الفصل 52 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم روز امين

المشاهدات
15
كلمة
5,012
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 58%
حجم الخط: 18

«لا تستهن بامرأة وقفت شامخة بمفردها أمام ريح عاتية كادت أن تقلعها لكنها صمدت، حاربت وهي عزلاء بكل ما تمتلك من قوة ورفضت الرضوخ والاستسلام أمام جبروت البشر، فما بالك وهي قوية مستندة بظهر سيد الرجال وأقواهم وأرجحهم عقلًا، فهل ستهرب من المواجهة! هيهات.» "إيثار الجوهري"

لأول مرة يحدثها بتلك الطريقة الفجة، وما زاد من سوء تصرفه أنه تم أمام جمع ليس بالقليل من كبار موظفي الشركة، احتدم داخل "أيهم" غيرة على شقيقته، ولولا نظراتها التي صوبتها إليه وطالبته من خلالها بضبط انفعالاته، لهب واقفًا وأسرع مهرولًا ليسدد له سيلًا من اللكمات والصفعات على ما اقترفه من خطأ بحق شقيقته.

تمالك من غضبه بإعجوبة، أما هي فابتسمت ببرود أثار ريبة ذاك المتعجرف وجعلته يتطلع إليها متفحصًا تلك الابتسامة المستفزة، تحت استغراب واستنفار كلًا من الموجودين لما يحدث ولتلك الطريقة غير اللائقة التي يتبعها ذاك الحانق بتلك التي ترأسه.

قطع خيط تفكير الجميع صوت هاتفها الذي صدح بالحجرة لتمسكه وتستمع دون رد تحت استنفار الجميع وانتظارهم الأخبار بقلوب متلهفة، سوى ذاك الخائن "عزت البنداري" الذي يجلس مطمئنًا بفضل خسته وتسريبه كالعادة للمعلومات الخاصة بالمناقصة. أغلقت الهاتف ثم نظرت لمديرة مكتبها وتحدثت: -أستاذة عالية أومأت المرأة برأسها وتحركت صوب الباب بطريقة توحي لاتفاق سابق بينهما، فتحت الباب لتشير لمن يقف خلف الباب قائلة: -اتفضل.

صوبت جميع الأعين نحو الباب فولج رجلًا فارع الطول يرتدي حلة سوداء ترتسم الجدية على ملامحه الصارمة. لم يتعرف عليه أحدًا من السادة الجالسين لذا تعجب جميعهم، أعقبه الدخول السيد "موافي" المسؤول عن غرفة تحكم ومراقبة كاميرات المراقبة. ارتبك "بسام" وبات يتحرك بعدم راحة فوق مقعده، تبادلا النظرات هو وذاك الـ "موافي" ليطالعه مستفسرًا بنظرات فهم مغزاها الرجل فبادله بأخرى معناها أن لا علم له بما يجري.

قطع وصلهما صوت تلك القوية التي نطقت بصوت قوي ثابت وهي تشير للرجل: -أهلًا يا أستاذ "حازم"، اتفضل شوف شغلك. أومأ برأسه بهدوء كتحية منه ثم تحرك صوب شاشة العرض المعلقة بالحائط والمخصصة لعرض صور المشاريع المستقبلية من خلالها، أو أي شيء خاص بالعمل، وبدأ بتوصيلها بجهاز الحاسوب الخاص به ثم أخرج "فلاشة" كانت بجيب معطفه العلوي وأدخلها بالجهاز. خرج صوت "بسام" غاضبًا ممتزج ببعض الرجفة مما بات يخشاه:

-هو فيه إيه يا أستاذة، مين الراجل ده وإيه اللي بيعمله هنا؟! واستطرد منفعلاً: -وإزاي حد يدخل علينا أوضة اجتماع خاص وبدون علمي وإذني؟! أخذت نفسًا عميقًا كي تتحكم بانفعالاتها أمام ذاك المنفعل الذي أصبح يعاملها بقسوة وحدة أمام الجميع دون مراعاة مركزها ومكانتها سواء العملية أو العائلية، وذلك بعدما بدأ بفقد السيطرة على ضبط النفس، لتنطق بابتسامة زادت من استفزازه وتوتره: -أكيد هعرف حضرتك عليه يا أستاذ "بسام". واسترسلت

