لاحظ آدم تجاهل ليلى له أكثر من مرة. أصبحت تغير طريقها كلما تراه، أو تتجاهل مروره من جانبها كلياً، منشغلة في الحديث مع صديقاتها. إنها غاضبة منه بالفعل!
لم يكن آدم من النوع الذي يهتم لآراء الناس عنه، فقد اعتاد على تجاهلها. نصحه العديد من زملائه في الجامعة سابقاً أن يغير من شخصيته النزقة والقاسية وأن يكون لطيفاً قليلاً، لكنه لم يبالِ بذلك. إذا كان يقول الحقيقة، فلا بأس، ولا يهم ما يعتقده الآخرون عنه، سواء كان بروداً أو قسوة أو غروراً. لكن هذه المرة كان يتمنى الذهاب إليها ومراضاتها. فهو لا يريد منها أن تكرهه. وكم من مرة أوقف نفسه وحبسها في الداخل حتى لا يذهب إليها. ***
كانت ليلى جالسة رفقة مروة في كافتيريا الجامعة. مروة: "كويس إنك صرتي تقدري تنسجمي معاهم." ليلى بابتسامة: "إه بجد. علاقتنا كويسة وأنا فرحانة بده من قلبي." مروة وهي تعانقها بابتسامة: "فرحانتلك يابنتي من قلبي." ليلى: "تسلميلي." مروة وهي تبتعد: "ليلى، عايزة أقولك على شغلة." ليلى بابتسامة: "ماقولي ياقلب ليلى." مروة دفعة واحدة: "خالد عزمني بعد الدوام." ثم تابعت بتوتر: "إيه رأيك أروح عزومته أو لا؟ ليلى بشك: "دي أول مرة؟
مروة بتأكيد صادق: "أكيد أول مرة. بصي، هو عزمني قبل كده صحيح، بس أنا كنت برفض." ليلى بابتسامة: "وهو زعل، مش كده؟ مروة تهز رأسها بقلة حيلة: "آه! يعني هو قال: 'عادي براحتك'، بس أنا عارفاه كويس لما بيزعل." ضحكت ليلى وقالت بدهشة مزيفة: "لحقتي تعرفيه كويس؟ شكلكم عارفين بعض مضبوط." مروة وهي تضربها برقة كتفها: "ماركزي معايا شوي وقوليلي أعمل إيه." ليلى وهي تحاول أن تكون جدية: "إنتي عايزة تروحي أو لا؟
مروة تهز كتفيها: "مش عارفة." ليلى بشك: "مروة... مروة بتنهيدة: "عايزة أجبر بخاطره مرة على الأقل." ليلى: "يبقى روحي معاه، بس ماتتأخريش." ثم تابعت بأمر وتدقيق: "بتروحوا على مكان عام، وبلاه الأماكن المشبوهة بتاعت الأحباب وكده. وبس ترجعي، كلميني! مروة بدهشة: "حاضر يا أما! ثم عانقتها: "ماكنتش عارفة إنه بنتي بتخاف عليّ كتير! ليلى: "بحكي بجد يامروة! مش معناها إنك معاه وإنه قال هيخطبك، يبقى تثقي فيه أوي!
مروة وهي لا تزال تعانقها: "عارفة عارفة، ماتقلقيش." اعتدلتا بعد ذلك في جلستهما. مروة: "وإنتي حاتعملي إيه اليوم؟ إيه، إنتي ماقلتليش، هو إنتي سجلتي اسمك؟ ليلى: "قصدك عن تجربة ركوب سيارة الإسعاف؟ مروة: "إه هي! ليلى: "لأ لسه! متأكدة إنه الكل سجل الصبح، فمش حيضل لي مكان." مروة: "خدي مكاني، ما أنا مش رايحة." ليلى بدهشة: "لحقتي تسجلي؟ مروة: "سهى سجلت نفسها وأصرت تسجلني معاها."
