لو عايزة أخونك هقولهالك في وشك ومش هخاف منك، لكن مش أنا اللي أعمل كدا. حاتم صديق ليا من واحنا صغيرين، وأنا اللي طلبت منه إنه يساعدني، وهو ساعدني في السفر لهنا وساعدني في كل حاجة، حتى البيت ده بيته. كان خير صديق وأخ ليا. عارف يعني إيه تكون حاسس بالأمان مع حد غريب عنك؟ أنا عمري ما حسيت بالأمان لا معاك ولا مع أبويا. وده كله ولسه بتشك فيا وبتقولي بخونك؟ ياخي اتقي الله بقى وارحم نفسك وارحمني."

انتبه لملابسها، فأتجاهل كلامها كله وهتف بغيرة ظاهرة في عيناه: "إيه اللي لابساه ده! إزاي تطلعي بالشكل ده قدام الـ **** اللي كان موجود برا ده." أطالت النظر في وجهه بجمود تام، وهي تجز على أسنانها بغيظ، وقالت بصوت قوي: "اطلع برا يا عدنان، مش عايزة أشوفك. مش طايقاك."

نزل بنظره على جسدها المرسوم ومعالمه ظاهرة بوضوح، حتى أن فتحة الصدر تظهر عن داخلها. التهبت نيرانه أكثر، وجلجلت نيران الغيرة في صدره. فتقدم خطوة منها، واستقرت في عيناه نظرة مريبة أربكتها، جعلتها تتراجع للخلف. وهو لا يزال يتقدم إليها، حتى وجدت نفسها تصطدم بالحائط من خلفها، ومحاصرة بين جدارين. أحداهما حقيقي، والآخر كان هو، يقف كالسد المنيع بهيئته المريبة. وضع كفه على الحائط بعنف، مصدرًا صوتًا عاليًا أثار وغزة بسيطة في جسدها. ويده الأخرى نزلت لخصرها يمسكها منه بتملك ويجذبها إليه في قوة، ويهتف أمام

وجهها مباشرة بتحذير حقيقي: "عارفة لو شفتك لابسة البتاع ده قدام حد تاني... قولي على نفسك يا رحمان يا رحيم يا جلنار." ابتلعت ريقها بقلق واضطراب بسيط، وهي تحلق بعينيه التي تظهر فيها علامات الغيرة الحقيقية. ثم سمعته وهو يكمل بصوت خشن: "و**** اللي اسمه حاتم ده... انسيه تمامًا، ومش عايز أشوفك بتتكلمي معاه مجرد كلام، فاهمة ولا لأ؟ وإلا قسمًا عظمًا أخليكي تشوفي النجوم في عز الضهر يا بنت الـ ****."

ثم عاد ينزل بنظره مرة أخرى إلى ذلك الفستان الذي ترتديه. ثم دفعها بعيدًا عنه بنفور مزيف وهتف بقسوة: "وغيري القرف اللي لابساه ده." شعرت بالراحة عندما حررها من بين براثينه، وتمتمت بقرف وهي تفتح الخزانة وتجذب من ملابسها ما تجده أمامها، وتتجه نحو الحمام، متمتمة بقرف: "هو فعلًا مقرف زي اللي جايبه." ثم دخلت الحمام وأغلقت الباب، واستمرت في التمتمة المرتفعة نسبيًا، والتي وصلت لمسامعه في الخارج، فسمعته وهو يهتف بصوت غليظ:

"من غير برطمة." نزلت الدرج بهدوء حتى وصلت لآخر درجاته، ووقفت تهتف محدثة أسمهان التي تجلس على مقعد وثير وبيدها كتاب تقرأ به: "هو عدنان فين يا ماما؟ أسمهان ببرود: "ومسألتيهوش ليه قبل ما يطلع؟ "اصل كنت تعبانة شوية ونمت، ويدوب دلوقتي اللي صحيت." لوت أسمهان فمها باستنكار، وقالت بعدم اكتراث وهي تعيد نظرها إلى الكتاب مرة أخرى: "جاله تليفون فجأة وطلع على فوق، غير هدومه ونزل ومشي. ومردش عليا حتى لما سألته رايح فين."