بجدية وكأنها تحولت: -بس الأول خليني أقول لكم على الخبر المنتظر. باتت توزع نظراتها الثاقبة بين الجميع لتكمل مسترسلة: -مبروك علينا المناقصة. وكأن ببضع الكلمات التي ألقتهم من فمها قد سحبت الأكسجين من الغرفة بالنسبة لـ "بسام"، هلل الجميع سرورًا وبدأوا يهنئون حالهم ماعدا "عزت"، فقد تصبب العرق من جبهته وبصعوبة ازدرد ريقه وكأنه يصارع الموت ويلفظ أنفاسه الأخيرة. خرج صوت بسام مرتبكًا وهو يسألها مترقبًا:

-هي المناقصة رسيت علينا إزاي؟! رفعت حاجبها لتجيبه مستنكرة: -يعني إيه إزاي، مش فاهمة ليه الاستغراب؟! برغم غضبه إلا أنه استطاع التماسك ليجيبها بابتسامة ساخرة: -يمكن اتعودت علشان أخر مناقصتين اللي أخدتهم شركة الصخرة بمنتهى السهولة والسذاجة مننا. قطعت جملته الأخيرة بحدة امرأة قوية صارمة تعلم جيدًا ماذا تفعل:

-إنك تخسر بعض المعارك ده شيء لا يعيبك على الإطلاق، العيب إنك تنبطح وتتقبل وضعك بمنتهى الاستسلام، والعيب الأكبر إنك تسيب نفسك محبوس جوة دايرة مقفولة عليك وتفضل تلف جواها زي التور اللي مغميين عيونه، لازم تثور وتشيل غمامة عيونك وتدور على المخرج. لتكمل بمغزى عميق وهي تترصد نظراته الزائغة: -بس عارف إيه هي الخسارة اللي لا يمكن تخطيها يا باشمهندس، الخيانة. -قصدك إيه؟! ...

جملة خرجت بصعوبة من جوفه تحت مراقبة أيهم لتعبيرات ملامحه ونظراته المرتعبة. ابتسامة ساخرة كانت كفيلة بالرد عليه لتحول نظرها على ذاك الجالس حيث يرتعب داخليًا من رد فعل تلك السيدة اللبنانية الحادة الطباع عندما يتقلب مزاجها. وجهت حديثها للجميع: -الوقت هنشوف كلنا قصدي إيه. الجميع في حالة استنفار وترقب ينتظرون رؤية ما سيشاهدونه من خلال الشاشة المعلقة وما تحمله تلك الـ "إيثار" من مفاجآت، قاطعت شرودهم بصوتها القوي وهي

تشير للرجل بشموخ ورفعة: -اتفضل يا أستاذ "حازم"، شغل الفيديو وخلينا نتفرج على الخيانة في أبشع صورها. مال بإيماءة بسيطة من رأسه ثم ضغط على زر التشغيل، وبلحظة ظهر "عزت البنداري" وهو يترجل من سيارته أمام مبنى ضخم تظهر عليه لافتة كبيرة مكتوب عليها بالنص «شركة الصخرة للاستيراد والتصدير»، انتفض جسد الرجل لدرجة أنه أوشك على لفظ أنفاسه الأخيرة، وقد توجهت جميع الأعين صوبه والشك والاستغراب يملأ جميعها، تحرك الرجل للداخل واختفى.

عودة لما قبل سبعة أيام من الآن، كانت تجلس تلك الـ "رولا" خلف مكتبها الفخم، ولجت مديرة مكتبها لتخبرها: -مدام رولا، أستاذ عزت البنداري وصل وطالب يقابل حضرتك. أشارت لها بإيجاب فولج الرجل ليلهث وهو يتفحص جمالها الخلاب بداية من شعرها الأصفر لزينة وجهها الصاخبة والتي تدل على جرأتها كامرأة جميلة تهتم بحالها، تحدث بعينين زائغتين: -مساء الخير يا هانم.

