أصبحت ليلى أكثر جدية خلال هذه الفترة، وقد لاحظ الجميع ذلك، فالامتحانات على الأبواب. مروة أيضاً أغلقت باب غرفتها وأصبحت مركزة أكثر على إتمام مراجعتها. كانتا تدرسان بجد، فهما تريدان إثبات نفسيهما والظفر بعلامات ممتازة. كان طموحهما واحداً، لذا تمكنتا من الصمود معاً. أصبحتا تدرسان في كل وقت تقريباً، في الغرفة، في المكتبة، وأحياناً في الكافتيريا.
إلا أن سهى من جانب آخر لم تكن قادرة على التركيز. فمنذ انفصالها السري عن حبيبها، والذي لم تخبر به أحداً، باتت أكثر انطوائية وأكثر هدوءاً من سابق عهدها. ورغم محاولتها الاتصال به أكثر من مرة وإرسال العديد من الرسائل في اليوم الواحد، إلا أنه كان يتجاهلها كلياً. لقد أخرجها من حياته كلياً... لكن هي لم تستطع إخراجه من حياتها أبداً. كانت تريد معرفة السبب أكثر من أي شيء. ما الذي ينقصها حتى يتركها؟! ألم تكن حنونة كفاية؟
ألم تكن متفهمة أكثر؟ هل أخطأت في شيء ما؟ هل قالت شيئاً ليس ضرورياً مرة أخرى؟ كانت تفكر طوال الوقت... وكلما حاولت الاتصال به لسؤالها قوبلت بالرفض، فما كان منها إلا أن تختبئ داخل سريرها وتشرع في البكاء. "سهى! يا سهى! أنا بكلمك! " نادتها مروة، الجالسة على مكتبها وجميع أغراضها مبعثرة حولها وهي تدرس. "إيه؟! "عم ناديكي صارلي ساعة، ازاي ماسمعتينيش؟ "قلتي إيه؟ "عم بسألِك عن ملاحظات دكتور بالمحاضرة الأخيرة."
أخذت سهى تفتش بأوراقها في ضياع. لاحظته مروة: "إذا ما عندك... "لا، لقيتها. تفضلي." "شكراً سهى." ثم عادت لدراستها، قبل أن تلتفت مرة أخرى إلى تلك التي تحاول تنظيم أشياءها. "سهى، مالِك؟ "ما فيني شي، ليه؟ "بين لي قلقانة ومضطربة... فيكي شي؟ "لا." ثم تابعت بابتسامة مزيفة: "ماتقلقيش عليَّ يا روحي، أنا بخير." "أوكي، الحمد لله." ليلى...
من اليوم يلي تخاصمت فيه مع نور وهدى، ما عدت حكيت معهم. كنت بضل ساكتة على طول، لا أسألهم ولا يسألوني. ولأني كنت مشغولة بما ذكرت، ما اهتميتش خالص بالموضوع. مادريش كيف الساعات كانت بتمر وأنا غارقة بعالمي، ناسية كل شيء ومابفكر إلا إني كيف رح أحفظ ده أو أفهم ده. بس لما كنت بخلص وأحط راسي على المخدة لأنَام ساعتين قبل الفجر، إحساس غريب كان يجيني وأفكار كلها مخربطة ببعض. حسيت بالوحدة، ما أنكرش. مش معاي حد يهون عليَّ قلقي. مش معاي حد يقولي إنه كل شيء رح يفوت، إنه مجرد امتحان كغيره ورح تعدي. يقلي أكلي...
شربتي... لحقتي تخلصي... حد يقلي إنتي كويسة؟! مابنكرش أنه أهلي طول الوقت يتصلوا فيني يطمنوني، بس هالمرة كنت محتاجاه جنبي، مش بعيد عني. شكلي اتأثرت بالوحدة لأني ما عندي حد أحكي معه بهالسكن. يلا حاولي تنامي ياليلى، رب العالمين معاكي... خالد...
كانت أيامي بتمر بملل، ورغم إني ما أنكرش أنه كنت منتج خلالها. مابين الجامعة وشغلي، عندي صاحب بابا واللي كنت على أساس رح أكمل الشهر وأوقف، بس كل شيء تغير وقت عرفت إنها بتيجي لعندنا... وإنها زبونة دايمة... بس هالايام صرت ما أشوفهاش خالص. ما عدت تجي. أوعى تكون وقفت القدوم بسببي!! كانت مروة مستلقية على سريرها تحدث والدتها عبر الهاتف، بينما سهى جالسة على الأرض تعبث بهاتفها في ضياع. "والله العظيم ياماما أنا عم آكل كويس...
