اسمي خالد. طالب سنة أولى علم نفس. اخترت هالتخصص عن حب بصراحة، ورغم معارضة أهلي لاختياري على أساس أنه هالتخصص ما بياكلش العيش، إلا أني أصرّيت ودخلته. أنا شب بحب الضحك والمرح بصراحة، ومانيش من النوع اللي بيعصب بسرعة أو بسهولة بتاتاً. بس لما أزعل، زعلي بيكون وحش جداً.
فكرت كتير قبل آخد هالخطوة، أني أطلب رقم مروة، البنت اللي التقيتها يوم دخولي الأول للجامعة. ورغم أن الأوقات اللي جمعتني بيها قليلة وكلها عبارة عن مشاحنات، بس ما أنكرش أنه أعجبتني شخصيتها. طريقتها في الكلام مميزة، شكلها البريء بلا ميكب والحاد بيه، جديتها يوم اعتذرت مني وعنادها لتنفيذ قرارها، كل شي فيها عجبني للصراحة. شكلي جنيت على الآخر. صرت أتخيلها كلما ركبت المواصلات، أو كلما دخلت الكافيتيريا. أتخيلها وهي جالسة بتضحك وبتنكت مع رفقاتها والبسمة ما تفارقش وشها. واديش تمنيت أني ألقاها وأتعرف عليها كويس.
وشكله القدر كان مساندني بالموضوع، حيث أنه في يوم من أيام الدوام ولما كنت خارج من قاعة من محاضراتي رفقة واحد من أصحابي، متجهين للكافيتيريا لنشرب شغلة تبردنا وتنشطنا. لقيتها واقفة بطولها ماسكة تلفون دردش فيه، كانت مبينة مركزة أوي معاه. تركت صاحبي فجأة بعد ما اعتذرت منه وركضت ليها. شكلها ما انتبهتش لوجودي، ولما كلمتها باسمها انخضت واندشت من شفتي. "ازيك؟ ردت وهي لا تزال مدهوشة، "كويسة، وانت؟ "بخير."
كانت بتبصلي بتساؤل. شوية وكانت حتسألني عايز إيه وجاي لعندي ليه. فقلت بثقة، "كنت عايز أحكي معك." "مروة." "إيه تفضل؟ ابتلعت ريقي وحاولت أبين واثق من حالي وعرفان شو بدي، الستات بيحبوا الرجال الناضج والفهمان. "الصراحة بدي أتعرف عليكي." عندما رأيت ملامحها التي تغيرت إلى عبوس واضح تابعت بتأكيد، "كأصدقاء طبعاً." ما عرفت إذا ملامحها هدت أو لا، لكن صوتها كان جدي وهادي وهي تكلمني، "ما إحنا زملاء بالجامعة أساساً!
وأنا للصراحة ما بقعدش مع شباب وكدة، خاصة إذا ما بعرفوش... "مش حنقعد لوحدنا طبعاً، دا أساساً بينافي تربيتي. كل الموضوع أنه عايز أتعرف عليكي مش أكتر." ردت، "ليه؟ "خبرتك كأصدقاء." "لكن أنا ما بأمن بالصداقة بين الشباب والبنات." ثم تابعت والظاهر أنها تريد المغادرة، "عن إذنك دلوقتي رفيقتي عم تستناني." ما كنتش ناوي أوصل لهالحد، بس كنت عايزها! عايز أتعرف عليها! عايز أنبهر بيها أكتر! "اعطيني فرصة."