أشارت بكفها وهي مستندة للخلف واضعة ساقًا فوق الأخرى، تحرك مقعدها يمينًا ويسارًا بخفة: -أهلًا وسهلًا فيك، اتفضل. جلس ثم أخرج الورقة التي بحوزته وتحدث: -دي الورقة اللي فيها كل المعلومات الخاصة بالمناقصة والأسعار اللي قدمتها شركة الزين للهيئة. مالت بجذعها لتلتقط حقيبة جلدية من اللون الأسود كانت بجوارها ثم تحدثت وهي تناوله إياها: -كتير حلو، وهيدا المبلغ يلي اتفقنا عليه من قبل.

هب واقفًا واختطفها من يدها ثم فتح سحابها وبات ينظر للمال بلهفة مفرطة أظهرت جم حبه للمال مما جعل السيدة تطالعه باشمئزاز وتقليلًا لشأنه، أغلق الحقيبة ثم نظر إليها وتحدث متلهفًا: -عقبال فلوس الصفقة الجاية يا هانم، والمرة الجاية المبلغ هيكون أكبر. واستطرد بجشع ظهر بينًا بعينيه: -حضرتك عارفة الأسعار بترفع كل يوم. أجابته بجدية:

-ما عندي مشاكل بهالموضوع، أهم شي بالنسبة لإلي هو الإخلاص، وطول ما أنت مخلص، راح تاخد اللي بدك إياه. أومأ لها بطاعة وأخذ الشيك وخرج من الشركة ومازال السيد حازم يتابع تصويره توثيقًا لخيانته ومدى خسته. عودة لغرفة الاجتماعات: تصنم الجميع مما رأوه لتنطق وهي تصوب نظراتها باتجاه ذاك الخائن: -وبكده يبقى عرفنا مين الشخص الخاين اللي بينا. تهته بالحديث ليقول: -أستاذة إيثار أنا، أنا. -أنت إيه....

قالتها بعينين تطلق شزرًا، ثم هبت واقفة لتدب على سطح الطاولة وهي تقول بحدة أرعبت الجميع: -إنتِ خاين وحقير يا عزت، بعت المكان اللي بقى لك سنين فاتح بيتك منه وخونت الناس اللي وثقت فيك وأمنتك على أسرار شغلها. رفعت كتفيها لتكمل متعجبة: -وكل ده ليه؟ علشان شوية فلوس جاية من طريق قذر. نطق بخزي وجسده منتفض: -الشيطان كان أشطر مني يا أستاذة، سامحيني وإعفي عني علشان خاطر ولادي الصغيرين.

-دي نفسك الضعيفة الأمارة بالسوء هي اللي غلبت عليك يا خاين... قالتها باشمئزاز ثم انتقلت ببصرها إلى موافي الذي انتفض جسده أكثر لتتابع بابتسامة ساخرة: -ها يا أستاذ موافي، مش هتقول لنا إديت لمين تسجيل العشر دقايق اللي اتقصوا من تسجيلات الكاميرات بتاعت الشركة؟!

التفت على الفور إلى "بسام" الذي ألقى له تحذيرًا حادًا من عينيه بألا يتحدث، ولأنه يعلم مدى ضعفه أمام سلطة "بسام الزين" قرر الصمت والنأي بحاله من براثن ذاك الذي قام بتهديده من قبل وهدده بأنه سيفنيه من العالم إذا خرج ذاك السر من بينهما. تحدث بهدوء بصعوبة بالغة استدعاه لينطق متنصلًا: -أنا مش فاهم حضرتك بتتكلمي عن إيه يا أستاذة إيثار!

