عمرو معايا! تسائلت هاجر برقة وهي تنظر إلى نفسها في المرآة بابتسامة متسعة، استمعت إليه يتساءل بهدوء: -في حاجة يا هاجر؟ -وحشتني تفتت فجأة فابتلع لعابه في صمت، أكملت حديثها غير مبالية برد فعله الصامتة: -اعمل حسابك، بابا عازمك على الغدا النهارده -ان شاء الله هاجي -تعالى بعد المغرب على طول متتأخرش -تمام صمتت لثواني لتتحدث بعد ذلك بخفوت: -عمرو -نعم؟ -وحشتني.. بجد طال الصمت فتحدثت باختناق: -طب سلام دلوقتي، اشوفك على الغدا
لم تنتظر رداً بل سارعت بإنهاء المكالمة وهي تحاول السيطرة على انفعالاتها، هي تعلم أن الطريق لقلبه طويل ومع تلك الظروف الغريبة التي يمرون بها فيبدو أنه سيطول لأكثر من ذلك! في المساء.. جلس عمرو إلى جانب مُسعد بحرج طفيف اختفى سريعاً حالما بدأ الأخير بالحديث معه عن بعض الأمور العامة، مرت فترة ظهرت من بعدها جليلة والتي هتفت بود: -نورت يا عمرو -البيت منور بيكي يا أمي
ابتسمت جليلة باتساع لذاك اللقب في حين حك هو عنقه بتوتر، هو لا يرغب برؤية هاجر الآن، فهناك الكثير من الـ.. اللعنة! توقف تفكيره وهو يراها تخرج من غرفتها بفستان بسيط من اللون الأزرق الذي التف حول خصره أنشوطة بيضاء لتظهر قوامها المعتدل، ابتلع لعابه بتوتر وهو يراقب شعرها القصير الذي وصل إلى كتفاها لتداعب خصيلاته وجهها بلطف، أزاح أنظاره عنها عُنوة ليرد على جليلة بحرج: -بتقولي إيه يا أمي؟
-كنت بقول يعني يابني، ما تشوفلك شغلانة بشهادتك، انت متخرج من تجارة واكيد لو دورت على شغل هتلاقي، أهو أحسن من التاكسي، بص أنا ممكن أكلمـ.. قاطعتها هاجر بغيظ، فلقد تحدثوا بهذا الأمر قبل مجيئه وقد طلبت منها ألا تتدخل في هذا الأمر وألا تتحدث به أمامه كي لا يشعر بالحرج لكن ها هي والدتها قد أفسدت كل شيء، تحدثت بينما تتقدم من عمرو الذي جلس يرمق الأرضية بشرود: -بعد إذنك يا بابا، كنت عايزة عمرو في حاجة مهمة قبل الغدا
هتفت وسمحت لنفسها بأن تلتقط كفه لتسحبه من خلفها إلى الشرفة، فتحتها وكادت تخرج لكنه جذبها بشيء من الحدة ليتحدث بقوة: -انتي رايحة فين؟ -هطلع البلكونة يا عمرو في إيه، حاسب إيدي بتوجعني أبعد يده عنها ليهتف بغيظ: -اتفضلي خشي غطي شعرك ودراعاتك دول -ده أنا هقف في البلكونة زفر بضيق، فهو ليس مستعداً لشجار في مثل هذا الوقت، التقط عدة أنفاس تحدث من بعدها بهدوء حاول الحفاظ عليه: -ممكن أعرف انتي محجبة ولا لا؟ عضت لسانها
قبل أن تهتف بصوت خافت: -محجبة -ومالك يختي موطية صوتك كدا؟! اشتعلت وجنتاها بخجل فهتف وقد علم أنها أدركت خطأها: -الهدوم دي آخرها هنا يا هاجر، ولا تفتحي بيها باب ولا تطلعي بيها بلكونة، شعرك دا محدش يشوفه فاهمة؟ -حاضرة هتفت بهمس فتحدث هو سريعاً: -خشي غطي شعرك وتعالي
أومأت بإيجاب لتتركه وتتوجه إلى غرفتها في حين خرج هو إلى الشرفة بانتظارها، تأمل الشارع من أسفله وابتسم بخفة وهو يراقب الأطفال يلعبون بعضهم بمرح، ثواني وشعر بأحد يطوق عنقه ليتفاجأ بـ هاجر تقف إلى جانبه وهي تلف ذراعها حول رقبته.. -إيه يسطا سرحان في إيه يا جميل؟ كان مستنداً إلى الأمام يميل بجذعه نحو سور الشرفة فسهّل هذا عليها أن تصل إليه، اعتدل فجأة فتعلقت ذراعها برقبته لتتأوه بألم قبل أن تجذبها صارخة بحنق:
-في إيه يا عم الطويل انت؟ -لمي لسانك دا شوية لوت ثغرها بحنق قبل أن تهتف بغيظ وهي تفترش الأرض لتجلس فوق بلاطها البارد وهي تشير إلى المكان بجانبها: -تعال بس واحنا نلم كل حاجة سوا تنهد بيأس قبل أن يجلس إلى جانبها، اقتربت منه لتلتصق به لتهتف بود: -إلا انت عامل إيه؟ راقبها بشك وهو يجيب بترقب: -الحمد لله -طب ما تجيب بوسة؟ -نعم؟!! سعلت بقوة قبل أن تعاود الحديث من جديد مغيرة مجرى الحديث: -بقولك تاكل بسبووووسة؟ -لا شكراً
أجاب باقتضاب وأفكاره تعبث بعقله بقوة، نظر أمامه بشرود فتنهدت قبل أن تحتضن ذراعه لتستند برأسها عليه، انتبه لفعلتها لكنه لم يعقب، فبدأت هي بالحديث بعد فترة بثبات: -ماما مكنش قصدها حاجة على فكرة، هي بتحبك والله بس هي كانت بتفكر في مستقبلنا و..