ضيقت فريدة عيناها باستغراب، وظلت مكانها تفكر بتدقيق، محاولة تخمين السبب الذي يجعله يخرج هكذا مهرولًا. وسرعان ما ظهرت علامات الدهشة على محياها، وهي تقترب من أسمهان وتقول: "معقول يكون عرف مكان جلنار؟ ألقت أسمهان الكتاب من يدها بعنف وصاحت في انفعال: "متجبليش سيرة المقرفة دي. إن شاء الله تكون غارت في داهية ولا ماتت وريحتنا منها." هتفت الأخرى بتمني ونظرة مستنكرة أمنية أسمهان:

"ياريت بس هو اللي زي دي بيحصلهم حاجة. دي بسبع أرواح." تأففت أسمهان بخنق، وامسكت بكتابتها مرة أخرى تعيد القراءة من جديد، محاولة عدم التركيز على الجملة التي نطقت بها تلك الجالسة بجوارها. حول معرفة عدنان لمكان زوجته. خرجت من الحمام بعد أن بدلت ملابسها وارتدت منامة منزلية فضفاضة بعض الشيء ومريحة. وجدته يتحدث في الهاتف مع أحدهم باللغة الإنجليزية، وكان يتحدث عن منزل.

وقفت بمكانها لدقيقة حتى انتهى من اتصاله والتفت بجسده ناحيتها، فقالت هي في وجه محتدم: "بيت إيه اللي بتتكلم عنه ده؟ تفحص ملابسها الجديدة بنظرة ذات معنى، ثم أجاب على سؤالها بإجابة مختلفة تمامًا: "جهزي نفسك ولمي هدومك يلا. هنروح نقعد في بيت صغير لغاية ما نمشي." اندفعت نحوه بعصبية وهتفت بعناد: "أولًا أنا مش هرجع معاك. ثانيًا ماله البيت ده؟ منقعدش فيه ليه؟ انحنى برأسه عليها وهمس محاولًا تمالك أعصابه

حتى لا ينفجر بها كالبركان: "هو مش ده برضه بيت الحيوان اللي كان بيساعدك؟ جلنار بشجاعة ونظرات مشتعلة: "متغلطش فيه! تستفزه عمدًا، وهو أفضل شخص يمكنه معاقبتها على طريقتها الفظة في التعامل معه. ابتسم بوجه غريب وهمس بصوت رجولي مريب: "بلاش تختبري صبري عليكي، عشان هتندمي يا روحي." جلنار بنبرة محتقنة ونظرات مستاءة: "جيت ليه يا عدنان؟ لو فاكر إنك هتقدر تاخد بنتي مني يـ...

توقفت عن الكلام عندما سمعته يلتقط بقية العبارة من فمها ويختمها هو بأسلوب متفنن، وبنظرة ثاقبة وقوية كالعُقاب تمامًا: "تؤ تؤ. أنا هاخد بنتي ومراتي، مش بنتي بس." انغمست في نظرته وتاهت بها، ولكن سرعان ما عادت لوعيها، فقالت بحزم وإصرار: "بس أنا عايزة أطلق." عدنان ببرود مستفز: "أعتقد إنك معجبكيش إن لو أطلقنا هاخد بنتي. فالأفضل إنك تنسي الموضوع ده. وإنتي تفضلي مع بنتك وأنا كذلك، وهي تعيش وسط أبوها وأمها."

