تنهد "عمرو" بقوة، يحاول تصفية ذهنه كي يفكر جيدًا في حديث أخته، لكنه لا يستطيع. لقد فاجأته بطلبها منه أن يتزوج "هاجر"، تلك الفتاة التي أصبحت حديث (الحارة) بين ليلة وضحاها. فلم يستطع الاعتراض على حديثها. أغمض عينيه بإرهاق قبل أن يهب واقفًا، متذكرًا: "نسيت أعدي على الحاج خيري." يهتف وهو يلملم مفاتيحه ليخرج مسرعًا، متوجهًا إلى الشقة الواقعة أسفل شقته. طرق الباب لينتظر دقائق. فتحت من بعدهم شابة قصيرة نسبيًا لتهتف
بلهفة لم تسيطر عليها: "ازيك يا أسطا عمرو؟ أخفض بصره متحاشيًا النظر إليها ليهتف بهدوء: "ممكن تندهيلي الحاج خيري؟ "من عيونه." تهتف وتندفع إلى الداخل تنادي أباها، في حين أعطى هو ظهره للباب ليتنهد بقوة. انتبه على ربّتة خفيفة على كتفه ليلتفت بابتسامة إلى الحاج "خيري" الذي وقف حاملاً بين يديه مظروفًا مغلقًا. هتف "عمرو" سريعًا باعتذار: "معلش يا حاج خيري جيت متأخر، بس لسه راجع من شوية ونسيت أعدي عليك وأنا طالع."
"ولا يهمك يا ابني، ادي فلوس الجمعية كدا الجمعية دي خلصت، بس إن شاء الله هبدأ واحدة جديدة من الشهر الجاي، هتدخل فيها ولا؟ "لما تيجي تبدأها بس قولي هتبقى بكام وهاخدها الدور الكام، وإن شاء الله اللي ربنا رايده هيكون." ربّت "خيري" على كتفه باعتزاز ليتحدث بفخر: "تمام يا بني، هبقى أبلغك إن شاء الله." "طب السلام عليكم، روح ارتاح بقى ومعلش لو قلقتلك تاني." "ولا يهمك يا عمرو."
تركه "عمرو" وصعد إلى شقته ليتوجه إلى خزانته. أخرج ذاك الصندوق الصغير الذي يدسه بين ثنايا ملابسه ليتوجه به نحو الفراش. أفرغ محتويات المظروف ليبدأ بعدهم بابتسامة ولسانه لا يتوقف عن حمد الله قبل أن يضعهم بداخله ليغلقه عليهم. وضعه في مكانه من جديد ليخلع قميصه ملقيًا إياه في خزانته دون اكتراث. ألقى بجسده على الفراش أخيرًا ليتنهد وقد أخذ حديث أخته يتردد صداه في أذنيه:
"يا عمرو أنا عارفة هاجر من وهي عيلة وأنا عارفة إنها لا يمكن تعمل كدا، هي ممكن تكون دبش شوية وأه لبسها عايز يتظبط بس صدقني هي غلبانة وطيبة." زفر بقوة. أخته تريد منه أن يتزوج ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أرادت منه تزوج تلك الفتاة التي وصفها أحد الشباب صباح اليوم أمامه بـ (الصاروخ) . كيف له أن يتقبل هذا؟! "بنتك جايلها عريس." تتف "جليلة" بجمود ليوفر "مسعد" بضيق. يعلم أن زوجته لا تسعى سوى لإخفاء (فضيحة)
ابنتها، لكنه لا يعجبه الأمر برمته. نظر لها ليهتف بضيق: "انتي مش هتسكتي بقى وتقفلي الموضوع ده؟ اشتعلت عيناها بغضب جحيمي لتصرخ فجأة: "أسكت؟ أسكت بعد ما بت الـ... جابتلنا الفضيحة؟ قلب كفيه بحسرة قبل أن يهتف محاولًا إنهاء هذا الجدال العقيم: "مين العريس؟ هدأت لتهتف بهدوء: "أخو البت سناء، هي جاتلي النهاردة وهي اللي قالتلي إن أخوها عايز يتقدم و... أوقفها متسائلًا بتردد: "انتي قصدك الأسطا عمرو؟ "أه."