-وأنا ما اشتكتش ولا قصّرت في حاجة يا هاجر، الحاجة الوحيدة اللي مكنتش عاجباها اني مكنتش عايز أعمل خطوبة زي بقية البنات وكدا وكنت عايز أكتب عليكي عشان أعرف أتعامل معاكي بما يُرضي الله ومع ذلك لو كانت أصرّت عليها كنت هعملك خطوبة زي ما هي عايزة، بس هي وافقت، وكتبنا خلاص، وجهزت الشقة كلها وأظن إنك شفتي كل حاجة ومعتش في حاجة ناقصة غير أوضة الأطفال، فكان إيه بقى لازمتهم الكلمتين دول؟ -هي مكنش قصدها.. قاطعه بهدوء وهو
يحاول السيطرة على أنفاسه: -أنا فاهم، بس معلش اتعصبت شوية، أنا من يوم ما أبويا مات وأنا شغال على عربيته والحمد لله بفضل ربنا بشغلي دا وبالجمعيات قدرت أجهز أختي وأجوزها وأديني جهزت نفسي، فبصراحة مش فاهم والدتك زعلانة من الشغل ليه؟ ولا هي زعلانة عشان سواق يعني و... قاطعته بلهفة وهي تقترب منه باندفاع: -وفيها إيه سواق يعني؟ هو الشغل عيب ولا حرام؟
انت عاجبني كدا، وبعدين أنا مش عايزك تشيل كلامها في دماغك وتشيل من ناحيتها بالله، هي كان قصدها تقول كدا بحسن نية وكان قصدها تساعد فعشان خاطر ربنا بلاش دماغك توديك وتجيبك لأفكار وحشة زي دي -طيب أجاب باقتضاب فصمتت قبل أن تهتف فجأة: -هو انت اتجوزتني ليه؟ تفاجأ من سؤالها لكنه ابتسم قبل أن يهتف بثبات:
-صدقيني مش عارف، أنا لو كنت عايز كنت ببساطة مش هاجي تاني وسناء مكنتش هتقدر تتكلم، بس لما نزلتي يومها وعيطتي في العربية وعطيتهالك تكلميها، مش عارف بس.. يمكن حسيت بشوية مسؤولية من ناحيتك -مسؤولية بس يا عمرو؟ تسائلت برجاء مستتر ترجوه بأن ينطق بما يريح قلبها المتيم بعشقه، لكنه ناظرها بقوة ليهتف بتأكيد: -أيوا، مسؤولية بس.. نظرت إلى الأسفل والتمعت الدموع بعينيها لكنه أكمل: -لحد دلوقتي يعني
رفعت رأسها إليه وكادت تتحدث لكن قاطعها نداء والدتها من خلفها: -يلا عشان تتـ.. انتو قاعدين كدا ليه؟ استقام عمرو سريعاً ونفض عن ثيابه بعض الغبار في حين رفعت هاجر ذراعها له لتهتف متصنعة الإرهاق: -والنبي يا سمك إيه تشدني لإحسن ضهري واجعني جذبها لهمس بجانب أذنها بخفوت: -متحلفيش بالنبي تاني عشان حرام -حاضرة توجها إلى الداخل لينضما إلى والداها ليبدأوا جميعاً بتناول الطعام في أجواء دافئة افتقدها عمرو منذ فترة!