ما دريت كيف قلتها أو كيف طلبتها. ما كنتش ناوي أقولها بهذا الشكل أو بهذه الطريقة. كانت نظراتها مش مفهومة، بس الظاهر أنها كانت بتفكر أو هيك بدا لي. لكنها بالنهاية رفضت مرة أخرى. إحساس قوي ومؤلم تملكني لحظتها وأنا بشوفها ماشية لقدام وتبعد. ما حسيتش بكسرة القلب زي ما تقول الأفلام والمسلسلات، بس فيه ألم بقلبي أخف، ألم الرفض. كبريائي انجرح. ***
كانت ليلى جالسة على المقعد داخل قاعة المحاضرات تنتظر حضور مروة وسهى. عبثت بهاتفها قليلاً ثم تركته عندما لاحظت قدومهما. سلمت عليهما. "مروة." "عاملة إيه؟ "ليلى." "حمدلله كويسة. سهى ازيك يروحي؟ "سهى." "كويسة شكراً." لاحظت ليلى هدوء مروة. فقد كانت شاردة وباردة. إنها ليست معتادة على ذلك، هذا ما فكرت به وهي تراها تخرج دفتر ملاحظاتها في صمت. فمروة ثرثارة، تحب الكلام والمزاح في كل فرصة تتاح لها.
دخل الدكتور وشرع في إلقاء محاضرته في هدوء. وبينما كانت مروة تدون ملاحظاتها، نكزتها ليلى بعظمة ذراعها وهمست، "مالك؟ حدقت بها مروة بتساؤل. "قلقانة شي؟ "لا مافي شي." لكن ليلى لم تقتنع وقررت أن تهدأ وتركز في محاضرتها الحالية، ثم تعيد فتح الموضوع معها لاحقاً. انتهت المحاضرة. وكالعادة غادرت سهى على عجل من أمرها وانفصلت عنهما، فهي تفعل ذلك مؤخراً.
سحبت ليلى مروة من ذراعها وقادتها إلى ناحية الكراسي التي كانت فارغة، وحيث كان الطلاب يتجهون ذهاباً وإياباً داخل الجامعة. "ليلى." "احكي لشوف." "مروة." "أديشك عنيدة! ... والله الموضوع مش مستاهل ينحكى عنه." "ليلى." "فكرتك بتحكيلي كل شي وما تخبي عني شي." "مروة."
"أخبي إيه بالله عليكي. حسستيني إني مخبية سر أمة." ثم تابعت وهي تعانقها بقوة بعد أن رأت علامات الانزعاج لا تزال مسيطرة على وجه صديقتها الخالي تقريباً من جميع مستحضرات التجميل، ما عدا خافي العيوب الذي أصبح ملازماً لها بسبب كثرة السهر واشتداد لون الهالات المحيطة بعينيها البريئتين. "بنتي زعلت؟ "ليلى." وقد انفجرت ضاحكة، "خربتي أم حجابي!! لتبعد ليلى مروة بعد ذلك عنها بلطف، ثم تقول بمنتهى الجدية، "احكي سمعاكي."
أخذت مروة نفساً عميقاً ثم شرعت في الفضفضة. وخلالها شرحت لليلى كل ما حدث بالتفصيل الممل. وكم كانت ليلى مستمعة جيداً، فهي لم تقاطعها أبداً. "مروة." "دا اللي حصل يابنتي." "ليلى." "حاولت أفهم بس ما قدرت. هي المشكلة فين بالضبط؟ " ثم تابعت وهي ترى علامات التردد واضحة على وجه صديقتها. "مش انتي معتادة ترفضي كل الشباب اللي بيعاكسك أو يتقدم لك على أساس عايز يصاحبك. وين المشكل؟ ما هو كغيره يعتبر عايز يصاحبك." "مروة."
"هو عايز يصاحبني برضه؟! "ليلى." بصدمة وهي لا تصدق الغباء المفاجئ الذي أصاب صديقتها، والتي لطالما اعتادت أن تكون سريعة البديهة في مثل هذه المواضيع. "شربانة شي بالغلط؟ ... ما الواد طلب فرصة، هو قالها لك بصريح العبارة." "مروة." بتبرير، "ما هو قال عايز نكون أصحاب قبليها." "ليلى." بسخرية، "ما دي البداية الجميلة اللي حضرها لك قبل ما ينتقل لموضوعه الأساسي حضرة جنابه." "مروة." بإقناع، "بجد!! ... والله معاكي حق. بس إزاي!
