فقدتم الشغف؟ أخبروني لننهي القصة. كان الشاب يركض برعب وكل دقيقة يلتفت للخلف بحثاً عن الوحش. عن أردا. لقد رآه يمزق أصدقائه، يقطعهم، ينهشهم بأنيابه ويشرخهم بمخالبه. رآه يقتل قائد الحراس بسهولة ويطلب منه أن يستجدي لحياته. وصل الشاب القلعة ودخل على قاعة الزعيمة سيليا. كانت سيليا جالسة على كرسي الزعامة واضعة تميمة صغيرة أمام عينيها. تميمة كان أردا أهداها إياها من زمن بعيد.
سيليا كانت سمعت صرخة أردا من قبل، بس متخيلتش إن أردا قتل الكتيبة كلها. الشاب دخل وانحنى قدام سيليا. يا زعيمة! مات الحراس. قتلهم الوحش. وقتل قائدنا. صرخت سيليا: اللعنة! ورمت خنجراً اخترق الخشب واستقر في خزانة قريبة. أردا... أردا... أردا. الشاب كان واقف مرعوباً. أول مرة يشوف سيليا بالغضب ده. سيليا صرخت على الشاب: ارحل! الشاب خرج مزعوراً من عندها، ثم قبل أن يصل وجهته اخترقه سيف من الخلف مزق جسده.
سيليا مش عايزة حد يعرف إيه اللي حصل وإن شخص واحد قتل كتيبة كاملة. استدعت سيليا فرقة خاصة اسمها فرقة الدمار المتسلل ومنحتهم أوامر محددة. ضرورة إحضار دارين لقلعتها في أقصى سرعة مخدرة دون أن يشعر أي شخص. وحذرتهم إذا عادوا من غيرها ستقطع رؤوسهم، ومنحتهم تركيبة مخدرة صنعها علماء الوراثة في مختبراتها. جرعة واحدة منها تكفي للغياب عن الوعي لأكثر من أسبوع.
الفرقة خرجت من القلعة وكانت سريعة جداً، أسرع من أي مخلوق على وجه الأرض. باستطاعتها أن تطوي الأرض طياً، وكان هدفها الوصول للقصر بأقصى سرعة. *** داخل الكهف كانت الفتاة عارية أمام أدم. كان يعرف الثمن. ثمن قوته التي يطمح بها. وتذكر أدم دارين. كيف يستطيع خيانتها؟ يشعر بداخله بالخزي. دماغه مش عارفة تفكر. الاختيار صعب، لكنه عايز يبقى قوي زي دارين. قوي عشان يحكم القطيع ويحارب أردا إذا استدعى الأمر.
والبنت كانت بتطلبه، بتلح عليه ياخد قراره بسرعة. وفكر أدم إنها مرة واحدة ولا تعتبر خيانة. إنه مضطر من أجل غاية أكبر. دارين ستتفهم ذلك. خيانة واحدة لا تعد خيانة. النساء تنسى بسرعة وتسامح. ثم إنه لا تربطه أي علاقة رسمية بدارين حتى الآن. لكن رغم كل المبررات دي حاسس إنه مش سعيد أو مقتنع، ضميره مش مستريح. وسأل نفسه: لو فعلتها دارين مضطرة مثله، أكان يسامحها ويعتبرها؟ مجرد غلطة؟ أم أنه سيثور ويغضب؟ يهجرها وربما يقتلها؟
فهو يحبها حب كبير. هناك فرق بين خيانة النساء وخيانة الرجال. فخيانة النساء لا سماح ولا غفران فيها، أما الرجال فلهم واحدة وواحدة أخرى. لكنه بيعمل كل ده عشانها، عشان يستحقها ويكون مناسب ليها ومبهر في عينيها. دارين ستفهم. دارين طيبة. دارين لن تعرف. واقترب أدم من الفتاة ونسي كل شيء. سيحقق غايته ثم يصبح بعدها شخص شريف. انجرف خلف شعور القوة التي سيحصل عليها. أغمض عينيه واندفع. *** باكو! هو أدم اتأخر ليه؟
أنا قلبي واكلني عليه، خايفة يكون اتعرض للخطر تاني. باكو كان غير مهتم. معبرش دارين ولا كأنه سامعها، ودي كانت حاجة غريبة بالنسبة لدارين. فكرت دارين باكو متغير جداً النهاردة وحاساها مش مظبوط. حاسة مزاجه مش حلو. وحطت دارين إيدها على رقبتها. كانت ناسيه إنها أعطت أدم تميمتها. إلى كانت بتستمد منها قوتها. وكانت حاسة بحزن جواها. أدم مش حاسس بيها. حطت دماغها بين ركبتيها وخلاص هتبكي.
