الفصل 15 | من 20 فصل

رواية اميرة القصر المجهولة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسي

المشاهدات
27
كلمة
1,594
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

وفجأة رأيت باكو يلعق وجه آدم المنبطح على الأرض. يتلوى من الوجع، ويئن بصوت مسموع، ويمرر لسانه على خده وأنفه وعنقه. "باكو؟ آدم؟ " صرخت. وجريت عليهم وحضنتهم. كان صدر آدم مخترقاً بجرح يفور بالدم. اعتقدت أنه فقد الكثير من الدماء لأن الأرض كانت ملطخة بالدم تحته. كان جسد آدم عارياً مثل المرة الماضية، ولا أعلم ما السر الذي يكمن خلف ذلك.

نزعت كم قميصي، مزقته وشرخته بأسنانى نصفين، وربطتهم ببعض. كانت محاولة فاشلة أني أحاول ربط القماش حول جسد آدم. القماشة كانت خفيفة، لم توقف الدم ولم تمنعه. اضطررت أكرمش القماشة وأسد بها الجرح، وأضع يد آدم فوقها وأطلب منه أن يضغط عليها. كنت متأكدة أني مش هقدر أنقل آدم لداخل القصر وهو في الحالة دي، كان أمر مستحيل. جسدي ضعيف ولن أستطيع حمله. لكن آدم بيموت، لازم أتصرف. إذا كنت مش هقدر أشيله، ممكن أجره؟

وروحت أتكلم مع نفسي بصوت مسموع، وباكو عمال يبص ناحيتي بعيون وجلة غير مستقرة وأذنيه منتصبتين كأنها ترصد حركة. بسرعة أخرجت خنجري وبدأت أقطع أوراق الأشجار الكبيرة وبعض فروعها. كنت بحاول أصنع حمالة من أغصان الأشجار أحمل آدم عليها وأجره ناحية القصر. سمعت همسات بعيدة وقريبة، كان ينقلها الريح تطوف من حولي. لكن الوضع كان لا يحتمل أي تأخير. كلما ظللت هنا أكثر كلما زاد الخطر حولي.

"سمعت من حراسي وجواسيسي عنك منذ خرجتي من القصر وأمرتهم أن يبتعدوا عن طريقك. فعلت كل ذلك لأمنحك طريقاً آمناً لوجهتك، حتى تصلين المكان الذي تقصدينه. فأنت وحدك عزيزتي يمكنك التجول داخل الغابة كما تحبين في أي وقت وأي مكان. وكنت أعلم أن قلبك الطيب سيقودك إليه، فأنت تمتلكين قلباً كبيراً يسع العالم كله." شعرت بالغضب والغيرة والحيرة. أنا أردى القوي العظيم، لم أعرف ما علي فعله.

صرخت في الحراس أن يبتعدوا، أن يتركوني بمفردي. وصفعت دماراً في طريقي وابتسمت دماراً. كانت بدأت تتعود على طريقتي وتحبها، ولصقت جسدها بجسدي. حاكت شعرها بشعري. ورغبت بالسيطرة عليها، إخضاعها، إذلالها. لكن عقلي كان مشغول بك. تركتها واختفيت دون أن يلاحظني أحد. ووقفت أتابعك وأنت تصنعين حمالة لتنقلي آدم عليها. ورأيتك تعملين بنشاط وجد، وكل جسدك متعرق. شعرت بالغيرة

مرة أخرى وسألت نفسي: لو أنا كنت طريح الأرض، أكنتِ تنقذينني مثله؟ لو كنت أنا المصاب، كنت سأرى ذلك الخلجان الذي ركب وجهك؟ ورأيت القلق بادياً على ملامحك، وكنتِ تسابقين الزمن. وأدركت من حاسة شمي أن آدم على وشك الموت. وأشفقت عليك. أشفقت على قلبك يا دارين. ولم يسعفني عقلي أن أتخيل مظهرك وآدم ميت وأنت تصرخين وتندبين. وتساءلت مرة أخرى: أهو الحب؟ وكيف لي أن أعرف الحب وأنا طوال عمري لم أحب ولم يدق قلبي لأي فتاة؟

أنا الذي ولدت طريد وعشت طريد بسبب قوانين تلك الغابة اللعينة. هربت بي والدتي مثل الخاطئة، مشردة من قرية لقرية، وطوال حياتي لم أرى يوم سعيد. لقد تركنا والدي بعد والدتي، والتي تصادف أنه نفس يوم ولادة آدم ورعد. ورمقتك لآخر مرة قبل أن أرحل. لقد ألجمت غريزة الانتقام داخلي من أجلك. وانتويت أن أتركك لحالك وأرحل. لن آخذك بسهولة إن كنتِ نصيبي. ومشيت مبتعداً وأنت تجرين آدم بحبل مربوط حول وسطك.

صنعت الحمالة ونقلت آدم فوقها، وربطت حبلاً حول وسطي وكتفي، وواصلت جره نحو القصر. الهمسات حولي اختفت، وحسيت أني قادرة على إيصال آدم للقصر وإنقاذه. وكنت أغرس أقدامي في وحل الأرض وأجر، وباكو يتقافز حولي، يركض ويعود كأنه حارسي الشخصي.

