مع بداية شهر أكتوبر، كانت ليلى تسير رفقة مروة باتجاه المستشفى الجامعي. وإذ بها تلمح دكتورها الفاضل يجاهد لإصلاح سيارته البيضاء. أخذت ليلى تحدق إليه من بعيد، غير مهتمة بسماع ثرثرة صديقتها المعتادة. بدا عليه التوتر الشديد وهو يعبث بمحركها. "أيظن أنه قادر على إصلاحها؟ " هذا ما فكرت به ليلى قبل أن تنتبه إلى شيء. إنها المرة الأولى التي تراه بدون مئزر وتدقق في ملابسه.
لم يكن كغيره من الدكاترة الذي يفضلون ارتداء الملابس الرسمية والجذابة، بل كان يرتدي سروالًا أسود داكنًا فضفاضًا، وفوقها كنزة زرقاء من النوع الخفيف. ورغم أنه لم يكن ناجحًا في تنسيق الألوان، إلا أن وجهه كان كفيلًا بأن يغطي هذا النقص، خاصة وهو يرتدي نظارته البنية العريضة. بعد أن ودعت ليلى صديقتها واتجهت إلى القاعة، حيث ارتدت مئزرها.
جلست في أول مكان رأته أمامها، وأخذت تنظر إلى شاشة هاتفها، أو بالاحرى إلى الساعة المعروضة أمامه. تتمتم بخبث: "حنشوف حتلحق حضرتك في الميعاد أو لا." كانت تعد الوقت بالثواني وهي تنظر تارة إلى شاشة هاتفها، وتارة أخرى إلى الباب، في انتظار قدومه، أو بالأحرى في انتظار قدومه متأخرًا.
صحيح أنها لا تنكر أن الدكتور آدم قد أصبح أكثر لينًا في تعامله معها ومع الطلبة الآخرين، إلا أنه لا يزال يحاول اصطياد أخطائهم ويستمر في إلقاء كلماته القاسية عليهم. لكن عملية الترقب توقفت فورًا بعد أن سمعت حديث الفتاة الجالسة خلفها وهي تقول: "اليوم رح تكون آخر حصة مع الدكتور آدم. مالشهر خلص والدكتورة مي راجعة! ردت فتاة أخرى: "بجد؟! بس رح يوحشني! "يوحشك إزاي؟! هو إنتي إزاي قدرتي تحبيه؟
مش متذكرة عمل معانا إيه بهالفترة القليلة! هو كلمة وحشة بحقنا ماتركها وماقالها! "بعرف... بس بردو... "لأ إنتي شكلكي اتجننتي على الآخر." لقد نسيت هذا الأمر كليًا! نسيت أن الدكتور آدم الذي لطالما اعتاد على توبيخها ليس دكتورها الحقيقي، فما هو إلا بديل الدكتورة مي. الدكتورة التي اعتبرتها قدوتها منذ أول يوم... لكن لما تشعر بالحزن في أعماقها؟!
كانت تنظر إليه بنظرات غير مفهومة وهو يدخل بعجل إلى القاعة ويرمي بحقيبته على المكتب سريعًا، ثم يقول بأسف شديد: "بعتذر على تضييع وقتكم لأسباب قاهرة." ثم تابع وهو يرتدي مئزره بسرعة: "رح أعوضلكم الوقت الضايع." "ولا يهمك يادكتور، كلها 10 دقائق، ما تتعبش حالك! " قال أحد الطلبة الرافضين فكرة التعويض. الدكتور آدم بنبرة الجدية الممزوجة بالحدة: "إنت مش عارف إن الـ 10 دقائق يلي أخدتها من وقتك رح يجي اليوم وتندم عليها!
ثم تجاهله وأخذ يخرج أدواته الطبية. "جهزوا حالكم، رح نعمل تورن سريع على واحد من المرضى لتتعلموا إزاي بتقيسو الضغط." كانت تتبعه طيلة الطريق، تسير خلفه هي وزملائها في الغروب. تراقب خطواته وهو يقيس الضغط لامرأة مسنة هذه المرة. ورغم أنها حاولت التركيز أكثر من مرة، إلا أن عقلها كان كثير الشرود. أفاقها صوته وهو يقول في حزم، لكن بصوت خافت حتى لا يزعج المريضة: "ماتصحصحوا معاي شوية! مش وقت نوم أبدًا!
