تعالت الزغاريد لتملأ البهجة المكان، لقد انتهى المأذون لتوه من عقد قران "هاجر" على "عمرو" بعدما قاما بتقديم موعد الزفاف. ناظرته بخجل وقد تخضبت وجنتاها بحمرة لطيفة. انتظرته حتى يقترب منها ليضمها في ما يُعرف بـ (حضن كتب الكتاب) ، لكنها وجدته يضم والدتها بود ليطبع قبلة حانية فوق جبهتها. لوت ثغرها باستنكار وهي تراه يستقبل التهاني من الجميع، تاركًا إياها واقفة تناظره بضيق. انتهى أخيرًا والتفت لها فابتسمت ببلاهة من جديد.
اقترب منها فظنت أنه لربما يقبل رأسها حتى، لكنها فوجئت به يصافح يدها بهدوء هاتفا بابتسامة: -مبارك. جذبت يدها قبل أن تهتف: -لا بقااا، مش دا اللي اتفقنا عليه. عقد حاجباه فاندفعت تتحدث دون تفاهم: -أيوا يعني فين حضن كتب الكتاب من الليلة دي كلها؟ هو أنا متجوزاك عشان تسلم عليا؟! تنحنح بقوة فانتبهت إلى ما تفوهت به، تخضبت وجنتاها بحمرة قاتمة وأشاحت أنظارها بعيدًا لتشهق عندما اقترب منها وتلمس كفها. جذبت كفها بخجل فهتف بسخرية:
-دي أنتِ مكسوفة تسيبيني المس إيدك.. حضن إيه بقى اللي عايزة تاخديه؟! تلعثمت لتهتف بتوتر: -أنت قليل الأدب. أشار إلى صدره بذهول: -أنا برضه يا بنت. أوشكت تصرخ عليه لتوري خجلها مما قالته ليقاطعها حديث والدها الذي اقترب منهما للتو: -مش هتاخدها وتخرجوا يا عمرو؟ ابتسم "عمرو" ليهتف وقد مد يده ليقبض على كفها: -هاخدها طبعًا يا عمي، بعد إذنك. جذبها خلفه وتوجه بها إلى الخارج على مضض وهي خلفه تحاول إيقافه صارخة باحتجاج:
-أهدي شوية، هو أنت بتسحب بقرة وراك؟! هبط إلى الأسفل واستقل سيارة الأجرة الخاصة به، فزفرت هي بضيق قبل أن تصعد إلى السيارة هي الأخرى. أغلقت الباب فهتف بحنق: -قاعدة ورا ليه يا أستاذة؟ شايفاني السواق الخصوصي بتاعك؟ تعالي هنا.
هتف وأشار إلى المقعد المجاور له، فهبطت بتوتر وصعدت إلى جانبه. أدار محرك السيارة وبدأ بالتجول في الشوارع دون هدى، وهي فقط تراقب الطريق وتختلس بعض النظرات إليه بين الحين والآخر وهي لا تزال لا تصدق أنها أصبحت زوجته!
توقف بالسيارة فرمقته بتوتر قبل أن تشيح بأنظارها إلى الجهة الأخرى من جديد. التزم الصمت وقد رأى أن حديثه في هذا الوقت قد يجعله يفسد كل شيء ببعض الكلمات المتهورة التي هو واثق أنه لن يكون قادرًا على إيقاف انبثاقها من فمه. زفرت بضيق فتنهد قبل أن يتحدث بهدوء:
-بصي يا بنت الناس، أنا واحد عارف ربنا كويس وعايزك تتأكدي إني هتقي الله فيكي وكل حقوقك هتكون محفوظة. أنا معظم النهار مش هكون موجود في البيت عشان هبقى في الشغل، أتمنى لو ميضايقش سيادتك لما أبقى أرجع ألاقي عشاي جاهز وهدومي جاهزة. -طيب. -مش عايز مشاكل مع حد من الجيران ولا عايزك تنزلي من غير ما تقولي لي. تأففت بضيق فصمت. أدمعت عيناها بقهر عندما زاد الصمت لتتنهد بألم. لما لا يشعر بها؟
أدار المحرك بعد دقائق وانطلق عائدًا إلى المنزل فأسندت رأسها إلى الخلف بإرهاق. ستصبر وستحصل على قلبه مهما كان الثمن، فقط صبر أيها القاسي! *** صفعت "هاجر" باب السيارة من خلفها بقوة فتمتم ببعض الكلمات الحانقة التي لم تعرها هي اهتمامًا. توجهت إلى مدخل عمارتهم وما إن اختفت بالداخل حتى انطلق بسيارته نحو منزله. تنهدت بقوة وكادت تتحرك لولا أن تعالت رنين هاتفها. أخرجته وردت سريعًا على والدتها التي تحدثت بسرعة:
-قبل ما تطلعي روحي السوبر ماركت هاتي ربع جبنة لأبوكِ. دبدبت الأرض بقدميها قبل أن تتحدث بحنق: -مش معايا فلوس يا ماما. -نزلت لكِ السبت يا حيلتها. خرجت من العمارة من جديد واتجهت إلى (السبت) الذي هبط من شرفة شقتهم والذي وضعت به والدتها المال لتأخذه بحنق وتتوجه إلى محل البقالة المتواجد في بداية الشارع. -ربع جبنة تلاجة لو سمحت. ناولت ذاك العجوز المال ووقفت تناظر هاتفها بضيق. تصرف "عمرو" وصمته أزعجها كثيرًا وعكر مزاجها بحق.
