ركضت جهة الشرق، حيث يجثم معقل الذئاب قرب الغابة البرتقالية. لم أكن مستعجلة، كنت محتاجة وقت أفكر هعمل إيه، كمان ما كنتش عايزة حد يرتاب في أمري. كنت عايزة أختلط بيهم كأني واحدة منهم لحد ما أعرف أوصل للسيد كازانوفا، الكونت كارمي. احتجت يومين لحد ما وصلت حدود الغابة الكبيرة. قرى كتير منتشرة، بيوت بسيطة، الناس شغالة كأنها خلية نحل. الحراس كانوا مستهترين، مش متوقعين أي خطر.
بعد ما دخلت الغابة، بعدت عن مناطق الصخب، التفيت ناحية الشمال لحد ما وصلت تلة متوسطة الارتفاع. الشمس كانت محرقة، عشان كده قعدت تحت شجرة بين الأزهار الجميلة المنتشرة في كل مكان. كان فيه مجموعة من الرعاة، سيدات وأطفال بيرعوا قطعان مواشي وخراف. قعدت أتفرج عليهم. كان وسطيهم راجل عجوز معاه طفل بيرعوا الأغنام. لما الوقت بقى عصر، الرعاة قعدوا يتناولوا طعامهم. الراجل ده صوب نظره ناحيتي، كنت قريبة منه وسمعته بيصرخ:
"انتي يا فتاة! وشاور بأيده على الأكل. قلت له: "متشكره، أنا شبعانة." سحب عصايته وتوكأ عليها ومشى ناحيتي. أشفقت عليه، نزلت أقابله أشوف عايز إيه. قال: "انتي غريبة؟ قلت: "تقدر تقول كده، أنا وصلت هنا للتوت." قال: "تعالى كلي معانا؟ شكرته، لكن الراجل أقسم أني لازم آكل معاهم. معاهم، مرضتش أحرج. نزلت قعدت معاهم. كان معاه صبي جميل ثرثار قعد يسألني: "انتي من فين؟ "وصلتي هنا إزاي؟ "وجاية تعملي إيه؟
"انتي جميلة جداً، أجمل من نساء الكونت كارمي." كنت برد عليه باقتضاب: "عايزة أخلص وأبعد عنهم." وإحنا بناكل، في طفل صغير كان بيجري ناحيتنا وبيصرخ: "يا عم ايمير، الخروف وقع في البير! الراجل اتعصب وقال للصبى: "أنا قلت لك ابعد الأغنام عن البير؟ الولد قال: "بعدتهم والله، أنا آسف." وقعد يبكي. وقفت في مكاني وقلت للصبى: "وريني البير فين؟ أنا هأنقذ الخروف." وصلنا البير كانت عميقة جداً والخروف بيصرخ، ثغاء يقطع القلب.
أخدت حبل ربطته في شجرة ونزلت جوه البير، لكن الحبل مجابش نهايته. تخليت عن الحبل ونزلت لقاع البئر، شلت الخروف وتسلقيت البير بيه بسهولة. الصبى فرح جداً وباقي الأطفال. لكن ايمير العجوز كان بيبصلي نظرات غريبة. قال: "انتي إزاي عملتي كده؟ لا بد أنك تمتلكي عضلات قوية جداً، ما فيش شاب يقدر يعمل اللي انتي عملتيه." قعدت أشرح له أني كنت شغالة مع والدي قبل كده ومتعودة على الأعمال الشاقة. ايمير أصر أني أرجع معاهم.
رفضت في البداية، لكن بعد كده فكرت أنها فرصة كويسة أني أختلط بيهم وأعرف أسرارهم. وقت الغروب رجعت مع ايمير العجوز والصبى لبيته، إلى تصادف أنه قريب من مقر قيادة المستذئبين. كانت الشمس غابت والليل وصل. وفجأة سمعنا صوت هيصة وزعيق وتصفيق. الصبى سحبني من إيدي قال: "تعالى نتفرج على ساحة النزال." روحت معاه وكان فيه ناس كتيرة جداً، نصهم مستذئبين والبقية على هيئتهم البشرية بيشاهدوا النزال.
كانت أول مرة أشوف السيد كازانوفا، الكونت كارمي. ذئب ضخم قاعد على كرسي الزعامة وجنبه شابات جميلات محيطين بيه من كل جهة. لابسين لبس أميرات أنيقات وفيه تيجان على رؤوسهم. النزال انطلق، كان فيه مستذئب بيصارع مستذئب تاني، نزال قوي جداً استخدموا فيه كل مهارتهم. انتهى النزال بفوز واحد فيهم بعد ما الثاني استسلم. توقعت أن النزال انتهى وأن فيه اتنين غيرهم هينزلوا يتصارعوا. لكن المستذئب فضل وسط الساحة. قلت للصبى:
"المفروض أنه انتصر قاعد ليه وسط الساحة؟ الولد قال: "انتي عبيطة جداً، هنا اللي بينزل النزال وينتصر لازم يبقى لآخر الليلة، يصارع كل اللي عايز يصارعه، ممكن يفوز أو يخسر، لكن المنتصر بيظل لآخر الليل." قال: "هنا يوجد منتصر واحد كل ليلة." النزال بدأ تاني، مكنتش مهتمة، كنت ببص على الكونت كارمي. إلى كنت حاسة أنه بيشعر بالملل ومش متابع النزال أصلاً. لو قدرت أتلف من وراه ممكن أطعنه وأخلص العالم منه.
