مكنتش متخيله إن عائلة وارتد عايشة في مكان بعيد عن المقاطعة، رغم إنهم بيملكوا معظم عقارات وأراضي المدينة. لما وصلنا قلعة الكونت وارتد، عرفت إن الحكايات اللي كنا بنسمعها عن غناهم وقصرهم مجرد نقطة ميه في بحر. فتح باب حديدي أمام العربة وقطعت بنا طريق طويل تحيط به الأشجار الكبيرة، زي ما يكون طريق وسط غابة. العربية فضلت ماشية لحد ما اعتقدت إن الطريق ملوش آخر. بعد وقت طويل، انفتح باب حديدي ضخم وكان الباب الخارجي للقلعة.
مكنتش متخيله إن فيه زي قرية أو ضيعة عايشة داخل سور القصر. بيوت صغيرة خاصة مليانة بالعمال والفلاحين. بعد ما عبرنا البيوت دي، ظهرت قدامنا حديقة من عدة أفدنة، وأخيراً وصلنا القصر والبيوت الملحقة بيه. نزلنا من العربية وأنا بدور بعيني في عمارة القلعة والقصر اللي مبني جواها والأبراج الظاهرة منه. البنت قالت لأخوها: "أنا هاخدها عند لاريسا". وسحبتني من إيدي على كوخ صغير طالعة منه أبخرة وريحة عطور.
وكان فيه امرأة شيباء أربعينية جميلة جداً. البنت قالت: "لاريسا، عايزاكي تعيني آرين!؟ الست بصت فيه شوية وشاورتلي أقرب منها. مسكت إيدي ولفّتني. أنا كنت قصيرة جداً بالنسبة ليها. لفتني وهي قاعدة على كرسي خشبي. لاريسا قالت: "نحيفة وضعيفة، أعتقد إنها لن تصلح، مفيش فايدة منها". قالت إيليا: "اتصرفي يا لاريسا، دي لسه قدامها سنة؟ نظرة تانية طويلة رمقتني بيها لاريسا وطلعت وعاء فيه أعشاب.
"اسمعي"، وشدت ودني، "كل ليلة قبل النوم تاخدي جرعة من المخلوط ده". قلتلها: "حاضر". إيليا قالت: "هنعـمل إيه دلوقتي؟ لاريسا قالت: "هخليها تشتغل في القصر، في المطبخ أو أي مكان". الغريب إن إيليا معترضتش. كنت متوقعة إنها هتعطف عليا أو تعترض. لكنها نادت على خادمة اسمها صوفيا وسلمتني ليها واختفت. من ساعتها مكنتش بشوف إيليا والشاب أخوها بيتر غير من بعيد. ولا واحد منهم فكر يقرب مني أو حتى كان فاكر إنهم جابوني القصر.
وعرفت إنهم جابوا بنات كتير زيي من كل مقاطعات البلد، لكن بنات أقوياء مش زي أنا. وأدركت إن شفقتهم وحدها هي اللي خلتهم يجيبوني القلعة والقصر، وإني عمري ما هكون واحدة زي بقية البنات. إيليا جرتني وراها تاني وأنا كنت بقول في نفسي: "يعني أسيب مطبخ عمتي عشان أشتغل في مطبخ القصر؟ من أول نظرة عرفت إن صوفيا دي لئيمة. بصتلي من تحت لفوق وقالت: "نضفي نفسك وغيري هدومك، وارجعيلي". خدوني، استحمت وغيرت هدومي ورجعت اشتغل في المطبخ.
كنت بنام مع بنات من نفس عمري، لكن جسمهم كان أكبر مني. أنا بالنسبة ليهم كنت يا دوبك طفلة، وكانوا بيتحاشوا الكلام معايا أو حتى الهزار. وكل ليلة كنت باخد جرعة المخلوط بتاع لاريسا، اللي عرفت بعد كده إنها حكيمة القصر. وكنت بقف كل ليلة قدام المراية أعاين جسمي مستنية المفعول السحري للعشبة، لكن مفيش فايدة. جسمي زي ما هو، نحيلة وضعيفة. لحد ما اعتقدت إني أستحق لقب دودة فعلاً. بعد شهر، إيليا خدتني تاني عند الحكيمة لاريسا،
اللي فحصتني وقالت: "مفيش فايدة يا إيليا. دي قدرها تصبح خادمة في القصر. عضلاتها مش بتتمدد، عندها ضمور". لكن طول عمري مش هقدر أنسى نظرة الحقد اللي لاريسا كانت بترمنيها بيها، ولا كنت عارفة السبب. المرة دي مزعلتش. كنت عارفة إن مستقبلي وقدرى مش هيتغيروا. وارتضيت بشغلي في القصر واتحملت تنمر صوفيا وبقية الخادمات. وبقيت أضيع وقتي بالهرب من القصر وأخرج ألعب مع الأطفال اللي كانوا متخيلين إني طفلة زيهم.