وتابعت بسخرية: "مع إني مش عارفة إيه الفايدة من تجربة زي كده! ليلى بضحكة خفيفة: "إنتي قلتيها بنفسك، تجربة! مروة بابتسامة: "لأ، روحي جربي يابنتي إنتي. أنا عندي ديت ومش عايزة أضيعه." قضت ليلى الساعة التالية تساعد مروة في اختيار ملابسها ومكياجها. وكم كان ذوقها بسيطاً وأنيقاً، فقد جعلت مروة ترتدي فستاناً أبيض بزهور وردية وشال أبيض، جعلها تبدو كالملاك. مع بضع لمسات مكياج خفيفة، انتهت التحفة الفنية.
اتجهت ليلى إلى المستشفى الجامعي، حيث رأت ثلاث سيارات إسعاف متجمعة، واحدة تليها الأخرى خارجة. تقدمت إلى الداخل فوجدت العديد من الطلاب متجمعين حول رجل في الأربعينات من عمره، يمسك بورقة ودفتر يسجل الحضور. انتظرته حتى شطب اسم مروة وأخبرته أنها تريد التسجيل، فسجلها على الفور. أخذت تنتظر وصول دورها، فقد كان مقرراً لها أن تركب سيارة الإسعاف الثالثة.
وعلى الجانب الآخر، بالقرب منها، كان آدم يسير رفقة الدكتورة مي والدكتور حسين. تساءل حسين عن ما يحدث، فأجابته مي بحماس. وجد آدم الأمر سخيفاً، وكان على وشك أن يتجه ناحية الاتجاه الآخر للحصول على القهوة، فهو يعمل منذ الصباح ورأسه على وشك الانفجار. لكنه توقف عندما رآها تقف بطلتها البهية. بدا عليها الحماس وهي تتحدث إلى زملائها. انتبه لوجود شقيقه أيضاً، فابتسم تلقائياً. كانت ليلى تنتظر دورها رفقة بضع من زملائها، حتى
سمعت تعليق أحدهم وهو يقول: "والله مش فاهم إيه فايدة ده بالتحديد؟! " ابتسمت تلقائياً، فقد ذكرها تعليقه بتعليق مروة سابقاً. يبدو أن الجميع يفكر بنفس الطريق. ابتسم هو الآخر في وجهها وفي وجه البقية وتقدم ليتناقش معهم. تذكرته ليلى. إنه ذات الشاب الذي سألتها سهى عنه يومها. الشاب الذي كان يبحث عن الدكتور آدم.
ما أن جاء دوره حتى ودعهم، فقد كان مقرراً له أن يركب في السيارة الثانية. أعطى بظهره وأخذ يسير بعيداً عن المجموعة التي تتواجد بها ليلى. وقد لاحظته سهى. "هل بدأت ترمي بشباكك يا أسامة الآن؟ على غيري... وعلى من؟ على ليلى... اقتربت سهى من ليلى قبل أن تقول بدهشة: "ليلى؟ ابتسمت ليلى في وجهها: "سلام ياروحي." سهى: "سلام عليكي. ماكنتش عارفة إنك مسجلة." ليلى: "سجلت بآخر لحظة... سهى وهي تبحث بعينيها: "إجيتي لحالك؟
هي مروة ماشفتهاش، مجتش معاكي ولا إيه القصة؟ ليلى: "مش جاية. ما إنتي عارفة، للضرورة أحكام." سهى بأسف: "ياخسارة! ثم تابعت بابتسامة خافتة: "الحمد لله إنك موجودة ياليلى. باي سيارة إنتي؟ ليلى: "الثالثة. ونتي؟ سهى: "زيك بالضبط ياروحي." ليلى: "كويس." ظل يراقبها من بعيد وهي تنتظر دورها للصعود. يضع يديه داخل جيوبه مئزره الطويل، وإلى جانبيه يقف الدكتور حسين والدكتورة مي. ما أن صعد الجميع، انطلقت السيارة الثالثة والأخيرة.
