هي الدنيا ضلمت كده ليه؟ تسأل القزم فانتر والضباب الكثيف ابتلع الجزيرة. بينما تعالت الأمواج وضربت شاطئ الجزيرة بقوة وانتشر رزازها داخل الغابة، كأن إعصار ضرب البحر. بدا للناظر أن هناك حرب بين الضباب ورزاز الأمواج. توقف الأمير مونت عن الركض أمام الشاطئ ولحق به البقية. فانتر المرتعب صرخ: والآن ماذا؟ قلت: نركض تجاه المياه اللعينة وها قد وصلنا. هل تتجرأ على القفز في مياه البحر الأزرق وقت غضبه؟
سأل الأمير بنبرة جادة لأول مرة. عندما يكون البحر الأزرق غاضب لا تعرف أين قد يقذف. بدأت الأشجار تتقصف وتنقلع من جذورها. كان الوحش يفسح الطريق لمولاته مارجينا، التي ظهرت تمشي على الأرض بفستان أحمر ووشاح أزرق حول رقبتها، وفي قدمها كان حذاء من لحاء شجرة إبنسيد، وشعرها الطويل جديلة منتصبة خلف عنقها. توقفت على بعد خطوات وعلى وجهها ابتسامة ساخرة. يبدو أنني أحسنت تعليمك يا أمير؟
تعرف أن البحر لن ينقذك مني، في البحر أسوأ مخاوفك تتحقق، على الأقل معي لديك فرصة. ارتعش جسد الأمير، كانت الساحرة مارجينا تنطق بالحقيقة. وراح جسده يترنح. ليس الآن، صرخ القزم وهو يسند الأمير. بينما همس الأمير: لا أستطيع نزول البحر الآن، البحر سوف يقتلني. وكانت مارجينا تبث سحرها خلال الريح الذي وصل إلى عقولهم. انجذب الأمير ناحية مارجينا ومشى تجاهها بغير وعي. هناك بعض التفاصيل الصغيرة دائمًا التي لا نضعها في خططنا.
تلك الجزئيات التي تغير الكل، وتتحكم في القدر الهائل من الأهوال التي تحيق بنا. توقف يا أمير، توقف، هذا سحر، صرخ القزم فانتر وهو يمسك رأسه من الصداع. انطلقت ليانثرا تركض تجاه الأمير الذي كان على وشك أن يترك الخط الفاصل بين البحر والجزيرة. احتضنت الأمير الهاذي وقبلته، قبلة طويلة وهي تهمس: لن يحدث لك أي شيء ما دمت معنا. وتراجعت خطوات قبل أن تدفع الأمير داخل البحر وتبتلعه المياه.
ومع صراخ مارجينا الغاضب، دفعت القزم والفتاة الأخرى ثم ألقت بنفسها داخل البحر. مستحيل أن تهرب مني مرة أخرى، صرخت الساحرة مارجينا ثم أشارت للوحش وقفزت داخل البحر. داخل البحر الهائج متلاطم الأمواج جرتهم التيارات البحرية بسرعة فائقة. لم يتمكنوا من الرؤية ولم يسمع أحدهم صراخ الآخر. اقتلعت ليانثرا عشبة بحرية حمراء وابتلعتها على الفور. رأت الأسماك تسبح حولها وبعد أن فقدت الوعي للحظات استعادت وعيها وكانت قادرة على التنفس.
دحرجها التيار البحري حتى نهايته ثم قذفها داخل أخ دود عميق مظلم. سبحت ليانثرا داخل المياه حتى وصلت كهف ضيق دخلته لتستعيد أنفاسها. اخرجي من هنا، سمعت صوتًا قادمًا من داخل الصدع البحري. وظهر أخطبوط عملاق يحمل أطفاله. اخرجي من بيتي، نحن لا نرحب بالغرباء. هربت ليانثرا من الكهف وركنت على القاع. كل ما حولها كان مظلمًا. لم تعرف ليانثرا أين رماها التيار البحري، لكن كل ما حولها كان يطالبها بالهرب.
سبحت وسبحت خارجة من الخندق العميق. ومع كل ضربة للمياه كانت تشعر أن روحها تهرب منها. تذكرت ليانثرا دروس الجرادة العمياء التي كانت تسخر منها. عندما حدثتها عن البحر وأسراره حينها قالت: أين أنا وأين البحر يا جرادة؟ قالت الجرادة: أنت لا تعرفين أين قد تقودك طرقك أيتها الطفلة. الآن تشعر ليانثرا بالامتنان للجرادة، لولاها لكانت ميتة الآن. وتمنت أن يكون القزم فانتر والأمير والفتاة الأخرى تمكنوا من النجاة مثلها.
حينما وصلت المياه خارج الأخدود شعرت ليانثرا ببعض الراحة وتفرجت على القشريات الصغيرة التي تسبح حولها. ثم لاح من بعيد سمكة ضخمة جدًا. اختفت ليانثرا خلف صخرة ومر إلى جوارها سرب الحيتان مع أطفالهم. حشد ضخم يقرب من المائة مهاجر نحو الجنوب. انتظرت ليانثرا نهاية السرب ثم سبحت خلفه. عندما ابتلع البحر الأمير مونت كارلو لم يحتفظ سوى بتلك القبلة التي منحتها له ليانثرا. قبض عليها بكل قوته.
لعل البحر يكون رحيمًا به، إن البحر موطن الجمال الحقيقي لا يعرف الزيف. دحرجته الأمواج القوية بلا حول منه أو قوة. مخلوق مسلوب الإرادة حتى ألقته على شاطئ جزيرة. لأول وهلة ظن الأمير أن البحر أعاده إلى الساحرة مارجينا. لكن عندما تأمل الجزيرة بتلالها الخضراء وطيورها أدرك أنه مكان آخر. مشي بين سهول زهور الباروخ والسلنجر التي تفوح منها رائحة عبقة حتى أوصلته قدماه مرجًا من العشب.
غطته أشعة الشمس الذهبية، استلقى الأمير على العشب شاعرًا بالسعادة والراحة. وسرعان ما سمع غناء قادمًا من بعيد صوت عذب ندي رقيق مذهل. على صخرة في منتصف البحر وجد القزم فانتر نفسه رفقة الفتاة. كانت صخرة كبيرة لا زرع فيها ولا ماء. اللهم من بجعة ضخمة مستلقية فوق الصخرة غارقة في نعاس عميق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!