صرخت "هاجر" بحدة وهي تدفع ذلك الشاب بعيدا بعدما جذبها من معصمها فجأة إلى أحد الشوارع الجانبية. ترك يدها ليهتف بعصبية: -آه مجنون، بقي انتي ترفضيني خمس مرات؟ شايفة نفسك على إيه؟ دفعته بعيدًا لتهتف برأس مرفوعة: -ومش أشوف نفسي ليه! وبعدين أنت مش اترفضت يا جدع أنت؟ عايز إيه بقى؟ تطاير الشرر من عينيه ليندفع نحوها يكبلها بيدها وهو يهمس بعنف أخافها: -عايزك!
ابتسم "عمرو" بصفاء لتلك العجوز التي ربتت على كتفه بحنو بعدما ساعدها بالهبوط من سيارته. أغلق الباب من خلفها وكاد يلتفت ليستقل السيارة من جديد لكن قاطعه نداء أحد الأطفال: -عم عمرو. التفت فابتسم بتلقائية وهو يري "سمير" يقترب منه وهو يمسك بيده ورقة كبيرة. انحنى لمستواه ليهتف بحنو: -عامل إيه يا بطلي؟ دفع "سمير" بالورقة إليه ليهتف بحماس اشتعل بعينيه:
-الحمد لله قوي، بص.. أنا صليت كل الصلوات في المسجد زي ما اتفقنا ما عدا يوم الأربع اللي فات بس عشان كنت تعبان، بس صليتهم في البيت، فين جايزتي بقى؟ فحص تلك العلامات التي هو واثق أن والداه هما من وضعاها له ليبتسم بفخر. مد يده إلى جيبه ليخرج بعض الجنيهات ليضعها في قبضة يد الصغير. هتف وهو يملس على شعره: -خد دول اشتري بيهم دلوقتي ولك عليا وأنا راجع بالليل هجبلك لعبة حلوة، اتفقنا؟ -اتفقنا.
احتضنه الصغير وذهب بعدما ودعه ليبتسم "عمرو" وهو ينظر إلى تلك الورقة التي تركها الصغير له. لطالما تحدث والد "سمير" أمامه عن معاناته في جعل ابنه الذي تخطى التسع سنوات بقليل يحافظ على صلاته، فما كان منه إلا أنه اقترح على الصغير في إحدى جلساتهما بأن يصنع جدولاً صغيراً يرويه إياه كل أسبوع مع وعد بإعطائه هدية إذا حافظ على الصلاة طوال ذلك الأسبوع.
استقل السيارة وبدأ بالتجول في الشوارع وهو يدندن ببعض الأناشيد التي يحفظها عن ظهر قلب. استوقفه رجل كبير ليطلب منه العودة به إلى (الحارة) لم يرفض طلبه وانطلق إلى حيث يريد الرجل. هبط الرجل بمساعدة "عمرو" وما إن ذهب حتى عقد "عمرو" حاجباه وهو يرى تجمهر الناس الغريب هذا. اقترب ليسأل أحد الشباب: -هو في إيه؟ -بيقولوا قفشوا البت هاجر مع واحد هنا. -هاجر مين؟ سأل بعفوية فما كان من الشاب إلا أن ابتسم بحالمية ليهتف بتمني:
-هاجر مسعد، بسبوسة الحارة، حاجة كدا، صاروخ. زفر "عمرو" مستغفراً ليهتف بشيء من الحدة: -حرام كدا، أنت ترضى حد يقول على اختك كدا؟ أشاح الشاب بيده ليهتف بلا اهتمام: -ما يقولوا اللي يقولوه، حاسب أنت بس يا شيخنا لما أشوف الوتكة دي عملت إيه. تركه واندفع إلى داخل الزحام ليقلب "عمرو" كفيه بحسرة، متى أصبح الشباب عديمي النخوة هكذا؟ ترك الزحام وتوجه إلى سيارته ليعود إلى عمله وقد رأى أن وقوفه لا فائدة منه. لطمت "جليلة" على
صدرها بحسرة لتهتف بنواح: -يا ميلة بختك يا جليلة، يا فضيحتك السودا يا جليلة، يا فضيحتك السودة يا جليلة يا فضيحة! تعالت شهقات "هاجر" التي وقفت تلملم ثيابها عاجزة عن الرد أمام صراخ والدتها. جذبتها "جليلة" من عضديها بعنف لتصرخ بوجهها: -منك لله، منك لله فضحتينى. -والله ما عملت حاجة، هو اللي شدني وحاول.. -اخرسي. صرخت "جليلة" لتدوي بعد ذلك صفعة قوية ارتدت على إثرها "هاجر" بقوة ليزداد بكاؤها.
لقد حاول ذاك اللعين التحرش بها فما كان منها إلا أن صرخت للاستنجاد بأي شخص. وفي ثوانٍ تجمهر الجميع لتتفاجأ به يبعدها عنه ليقلب كل شيء ضدها وهو يدعي أنها هي من كانت تسعى ورائه لا العكس، وأنها عندما وجدت أنه لا يستجيب لها مثلت أمامهم بأنه يحاول التحرش بها. لقد وقعت في فخه المحكم وبكل سذاجة حتى أنها لم تستطع الدفاع عن نفسها أمام الجميع بسبب سباب النساء المستنكرة لما فعلته.
حاولت الحديث من جديد لكن والدتها جذبتها من شعرها لتنهال عليها ضرباً بإحدى (المقشات) وهي فقط تردد بصوت عالٍ: -جبتيلنا الفضيحة ربنا ياخدك... ضمت "هاجر" نفسها بقوة وهي تحاول التحكم في شهقاتها العالية. لقد أنقذها والدها من يدي والدتها ليطلب منها البقاء في غرفتها. آلمها انكسار والدها بحق لكنها.. ليست مخطئة! انفتح الباب فتوجهت أنظارها إليه بلهفة. نظرت لوالدها الذي أطل منه لتستقيم مرتمية أمام قدميه. بكت بشدة وهي تهتف:
-والله ما عملت حاجة يا بابا، والله العظيم كداب، صدقني هو عمل كدا عشان يخليني أوافق عليه، والله ما عملت حاجة، هو اللي شدني من الأول. رفعها ليهتف بهدوء وهو يربت على كتفها: -أنا عارفك، وعارف إنك متعمليهاش، اهدي. رتمت بين يديه لتهتف بقلب مكلوم: -ماما مش مصدقاني. ربت على ظهرها ليتنهد بقوة: -اللي اتقال مش قليل يا هاجر، اقعدي أنتِ بس هنا ومتطلعيش لها.
أبعدها عنه ليخرج لتنهار هي أرضاً وقلبها يتمزق على حالها الذي تدمر فجأة بسبب لعين أراد فقط أن يحظى بها رغماً عن أنفها. -شوفت اللي حصل يا عمرو؟ ابتلع "عمرو" طعامه بحذر ليهتف بخفوت: -حصل إيه يا سناء؟ -البت هاجر بت عمك مسعد. قلب عينيه بملل، يبدو أن الجميع لن يتوقف عن الحديث عن تلك الفتاة. هز رأسه بحسرة ليهتف بغيظ: -إيه مناقصش غير أنتي اللي تجيبي في سيرتها يا سناء ولا إيه؟
حرام عليكي، أنتِ متعرفيش اللي حصل بالظبط والناس مش كل كلامها صح و.. -يابني اهدي.. أنا مكنتش هتكلم على اللي حصل. -أومال؟ فركت كفيها ببعضهما بتوتر قبل أن تستجمع شجاعتها لتهتف فجأة: -أنا.. عايزاك تتجوزها!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!