باكو قرب منها. حك شعره في جسمها وقفز في حضنها وكشر أسنانه. أنت بتخوفني يا باكو؟ ضحكت دارين. كانت إنسانة بسيطة جداً على نيتها وأقل حاجة كفيلة إنها تسعدها. أنت صديقي الوحيد يا باكو، تعرف كده؟ أنت الوحيد اللي مش عايز مني حاجة. وبصت دارين في عيون باكو الملتمعة الضاحكة. لحد الآن يعني، متتغرش أوي يا باكو. أصل مفيش حاجة بتفضل على حالها، يمكن أنت كمان تتغير.
واقترب من القصر وشعرت إن قلبي يكاد يغادرني. رغم إن دارين بعيدة عني، حاسس إنها حزينة. فيه حاجة مزعلاها؟ لازم أمنحها السعادة التي تستحقها. البنت دي شافت اللي فيه الكفاية. كفاية إنها اشتغلت خدامة لأكتر من ١٨ سنة في عالم البشر. لقد قاسَت بما فيه الكفاية بعد موت والديها، ومن حقها تعيش سعيدة. رغم كده، مش من حقي أقتحم خصوصيتها أو أتطفل عليها. بس مش قادر أشوفها حزينة ومعملش حاجة.
مشيت لحد ما وصلت القصر وقررت إني أقعد جنب السياج، يمكن الحظ يحالفني وأحظى بنظرة من عيونها العجيبة التي تأثرني. باكو قضم كم قميص دارين. جذبها. فهمت دارين إن باكو عايزها تمشي وراه. وفعلاً طاوعته ومشيت وراه. باكو طلع السلم نحو سطح القصر ودارين وراه. أنت بتتعبني ليه يا باكو؟ قفز باكو فوق أفريز السطح وبص ناحية السياج وقعد يموء ويموء. دارين كمان بصت، لقت شخص قاعد جنب السياج متكي عليه بضهره. وعمال يقزقز لب وتسالي.
كان صعب تعرفه من ضهره، لكنها تقريباً توقعت إنه نفس الشاب اللي قابلها في الغابة ومنحها التميمة. دارين وشها احمر. افتكرت وعدها. القبله والحضن. شعر راسه طويل وناعم وشكله أنيق جداً رغم إنه مش مهتم. دارين فضلت دقيقة تبص عليه من غير ما تتكلم. بعد كده قالت: أنت بتعمل إيه هنا؟ التف أردا ناحيتها ورمقها بعيونه الزرقاء الجميلة. أعتقد مفيش قانون يمنع إني أقعد في أي مكان أحبه. لكن مش لازم تقعد هنا؟ الغابة واسعة. شوف مكان تاني.
براحتي يا أميرة القصر. ثم دا ترحيبك بالضيوف؟ أنا افتكرت هتقولي اتفضل اشرب شاي. دارين بتحب الاسم ده، أميرة القصر. ابتسمت دارين وقالت بكل طيبة: هشوف رأي باكو. باكو هو اللي هيقرر. ها يا باكو، إيه رأيك؟ باكو قفز من على الأفريز وركض بكل سرعة لداخل القصر. شفت بقى! باكو رافض إنك تدخل القصر. أنا آسفة. أردا وقف في مكانه وقال: متستعجلش يا دارين. وشافته دارين كله. معطفه الأزرق الطويل وقميصه الأحمر اللامع.