الدكتور حسين بتحسر: "يا زمان على الأيام الخوالي لما كنا طلبة زيهم ونتحمس على أقل شيء." ضحكت الدكتورة مي وردت: "خليك بالواقع يادكتور حسين. ناسي إنه عندنا مرضى بتستنانا. مش كده يادكتور آدم؟ آدم بابتسامة خافتة: "معاكي حق." لقد قرر العودة إلى عمله الذي يبدو أنه لن ينتهي، بعد أن اطمأن عليها. *** بعد حوالي الساعة إلا ربع...
حيث كان آدم مستنداً على كرسيه داخل غرفة مكتبه، يستريح من وجع الراس الذي لازمه طيلة اليوم. رن هاتفه فجأة. سحبه بدون أن ينظر إليه في البداية، وقام بالرد. "الدكتور آدم عبد الجبار يتحدث. تفضل." "دكتور، أنا عم أتصل من قسم البلاغات. إجانا بلاغ إنه واحدة من سيارات الإسعاف اللي انطلقت قبل شوي عملت حادث؟!
اعتدل آدم في جلسته سريعاً. حاولت أن يتمالك أعصابه، لكنه قال بتوتر وهو ينهض في مكانه ويهب خارجاً من مكتبه، تاركاً خلفه الباب مفتوحاً: "أي سيارة إسعاف بالضبط؟! " ثم قال وهو يدعو في أعماقه ألا يكون ما يفكر به صحيح: "اللي فيها الطلبة؟! "هي يادكتور، بس مش عارفين رقمها تحديداً لأنه المكالمة قصت."
أغلق الخط في وجهها، وأخذ يقفز من على السلالم درجتين أو أكثر. كان يدعو من أعماقه ألا يتحقق ما يفكر به. حاول تهدئة نفسه وضربات قلبه الذي يوشك أن يتوقف من شدة الخوف عليها. كان يجري باتجاه بوابة المستشفى. وما أن خرج، أخذ يبحث بعينيه عن السيارة التي ركبتها. وفي لحظة، تذكر شقيقه الأصغر الذي هو الآخر قد ركب سيارة الإسعاف. "اللعنة على صاحب الفكرة! كان يدفع بنفسه بين الأطباء والطلبة الذين كانوا قد نزلوا من السيارة الأولى.
"آدم؟! كان ذلك أسامة الذي انتبه عليه. سارع آدم إليه ووضع يديه على كتفيه يتفحصه: "إنت كويس؟ حصلك حاجة؟ أسامة يبتسم بدهشة: "أكيد كويس. وإيه اللي رح يمنعني من إني أكون كده؟ دفعه آدم بعيداً عنه، وقد زاد يقينه من أن السيارة الثالثة هي التي تعرضت للحادث. أسامة باستغراب وهو يهم بالدخول عبر البوابة: "هو أخوي ماله؟!
بحث قليلاً بعد. لكنه توقف فور رؤيتها واقفة قرب سيارة الإسعاف تتحدث بهاتفها. انتبهت إليه وهي تراه أمامها. لم تعد تستمع لمروة التي تثرثر عبر الهاتف، فقد كانت كل حواسها موجهة إليه. هل هو ينظر إليها الآن؟ نظرت خلفها للتأكد، فلم تجد أحداً. تأكدت بالفعل أنه ينظر إليها. تقدم إليها، وفي كل خطرة كان يتقدمها، كان تستطيع سماع أنفاسه التي كان يأخذها. لاحظت وجهه الشاحب وجبينه الذي يقطر عرقاً.
"مروة رح سكر دلوقتي، أكلمك بعدين." قالتها بتقطع وضياع، فقد كانت في عالم آخر. سرعان ما دفعت بنفسها خارجه، مذكرة نفسها بعهودها السابقة. بينما هو كان على وشك أن يضمها إلى صدره، يستنشق رائحتها ويتأكد من أنها بخير ولم تتأذى. أصبح يقف قبالتها تمام. بضع خطوات تفصل بينهما. آدم بقلق لم يستطع إخفاءه: "إنتي كويسة؟ استغربت ليلى سؤاله، فقد توقعت منه أن يقول أي شيء غير هذا، خاصة وهي لم تتحدث إليه منذ قرابة الأسبوع.
