صرخت "هاجر" بعنف فانكتم صوت صرخاتها حالما كمّم أحدهم فمها. حاولت التحرك لكن قرب ذاك الغريب منها شلّ كامل جسدها. ارتفعت وتيرة أنفاسها وهي تستمع إلى ضحكات تعرفها جيدا تتسلل إلى مسامعها ليهتف صاحبها بخبث: -اشششش.. اهدى دنا لسة معملتش حاجة.
تحركت مقلتاها بعصبية تحاول البحث عن طريقة لإبعاد هذا اللعين عنها. كان الظلام قد عم معظم الأنحاء فلم ترَ جيداً. حاولت دفعه بعيداً لكنه كان يسيطر عليها بكامل قواه وقد أخذ بمداعبة جبينها. ثقلت أنفاسها بخوف وهي تراه يقترب هامساً إلى جانب أذنها بشر: -غلطتى لما رفضتينى يا هاجر، وغلطتى تانى لما اتجوزتيه هو، بس انتى هتبقى ليا.. برضاكى او بالغصب عنك انتى بتاعتى! ***
تململت "جليلة" بحرج وهي تراقب عقارب الساعة المُعلّقة أمامها بترقّب. لقد طلبت من ابنتها الذهاب إلى البقالة لجلب إحدى زجاجات المياه الغازية لتقديمها لـ"عمرو" و "سناء" اللذان جلسا على استحياء بانتظارها منذ ما يقارب النصف ساعة لكنها لم تأتي حتى الآن. اندفعت تتحدث بتوتر محاولة إزالة ذاك الصمت العابق بالأرجاء حتى تأتي ابنتها التي ستلقنها درساً قاسياً على غيابها هذا:
-الا مقولتليش يا عمرو، الحاجات اللي كنت قايل عليها فاضلة في الشقة جهزت؟ -فاضل بس مهندس الديكور هييجي كمان يومين يشوف هاجر لو عايزة تعدل حاجة يعدلهالها وكدا تكون الشقة خلصت من كله. همهمت "جليلة" بتركيز وهي تقلب حديثه بين رأسها وسؤال واحد بات يشغلها مؤخراً.. هل ستتحمل ابنتها تلك الحياة؟ انتبهت إلى نحنحة زوجها فاقتربت منه ليهمس لها بغضب: -بتك اتأخرت كل دا ليه يا جليلة؟ دي رايحة السوبرماركت مش مهاجرة ألمانيا.
راقب "عمرو" يحك عنقه بإحراج وتعب قبل أن تهمس له: -وانا ايش درانى، هي بس تيجي وانا هوريها.
مرت فترة ليست بالقصيرة كاد من بعدها "عمرو" يستقيم ليستأذن منهم لكنه توقف حالما سمع صوت الباب يُفتح. اتجهت أنظار الجميع إلى باب المنزل لتتوسع عيونهم بصدمة وهم يراقبون "هاجر" تدلف إلى الداخل بابتسامة بلهاء وقد تبعثرت كامل هيئتها. لطمت "جليلة" وجنتيها بصدمة، واندفعت "سناء" إليها لتستفهم منها سبب حالتها، فما لبثت أن ارتمت بين أحضانها وبكت تحت أنظار الجميع المصدومين مما يحدث. -مالك يا هاجر حصل ايه؟
هتف "مُسعد" بصدمة وهو يراقب هيئة ابنته بذهول. أفاق "عمرو" أخيرا واقترب منها، همس باسمها فابتعدت عن "سناء" لترتمي بين أحضانه وشهقاتها تتعالي بحدة. لوت "جليلة" شفتيها باستنكار من (قلة حياء) ابنتها الواضح في حين تنحنح "مُسعد" بحرج وهو ينادي "سناء" ليجذبها هي وزوجته إلى الشرفة تاركين لهم بعض المساحة. رفع "عمرو" يديه بعد فترة ليلفهما حولها بهدوء، ربّت على رأسها بحنو محاولاً الاستفهام عن سبب انهيارها هذا لكنها بدأت بالحديث
أولا لتهتف بانهيار: -خالد شافنى وانا جاية.. وشدني.. وحاول.. انا ضربته.. و.. تعالت شهقاتها من جديد فزاد من ضمه لها وهو يحاول فك شفرات حديثها للتوصل إلى ما حدث بعدما شعر بالتشتت قليلا. ابتعد عنها بعد فترة ليضم وجهها بكلتا يديه ليهتف بلين: -اهدي وفهميني في ايه ومين عملك كدا؟ مسحت دموعها قبل أن تهتف بنبرة مرتعشة: -خالد كان مستنينى وانا جاية شدني في شارع كدا، وكان عاوز.. انا ضربته ولما جيت لقيت واحدة واقفالي وقالت..
اللمعت الدموع بعينيها لكنها أكملت رغم هذا: -قالت انها شافتني معاه، وقالت عني كلام وحش وشتمتنى فـ.. -فضربتيها هي كمان واتخانقتى معاها. هزت رأسها باتفاق، فتنهد بقوة. هو لا زال لم يستوعب بعد ما حدث وما هي إلا ثواني حتي تحدث فجأة: -اصبري كدا ثواني، انتي قلتى ان خالد شدّك؟ وحاول.. يقرب منك؟ أومأت من جديد فضغط على يديها بغضب، عضت هي شفتاها بألم فتركها سريعا ليهتف بعصبية:
-انتي تفضلى في البيت ومش عايز المحك بس برا باب العمارة يا هاجر، اللي عايزاه رنى عليا وانا هجبهولك ولو نزلتي هتزعلي مني جامد.. والكلب اللي اسمه خالد، ورحمة امي وابويا لاكون مربيه هو واللي جايبينه. لم تعقب على حديثه بل اقتربت منه خطوتان لتهتف فجأة: -عمرو.. انتبه لها فأكملت وهي تضع رأسها فوق صدره وتغمض عينيها براحة: -خليك جنبي! *** -حاضر ياللي على الباب بالرااحة، انا مش قاعدة ورا الباب يعني.