"إنت بتلوي دراعي يعني؟! ابتسم بعدم مبالاة، ثم مد يده إلى شعرها وأرجع إحدى خصلاتها المتمردة التي تثير جنونه إلى خلف أذنها، وهمس بخفوت: "أبدًا. أنا بالعكس بديكي احتمالات وبخيرك. والاختيار ليكي إنتي يا رمانتي." احمر وجهها بغيظ بعد سماعها لآخر كلماته، التي طالما كان يقولها لها بسبب أسمها، وأن جلنار هي زهرة الرمان. دفعت يده عنها بعنف وصاحت: "متلمسنيش، ومتقوليش رمانتي، فاهم ولا لأ؟

عدنان بابتسامة جانبية خبيثة وبصوت هادئ تمامًا: "روحي لمي هدومك إنتي وهنا يلا عشان نمشي." ظلت مستمرة في مكانها تحدقه بعينان ملتهبة من الغيظ والبغض على تسلطه والضغط عليها من جهة ابنتها في قرار طلاقهم. لكنها لن ترضخ له! تنهدت بعد لحظات من التحديق ببعضهم البعض، هو نظراته كلها برود وعدم مبالاة، وهي تستشيط غيظًا وغلًا. قالت بقوة: "هاجي معاك دلوقتي، بس عشان مليش وش أقعد في بيت حاتم بعد اللي عملته إنت وبابا معاه."

تمكنت بلحظة من بث الضجر في نفسه، حيث تحول إلى جمرة ملتهبة. وقبض على ذراعها يهتف بنبرة مرتفعة ومنذرة: "ولو جبتي سيرته قدامي تاني يا جلنار، هتروحي تحضري جنازته بكرة." طالعته من فوق لأسفل باستهزاء، ثم انتشلت ذراعها من قبضته وغادرت الغرفة بكل ثبات وهدوء. وتركته يقف يشتعل ويتوعد لها بعقاب عسير على تصرفاتها المتعمدة وأسلوبها معه.

تجلس زينة بجوار أمها على طاولة صغيرة مكونة من مقعدين لهم فقط، وتتجول بنظرها بين الوجوه في ذلك الزفاف الممل. فقد أحضرتها والدتها رغمًا عنها معها إلى هنا، متحججة بأنه زفاف ابنة صديقتها المقربة، وأنها قامت بدعوتها دعوة خاصة وأصرت على حضورها هي وابنتها. نظرت ميرفت لابنتها وهتفت بحزم: "إيه في إيه يا زينة؟ ردت عليها بخنق وتزمر: "كان لازم يعني يا ماما تخليني آجي معاكي؟ ميرفت:

"يا بنتي نيرمين أصرت عليا إني آجي وأجيبك معايا، وعيب لما متجيش. افردي وشك بقى شوية يا زينة الله مش كدا! ده حتى العروسة قمر ماشاء الله، عقبال ما أفرح بيكي كدا يا حبيبتي." همست زينة لنفسها بيأس وهي تزم شفتيها: "مش لما يتلحلح ابن اختك ويحس بيا شوية الأول." هتفت أمها بحاجب مقتضب واستغراب عندما سمعت منها همهمة غير مسموعة: "بتقولي حاجة؟ زينة بابتسامة صفراء: "بقول أيوة حلوة فعلًا العروسة، ربنا يسعدهم."

ثم عادت بنظرها تتابع الزفاف والفتيات وهم يرقصون مع العروس، والعريس الذي أخذ جزء له هو وأصدقائه يرقصون فيه. وفجأة، ظهر أمامها شاب يافع وطويل البنية ووسيم. يبدو أنها لم تلاحظه وهو يقترب منهم بسبب اندماجها في متابعة العروسين. وجدت يمد يده ويصافح أمها بحرارة ويهتف ببشاشة: "إزيك يا طنط ميرفت؟ ردت عليه ميرفت بابتسامة عريضة وبعذوبة: "إزيك يا رائد.. عاش من شافك. كبرت ماشاء الله، مبروك لنورهان ربنا يسعدها يارب." "آمين يا رب."