واستمريت في الحركة حتى انهد حيلي ووقفت لحظة أسترد أنفاسي. حطيت ظهري على جذع شجرة ومسحت العرق عن وجهي. لسه القصر بعيد، لكن أنا عديت أكتر من نص المسافة، وآدم لسه بيتألم. وكان قدر يتكلم، وطمّني أنه هيكون بخير وطلب مني أني ما أقلق. وقمت مرة ثانية عشان أتحرك، وباكو كشر عن أنيابه وراح يموء. وحسيت أنه مفزوع جداً وخايف. ونط فوق صدر آدم وكان عايز يستخبى في حضنه.

سحبت البندقية بسرعة وصوبتها كيفما اتفق. فضلت لحظات مركزة دون أن أسمع أي صوت. لكن باكو كان بيبص ناحية الغرب كأنه عارف الخطر فين. وصوبت البندقية على المكان اللي باكو بيبص نحوه. وفجأة حسيت حركة سريعة، سريعة جداً. طيف وصل عندي ولمسني واختفى من غير ما أشوفه. عقلي مقدرش يستوعب اللي حصل ده. طيب إزاي ده؟ وسمعت حركة تانية وأطلقت رصاص بسرعة، رصاص كتير في كل ناحية واتجاه. وسمعت صوت آدم اللي رفع راسه. "دول مش مستذئبين."

وكانت أول مرة آدم يتكلم فيها عن ذئاب وحيوانات. وتحركت شوية بعيد عن مكان آدم بحاول أشوف أي حاجة. وشفت شخص واقف خلف شجرة. ابتسم بسخرية وفجأة تحرك بسرعة كبيرة واختفى. مشيت للمكان اللي كان واقف فيه وانتظرت لحظة مركزة رغم الظلام. وظهر قدامي بنت في نفس عمري، وشها أصفر وشعرها طويل. واختفت هي كمان بسرعة. ومشيت وراهم وأيدي على الزناد، وبعدت عن آدم شوية.

وفجأة بسرعة غريبة البندقية اتسحبت من إيدي. وقبل ما أستوعب اللي حصل، المسدس اتسحب من تحت حزام بنطالي. كل حاجة حصلت بسرعة، حاجة صدمتني ووقعتني على الأرض. وجسم قفز فوق جسمي وثبتني. وشفت شاب وفتاة موطين ناحيتي. عيون باردة كأنها ميتة. وقبل أن أصرخ أو أقوم، البنت فتحت بقها وغرزت أسنانها في عنقي. وشعرت بها تمص دمي، تسحبه من كل عروقي. وحسيت روحي بتطلع، بتتسحب مني.

ايدي اتمددت جنبي. وسمعت موء باكو وهو مكشر عن أنيابه وقفز على البنت اللي بتقرصني. البنت ضربت باكو بإيدها، باكو طار في الهوا واتخبط في جذع شجرة ورقد على الأرض. وقبل ما عينيه تغمض، سمعت زمجرة مرعبة وحيوان ضخم هجم على الشاب والفتاة بكل قوة. ضرب البنت بقدمه، طارت في الهوا بعيد عني. ونفس اللحظة قفز في الهواء وقضم عنق الشاب وقطع رقبته.

وكانت أول مرة أشوف حيوان بالضخامة والوحشية دي. وغمضت عينيه لما قرب الحيوان مني، كنت متأكدة أنه يقدر ياكلني بعضه واحدة ويمزق جسمي، وكنت عارفة أني غير قادرة على المقاومة أو تحريك جسمي. وسمعت خطواته بتقرب بهدوء وتؤده، خطوات واثقة غير متعجلة. وحطني الحيوان بين أقدامه ودماغه الضخمة فوق دماغي. وفتحت عيني، جات في عينيه الزرقا، كان باصص فيها.

ورفع الحيوان راسه لفوق ناحية القمر، وصرخ صرخة رهيبة، أتهيأ لي أن الغابة كلها سمعتها. ورجع بص في وشي تاني، وسمعت أنفاسه الساخنة. وفجأة طلع لسانه ولعقني. لعق خدي، ولعق الجرح في رقبتي. لعقه بحنان وطيبة، وفضل يلعق فيه أكتر من دقيقة لحد ما اختلط الجرح بلعابه، وحسيت إني أفضل. الحيوان بعد عني، لحظتها كنت قادرة أرفع نص جسمي وحاطة إيدي على دماغي من الصداع. أداني ضهره ونظر عليه نظرة أخيرة، وقفز مختفي في الغابة.

لما وقفت جسمي كان بيرتعش من التعب، وجريت أقدامي ناحية باكو. كان مرمي على الأرض بيئن ووشه كله دم. "أنت طلعت جدع جداً يا باكو، أنا كنت فاكرك هتهرب وتسيبني." وسمع باكو الكلام ورفع راسه كأنه مفتخر بنفسه، ولعق خدي بلسانه الناعم. "أخيراً يا أخي، أنا كنت فاكرك مت." وقدرت أوصل عند آدم. آدم كان قدر يرفع ضهره ويتكي على جذع شجرة، ولما شافني كان بيبكي ودموع مالية عينيه. قال آدم: "دارين؟ كنت أعتقد أني فقدتك."

وشعرت بقلبي يدق بقوة، رفرفة ألف جناح عصفورة، ولا زال لعابه على عنقي أشعر به يتغلغل داخلي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...