عندما ساورها الشك بشأن خسارة الشركة لمناقصتين متتاليتين، قامت باستدعاء شركة أمن خاصة وطلبت منها تتبع شركة الصخرة ومتابعة ما إذا كان أحد موظفي شركة الزين يلتقى بأحد مسؤولي الأخرى أم لا، وأيضًا استدعت خبيرًا بالكاميرات لاكتشاف الخائن من خلال تسجيلات كاميرات المكاتب أو العثور على ثغرة تهديهم إلى الحقيقة، أبلغها المتخصص الذي ولج متخفيًا ليلًا إلى الشركة بمساعدة رجال الأمن حيث أخذوا الأمر منها شخصيًا، وتسلل إلى غرفة المراقبة وللأسف لم يعثر على أي خيط يتتبعه للبحث عن الخائن، لكنه اكتشف قطع عشرة دقائق من التسجيل الخاص بمكتب عزت، ومن هنا طلبت من الرجل تكثيف مراقبته، هتفت بحدة بعدما تأكدت من شكوكها أن

لبسام يد باختفاء التسجيل: -بتكلم عن تسجيل الجزء الخاص بإدانة "عزت". وأكملت: -اللي اتحذف واتسلم لحد بعينه؟ هنا تطلعت إلى "بسام" الذي لعنها بأفظع السباب بسريرته، لتتابع هي: -أحسن لك تطلعه بالذوق بدل ما أبلغ البوليس وييجي هنا يخليك تخرجه غصب عنك. -بوليس إيه يا هانم، أنا هقول على كل حاجة، بس بلاش تدخلي البوليس...

كلماته قالها بذعر ليقاطعه بسام الذي تحدث بعدما شعر بخسارته تقترب بل ومعه فضيحة كبيرة من الصعب محوها لو أزيح الستار عن الحقائق أمام الجميع: -إحنا محتاجين نتكلم لوحدنا شوية يا أستاذة إيثار. أشارت بكفها نحو الخارج: -إتفضل على مكتبي. وقف أيهم بعدما قرر مساندة شقيقته لتشير هي له بالتوقف: -خليك مكانك يا أستاذ "أيهم".

فبرغم شكوكها بأن بسام وراء ما يحدث أو على الأقل له يد، إلا أنها أرادت أن تحافظ على ماء وجهه وحفظ كرامة العائلة حتى أمام شقيقها. ولجت بصحبته إلى المكتب لتنطق بحدة: -أنا سامعاك، إتفضل فسر لي. -أنا اللي خليت موافي يقص التسجيل ويدهولي... قالها بشموخ وأكمل بمراوغة وهو ينفي شكوكها به:

-بس مش علشان أداري على عزت ولا أأذي الشركة زي ما وصل لك وحسيته من نظراتك ليا، أنا عملت كده علشان أحتفظ بيه قبل ما غيرنا يشوفه ويعرف إني كشفت عزت وبراقبه. رفعت حاجبها مستنكرة ليهتف هو مؤكدًا بزيف: -هو أنتِ فاكرة إن مفيش غيرك تهمه مصلحة الشركة وبيخاف عليها ولا إيه؟! أنا كمان كنت جايب واحد وممشيه ورا عزت. نطقت بما أربكه: -ولما حضرتك ممشي وراه حد، إزاي مكتشفتش تردده على شركة الصخرة؟!

أجاب سريعًا بعدما وجد مخرجًا لا يقنع عقل طفلًا: -الراجل كان عنده ظروف اليوم اللي عزت راح شركة المنافسين، مراته كانت في المستشفى بتولد، واتصلوا عليه وراح لها. -حمدالله على سلامتها، إبقى فكرني أبعت كادو باسم الشركة للمولود... وأكملت متهكمة: -هو ولد ولا بنت؟! أصلها بتفرق. استشاط داخله من حديثها المهين ليهتف غاضبًا بعدما فقد السيطرة على هدوئه: -هو حضرتك بتتريقي ولا إيه يا أستاذة؟! -العفو يا باشمهندس...