لا تدري لما شعرت أن كلامه موجه إليها، لكن فور استدارته برأسه للخلف قليلاً، رأت بعضًا من زملائها يمسحون وجوههم ويعدلون من ملابسهم. فأصابها الإحباط! لقد خاب إحساسها هذه المرة! بعد وقت وجيز... انقسم الطلاب جميعًا كل إلى ثنائي من أجل قياس ضغط بعضهم. وقد تمكنت ليلى، وبعد محاولة فشل بسيطة في قراءة الضغط، من النجاح. ونجاحها الأكبر كان عدم سماع سخرية دكتورها المغادر، الذي لم يغير قراره وأضاف 10 دقائق.
ظنت أنه سيقدم درسًا جديدًا، إلا أنها فوجئت به وهو يقول في هدوء شديد: "أظن أن الكل عارف إنه هي آخر مرة أدرسكم فيها، باعتبار إني جيت بديل الدكتورة مي المشرفة عليكم. إنشاء الله أكون قدرت أوصل المعلومة وفهمته على أسلوبي يلي أظن إنه مختلف كليًا عن حضرة الدكتورة." ثم تابع وهو ينظر إلى وجوه الجميع، بما فيهم ليلى الجالسة تنظر إليه باهتمام شديد: "يلي عنده سؤال يقدر يتفضل أشرحهوله ريثما تعدي هالعشر دقائق يلي متعباكم."
ثم جلس على كرسيه. أخذ بعض الطلبة الشجعان يتقدمون ليطرحوا أسئلتهم. وكم بدا جادًا وهو يشرح لهم بدون كلل أو ملل. تحمس البعض الآخر وقرر الذهاب إليه. لكن ليلى ظلت متسمرة في مكانها، تنظر إليه مرة كل مرة، حتى انتهى الوقت. وبعد أن شكره الطلبة وودعوه من باب الاحترام، غادرت ليلى سريعًا، فهي لم ترد البقاء معه في القاعة، فقد اعتاد أن يكون آخر من يخرج منها. كانت تسير بخطوات سريعة رغم حجابها وهي تتحدث بالهاتف:
"مش اتفقنا الاقيكي بالمقصف؟ هو إنتي وين؟! "زهقت من الانتظار فقلت خليني أستناكي برا أحسن." "وليه ما قلتيش من قبل؟! مطلعاني لحد الطابق الثالث وبعدين ما ألاقيكيش! "أعمل إيه؟ ما فكرتش؟! وبعدين الغلط منك إنتي يلي اتأخرتي علي؟! "إيه!! ... مش غلطي؟ الدكتور هو يلي أتأخر وزاد الوقت! توقفت مكانها تنظر إليه وهو يتحدث بمنتهى الجدية والهدوء إلى الدكتورة مي، التي كانت تبتسم.
لا تدري ليلى كيف أغلقت الخط في وجه صديقتها بعد أن سمعت الدكتورة مي ترمي بوابل من التشكرات إليه، وهو يكتفي بهز رأسه. "مش عارفة أشكرك إزاي؟! فوق ما قبلت تهتم بصفّي بعدما كل الدكاترة الخائنين رفضوا بحجة مشغولين. قدرت إنك تمشي معاهم بالمنهج! والله العظيم بشكرك من قلبي." "العفو يادكتورة." ثم تابع وهو يراها تستمر في شكره: "مافيش تعب أبدًا. وبعدين الطلبة جادين ومهتمين لهيك قدرت أمشي معاهم في المنهج كويس." ابتسمت! ...
ابتسمت ليلى من كلماته. رغم أنها كانت متفاجئة من شكره لصفها، إلا أنها سعدت بما قاله، كما اعتادت أن تسعد مؤخرًا من ملاحظاته البسيطة. لم تتوقع أن يكون هو الدكتور الوحيد الذي قبل أن يعوض الدكتورة المشرفة على صفها. ماذا كان سيحدث لو لم يأتي؟ هل كان سياتي دكتور آخر؟ هل كان سيكون كالدكتور آدم؟ كلا لا أظن! فالدكتور آدم مميز!
إنه مختلف عن بقية الدكاترة، فهو رغم توبيخه الشديد لطلبته وتمجيده للوقت وسوء استخدامه للكلمات، إلا أنه كان جادًا في تعليمهم جميعًا، ولم يبخل في تقديم المساعدة لهم ولـ دكتورته. ماذا هو ربما ليس سيئًا بعد كل شيء. هذا ما كانت تفكر فيه وهي تستدير للخلف وتغادر من طريق آخر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!