التفت بنظره ناحية زينة التي كانت تحدقه بجمود، وفهمت من خلال الحديث أنه شقيق العروس وابن صديقة والدتها (نرمين) فقالت ميرفت مبتسمة: "دي زينة بنتي." ابتسم بإعجاب وطال النظر في زينة، بينما هي ارتبكت من نظرته، ثم هتف بنظرة لها تأثير خاص: "عقبالك."

اكتفت بالابتسامة الخجلة. وفجأة، بدأت موسيقى رومانسية لطيفة، فوجدته يلتفت برأسه نحو أمها وكأنه يرسل لها إشارة مبهمة لم تفهمها هي. ثم رأته يعود برأسه ناحيتها وينحني بجذعه للأمام، ثم يبسط يده أمامها، فتبادلت النظرات مع والدتها باستغراب، لتجد الرد من أمها وهي تومئ لها بالموافقة. نظرت في عيني ذلك الرجل الغريب الذي تراه لأول مرة ويعرض عليها أن تشاركه الرقص. تنهدت بعدم حيلة، ثم شبكت يدها بيده في استحياء شديد، ووقفت وسارت معه إلى ساحة الرقص التي امتلأت بضيوف الزفاف، وكل رجل معه امرأة اصطحبها للرقص معه.

وقفت في منتصف الساحة ووقف هو أمامها، ثم شعرت بإحدى ذراعيه تلتف حول خصرها، واليد الأخرى أمسكت بكفها الرقيق. انحبست أنفاسها عندما شعرت بيده على جسدها، وتلفتت حولها بخجل ووجنتان حمراء كالدم. وبتلقائية، وضعت كفها على كتفه، وعيناها تدور بكل مكان إلا على وجهه، وبداخلها تدعو ربها أن تنتهي هذه الموسيقى سريعًا. رائد بنبرة هادئة وابتسامة جذابة: "أنا رائد، عندي 28 سنة، وخريج كلية هندسة." اضطرت للنظر له وقالت

بصوت خافت وحياء ملحوظ: "تشرفت بمعرفتك." "أنا أكتر." هتفت زينة تسأل بصراحة دون أن تتردد، بعد لحظات طويلة من الصمت من محاولاتها لتفادي نظراته الثابتة عليها: "هو أنت مش شايف إنه غريب شوية إنك تعرض عليا أرقص معاك، واحنا أول مرة نشوف بعض؟ رائد بهدوء تام وابتسامة واسعة وهو يهز رأسه بالنفي: "لا خالص. بعدين أنا أعرفك من بدري، إنتي بس اللي متعرفنيش." رفعت حاجبها بدهشة، وأحست بأن خجلها تلاشى كله وحل محله الذهول،

فسألته بفضول شديد: "تعرفني إزاي؟ نظر حوله وهو لا يزال مبتسم، ثم قال بنظرة أعادت الخجل لوجهها مجددًا: "الموسيقى خلصت، وتقريبًا مبقيش غيرنا اللي واقف." التفتت حولها بصدمة، فلم تجد أحد بالفعل غيرهم. ابتعدت عنه بوجه مسيطر عليه لون الدماء الأحمر، ثم نزلت من على المسرح، ولحق هو بها ليوقفها قبل أن تصل لطاولتها عند أمها. التفتت بجسدها نحوه لتجده يقف ويهتف بثقة، واضعًا كفيه في جيبي بنطاله:

"هنتقابل كتير الأيام الجاية، وساعتها هقولك أعرفك إزاي." طالعته باستغراب وبنظرة متوترة قليلًا، ولكنها آثرت عدم الرد، وفقط استدارت من جديد وسارت باتجاه والدتها التي كانت تتابعهم مبتسمة. في أمريكا... دخلت جلنار لغرفة صغيرتها واتجهت نحو فراشها، ثم جلست بجوارها على الحافة وهزتها برفق تهتف: "هنا ياحبيبتي قومي يلا عشان هنمشي." فتحت الصغيرة جزء من عيناها بتكاسل وهمست بصوت سمعته جلنار بصعوبة، وهي تدفع يد أمها عنها بخنق: "لا."