ليلى باستغراب: "دكتور، هي حصلت حاجة؟ آدم بحزم ممزوج بالقلق: "جاوبيني ياليلى! ليلى باستغراب أكبر: "كويسة، وليه ما أكونش كده؟! " ثم تابعت وهي تراه ينظر للطلبة الذين كانوا يتحركون بالقرب منهم بدقة: "هي حصلت حاجة؟! نزل آدم جالساً جلسة القرفصاء، يعبث بشعره المبلل بعرقه، يأخذ أنفاسه. لقد اختبر ضغطاً كبيراً في تلك الدقائق القليلة، جعلته غير قادر على الوقوف. لكنه يشكر الله مراراً وتكراراً على سلامتها وسلامة الجميع!
ليلى بقلق: "دكتور، إنت كويس؟! هو إيه اللي حصل؟! لم تفهم ليلى أي شيء، خاصة وهي تراه في هذه اللحظة خائر القوى أمامها. آدم وهو يقف بعد استعاد رباطة جأشه: "إجى بلاغ للمستشفى مفاده إنه إنتوا عملتوا حادث! صدمت ليلى... هذا آخر ما كان توقعته. "بس ما حصلش كده! وإيه فايدة البلاغ الكاذب من الأساس؟ آدم وقد استعاد هدوءه، رغم أن عينيه لا تزال تنظر بقلق إليها، وقد لاحظتها ليلى. كيف لا؟
وأنظاره مسلطة عليها منذ لقائهما، وكأنه يريد اختراقها. "شكله حد عايز يتسلى بقلقنا." مالذي يقصده بقلقنا؟ هل كان قلقاً عليها؟ لا لا... لاتتأملي كثيراً ياليلى كي لا تعاني من الصدمة لاحقاً. حاولت ليلى أن تضفي القليل من الهدوء، فقالت: "بس يبقى الحمد لله إنه ما حصلتش حاجة زي كده." لم يرد عليها، بل اكتفى بالنظر إليها. تمنى لو أنه يستطيع أن يشرح لها إحساسه وقته. وكم كان خائفاً من حدوث شيء سيء لها.
قرر آدم العودة إلى المستشفى ويخفي نفسه داخل مكتبه أو بين مرضاه، على أمل أن يهدأ. فهو لن يستطيع الحديث معها وهو بهذا التوتر. كانت هي الأخرى تسير خلفه، فقد كان طريقهما واحداً. حاولت العودة إلى وضع التجاهل الذي كانت تعتمده طيلة الأسبوع. إلا أنها لم تتمكن من ذلك، ولم تتمكن حتى من كبت ابتسامتها من فكرة قلقه عليها.
أخرجت هاتفها وأخذت تعبث بها. لكنها كادت أن تصطدم بظهره، إذ توقف فجأة. رفعت رأسها تنظر إليه وهو يستدير ليقابلها، قائلاً بمنتهى الجدية، رغم المشاعر التي كانت تتصارع بداخله وأذنيه اللتين أخذتا تتلوان بالاحمرار تدريجياً: "عايز أتكلم معاكي ياليلى." ليلى بدهشة: "تفضل يادكتور، أنا عم بسمعك." نظر إلى نفسه وإليها. فقد كانا يقفان في وسط الطريق. أبصر كراسي فارغة قريبة من مكان الاستقبال. "لازم نقعد. إيه رأيك تقعدي هناك؟
اكتفت بهز رأسها فوراً، فقد كانت متشوقة لسماعه وفي نفس الوقت خائفة. فهي قد أصبحت تتوقع منه أي شيء، خاصة بعد أن طردها من الصف آخر مرة. جلست على الكرسي وأخذت تنظر إليه بترقب.