وكان خدم القصر يدوروا عليا لحد ما يجيبوني من الشارع متجرجرة على الأرض. رغم كده، كنت بهرب تاني عشان ألعب مع التان، وده كان من نفس عمري تقريباً، وكان الوحيد اللي بيعاملني كويس وعمره ما جرحني أو تنمر عليا. بل كان بيتخانق عشاني مع أطفال تانيين. كنت مرتاحة للتان وأحب ألعب معاه ونخرج نجري ونتسكع قرب الغدير وسط الخضرة ونتمرغ على العشب.
رغم كده، كان فيه شيء محزن جوايا. التان عمره ما قالي كلمة تدل على حبه ليا. كان معتبرني زي صديقته، أو للدقة، صديقه لأنه ملوش أخوات. مكنش ممكن ألوم التان على مشاعره ناحيتي. أنا نفسي كنت عارفة إن الشيء الوحيد اللي بيخليني أنثى شعرى الناعم الطويل. مفيش ولا أي حاجة مميزة. لكن زي أي بنت في سني، كنت بحلم أسمع الكلام ده، حتى لو من باب الهزار.
في مرة كنت بلعب مع التان وقربت منا بنت اسمها فيرا، وشفت نظرة التان ليه. نظرة مختلفة خالص عن نظرته ليا. عينيه كانت بتلمع، فيها بريق عجيب. لحظتها حسيت بانكسار وهزيمة، وعرفت إن التان عمره ما هيرمقني بالنظرة دي أبداً. رجعت للقصر مكتئبة وسبت التان مع فيرا. ما استحملتش أقعد معاهم ولا أشوف التان بيضحكلها وبريق عينيه الجميل ليها وحدها.
مكنش قدامي غير مكتبة القصر، وكنت بقضي فيها فترة كبيرة لما الكونت أرثر أو حد من أولاده يكون موجود هناك. وكنت بقرا كتب الطب والأعشاب بحاول ألاقي طريقة أغير بيها هيئتي، شكلي اللي كان مثار استهزاء وسخرية الجميع. في كتب الحكماء القديمة لقيت مذكور أكتر من عشبة زي عشبة نافيتفرا، كل ما عليك فعله إنك تنظر للقمر وتلوك العشبة وأنت تقول أمنيتك. وعشبة ثلاثقوناج الممددة للعضلات والمضخمة لضربات القلب، وعشبة الأنثينثن السوداء.
لكن كل الأعشاب دي كانت موجودة في الأودية الشمالية القاسية اللي بتسكنها الحيوانات المرعبة. في أول آذار، كان عمري وصل 17 سنة، وبدأ حينها اختبار التعميد والقضم، واللي كان، بالصدفة، قبل موعده بشهور. وارتفع صياح خادم كان معاه بوق: "إن الليلة هيكون فيه احتفالية الاختيار، الأولاد والبنات، وإخضاعهم للاختبار تحت إشراف الكونت أرثر. وكان كل الناس لازم تكون موجودة. كل شاب وكل فتاة مهما كان شغله أو وظيفته أو نسبه.
الاختبار ده اللي بيحدد مكانتك في القلعة وفي القصر هتكون إيه. لأما محارب، حارس، صياد، يتم قضمك وتعميدك وتحمل علامة الكونت أرثر. لأما خادم أو مزارع وفلاح أو طباخ زي شغلي." مفيش شخص وجهلي دعوة عشان أحضر الاختبار، والصراحة مكنتش مهتمة، وكنت بنضف سلم القصر عشان الاحتفالية. ووصلت سطح القصر اللي بيبص على الساحة، وكان الشبان والبنات في الساحة منتظرين الاختبار.
وهنا شفت إليان وفيرا، والنار اشتعلت جوه صدري. خرجت من القصر جري ووقفت في الصف معاهم. ظهر الكونت أرثر وولاده وبعض المستشارين ليه، وكانت معاهم لاريسا، وكان في إيدها كشف مدون فيه أسماء. وبدأت تنادي على الأسماء، وكان الشخص بيتقدم نحو المنصة. لاريسا تمرر إيدها عليه وتنطق حكمها. لائق بها، بعدها يعدي من قدام الكونت أرثر ويخدوه لجوه القصر. وفضلت مستنية اسمي يتنده.