ابتسمت جلنار ثم انحنت على أذنها وهمست بجملة كانت تعرف جيدًا كيف سيكون نتائجها عليها: "بابا جه وقاعد برا، مش هتقومي تشوفي؟ استيقظت جميع حواسها فور سماعها لاسم أبيها، وفتحت عيناها كلها دفعة واحدة بصدمة. فضحكت جلنار بقوة، ثم قالت: "قومي يلا اجري، روحي شوفي."

هبت الصغيرة جالسة ونزلت من فراشها وغادرت غرفتها، وهي تفرك عيناها لتزيح أثر النوم عنها، وتتمكن من الرؤية في الضوء بوضوح. وصلت إلى الصالون ورأت أباها يقف في الشرفة متكئًا على السور بساعديه. فاتسعت عيناها بذهول أشد، وصاحت بفرحة غامرة: "بابي! صك صوتها أذنيه، فالتفت فورًا للخلف بتلهف، وباللحظة التالية فورًا، كانت هي تركض نحوه في سعادة حتى وصلت إليه. فانحنى وحملها على ذراعيه، وعاد يمطرها بوابل من قبلاته المشتاقة والحنونة،

بينما هي هتفت بفرحة: "وحشتني (وحشتني) أوي." دفن وجهه بين شعرها يشم رائحتها التي تعيد لروحه الحياة من جديد، ويهمس بصوت يحمل في طياته كل الشوق والحب الأبوي: "وإنتي وحشتيني أوووووي يا هنايا." نظرت له بابتسامة عريضة، فاتسعت هو الآخر ابتسامته على أثر ثغرها الجميل المبتسم، وقال باهتمام وحب: "عاملة إيه يا سلطانة بابي؟ "كويسة." ردت عليه بلطافة تسرق القلوب والعقول، ثم سألت بحماس ووجه مشرق: "هنرجع البيت؟ عدنان بعدم تردد:

"طبعًا يا روحي هنرجع بيتنا. لا يمكن أسيبك تاني ولا أبعدك لحظة عني." "وماما؟ رفع نظره عن ابنته ونظر لجلنار التي تقف على مسافة منهم، وتستند بكتفها على الحائط وتتابعهم مبتسمة بصفاء. لكن سرعان ما اختفت ابتسامتها حين وقعت عيناه عليها. بينما هو، فهمس لابنته بنبرة تحمل المرح البسيط: "مامي هتيجي معانا طبعًا، هي تقدر تقول لأ أصلًا." التفتت هنا برأسها نحو أمها وأرسلت لها ابتسامة مشرقة وسعيدة، فبادلتها إياها جلنار بنظرات دافئة.

في صباح اليوم التالي... توقف آدم بسيارته في أحد المناطق الشعبية، يدخلها للمرة الأولى. ضغط على زر في باب السيارة ونزل الزجاج ليكشف له بوضوح عن طبيعة الحياة في هذه المنطقة. أطفال يرتدون ملابس متسخة ويركضون ويلهون. بعضهم ينحني ويضم يده في الأرض ويملأ قبضته بالتراب، ثم يقف ويليقها على قرينه الذي كانوا يلعبون معه للتو وتشاجروا على شيء. نساء تسير حاملة بيديها أكياس ومستلزمات منزلها من السوق. ضجة وأزعاج رهيب بهذا المكان!

تلفت برأسه يمينًا ويسارًا بتعجب، محاولًا إيجاد أي شيء من الذي وصفه له صديقه. تنهد بالأخير بخنق، وأخرج هاتفه من جيبه وأجرى اتصال بصديقه الذي أجاب عليه بعد ثوانٍ معدودة: "أيوة يا آدم، أنت فين؟ آدم بنفاذ صبر: "اوصف الزفت المكان كويس يا زياد. أنا شكلي توهت ودخلت في منطقة غلط! قهقه صديقه بصوت مرتفع وقال: "توهتي يا نوغة." آدم بتحذير وانفعال من استهزاء صديقه به: "احترم نفسك عشان مغلطش فيك وأنا لساني قليل الأدب."