قالتها بملامح ساخرة لتتابع بحدة وصرامة بكلمات تحذيرية مبطنة: -بس ياريت تخلي بالك من رجالتك اللي بتختارهم بعد كده، ومتقلقش على الشركة، لأنها في عهدة إيثار الجوهري، مرات سيادة المستشار فؤاد علام. واسترسلت بقوة: -أصحابها سلموني إدارتها أمانة. وأكملت بإصرار: -وأنا عمري ما أفرط في الأمانة أبدًا. فهم مغزى تهديدها وسألها مستعلمًا: -هتعملي إيه مع "عزت"؟! أجابته بصمود وهي تبسط كفها إليه: -إديني التسجيل والباقي سيبه عليا.

تنفس ليكظم غيظه، ثم أخرج جواله المحمول وبعث لها التسجيل، بعد قليل كانت بغرفة الاجتماعات من جديد، وقفت بشموخ أمام الجميع لتنطق بحدة لرجال الأمن الخاصة بالشركة بعدما قامت باستدعائهم: -خدوا الخاين ده وحطوه في أي مكتب على ما البوليس يوصل. بات يصرخ مستنجدًا ومتوسلًا إليها تحت نظرات الجميع المتعجبة من قوة تلك المرأة التي لم تهتز وذاك المشهد العجيب، حولت بصرها لذاك الموافي المرتعب وتحدثت:

-إنت مرفود يا موافي، ومش بس كده، هيتكتب في استمارة إقالتك إن السبب هو خيانة الأمانة وتعريض الشركة للأذى والضرر، وإبقى وريني بقى أي شركة هترضى تشغلك مع سجلك الأسود ده. ثم تبادلت النظرات بينه وبين بسام وتابعت بمغزى عميق: -واحمد ربنا إني عاملة اعتبارات لأمور خاصة مرتبطة بسمعة الشركة والعيلة، وإلا قسمًا بربي ما كنت خرجت من هنا غير على السجن زيك زي الخاين عزت. نطق بعينين تكاد تبكي من شدة الندم:

-أستاذة إيثار أرجوكِ، لازم تسمعيني وتعرفي اللي حصل بالتفصيل، أنا مليش ذنب في اللي حصل. وصرخ وهو يوجه حديثه إلى بسام: -أنا جبت التسجيل وسلمته للباشمهندس زي ما طلب مني، وكنت فاكر إنه هيقول لحضرتك بس هو قال لي.... قاطعه بسخط مرتبك كي لا يفصح عن ما تم حياكته بينهما ويظهر تضليله لها: -اخرس يا موافي، الأستاذة إيثار عارفة كل حاجة حصلت بالتفصيل. وتابع بزيف كي ينفي عنه تهمة التواطؤ للضرر بمصالح الشركة:

-وعارفة إني أخدت التسجيل علشان ميوقعش في إيد عزت وياخد باله ويحرص، وعارفة كمان إني كنت براقب عزت علشان أكشفه. رمقته باشمئزاز ثم تحدثت إلى "موافي": -روح على الحسابات علشان يسلموك باقي مستحقاتك يا موافي، أنا مبلغاهم بكل حاجة. وتابعت متهكمة: -المبلغ ده علشان يعينك على الحياة لحد ما تلاقي محل كشري، ولا صاحب عربية فول وطعمية واقفة على ناصية شارع يرضى يشغلك من غير ما يشوف السي في بتاعك. وأكملت:

-يا خسارة يا موافي، ضيعت نفسك بسكوتك عن الحق وصمتك المخزي وإنتَ شايف المكان اللي فاتح بيتك بيخسر واحتمال ينهار، دي كانت قرصة ودن ليك ويارب تتعلم منها وتخلي ضميرك دايمًا صاحي. وتابعت بصدق: -إنتَ أكتر حد صعبان عليا في الموضوع ده كله، على الأقل عزت قبض تمن خيانته فلوس، لكن إنتَ خنت بدون مقابل. خرج موافي لتنطق وهى تنظر للجميع: -كلنا شوفنا بعيونا نهاية الخيانة وجزائها عندي بيكون إيه؟ واسترسلت بقوة

لتبث داخل أرواحهم العزيمة: -من النهاردة عاوزة عيون الكل مفتحة، كلنا هنبقى إيد واحدة ومهمتنا الأساسية هي تدمير شركة الصخرة، من هنا ورايح هيشوفوا رد شركة الزين بيكون عامل إزاي على كل اللي يتجرأ وييجي علينا، واحدة بواحدة والبادي أظلم. صفق لها الجميع وأظهروا دعمهم بالهتاف تحت نار قلب بسام المشتعلة.