صح مش صحي، بس على القليل طيب. ها؟ وبالدليل كنت رح أطلبلي العشاء ديليفري، بس إنتي دقيتي علي." جاءها صوت والدتها القلق عبر الهاتف: "حاتقضيها حياتك كلها ديليفري ولا إيه ميمي؟! لا كده مش كويس أبداً. بتعرفي رح شوف أخوكي يجيبلك الأكل لعندك." "ليه الغلبة ياماما؟؟ ... كلها أسبوع وهانت! "غلبة إيه؟! أنا كويسة على فكرة وعادي أطبخلك." "بعرف إنك كويسة ياحبيبتي ياماما، بس عم قول بلاها نتعب جاد، إنتي عارفاه قديش بيكره السفر."
"سفر إيه يابنتي، كلها قصة ساعة بالسيارة! "يوه! قديشك عنيدة ياماما. تمام، اعملي اللي يريحك، بس بلاها الأكلات الصعبة واللي تخليكي واقفة طول الوقت بالمطبخ." الأم بسعادة: "تمام ياروحي، ولا يهمك. وبعدين أبوكي بيسلم عليكي وبيقولك إذا خلصوا لك المصاري يشحن لك." "لا، مافيش داعي، مش حتصرف أساساً... بس طمنيني، هو عامل إيه؟ وجاد بردو؟ كانت تضع ساقاً فوق الأخرى، تحرك أصابع قدمها وهي لا تزال مستلقية، تستمتع باهتمام والدتها.
"أبوكي ساهر معاي بنشاهد مسلسلي، وأخوكي طلع من شوي قال عنده صاحبه مستنيه." ضحكت مروة: "زي العادة." "إيه، زي العادة." ثم صمتت قليلاً قبل أن تقول: "طب يلا ياروحي قومي تعشي، وأكلمك بكرة إن شاء الله." "إن شاء الله! اهتمي بحالك ياماما، وبوسيلي بابا وجاد." ثم أغلقت الخط، قبل أن تشرع في الضغط على الأرقام مرة أخرى. توقفت لحظتها لتسأل سهى: "سهى، عايزة أطلب لك معايا إيه؟ سهى: "لا، بلاها تعبي حالك." "تعب إيه يا أختي؟!
مافيش تعب أبداً. قولي، رح أطلب لنفسي أساساً، مش سامعة ماما وهي بتنبه عليَّ من شوي." ضحكت سهى: "أوكي، اطلبي لي كشري." مروة بتفكير: "عايزة كشري؟ شكلي رح أطلب زيك وخلاص... ثم تعدلت في جلستها: "في عم قريب بيعمل كشري بيجنن." "بجد؟! "إيه، طعمته خيال وسعره رخيص، مش زي الباقيين. رح أج... لاتدري لما توقفت فور رؤيتها لصورة خالد المبتسم أمام عينيها. لما تذكرته الآن؟! سهى: "مروة! انتبهت مروة إليها
بعد أن حاولت أن تنسى أمره: "لحظة، أتصل وأطلب لنا." بعد ربع ساعة، جاءها اتصال برقم آخر. هو ليس بالرقم المدون عندها، لكنها ردت عليه، وكما توقعت، كان الموصل الذي قد جاء وهو ينتظرها الآن خارج السكن. ارتدت حجابها سريعاً، ثم خرجت رفقة سهى لأخذ طلبهما. كانت الساعة التاسعة والنصف ليلاً. وبينما كانت تقف أمام حارس البوابة، وإلى جانبها سهى تضع قبعة على رأسها وتضم ذراعيها إلى صدرها. الحارس: "عم يقول اتنين كشري؟
مروة وهي تهز رأسها وتقبض على الأموال وهاتفها بيديها: "إيه، هي طلبيتي." تقدمت ناحية الموصل لتتحدث معه عبر النافذة المفتوحة والتي تطل على الخارج. "طلبيتي لو سمحت." كان سيناولها إياها، لكنه توقف فجأة. استغربت من تصرفه، لكن استغرابها سرعان ما اختفى وهي تراه يخلع خوذة دراجته ليتحول إلى صدمة. ماهذه الصدف؟! كان خالد بشعره المبعثر ووجهه الشاحب من شدة البرد يقف أمامها. ثم قال بابتسامة: "تفضلي طلبيتك!
أخذتها بسرعة منه، ثم دفعت له المال وغادرت بسرعة دون أن تقول أي كلمة أو تسأله السؤال المعتاد: "إنت بتعمل إيه هنا؟! " وخلفها سهى التي تحاول مجاراة خطواتها. مروة وهي تسرع: "عجلي شوي ياسهى! مش عايزة الأكل يبرد! سهى بدهشة: "أعجل أكتر من كده!! طب إزاي؟! انتهت من الأكل. كانت على وشك أن تخرج لرمي القمامة، لكن سهى أوقفتها لتأخذها هي وتخرج وهي تحمل هاتفها مدعية استنشاق الهواء. رمت مروة نفسها من جديد على السرير وهي تفكر...