-هتفضل قاعد باصصلي كدا كتير؟ هتفت سعيدة بحسرة وهي تراقب ابنها يناظرها بخواء، لم يرد خالد واكتفى بتجاهلها فتحدثت بحنق: -أنا نفسي أفهم اشمعنا دي اللي عاملة فيك كل دا، يابني انت مية واحدة بتتمناك، حاططها في دماغك ليه بس؟! ، سيبها بقي في حالها دي بقت متجوزة خلاص انتفض ليصرخ بعنف: -بس هتكون ليا وهتشوفي، هاخدها منه وقدام عينيه، ومحدش هيلمسها غيري وهتشوفو كلكو -يا خالد ا... قاطعها صائحاً بعنف وهو يبعثر محتويات الغرفة بهياج:
-وربنا ما هسيبها تراجعت سعيدة سريعاً وهي تراقب ثورة ابنها بعيون مصدومة لا تكاد تصدق أن كل هذا يحدث بسبب هاجر! استندت هاجر إلى ظهر المقعد لتتنهد بحالمية، تحسست أطراف شعرها الذي علّق عمرو على طوله سابقاً قائلاً: -شعرك حلو كدا على فكرة
تنهدت من جديد وهي تغمض عيناها بحب، لقد كان متواجداً إلى جانبها حتى أنها ضمت ذراعه إليها حتى وإن لم يكن هذا بإرادته هو، أزعجتها قليلاً فكرة أنها قد تفرض نفسها عليه بأفعالها الهوجاء هذه لكن بعد تفكير دام لثوانٍ، بات هذا يناسبها فجأة، فهو حبيبها الأول والأخير والذي لن تسمح لغيرها بالحصول عليه خاصة بعدما تحقق ما كانت تصبو إليه وصارت زوجة له رغم تعقد زيجتهم بعد الشئ..
أفاقت على رنينٍ هادئ فالتقطت هاتفها لتتسع عيناها بصدمة، الشاشة تنير باسم (قرة عيني) ذاك اللقب الذي أطلقته على عمرو، أحقاً يتصل بها؟! تركت الهاتف جانباً لتفرك عيناها بقوة محاولة توضيح الرؤية، نظرت إلى الهاتف مجدداً لكنها رأت نفس الاسم فابتسمت ببلاهة: -احيه دا عمرو، دا بيرن عليا وما إن استوعبت الفكرة حتى قفزت لترد عليه، لكنها وما إن كادت تجيب حتى انتهت المكالمة فصرخت برعب:
-لا لا بالله عليك رن تاني، ورحمة أمك ترن تاني هعيط وربنا مرت ثوانٍ ارتفعت من بعدها نغمة رنين هاتفاً من جديد فسارعت بالرد دون وضع اعتبار لما قد يفكر به إذا ردت بهذه السرعة.. -الوو -انتي كنتي قاعدة مستنياني التليفون ولا إيه؟ مازحها فأجابت بصراحة: -ملحقتش أرد المرة اللي فاتت فاستنيتك ترن تاني -انتي عاملة إيه طيب؟ جلست لتعبث بملابسها قبل أن تجيب برقة: -بقيت كويسة لما كلمتني صمت فلوت شفتيها بسخرية قبل أن
تهتف باستهزاء مبطن بالحنق: -إيه يا عمرو رحت فين؟ -احمم.. أنا اهو، انتي كنتي بتعملي إيه؟ -ولا حاجة، كنت بفكر تساءل بتلقائية عابثة: -فيا؟ صمتت بخجل لا تستطيع إنكار حديثه فابتسم ليتحدث بعد ثوانٍ: -فاضية بكرة يا هاجر؟ -يا حبيبي أنا فاضية أربعة وعشرين ساعة استوقفه ندائها له بـ (حبيبي) لثوان لكنه تخطاه سريعاً ليتحدث بهدوء: -طب إيه رأيك تيجي تشوفي آخر التشطيبات بتاعة أوضة الأطفال بكرة؟ -عمرو -نعمة تحدثت بحالمية وهي تتخيل
مستقبل دافئ يجمعها به: -تخيل كدا إننا نخلف توأم و.. -مش لما نتجوز الأول؟ قاطعها سريعاً فصاحت بحنق: -تصدق بالله إنك بايخ، روح نام يا عمرو أنا غلطانة إني رديت أصلاً.. لم تتوقف ضحكاته المتشفية في غضبها هذا فصاحت بحنق: -طب وربنا لأطلعهم عليك لما نتجوز صبرا بس -لا وعلي أي الطيب أحسن -أيوا اتعدل كدا صمت لبرهة قبل أن يمازحها بعبث: -ما تجيبي بوسة -عمرو يا حبيبي انت شارب حاجة؟ -ليه يعني؟ كادت تتراجع عما ستقوله لكنه سألها
من جديد فأجابت بتردد: -عادي يعني بس مستغربة شوية، رنيت عليا ودي أول مرة تحصل، وبتهزر معايا وانت أصلاً ساعات بحسك.. لا هو بصراحة دايماً بحسك مش طايقني، وبتاخد وتدي معايا في الكلام اهو زي أي اتنين مرتبطين عاديين، لا وعايز بوسة كمان.. النهاردة يوم غريب سيكا الصراحة صمت قبل أن يجيبها بتساؤل: -.....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!