خرج الجميع ليلقي "بسام" نظرة ساخطة عليها قبل أن يخرج، بادلته إياها بأخرى متحدية، ذهبت هي الأخرى إلى مكتبها بصحبة "أيهم" الذي اقترب منها متحدثًا بعدما قصت عليه ما حدث: -لازم تبلغي فؤاد وسيادة المستشار على اللي عمله "بسام"، ده إنسان غبي وكان هيضيع الشركة بحقده، لازم يتعاقب يا إيثار. -أكيد هبلغ فؤاد... قالتها لترتمي فوق مقعدها بإرهاق محاربة. بمكان آخر بمدينة "ستراسبورغ" المتواجدة بدولة "فرنسا".

داخل منزل فخم يوحي بثراء ساكنيه، انتفض من مقعده كالملسوع ليهتف بحدة مستنكرًا بعينين غاضبتين وهو يتحدث عبر الهاتف: -إنتِ بتقولي إيه يا "لارا"، وإنتِ كنتي فين، وإزاي تسمحي بحاجة زي دي تحصل؟! -حياتي فيك تهدى بليز... قالتها لتستدعي هدوءه ليصيح الآخر وهو يسحب شعر رأسه للخلف بجنون يكاد أن يقتلعه من جذوره: -أهدى إيه وزفت إيه بعد ما إيثار علمت عليكِ إنتِ ورجالتك الهبل دول.

برغم غيرتها المرة وشعور الغليان الذي يصيبها عندما تستمع لذكر زوجها لحروف اسم تلك الغريمة لكنها استطاعت ضبط النفس لأبعد الحدود لتنطق بإبانة: -بليز فيك تهدى، وأنا زيي زيك بالزبط، مابعرف شو يلي صار لحتى تطير هالمناقصة من ايدينا، المحامي كان كتير مطمني ومأكدلي إنو هالمناقصة ما راح تطلع من بين إيدينا. واسترسلت موضحة: -وهيداك الموظف يلي اسمه عزت، جبلي الفايل تبعن يلي فيه كل المعلومات اللي قدموها. صاح بسخط غاضب:

-واضح يا هانم إن الموظف عميل عندها ولعب عليكِ إنتِ والمحامي الأهبل بتاعك؟! أجابته باقتناع: -يلي عم تحكيه مش مزبوط وما ممكن يكون حقيقي، هايدي مانا أول مرة بنشتغل فيها مع هالزلمة، بترجاك حياتي تهدي حالك وأنا راح أتصرف. واسترسلت وهي تنظر أمامها بتوعد: -شكلي ماعرفت أقيم هالمرة منيح، لكن بوعدك راح فتح عيوني أكتر من هيك، والضربة الجاية بتكون القاضية لإلها. تحدث بصوت مهزوم: -إقفلي يا لارا، أنا متضايق ومش قادر أتكلم. -أوك...

قالتها باستيعاب لغضبه لتكمل: -راح اتركك هلا وبنحكي بعدين.

أغلق هاتفه وباتت شياطين العالم تتراقص أمام عينيه، للمرة التي لا يعلم عددها تفوقت عليه إيثار، بات داخله يغلي من شدة غضبه، فقد عزم الأمر على تدمير تلك الشركة التي تديرها ليثبت للجميع فشلها لعل عائلة زوجها وهو أولهم يغضبون عليها ويسخطون، ولعل الأمل يتجدد داخله بتطليق زوجها لها، فبرغم زواجه بأخرى جميلة ومنمقة وسيدة مجتمع من الطراز الأول، إلا أن مازال لعشقها داخله مكانًا لم تطأه قدم إحداهن إلى الآن.