صاحت إحدى السيدات وهي تندفع إلى باب المنزل لتفتحه سريعاً، تفاجأت من وجود "عمرو" أمامها فهتفت بتساؤل قلق: -في حاجة يابنى؟ -خالد فين؟ سأل باقتضاب. فكت جبينها بحيرة، كادت تنفي وجود ابنها في المنزل في هذه الساعة لكنها صمتت ما أن اندفع "خالد" إلى الخارج متسائلاً بصوت جهور: -مين على الباب؟
رأى "خالد" "عمرو" فتجمدت الدماء بأوصاله، كانت هيئته غير سارة بالمرة، فقد كان وجهه محتقن بشدة، وهو يقبض على كفيه بقوة وقد ارتفعت وتيرة أنفاسه بغضب كفيل بإحراق المنزل بمن فيه. تراجع "خالد" خطوة إلى الخلف لكنه عاد ليتقدم إليه من جديد هاتفاً بحدة: -خشي جوا يمّا.
توجهت "سعيدة" إلى الداخل بقلق في حين وقف "خالد" أمام "عمرو" يتصنع الثبات وما هما إلا دقيقتان نشب من بعدهما عراك حاد بدأه "عمرو" بلكمه وجّهها للآخر بقوة فأطاحت بوجهه للجهة الأخرى ليردّها له "خالد" بقسوة. تبادلا الضربات لكن غلب "عمرو" عندما وجه له ركلة قوية في معدته أسقطته أرضاً. صرخ الآخر واندفعت من بعده والدته التي كانت تراقب ما يحدث من بعيد ليعلو صراخها الذي بدأ منذ فترة. بعد لحظات تجمهر بعض الناس حولهم، فهبط "عمرو" إلى مستوى "خالد"
ليهمس له بشر: -دي كانت قرصة ودن صغيرة عشان ضايقتها، بس ورحمة أبويا لو اتعرضتلها تاني لأكون دافنك يا خالد. استقام وكاد يتوجه إلى الأسفل لكن أوقفه حديث "خالد" المستفز: -هي لحقت كلت بعقلك حلاوة وفهمتك اني انا اللي اتعرضتلها؟ ، دي جيّالي برجليها. شهقت النساء بصدمة وقد فهم الجميع حول ماذا يدور الشجار، في حين عاد "عمرو" أدراجه سريعاً منتوياً تلقين ذاك اللعين درساً. احتجزه بعض الرجال محاولين فض هذا الاشتباك قبل أن يبدأ
من جديد لكنه صرخ بحدة: -طب ورحمة أمي لمربيك يا ابن الـ***** جذبه بعض الرجال إلى الأسفل تاركين "خالد" مستلقياً بهدوء وقد ارتسمت على محياه ابتسامة راضية عما فعله منذ قليل. *** بعد يومان.. ارتمى "عمرو" فوق الفراش ليغمض عيناه بإرهاق. تأكد من أنه قد ضبط المنبه ليعاود الاستلقاء من جديد وهو يقرأ أذكار المساء.
شرد لثواني فكانت كفيلة بالعودة به إلى ذكريات ذاك اليوم المشؤوم. أغمض عيناه بقوة وتنهد بحرارة. لقد صرحت "هاجر" باحتياجها له بصراحة للمرة الأولى منذ يومان ومنذ ذاك الوقت وهو يتجاهلها. لقد افتعل شجاراً من أجلها ومن أجل رد كرامته فهو لن يسمح أبداً بأن يقترب أحدهم بفتاة قد اقترن اسمها باسمه وباتت زوجته شرعاً وقانوناً.
تنهد من جديد وهو يدلك جبينه برفق. لقد أصبحت ترافق أفكاره كثيراً مؤخراً. تقلّب على جانبه الأيمن قبل أن يهمس بخفوت محاولاً إنهاء سيل مشاعره الذي تدفق عندما تذكرها: -باسمك اللهم وضعت جنبى، وباسمك اللهم أرفعه. ***
راقبت "هاجر" هاتفها بضيق. لقد اختفى منذ يومان منذ أن أخبرته صراحة بأنها تريده أن يبقى إلى جانبها حتى أنها لم تعد تستطيع رؤيته من الشرفة وكأنه يتجنب المجيء إلى الشارع نهاراً. كانت تنتظر منه اتصالاً أو رسالة على الأقل لكن.. لا شيء. زاد هذا من شعورها بالحنق على نفسها، فهي لم يكن يجدر بها التصريح بمشاعرها.. أليس كذلك؟ تأففت بضيق قبل أن تتمتم بتذمر: -مش فاهمة انا ايه العلاقة البايظة دي، هو انا مش قلتله خليك جنبي؟
زعل ليه بقي؟ ارتمت على الفراش أخيراً بعد فترة لتستغرق في نوم مرهق بعدما تشتتت أفكارها كثيراً. *** في اليوم التالى.. رفعت "هاجر" الهاتف إلى أذنها لتحتبس أنفاسها بتوتر وهي تنتظر أن يأتيها الرد من الجهة الأخرى. مرت دقائق أتاها من بعدها الرد لتتحدث بنبرة مرقّقة: -الو!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!