إليان، فيرا، والبقية كلهم اتقبلوا ونجحوا في الاختبار، لكن اسمي متنده. فضلت واقفة لوحدي وسط الساحة وصرخت عليهم: "أنا اسمي متنده! لاريسا قالت: "أنا مخترتكيش للاختبار، إنتي غير صالحة." قلت بنبرة أقرب للبكاء: "أنا متأكدة إني هنجح واعدي الاختبار." لاريسا قالت: "إنتي مرفوضة." الكونت أرثر شاور بإيده للاريسا وهمست في ودنه شوية كلام. بعدها الكونت أرثر قال: "اقتربي." جريت ناحيتهم، لاريسا حطت إيدها فوق دماغي وقالت: "لا تصلح."
مشيت قدام الكونت قال: "لا تصلح." حسيت إن الدنيا بتلف بيا وإني هفقد الوعي. سمعت صراخ فرحة الأهالي بأبنائهم واحتفالهم الصاخب. جريت نفسي ناحية المطبخ وأنا عمالة أعيط وأبكي. إليان خلاص مش هيلعب معايا تاني ولا هيكلمني. داخل القصر سمعت الكونت أرثر بيوجه كلامه للمختارين، كان بيقول إن القلعة بتتعرض للهجوم من الشمال، وإن الاختبار تم قبل موعده لأنهم محتاجين حراس تحرس الممرات والطرق، وإن الهجوم متوقع خلال شهر.
وخدوهم على غرفة مغلقة وتم قضمهم، أصبحوا مصاصي دماء، ارتفعت مكانتهم داخل القصر والقلعة. وبت ليلتي محطمة مكسورة. مَطَقَتْش أنام مع الخدم في غرفتنا وفضلت هايمة الليل بطوله لحد ما نمت في غرفة ملحقة بالقصر، شونة لخزين القمح والتبن. وقمت في نص الليل على صراخ وصياح وعياط وبكاء. القرية داخل القلعة النار مشتعلة فيها، الأطفال بتصرخ، الستات بتحاول تنقذ أطفالها.
وناس كتير غريبة منتشرة في كل مكان، وسمعت ضرب داخل القصر، صراخ واصطدامات. خيالات بتمر جنبي بسرعة الريح. فضلت مستخبية في مكاني جسمي عمال يرتعش وعيني بتبكي من الخوف. وسمعت خبط جامد جنب غرفتي، راجل ضخم كان بيحارب إيليا وبيشتبكوا مع بعض. في النهاية الراجل ده غرز شوكة حديد في صدر إيليا وقتلها. اترمت على الأرض والدم سايل منها، دماغها ناحيتي وشفت الموت بيخرج من عينيها.
واستمر الصراخ فترة طويلة لحد ما الأصوات خفتت وشفت الناس الغراب دول بيغادروا القصر. طلعت من مكاني ومشيت بهدوء، ممرات القصر وأروقته غرقانة في الدم. كنت ماشية فوق الدم برجليها الحافية، شفت بيتر ابن أرثر رقبته مقطوعة، وحرس القصر كلهم محروقين، كان فيه مذبحة داخل القصر. مشيت ناحية باب القصر عشان أهرب.
وسمعت صوت شخص مصاب بيئن داخل غرفة الكونت أرثر. فتحت الباب لقيت الكونت أرثر مرمي على الأرض بيطلع في الروح، وجربة مغروسة في ضهره. ولما شافني حاول يتكلم مقدرش. عرفت إنه عايز حاجة، فقربت منه. الكونت قال: "كل ذريتي اتقتلت، سيرتي هتنتهي في الحياة، قربي رقبتك." قربت عنقي منه، قال: "أنا هاوسمك، هديكي دماء سلالتنا الملكية." مكنتش فاهمة حاجة، لكن سلمته عنقي. الكونت
قضم رقبتي وهو بيقول: "احملي قوة أجدادي وسلالتنا العريقة، أبث بداخلك الغضب والانتقام." حسيت دمي كله انسحب مني. بعد كده رجع ليا تاني أكثر قوة اندفاع. مستحملتش العضة واترميت جنب الكونت وأنا فاقدة للوعي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!