تذكر أفضال زوجته الكثيرة عليه، حين سافر إلى فرنسا بعد حادث القبض على شقيقه، قابلها بعدما كان تائهًا بين طرقات المدينة، يلهو هنا وهناك ويرتمي داخل أحضان النساء عله يستطيع نسيان ما حدث له ولعائلته من تشريد، إلى أن قابلها فغيرت مجرى حياته بالكامل بعد أن أوقعها سلطان العشق في غرام ابن البنهاوي، فقد كان وسيمًا للغاية، جذبها بعفويته وتأذت لتيهته وشروده فقررت أن تساعده، بالفعل أخذت بيده وأدخلته لعالمها، انجذب له أبيها بعدما

علم ضخامة ثروته التي جمعها من مال الآثار، وأيضًا ما لم يعلمه الجميع ويعلمه هو عن وجود مقبرة ضخمة كان والده يضع بها مجموعة هائلة من الآثار ويخبئها للزمن، ولم يأمن أحدًا على سره سوى ذاك المدلل "عمرو"، حتى إجلال بذاتها لم تكن على علم، عندما تقرب من والد لارا وأمن له صرح له بسره العظيم، تحرك الرجل بعلاقاته المتعددة وقاموا بإخراج تلك الآثار وتهريبها خارج البلاد مما جعل الأموال تهطل عليهم كالأمطار الغزيرة، تقاسم هو والرجل

تلك الأموال وبدأوا باستثمارها فزادت وتكاثرت بشدة، تزوج بعدها من لارا وأنجب ابنته نور وسليم الذي أسماه على اسم أبيها الذي ساعده كثيرًا ومده بالقوة لما له من نفوذ بحكم علاقته برجال خارجين عن القانون.

استمع إلى رنين الهاتف فرفعه لمستوى عينيه وجد غاليته الحبيبة، أخذ نفسًا عميقًا لينطق بهدوء: -أزيك يا ماما. على الجانب الآخر، هتفت إجلال بفرحة وهي تتحرك بوسط غرفتها التي أغلقتها عليها جيدًا كي لا يستمع أحد ويعلم بأمر صغيرها: -إزيك إنتَ يا حبيبي، وحشتني يا "عمرو". -إنتَ كمان وحشتيني قوي يا ستهم... نطقها بتلقائية لتتسع عينيها وهي تنطق بحنين:

-ياه يا عمرو، الاسم ده كنت خلاص قربت أنساه، لحد ما كلمتني إنتَ من كام شهر وفكرتني بيه. وأكملت تنتحب بحسرة على مجدها الزائل: -ستهم اللي الكل كان بيعمل لها ألف حساب ويتهز لاسمها رجالة بشنبات، شافت ذل بعمرها كله من أهل الكفر، الصغير قبل الكبير هانها وشمت فيها. نزلت كلماتها على قلبه كجمرات من لهب ليهتف بفحيح من بين أسنانه:

-وحياة هيبتك لأجيب لك حقك من كل اللي جم عليكِ يا ستهم، وهوقفهم لك صف ورا بعض، يميلوا ويبوسوا رجلك علشان ترضي عنهم وتسامحي. شعرت بانتشاء لتأخذ نفسًا مطولًا وهي تقول: -إمتى بس يا "عمرو". -قريب، قريب قوي... قالها وهو ينظر أمامه بتعمق وابتسامة نصر ترتسم على محياه.

داخل منزل حسين البنهاوي، عاد من العمل الجديد محملًا بأكياس مليئة بالخضروات والفاكهة والحلوى لإدخال السرور على قلب عائلته وتعويضًا لما عانوه معه وتحملوا الصعاب وهم صامدون، فتح الباب وولج يهتف بصوت لاهث من ثقل حمل الأكياس وصعود الدرج بهم: -مروة، إنتِ فين يا مروة. خرجت مسرعة من المطبخ وهي تجفف كفيها بالمنشفة لتتفاجأ بما يحمله، هرولت إليه لتحمل عنه وهي تسأله بسعادة ظهرت بابتسامتها: -إيه اللي إنتَ جايبه ده كله يا حسين؟!

