بللت "هاجر" شفتيها بتوتر قبل أن تهتف بتلعثم وهي تحاول تجاهل أنظار "عمرو" الحانقة: -عادي يعني يا عمرو. قلب عينيه ليزفر بقوة قبل أن يهتف بحدة: -لا مش عادي، ولو سمحتي مش عايز أشوفك حاطة ميكب تاني قدام حد. عضت شفتيها بتوتر لتهز رأسها بإيجاب. أكمل هو معلقاً على حجابها: -وطرحتك دي كمان، ممكن أفهم شعرك باين منها ليه؟ تأففت بضيق قبل أن تتحدث بحنق: -ومالها الطرحة؟ انت بتتحكم فيا كده ليه ها؟
لاحظ نبرتها الحادة فزفر بهدوء محاولاً استدعاء ثباته. صمت لوهلة قبل أن يعاود الحديث بلين: -هاجر.. بصي انتي خلاص كلها كام شهر وهتبقي مراتي وعلي ذمتي، وأنا بصراحة ما أحبش أي حد يبص على مراتي، انتي إيه رأيك؟ رفرف قلبها لكلماته لكنها اعترضت بخفوت: -بس بابا مش بيعترض يعني على هدومي وكده. -وأنا ماليش دعوة بوالدك، انتي كلها كام شهر وهتبقي ملزمة مني أنا وأنا ما يرضينيش يا بنت الناس تبقي عاملة زي الأراجوز كده.
شهقت باستنكار لتهتف بحدة: -أنا أراجوز يا عمرو؟ تنحنح بتراجع ليهتف بلين: -يعني انتي شايفة إن اللي انتي عاملاه في نفسك ده صح؟ -منا قلتلك مش هحط ميكب تاني. تنفّت بخفوت فأكمل بلين: -والطرحة؟
.. ربنا قال في سورة النور ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي
أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].
دا كان أمر من ربنا لنساء المسلمين بالتستر والحجاب، عارفة يعني إيه "{وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}" يعني المفروض رقبتك اللي مبينها دي متظهرش، المفروض.. لامؤاخذة يعني.. صدرك يتغطي بالطرحة اللي انتي لابساها دي، عارفة ليه؟ أكمل بهدوء بينما هي تعلق أنظارها فوقه:
-عشان دا كان حجاب النساء في الجاهلية، في تفسير ابن كثير للاية دي اتقال كانت المرأة تمر بين الرجال مسفحة بصدرها، لا يواريه شيء، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها، يرضيكي تبقي زي نساء الجاهلية؟ أوقفته هاتفة باختناق: -بس.. كل البنات بتلبس كده و.. ابتسم وتحدث بهدوء: -ليكي في السوشيال ميديا والحاجات دي؟ هزت رأسها بهدوء فهتف سريعاً:
-طب إيه رأيك تبحثي عن الحجاب الشرعي وإن شاء الله تبقي تقوليلي وصلتي لإيه، اتفقنا؟
هزت رأسها بشرود. هي وافقته على عدم تزينها مجدداً لأنها كانت تتزين لأجله، فلما التزين بعد الآن وهي ستصبح له بعد فترة. أما حديثه عن ملابسها فقد أربكها بحق. هي تعلم في قرارة نفسها أن ما ترتديه ليس بالصحيح، لكن تعليقه عليه وبتلك الآيات جعل قلبها يرتجف قليلاً. ارتفع أذان العشاء فانسحب بهدوء بعدما ألقى التحية على والداها وجذب شقيقته معه، تاركاً إياها لا تزال شاردة في حديثه. أفاقت على هزة والدها الذي هتف بقلق:
-مالك يا هاجر؟ .. هو ضايقك؟ تحدثت سريعاً: -لا أبداً يا بابا، أنا بس سرحت شوية. لوت "جليلة" ثغرها قبل أن تتحدث بحنق وهي تدغز زوجها بكتفه: -وانت يا راجل إزاي توافقه على كتب الكتاب اللي عايزه ده؟ انتبهت "هاجر" لهما فهتف "مسعد" بضيق: -وفيها إيه؟ ، الراجل عدّاه العيب، عايز يكتب على بتك عشان يبقى براحته ومحدش يوجهلهم كلمة. -وافرض حصل خلاف ومحصلش نصيب تتحسب عليـ.. قاطعها مزمجراً بغضب:
-بقولك إيه يا جليلة، انتي مش كل ساعة بحال، إنتِ اللي قلتي هو اللي هيصلحها، يبقى تسكتي ومالكيش دعوة بحاجة. -يصلحني! عقبت "هاجر" بذهول فنظر لها والداها بدهشة. كيف لم ينتبها لها؟ قهقهت "هاجر" بعدم تصديق. أكان حديثه هذا ما هو سوى محاولة منه لإصلاحها كي تتوافق مع (مزاج) والدتها؟ ألم ينصحها لأجلها هي؟ لأنها ستصبح زوجته؟
تشوش تفكيرها فتوجهت إلى غرفتها لترتمي على فراشها. تنهدت بأسى وقد أصبحت لا تفهم ما يدور حولها بشكل صحيح. ألهذا وافق والداها عليه؟ لقد اندهشت في بادئ الأمر من موافقتهما على "عمرو" كونه يعمل كسائق، لكن يبدو أن الأمور قد بدأت تتضح قليلاً. إذا.. ماذا عنه؟ هل أتى طالباً يدها لأجلها أم..؟
بدأت الأفكار الغريبة تتضارب في عقلها فنهضت بحزم متوجهة إلى المرحاض لتتوضأ وتصلي العشاء قبل أن تغط في نوم عميق أنهت به صراع أفكارها المؤلم. ~♡~•~♡~•~♡~•~♡~ -هااا، قولّي إيه رأيك؟ صمت "عمرو" قليلاً قبل أن يرد على أخته بهدوء: -إن شاء الله خير. -يبقى قلبك مال؟ ضحكت باستهزاء ليهتف بملل: -أنا هطرقع، والنبي يا سناء تحلي عن نفوخي، أنا مش ناقص. قرصت وجنته لتهتف بمشاكسة: -طب أنا ماشية عشان عماد هيقتلني وسايباك تفكر في الغالية.
-قومي يا سناء روّحي. قومها دفعها إلى الخارج لتتعالى ضحكاتها بعبث. أغلق الباب من خلفها ليتنهد بقوة. أغمض عينيه بإرهاق فأتى بباله رماديتها التي تعلقتا به بهدوء عندما كان يتحدث إليها. كانت تناظره بهدوء، بتيه، بـ.. حب! هز رأسه نافياً عن باله تلك الأفكار الحمقاء ليتمتم مستغفراً بخفوت. خلع قميصه ليلقيه على الأريكة بإهمال ليتوجه بعد ذلك إلى المرحاض ليغتسل قبل أن يخلد للنوم. ~♡~•~♡~•~♡~•~♡~
جلست "هاجر" تقلب بهاتفها بتركيز. لقد فعلت كما طلب وها هي تبحث عن ذاك (الحجاب الشرعي) لكن يبدو أن الأمر أصبح معقداً جداً بالنسبة لها. لمعت الدموع بعينيها لتلقي الهاتف بعيداً بضيق. من حديثه يبدو أنها ليست من نوعه وهذا جعلها ترغب بالبكاء، فهي لم تكن تفعل هذا سوي لأجله، لعله ينتبه لها!
تأففت واستقامت لتتأمل ذاتها في مرآة الغرفة بشرود. كانت ذات بشرة بيضاء لفحتها الشمس فخطت آثارها فوقها. عينان رماديتان ورثتهما عن جدها كان لهما الفضل في لفت بعض الأنظار إليها. كانت ملامحها عادية، لكنها تريح الناظر إليها. تلمست شعرها، لتختنق عيناها بالعبرات. هو لا يريدها هكذا وهي.. لا تعلم ماذا يجب عليها أن تفعل. زفرت بضيق قبل أن تتوجه إلى فراشها لتدس نفسها بين أغطيتها مناجية نوماً ينتشلها من بين أفكارها اللعينة.