أنا قريب ما صدقته." ثم تابعت بعتاب، كانت تعاتب نفسها كما لو كانت تعاتب شخصاً آخر بالفعل. "وأنا اللي كنت مفكرة أنه ما حدش هيقدر يلعب بيا وإني أذكى من إني أسمح لحتة شب أنه يستغواني... " ثم تابعت بصدمة من نفسها، "تخيلي أنا قبل أسبوع بس كنت عم أنصح بنت خالتي إزاي تتعامل مع خطيبها. ودلوقتي... "ليلى." بابتسامة خافتة، "ما إحنا على طول كدة شاطرين بس ننقد وننصح غيرنا، بس لما توصل لينا بنبطل نفكر ونتصرف عشوائي بس." ***
داخل أحد الأكشاك، كانت سهى جالسة تتحدث بنبرة متحشرجة بسبب البكاء. "هو إنت إزاي قادر بالسهولة دي إنك تسيبني وتتخطى اللي بينا؟! كانت تتحدث إلى ذلك الشاب الجالس أمامها بمنتهى البرود. كان يأكل ويشرب وكأنها لا تتحدث أو تبكي أمامه. فكرت كيف يمكنه أن يكون بارداً وقاسياً إلى هذه الدرجة، وهو الذي لطالما أغدقها بغزله وكلامه العسلي. توقف عن الشرب ثم قال، "عايزاني أعمل إيه؟ أضيع وقتي على علاقة مش نافعة! "سهى." بصدمة، "مش نافعة؟!
" ثم تابعت بحدة ممزوجة بالعتاب، "ما قبل يومين كنت بتقولي حبيبتي وروحي. إيه اللي اتغير فجأة؟
وقف وقال بحدة لاذعة أخَرستها، "شكلك مش عايزة تفهمي. بضيع ساعة من وقتي وجايبك لحد نص القاهرة عشان أطلب منك إنه نترك باحترام من غير ما أجرحك بكلامي زي ما كل العالم بتترك، بس الظاهر إنك ماينفعش معاكي دا." ثم تابع بعصبية شديدة وحنق بلغ، "شوفي يابنت الناس، رح أعيدها لك للمرة الأخيرة. أنا مش عايز أكمل معاكي، والله يسهل لك أمورك وتلاقي نصيبك في حتة تانية بعيدة عني."
كانت تنظر له بصدمة، لا تصدقه ولا تصدق قراره لهذه اللحظة. لم تتوقف عن البكاء، حتى أنها جذبت جميع الأنظار إليها. ومع ذلك تركها وغادر. لم يسمح لها حتى بالرد. كيف له أن ينهي علاقته بها بهذه الطريقة؟ ثم كيف له أن يقرر ذلك بمفرده؟ هي أيضاً كانت جزءاً منها ومن حقها أن تقرر إن كانت تريد الاستمرار أم لا. توقعت منه العودة... انتظرته... ظنت أنه سيعود إليها، فهو لن يتركها في تلك الحالة، أو هذا ما ظنته. هو كذلك في النهاية...
لقد تخلى عنها حقاً. تخلى عنها كما يتخلى عن لعبة سئم منها ويريد استبدالها بأخرى جديدة. ألم يكن يحبها؟! أين ذهب ذلك الحب فجأة؟! كانت تسير بخطوات متثاقلة ناحية السكن، بعينيها الحمراوين من شدة البكاء وحالتها المبعثرة. لم تابه لهمسات الآخرين أو ضحكاتهم، بل استمرت في السير حتى وصلت إلى غرفتها. أدارت مقبض الباب ظناً منها أن مروة بالداخل، إلا أنها لم تكن كذلك. "رائع!
" هذا ما فكرت به وهي تتقدم للداخل لترمي بنفسها على السرير باكية. "على الأقل أستطيع أن أبكي وأنفجر براحتي!! فلقد تم هجري بسهولة!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!