بنطاله الرمادي وحذائه الأسود بياقة عنق طويلة. كان أنيق جداً وجميل وهادئ. كانت سارحة في مظهره لحد ما فجأة شافت باكو بيركض وبيخرج من السياج وبيقفز في حضن أردا. زعق أردا: يلا افتحي باب القصر بسرعة. وسمعت دارين أردا. وفكرت في سرها: هو بيتأمر كده ليه؟ لكن نبرته عجبتها. طريقته استفزتها وفضولها قال لها: عايز أعرفه أكتر. وقالت دارين: حاضر. نزلت دارين بسرعة للرواق، وقفت قدام المراية وبسرعة عدلت مظهرها.
قبل ما تفتح باب السياج وتسمح لأردا إنه يدخل. وشافت نفسها وهي ماشية جنبه مبهورة بيه. وحست نفسها مستعدة تنفذ أي حاجة يقول عليها. كان له سطوة وتأثير كبير على روحها وأعماقها. وقال أردا: هنقعد هنا في الحديقة. ممكن قهوة؟ بسرعة قالت دارين: حاضر. لحظة بس أجيب الكراسي. وبسرعة جابت منضدة ومقعدين وحطتهم قصاد البحيرة في المكان اللي بتحبه. بص عليها أردا بعيونه العميقة الواسعة. فين القهوة؟
لاحظت دارين إنها كانت واقفة سارحة بتبص على أردا. جسمها اتنفض وقالت: ثواني وتكون جاهزة. أردا قعد على المقعد وباكو في حضنه. أردا مال على شعر باكو. وقرب من ودنه وهمس: ها فيه يا باكو؟ إيه اللي حصل هنا؟ دارين حزينة ليه؟ وراح باكو يموء ويموء ويموء وأردا يستمع له. خرجت دارين بسرعة شايلة صينية نحاسية فوقها فنجانين قهوة. حطتهم على المنضدة وقعدت. وكانت حاسة جسمها مش على بعضه والخجل مسيطر عليها.
حاولت دارين تاخد باكو في حضنها عشان تطرد الخجل، لكن باكو رفض. دارين زعلت وقالت بنبرة جدية: مش قلتلك يا باكو، كله بيتغير؟ وقلت في سري: أنا لن أتغير. أنا أردا. وكل همي أن تجدي سعادتك معي. معي غيري، المهم أن أراكِ سعيدة مبتسمة. وأقسم أن أي كائن يحاول أن ينزع سعادتك أن يناله غضبي. قهوتك لذيذة يا دارين. أنا عمري ما شربت قهوة بالطعامة دي. ابتسمت دارين بخجل. ليه أدم ميكونش كده رقيق ويسمعها كلام تحبه؟
وقالت: أشكرك. إيه الغريب؟ ضحك أردا قهقهة حتى بانت أسنانه اللامعة. أنا لست غريباً يا عزيزتي. أنتِ لا تعرفين أني ابن عمك. قال ذلك في سره وهو ينظر تجاه البحيرة. فين التميمة يا دارين؟ سألها أردا وكان يعرف الإجابة، لكنه رغب أن يسمعها من فم دارين. وقالت دارين بخجل: اديتها لأدم. قال إنه محتاجها. وصمت أردا. هذا الغبي. المغفل. كل همه مصلحته الشخصية. يرغب أن يكون قوياً.
لكن القوة لا تمنحك كل شيء. وهذه التميمة لابد أن تعود لدارين. هذه التميمة الجنية السحرية كانت هديتي لدارين ولابد أن تعود. الهدية مينفعش تتهدى أو تباع، أكيد أنتِ عارفة كده. قالت دارين بأنكسار: عارفة. وحس أردا إنه زعل دارين، فحاول يخفف عنها. بص ناحيتها وتأملها. قبل أن يقول: أكيد أنتِ عارفة إنك مدينة ليا بحاجة؟ مش فاكرة؟ قالت دارين وهي بتقضم أظافرها بخجل. أبتسم أردا ورمق دارين بنظرة مواربة شعرت دارين إنها
اخترقت صدرها وروحها وقال: أفكرك عادي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!