لكن الحراس محيطين بيه من كل مكان. وسط أفكاري سمعت صراخ وصياح. الصبى قال: "تولكان وصل، تولكان وصلت! قلت: "تولكان مين؟ قال: "ده أقوى مستذئب هنا، محدش بيقدر ينتصر عليه، بيسموه الوحش." قال: "الكونت كارمي بس هو اللي أقوى منه." تولكان قتل الشاب بسهولة ووقف وسط الساحة يتبختر ويصرخ بسخرية: "حد عايز يموت تاني؟ الناس كلها بلمت، ما فيش ولا واحد تقدم منه. الصبى جنبي قال بحزن:
"زي كل ليلة، محدش هيصارع تولكان والنزال هيخلص، يلا بينا نروح." قلت له: "يلا بينا." لكن تولكان صياحه ارتفع جداً. قعد يصرخ: "يا جبناء، ما فيش واحد فيكم قادر ينزل يصارعني؟ الكل صامت مش بيتكلم. تولكان مسك شاب من بين الناس اللي بتتفرج وقاله: "انت هتصارعني." الشاب حاول يتهرب، لكن الكونت كارمي هز دماغه يعني هيحارب. الشاب اتحول لذئب متوسط الحجم وكان بيحاول يهرب من تولكان. لكن تولكان كان بيضربه كل ما يقرب إليه.
الشاب نزف دم من كل مكان. توقعت أن الكونت كارمي ينهي النزال. لكن محصلش. تولكان مسك الشاب، طوحه على الأرض بعد ما لفه في الهوا كأنه غصن شجرة. المستذئب المسكين اترمى على الأرض بقى شاب جسمه كله جراح وقدمه مكسورة. بصيت على الكونت كارمي، ربما يصدر أي أمر. كارمي كان بيداعب واحدة من حريمه في خدها وهي مستسلمة بوداعة. فاكر نفسه ملك؟ حسيت بالغيظ. لو أي راجل لمس خدي حتى لو كان جوزي هقطعهاله. كارمي ما كانش منتبه أصلاً للساحة.
قلت في سري: "دا حرام، النزال دا لازم ينتهي، دا نزال غير عادل." "كونت كارمي... وما كنتش واخدة بالي أن صوتي عالي جداً وأن الكونت كارمي هيسمعني. "أمر بأنتهاء النزال، الشاب هيموت؟ واضح أني أثرت انتباه كارمي، لأنه قعد يبص الصوت طالع من فين. الصبى قال: "اسكتي خالص، متفتحيش بقك." قلت له: "حاضر." كارمي وقف وكان ضخم جداً، قال: "مين كان بينطق اسمي؟ مين اتجرأ وبيأمر كارمىيييييييييييييييي؟ في صوته كان فيه بحة مرعبة.
محدش رد وأنا كمان قفلت بقي. كارمي كان ذئب ضخم جداً وعينيه مرعبة. نزل كارمي وسط الساحة. ولاحظت أن كل الناس أحنت رقبتها وخايفة منه. قال: "أنا عايز أعرف الشخص طيب القلب اللي بيطلب الرحمة للشاب ده؟ عايز أتشرف مقابلته وأعزمه على فنجان قهوة." صمت مطبق، ولا واحد فتح بقه. كنت خايفة أي شخص قريب مني يفتن علي، لكن الصراحة محدش اتكلم. قال: "يعني مش هتظهر يا طيب القلب؟
كارمي قال كده وهو بيمشي بغرور وسط الساحة والناس منكسة رؤوسها وأنا كمان. صرخ كارمي: "تولكان؟ مزقه، قطع جسده بمخالبك." انحنى كارمي ناحية الشاب المصاب وقال بصوت مسموع: "كان نفسي أساعدك." تولكان مسك عنق الشاب بين إيديه وانتظر لما الكونت كارمي رجع عرشه وقعد عليه. كان منتظر إشارة كارمي. حسيت بالخزي، ياروح ما بعدك روح. أنا مش ممكن أقف من غير ما أتصرف. مش هقدر أحترم نفسي مرة تانية، رحلتي هتبقى من غير فايدة.
أنا مش جبانة ولا ضعيفة. وحتى لو كنت هموت لازم أموت بشرف. أنا أقدر أهزم تولكان، أو على الأقل مش هيقضي عليا بسهولة. أنا أرين زعيمة مصاصي الدماء مش جارية ولا عبدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!