هو إزاي يظهر لي من العدم كل شوي؟ هو ليه كل ما أفكر فيه ألاقيه قدامي. نامت على جانبها الأيمن، ثم ضربت جبهتها لتغير تفكيرها. إنها طريقتها المعتادة والتي تفعلها دائماً كلما أرادت التوقف عن التفكير في أمر لا تريد تذكره. أخذت هاتفها من جديد وأخذت تتصفح الفيسبوك... ثم دخلت على اليوتيوب...
لم تجد شيئاً يسليها. كانت على وشك إرسال رسالة إلى ليلى، لكنها توقفت قبل أن تكتب أي شيء. هي لا تريد إزعاجها. كانت على وشك أن تضع الهاتف جانباً، لكنها توقفت عندما ظهرت أمامها رسالة... رسالة جاءتها من العدم. (ما توقعتش أشوفك اليوم. بس فرحت كتير بشوفتك.) جلست بسرعة على سريرها وهي تقرأ الرسالة مرتين ثم ثلاث. نظرت بسرعة إلى الرقم. لم تعرفه في البداية... لكنها تذكرته بعدها. خالد! خالد حصل على رقمي! هل هي الكارثة؟!
لم تكن سترد عليه. حتى أنها وضعت الرسالة جانباً بعد أن مسحت الرقم. لكن لحظات قليلة وأعادت أخذه من على الطاولة الصغيرة المجاورة لها من جديد. دهشت من نفسها وهي تنتظر منه إرسال رسالة أخرى. "عم تستنيه؟! "هو ليه ما عملتلوش بلوك زي ما بعمل عادة؟! رنين! رنين! كادت أن توقع هاتفها! إنه رقمه! إنه يتصل بها! "هو إزاي يكون وقح لدرجة دي؟!! استمر هاتفها في الرنين. قررت الرد والصراخ عليه مثل العادة، لكنها قالت بنبرة جادة هادئة: "نعم؟
"مروة، إزيك؟ دا أنا خالد." "عايز إيه بالوقت ده؟ ثم تابعت بعد أن أخذت نفساً عميقاً: "امحيه الرقم! امسح رقمي يا خالد! "ليه بس؟ "ليه؟! ... امسحه طبعاً، دا رقمي ومش عايزاه يكون عندك! "رح أمحيه... بس لأنك ما جاوبتيش على الرسالة قلت أتصل." "شفتها وما كنتش عايزة أرد." "لهالدرجة... "إيه! ويلا امسح رقمي قبل ما أعصب! "تمام... بس بشرط؟ "لا شرط ولا حاجة! رح أسكر يلا امسحه أحسن ما ألاقيك وبهدلك!
تجاهلها وسأل: "مروة، هو إنتي ليه بطلتي تجي الكشك؟ لأنه أنا بشتغل هناك، مش كده؟ نبرته اليائسة والحزينة جعلتها تبتسم غصباً عنها. فكرت بكم هو بريء ليشغل نفسه بالتفكير بهذه الطريقة. لكنها ردت بعصبية مزيفة: "هو إنت مين مفكر حالك؟! متوقع إني رح أغادر مكان بسبب حدا؟ دي مستحيلة." رد بانفعال وحماس: "يعني مش بسببي؟! ضحكت رغماً عنها ثم قالت بسخرية: "أنا وين وإنت وين."
غافلة عن ذلك المتجمد في الخارج وهو يستند على دراجته يحدثها. والذي ارتفعت درجة حرارته مرة واحدة فجأة بسبب ضحكة واحدة منها. "أكيد؟ هزت رأسها وكأنه يراها: "أكيد مش بسببك." رد عليها بسرعة: "ينفع سؤال؟ مروة بابتسامة ساخرة: "هو إحنا بالروضة؟ إيه ينفع سؤال دي؟ ثم تابعت: "عايز إيه؟ يلا قول قبل ما أسكر الخط." "لكان ليه ما عم تجي؟ كم هو فضولي! "مشغولة." ثم أضافت بحرية وهي تشعر أنها
تحمست للحديث معه أكثر: "عندي مذاكرة. امتحاناتي الأسبوع الجاي ومش قادرة أطلع من الأوضة غير إني مش غنية لدرجة إني كل يوم أطلبلي أكل." قال: "إذا هذا هو السبب؟ "ما أنا خبرتك إنه مش بسببك. والله مش عارفة جايب الثقة بالنفس دي منين." رد بجدية: "مش حكاية ثقة بالنفس... كل الموضوع إنه فكرت إنه لما شفتيني يومها بالكشك بشتغل، قررتي ماترجعي تشتري منه لحتى ماتقابليني." لما يتحدث بهذه الطريقة؟! ...
أنه يبدو بريئاً جداً بالنسبة لها رغم نبرته الجادة التي يتحدث بها الآن. أنبت الهاتف قليلاً عن أذنها بعد أن سمعت صوت خطوات أقدام تقترب. سهى قادمة! لتقول بعجل قبل أن تنهي المكالمة: "رح أسكر يلا سلام!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!