تذكر آدم أنه قرر الذهاب لموظفة الاستقبال للحصول على رقم ذلك الكاذب. سوف يريه كيف يكون المزاح على أصوله. كان على وشك أن يطلب منها خمس دقائق فقط ويعود إليها، لكن أوقفته عن ذلك الدكتورة مي، المشهورة بأعمالها الخيرية. إذ كانت في كل وقت فراغ لها تسأل إذا كان أحد يريد التبرع بدمه. الدكتورة مي بابتسامة: "ليلى، طالبتي هنا؟ إزيك؟ وقفت ليلى سريعاً لتسلم عليها باحترام: "حمدلله كويسة. حضرتك كويسة؟
الدكتورة مي بمزاح: "إنتي عارفة ضغط العمل، بس نقول الحمد لله." انتبهت إلى الدكتور آدم وقالت: "وأنا بقول لحسين إنك خلصت دوامك. صرله ساعة بيدور عليك." الدكتور آدم: "في شي مهم؟ الدكتورة مي: "ما إنت بتعرفه لما بيزهق."
عادت الدكتورة مي إلى ليلى تسألها إن كانت تريد التبرع بدمها لفائدة المرضى المحتاجين، والتي وافقت على الفور واتفقت معها على القدوم لاحقاً للقيام بذلك. حتى أنها أخذت تملي عليها رقم هاتفها لتتصل بها في أي وقت إن احتاجت إلى متبرع بزمرتها.
كان آدم يبتسم طيلة ذلك الوقت وهو يراها بمثل هذا الحماس للتبرع. ليتركها بعدها لعدة لحظات ليذهب إلى موظفة الاستقبال يسألها عن الرقم. كان وجهه ممتعضاً طوال تلك الفترة. بينما أخذت ليلى تنتظره على الكرسي وابتسامة بلهاء تزين وجهها. أخذ هاتفها في الرنين، فمدت يدها لداخل حقيبتها تبحث عنه لترد على المكالمة. لكن الاتصال قد انقطع قبل أن ترد. تركته جانباً، وهي ترى آدم يتجه ناحيتها. "ينفع تجي معايا لمكتبي؟
لما تحولت نبرته إلى الباردة فجأة؟ شعرت ليلى بالاضطراب قليلاً من تغير الحالة المحيطة به. وقد لاحظ آدم ذلك فقال: "مش رح آخد من وقتك كتير." وافقت ليلى وسارت معه إلى مكتبه. دخل هو أولاً وتلته هي. كانت تنظر إليه بتمعن، فهذه هي المرة الأولى التي تكون بها هنا. ذوقه بسيط جداً، ولكن مريح، هذا ما فكرت به. جاءها سؤاله على غفلة وهو يقول: "عملتي كده ليه؟ "عملت إيه؟ "رح أقول معصبة وعايزة تنتقمي، بس مالقيتيش إلا الطريقة دي."
"إنت بتقول إيه؟ آدم بعصبية وهو جامد في مكانه: "بقول إني عارف إنه إنتي اللي عاملة المقلب الرخيص ده! ليلى بصدمة: "إيه؟! ثم تابعت: "وأعمل كده ليه؟! آدم: "لترديهالي، مش كده! "أردلك إيه؟! ثم تابعت باستنكار: "حضرتك سامع نفسك بتقول إيه؟! "وإيه معناها يطلع رقمك نفس رقم المبلغ؟ طب إيه معناها إنه موظفة الاستقبال تتصل بيا أنا بس؟! ليلى وهي تحاول الدفاع عن نفسها: "وأنا إيه دراني؟! بعدين يمكن يكون حد عنده نفس رقمي...
ابتسم آدم ابتسامة ساخرة. "واحد بيضغط على رقمها من هاتفه." رن الهاتف الذي كان بين يديها. فقال: "عم يقول لك ما تجاوبي، يمكن يكون اتصال ضروري." ثم تابع حديثه وهو يريها شاشة هاتفه وبنبرة ساخرة: "عم يرن على رقم المبلغ وهو برضه مش عم يجاوب." وضعت ليلى هاتفها جانباً بيد مرتعشة، قبل أن تقول وهي تحاول السيطرة على قلقها: "مش عارفة إزاي حصل كده، بس والله العظيم ما أنا اللي عملت كده." "أوعك تبكي ياليلى! أوعك!