اتسعت عيناه بذهول ليهتف بحدّة: "انتي اتجننتي يا جليلة؟ عايزة تجوزي بتك لسواق تاكسي؟ "عشان هي متربتش، جالها الدكتور والمهندس وموافقتش وراحت فضحتنا في الآخر، اديها هتاخد اللي تستحقه، وبعدين ماله عمرو؟ هو مش دا عمرو اللي كنت بتتباهي بيه وبتربيته وبتقول ياريتني كنت جبت ولد وطلع زيه! هز رأسه بجنون: "أيوا أتباهي بيه بس مش أديله بتي يمرمطها معاه، دا سواق تاكسي يا جليلة، يعني عايش باليومية."
"أنا اديتهم معاد، خش قول لبتك، أنا سبتهالك تربيها وأديك بوظتها وأهي مرمطتها اللي مش عاجباك ولا عايز ترميها فيها دي هي اللي هتعدلها." أنهت حديثها وتركته متوجهة إلى غرفتهم ليقلب هو كفيه بحسرة على قلب زوجته القاسي. يعلم أن تصرفاتها نابعة من الخوف على مستقبل ابنتها وسمعتها، لكن حتى وإن كان كذلك لا يمكنها التفكير هكذا، لا يمكنها أبدًا!
زفر وقد شعر بأن الهموم أثقلت كتفيه قبل أن يستقيم ليتوجه إلى غرفة ابنته، لعل حديث زوجته هو الصواب، لعل هذه الزيجة هي التي ستصلح حالها، فقط ليرى رأيها وإن رفضت فلن يضغط عليها! اعتدلت "هاجر" بصعوبة لتنهمر دموعها وهي ترى والدها يقترب منها. ارتمت بين أحضانه لتنفجر باكية ليربت هو على ظهرها بحنو. يزعجه بكاؤها بحق. أبعدها بعد فترة ليزيل دموعها بكفيه. هتف بهدوء بعد ذلك وهو يتفحص ملامحها بحنان:
"أنا عارف إنك معملتيش حاجة بس هو لعبها صح ابن الـ... فكر إنه لما يعمل كدا ويطلع يقولي هتجوزها وأستر عليها هوافق عليه بس اديني رفضته ومطالكيش." "ماما زعلانة مني أوي و... "أمك جايبالك عريس يا هاجر، هو شاب كويس ومحترم." زادت وتيرة بكائها الحاد ليكمل هو: "اقعدي معاه بس ولو معجبكيش... "مش عايزة." قاطعته ببكاء لتصمت مذهولة حالما هتف والدها: "ليه يا بنتي، دا حتى عمرو هيشيلك في عينه." "عمرو مين؟ تساءلت
بحذر فهتف والدها بتردد: "الأسطا عمرو، ابن عمك فوزي الله يرحمه." زادت خفقات قلبها لا إراديًا. هل ما تتمناه يحدث بالفعل؟ هل تقدم لها فارس أحلامها؟ نظرت لوالدها تبحث بين طيات كلامه عن مزحة أو خدعة ما لتتفاجأ به يتحدث بحزم: "أنا هبلغه إنك مش موافقة و... قاطعته بصراخ: "لا أنا موافقة." رمقها بذهول لتتحدث بسرعة محاولة تبرير لهفتها: "ماما هتزعل لو موافقتش و... والناس هتتكلم و... لم تستطع تجميع مبرر مقنع لكنه ربّت على وجنتها
بهدوء ليتحدث بابتسامة: "اهدي انتي وصلي استخارة شوفي هترتاحي ولا لا واللي فيه الخير يقدمه ربنا." هزت رأسها بصمت ليتركها "مسعد" ويخرج وهو لا يزال على نفس حالة الذهول التي وضعته فيها ابنته بموافقتها السريعة تلك. وعلى صعيد آخر ارتمت "هاجر" على الفراش لتبتسم ببلاهة. هل حقًا ستتزوجه؟ تنهدت بقوة قبل أن تهمس بابتسامة مشرقة وكأن همومها قد مُحت واختفت فجأة: "موافقة أوي.. أوي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!