~♡~•~♡~•~♡~•~♡~ بعد أسبوعين.. هبط "عمرو" من السيارة ليشيح أنظاره بضيق بعدما وقعت عيناه على "هاجر" التي هبطت من وراء أخته. ركبت "سناء" السيارة ومن خلفها "هاجر" ليستقل مقعده هو الآخر صافعاً الباب من خلفه بقوة. توترت "هاجر" من عصبيته وما إن كاد ينطلق بالسيارة حتى هتفت "سناء": -استني يا عمرو، ده أنا نسيت البوك بتاعي فوق.
قالتها وهي تدفع باب السيارة لتهبط متجهة إلى مدخل العمارة. أراد "عمرو" أن يعترض على تركها لـ"هاجر" معه هكذا لكن أخته كانت أسرع، فهبطت دون أن تلقي له بالاً. راقبت "هاجر" انفعالاته الغاضبة عبر المرآة الأمامية لتقضم شفتاها بضيق. لا تعلم ما به.. ولا تريد أن تعلم، فيكفيها ذاك الصراع الذي أقامه بداخلها منذ زيارته الأخيرة. انتفضت بعنف حالما ضرب بيده مقود السيارة ليهتف بعصبية: -أنا مش قايلك تغطي أم شعرك دا؟ -منا.. مغطياه.
التفت لها ليشير إلى بعض الخصلات التي ظهرت من أسفل حجابها: -ودا إيه ها؟! .. فرحانة بشعرك يعني ولا إيه؟ نفسي أفهم! لمعت الدموع بعينيها لتتحدث باختناق وهي تعدل وضع حجابها للأمام قليلاً: -الطرحة هي اللي بترجع لورا عشان ستان، أنا مغطية شعري كويس.
راجع حالما لاحظ نبرتها الباكية. ألقى نظرة تقييمية عليها ليزفر بهدوء قبل أن يهبط من السيارة حتى تأتي أخته التي لا يعلم لما تأخرت في الأعلى. هناك تغيير صغير بالفعل، فإلى جانب عدم صبغها لوجهها بتلك المساحيق الغريبة فقد غيرت طريقة لفها للحجاب ليخفي عنقها تماماً. لا يزال قصيراً لكن هذه خطوة جيدة سيكتفي بها للآن. رأى أخته تخرج من العمارة المقابلة ليتنهد براحة. استقل السيارة من جديد بعدما دلفت أخته ليبدأ بالقيادة نحو إحدى الأسواق الكبيرة حيث سيتركهما لينتقيا بعض الأشياء الخاصة بـ"هاجر".. زوجته المستقبلية!
~♡~•~♡~•~♡~•~♡~ هبطت "هاجر" من سيارة "عمرو" لتلوح لـ"سناء" ببلاهة. انتهت وصعدت إلى الأعلى لتتفاجأ بإحدى جاراتها تخرج إليها وكأنها كانت بانتظار مرورها. لم تولها اهتماماً وأكملت صعودها لكن استوقفتها تلك الهمهمات المستنكرة التي أتبعتها تلك السيدة بقولها الساخر: -لفيتي ولفيتي وفي الآخر هتاخدي سواق! التفتت "هاجر" لها بعنف فتحدثت السيدة سريعاً وكأنها كانت بانتظار لفت انتباهها:
-منتِ جايلك قبله اشي المهندس واشي الدكتور وفي الآخر؟ اترميتي للسواق. -ما تحترمي نفسك يا ولية إنتِ. شهقت الأخيرة باستنكار هاتفة بصوت مرتفع نسبياً: -لااا اتلمي كدا يا بت انتي واعرفي انتي بتتكلمي مع مين، دنتي سيرتك بقت على كل لسان، تكونيش لسة فاكرة إن الكل لسة بيعمل لسيرتك حساب؟؟ -انتي... -أنا هسيبك وأدخل لبنتي.. أصل بعيد عنك.. متقدملها دكتور وهياخدها ويسافر كويس، أسيبك بقي.. مع خيبتك.
دخلت إلى منزلها سريعاً صافقة الباب في وجه "هاجر" التي تصنمت مكانها غير قادرة على استيعاب ما حدث!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!