آدم ببرود: "اعترفي ياليلى! اعترفي إنك عملتي كده لتنتقمي وخلصي، بدل ما أضطر إني أبلغ عنك للإدارة." ليلى بصدمة: "تبلغ عني وأنا مش عاملة حاجة؟!! آدم باستنكار: "إزاي مش عاملة حاجة؟ وكل شيء قدامي. ده إنتي طالباني بالاسم يادكتورة! ليلى: "عم قول لك مش أنا! ليه مش عايز تصدقني؟! آدم وهو يتجه إلى كرسيه يجلس عليه، ثم رد ببرود وهو ينظر إلى الهاتف الموضوع فوق مكتبه: "اختاري، يا تعترفي، يا أبلغ الإدارة." ثم أردف
بلؤم وعتاب مخفي في كلماته: "ما كفاية وقتي اللي ضاع وأنا عم أبحث عنك وعن زملائك لتكون حصلتلكم حاجة! ليلى بعتاب: "إزاي فيك تكون قاسي وظالم لهالدرجة؟ ما أنا عم قول لك مش أنا، ليه مصمم تسكر أذنيك وتسمعش كلامي؟! " ثم تابعت وهي تبكي بعد أن خارت قواها على التحمل: "اعمل اللي بدك إياه! عايز تبلغ الإدارة، تفضل!
" وبعصبية شديدة رغم شهقاتها التي أخذت تعلو شيئاً فشيئاً: "مش رح أضل أبرر لك وأنت مصمم إني غلطانة. ومش رح أتوسل زي المرة اللي فاتت برضو." "أوعك تضعف يا آدم. مش معناها إنك بتحبها يبقى تتغاضى عن تصرفاتها. حاول تتصرف بنضج زي المعتاد. هو إنت ليه صرت بتاخد ردات فعل كده؟ من إمتى إنت كده؟ نهض على مقعده واقترب منها قائلاً بهدوء: "تمام، اهدي."
كانت جملته تلك ما زادها حنقاً، فانفجرت فيه صائحة بوجه محمر من شدة بكائها، رامية باحترامه ومركزه عرض الحائط: "مش عايزة أهدى!!! ما قلت عايز تبلغ عني، يلا روح بلغ، ناطر إيه؟!! ناطرني أعترف؟ والله ما هي واقعة!! مش أنا اللي أعترف على شغلة ما عملتهاش!! لما نظراته لها الآن تزيد من غضبها أكثر؟! "روح بلغ يلا!! أو بقولك، رح أبلغ أنا الإدارة! " ثم تابعت بابتسامة خبيثة وهي تتجه بسرعة البرق لتمسك بسماعة الهاتف،
وبنبرة ساخرة: "خليني أعملها أنا، بلاه أضيع لك وقتك الثمين مرة ثانية." ثم أخذت تضغط على الأرقام وهي لا تزال تعاتبه بحنق. أسرع ناحيتها يبعد عنها الهاتف. لكنها ظلت تقاومه حتى النهاية، عندما تمكن من أخذها منها. آدم وهو يرمي الهاتف على الأرض بعيداً حتى تحطم بصياح: "بتعملي إيه يامجنونة؟ عايزة تبلغي عن نفسك؟! ليلى بصياح أقوى: "ما إنت كنت هتعمل نفس الشيء!! أو حلال عليك وحرام علي؟!
" ثم أخذت تبحث عن هاتفها. الذي أخذته سريعاً قبل أن يتمكن من الإمساك. ابتسمت بخبث هذه المرة وهي تضغط بأصابع يدها المرتعشة على الرقم. لكنها توقفت فوراً عندما أمسك بالهاتف الذي انقسم إلى قسمين، فأصابع يدها تشده من الأعلى وأصابع يده هو من الأسفل. أجفلت في مكانها، رغم صدرها الذي أخذ يعلو وينزل من شدة الانفعال. قلبها الذي كان ينقبض بقوة. جسدها كله الذي يرتعش. آدم بحنان: "عايزة تبلغي عن نفسك ياروح آدم وعمره؟
ابتسم عندما لاحظ جمودها وفمها المفتوح، وأخذ يسحب الهاتف من يدها برفق. لم يتوقع منها كل ردة الفعل هذه. لم يتوقع أن يراها غاضبة لهذه الدرجة، حتى أنه لم يتوقع أن تقوم بالتبليغ عن نفسها، فهو لم يكن ليبلغ عنها إطلاقاً. إنه لا يستطيع أن يفعل لها شيئاً بهذا السوء، ولو أراد ذلك. فقلبه سوف يوقفه حتماً. لقد كان يريد منها الاعتراف فقط بلعبتها، وسوف يسامحها. لكن بالنظر إلى ردة فعلها الصادمة قبل قليل، لقد أصبح متأكداً، بل موقناً، أنه لا علاقة لها بالموضوع. لقد تسرع...