زياد ضاحكًا: "طيب يا عم خلاص. اوصفلي أنت دخلت فين بالظبط عشان أقولك ترجع وتيجيلي إزاي." هدأ آدم قليلًا وبدأ يصف له المكان الذي هو فيه، وينظر إلى أعلى المحلات يقرأ أسماءها ويخبره بها. لكن فجأة، وجد طفل صغير يمد يده من زجاج السيارة ويجذب الهاتف من يده ويركض!

فتح عدنان عيناه ببطء في الصباح الباكر، وهو يشعر بعضلات جسده كلها متشنجة. فقد جلس طوال الليل على مقعد بجوار فراش صغيرته بعدما ذهبوا للمنزل الجديد، وظل يقرأ لها القصص حتى نامت، ولم يشعر بنفسه إلا وهو يذهب بالنوم معها.

اعتدل في جلسته ورفع ذراعيه لأعلى يتمطى بألم، وأسند الكتاب الصغير الذي كان يقرأ منه القصص لابنته على المنضدة الصغيرة بجواره. ثم هب واقفًا وفرك عيناه، وانحنى عليها يطبع قبلة رقيقة على شعرها قبل أن يرفع الغطاء عليها ويدثرها جيدًا.

اتجه نحو باب الغرفة وفتحه بحذر شديد حتى لا يزعجها في نومها وغادر وتركه مواربًا. رفع كفه لرقبته يفركها بألم ويحركها على الجهتين برفق. أصدر تأففًا حارًا، ثم وقع نظره على الغرفة المقابلة له، والتي لازمتها جلنار منذ قدومهم بالأمس. تحرك بخطواته الثابتة نحوها، ثم فتح الباب ودخل، فوجدها نائمة في فراشها ووجهها مقابل للباب، وشعرها مفرود بجوارها على الوسادة. ترتدي منامة منزلية تصل لركبتيها، ولكن ارتفعت قليلًا لما فوق الركبة دون أن تشعر وهي نائمة.

مالت شفتيه درجة واحدة لليسار وهو يتأملها، قبل أن يقترب منها بخطواته في بطء حتى لا تشعر به، ويقف أمام الفراش ينظر لها وهي منكمشة بجسدها من البرد. انحنى عليها قليلًا ومد يده إلى منامتها حتى ينزلها، ولكنها انتفضت جالسة كالتي لدغتها عقرب بمجرد ما شعرت بلمسة يده، وقالت بغضب: "بتعمل إيه؟ عدنان بنظرات ثاقبة ونبرة جافة: "مالك اتخضيتي كدا ليه؟ "المفروض متخضش يعني لما أكون نايمة وأحس بلمسة حد على جسمي."

مالت برأسها للخلف في ارتباك بسيط عندما وجدته ينحني بجسده ووجهه عليها، ليهمس في نبرة غليظة: "أولًا أنا مش حد. ثانيًا مفيش غيرنا في البيت." استعادت شجاعتها وقوتها لتجيب عليه بنظرات شرسة وتحذيرية: "متلمسنيش تاني، مفهوم يا عدنان؟ لاحت بشائر ابتسامته المستهزئة، وقال ببرود وبعينان حادة النظر: "مفهوم؟!!! ولو لمستك بقى هتعملي إيه؟

همت بأن تجيب عليه، لكن رنين الباب أوقفها وجعلها تتبادل معه النظرات باستغراب. ثم انتصب هو في وقفته واستدار مغادرًا الغرفة متجهًا نحو الباب، وهي لحقت به. أمسك بالمقبض وأداره، ثم جذب الباب إليه ليجد أمامه ضباط شرطة يرتدون الزي العسكري الأمريكي. اتسعت عينا جلنار بصدمة وهرولت تقف خلفه وهي تنظر إلى الضباط بدهشة!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...