-ازيك يا هاجر؟ التفتت "هاجر" إلى ذلك الصوت الساخر لتقلب عيناها بملل ما إن رأت بعض السيدات اللواتي ناظرنها بقرف. ألن ينتهين من إلقاء كلمتهن السيئة تلك على مسامعها؟ شمرت ساعديها قليلًا قبل أن تهتف بنبرة حادة بعض الشيء: -الحمد لله يا طنط. طبقت شفتيها وحاولت عدم التفوه بأي كلمة سيئة، فاستغلت إحداهن صمتها واندفعت تتحدث بصوت مرتفع وكأنها توجه الحديث لها بصورة غير مباشرة:
-ما تاخديش على خاطرك يا أم فيروز، تلاقيها مقهورة عشان اترمت لسواق في الآخر، ماهو المشي البطااال ما يجيش من وراه غير الفضايح. -الجبنة يا بنتِ. هتف العجوز فالتقطتها من يده بسخط واتجهت إلى الخارج متجاهلة تلك الكلمات اللاذعة. *** استلقى "عمرو" على سريره ليتنهد بقوة. أكان صحيحًا ما فعله؟ أغمض عيناه قبل أن يهمس بخفوت معتاد: -لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
غضى عينيه بمعصمه وانطلق لسانه يردد تلك الأذكار التي اعتاد عليها قبل أن يغفو في نوم سريع. *** -أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. صاحت "هاجر" بفزع عندما اندفع "خالد" أمامها فجأة من حيث لا تدري. ناظرته بتوتر في حين صاح هو فيها بحرقة: -بقيت بتفضليه أنتِ وعيلتك عليا؟! .. بقيت ترفضيني أنا يا بت مسعد عشان تتجوزي السوااق؟ استجمعت شجاعتها سريعًا لتهتف بصوت مرتفع:
-آه أفضّله عليك وعلي عشرة زيك، مش كفاية فضحتني وخليت سيرتي على كل لسان؟ اختنق صوتها بالعبرات فاقترب منها ببطء ليهمس لها بفحيح أثار في نفسها الخوف: -ولسة، وحياتك عندي طول ما الفرح لسة ما اتعملش لتشوفوا مني الويل، اهو انتي هتبقي ملكي يا هاجر، برضاكي أو بالغصب عنك هتبقي ملكي. -أنت بني آدم مريض. صرخت فهتف بابتسامة مخيفة: -أيوا مريض، وبرضه هتبقي ليا.
انفتح باب المنزل المقابل لهم فالتفتت إليهم "هاجر" بذعر. كانت السيدة التي رأتها سابقًا منذ أيام والتي جلدتها ببعض الكلمات اللاذعة لكنها بدت هذه المرة وكأنها قد استيقظت للتو، فتركتها "هاجر" وصعدت إلى الأعلى سريعًا عندما لاحظت اختفاء "خالد" المفاجئ. ***
تقلبت "هاجر" بنعاس تحاول التفكير في شيء ما قد يقربها من "عمرو". كادت تغفل من جديد لكنها انتبهت سريعًا عندما أتت في بالها تلك الفكرة اللامعة. اعتدلت سريعًا وتناولت هاتفها لتتصل على أحد ما وخلال ثوانٍ أتاها الرد فهتفت بلهفة: -سناء.. عايزة رقم عمرو. استمعت إلى تذمرات "سناء" التي سبتها لأنها أيقظتها في العاشرة صباحًا لكي تحصل على رقم أخيها اللعين، ومن ثم تحدثت: -ما تنجزي بقي يا سناء، هو أنا هتحايل عليكي؟
تأففت "سناء" بنعاس قبل أن تغلق المكالمة بوجهها. ذُهلت "هاجر" وكادت تهاتفها من جديد لكنها توقفت ما إن رأتها قد أرسلت لها رقمه في رسالة ما. ابتسمت وهي تتمتم بهيام: -روحي يا شيخة ربنا يجبر بخاطرك يا سناء يا بت خالتي فوزية. سجلت رقمه سريعًا والتقطت نفسًا طويلًا طبعت من بعده رسالة قصيرة لترسلها له. -صباح الخير. ترددت في إرسالها لكنها حسمت أمرها في النهاية وأرسلتها لتغلق الهاتف تمامًا من بعدها.
استقامت بحماس مفاجئ لتتوجه إلى المرحاض لتغتسل وتغير ثيابها. أدت فريضتها وخرجت بعد ذلك لتري ما إذا كان الفطور جاهزًا أم لا وعقلها يعمل في اتجاه آخر وكل ما يسيطر عليه هو تلك الرسالة التي أرسلتها إلى (زوجها) منذ قليل، وسؤال واحد يشغل عقلها.. هل سيرد عليها أم سيتجاهلها فحسب؟ أفاقت من شرودها على حديث والدتها و.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!