كان عليه أن يفكر قبل الحكم عليها، كما كان يفعل دائماً. لكن لما تكون ردات فعله مختلفة عندما تكون هي الموضوع؟! ليلى وهي تعود لعصبيتها، متجاهلة جملته السابقة، والتي كادت أن تجعلها تقع أرضاً من فرط مشاعرها: "إه عايزة أبلغ! أعطيني تيليفوني لشوف! وضعه آدم في جيب بلوزته، فهو يعمل أنها لن تتجرأ وتمد يدها عليه. نظرت إليه بحدة، فابتسم: "مش حتبلغي ياليلى! ليلى بعصبية: "وليه إنشاء الله؟
مش إنت كنت عايز تعمل كده قبل شوي، إيه اللي غير رأيك؟! ثم تابعت بصدمة: "أوعك تكون مفكر إني رح أخلي إحساس بتأنيب الضمير وأعترف. أنا ضميري كويس، ولو فضلت تمدح في الصبح!! آدم بقلة حيلة وهو يعيد شعره للخلف: "تانيب ضمير إيه؟ ... أقول إيه بس ياليلى؟ هو أنا قلت ما صدقتكش؟ قمتي تصيحي؟ قلت صدقتك، كذبتيني." ليلى: "بس ليه غيرت رأيك فجأة؟! ثم تابعت بسخرية حزينة: "مش كنت واثق إني بنتقم منك لأنك طردتني المرة اللي فاتت... وإني...
قاطعها بنفاذ صبر وقال: "غيرت رأيي لأني بحبك! غيرت رأيي لأني عرفت إنك استحالة تكوني كده! غيرت رأيي لأنه عرفت أنا مين وعرفت البنت اللي بحبها مين! عرفتي غيرت رأيي ليه؟! ليلى بصدمة: "بتحبني؟! آدم وهو يبتسم بحنان لتلك التي ملكت قلبه وقلبت موازينه رأساً على عقب: "إه بحبك، وبحبك أوي برضو." ثم تابع بجدية: "إنتي ماشفتيش إزاي كنت رح أجنن لما فكرت إنه تكون حصلتلك حاجة مش كويسة."
ثم نظر بعينيها وتحدث بثقة: "لهيك استحالة اسمح إنه ده يتكرر. استحالة اسمح إنه تحصلك حاجة ياليلى. حتى لو كنتي إنتي اللي عملتيها، استحالة كنت أبلغ عنك، استحالة أعمل ده. فاهمة؟ مش عايز أعيش الألم والندم اللي حسيت بيه يوم ما رفضت إنك تدخلي وحرمتك من الحضور ده مرة ثانية بسبب مبدأ ملوش قيمة قدامك." لم تكن تتوقع سماع كل ذلك منه. لم تكن تتوقع أن يتحول حبها من طرف واحد إلى حب متبادل! آدم بحنان رغم
قلبه الذي كان يدق بقوة: "مش حتقولي حاجة ياليلى؟ رفعت أنظارها إليه فور سماع اسمها. منذ متى أصبح مميزاً هكذا؟ ربما لم يستطع آدم أن يميز بين حمرة خجلها وحمرة وجهها الباكي. لكنها الوحيدة التي كانت تعلم بدرجة حرارتها التي ارتفعت مرة واحدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!