تحدث بابتسامة وهو يضع ما تبقى من أكياس على تلك الطاولة الصغيرة: -قولي ماشاء الله علشان ربنا يزيد الخير يا مروة. نطقت بابتسامة: -ماشاء الله يا سيدي، بس هو يعني أنا هحسدك يا حسين؟! -قالوها أهالينا زمان، ما يحسد المال إلا أصحابه... قالها وهو يرتمي بجسده فوق الأريكة ليرتاح من صعود الدرج، لتنطق وهي تقلب بالأكياس: -الله أكبر، إيه ده كله. التفت يناظرها وهو يقول بامتنان:

-دي أقل حاجة علشان أعوضكم عن سنين الحرمان اللي عيشتوها معايا. تحركت لتجاوره الجلوس ثم تحدثت بعينين عاشقتين لرجلها: -متقولش كده يا حسين، وجودك معانا سالم غانم أكبر نعمة في حياتنا، وإنتَ عمرك مقصرت معانا في حاجة. -إنتِ جدعة وبنت أصول واتحملتيني يا مروة، ما عندك ياسمين مرات طلعت أخويا، أول ما اتقبض عليه رفعت قضية خلع وطلقته، ده غير عياله اللي وخداهم ومش عارف يشوفهم من يوم ما خرج. أجابته بعدما وقفت وتحركت لتفتش

من جديد داخل الأكياس: -صوابعك مش زي بعضها يا أبو أحمد، الله أعلم بظروفها، مش يمكن يكونوا أهلها هما اللي غصبوها على الطلاق. طالعها باعتراض: -وأهلها كمان اللي خلوها تعمل لتليفونك حظر؟! ثم استرسل بامتنان يفيض من عينيه: -كل واحد أصله بيظهر في وقت الشدة يا مروة، وعندك إيثار أكبر مثال على كلامي. نطقت بنبرة سعيدة: -الله يكرمها ويبارك لها في عيالها، ويزيدها خير زي ما كانت السبب في توسيع رزقنا.

-عندك حق، لولاها كان زمانا على حالنا... قالها بحزن متأثرًا فنطقت كي تخرجه من تلك الحالة: -سيبك من ده كله وقوم غير هدومك على ما أجهز الغدى. وأشارت بكفها بانتشاء: -ده أنا عاملة لكم شوية ملوخية خضرا على فرخة ورز بشعرية إنما إيه، هتاكلوا صوابعكم وراهم. -هما الولاد جم من برة؟ ردت عليه نجلته الكبرى وتدعى "حنان" حيث خرجت من غرفتها المشتركة مع شقيقتها الصغرى "تقى":

-أنا جيت من الجامعة بقالي نص ساعة يا بابا، يا دوب غيرت هدومي، وأحمد تحت بيجيب كيس سكر من المحل، وتقى اتصلت وقالت إنها جاية في الطريق. أجابها بحنان: -حمدالله على السلامة يا حبيبتي، يلا بسرعة جهزي الغدى علشان تدخلي مع أمك إنتِ وأختك وتعملوا لنا عشا محترم، أصلي اتصلت بيوسف وزينة ولاد عمك علشان ييجوا يتعشوا معانا النهاردة. نطقت مروة بصوت معترض: -إخص عليك يا حسين، طب كنت قول لي من الصبح علشان أنضف الشقة كويس.

أجابها مستنكرًا: -مالها الشقة يا مروة، مهي زي الفل أهي، يلا جهزوا الغدى هموت من الجوع. داخل جامعة القاهرة. كانت تتحرك داخل رواق صغير بالحديقة الخلفية للجامعة، بعد أن خرجت من الحمام الخاص بالفتيات وكانت بطريقها المؤدي لقاعة تلقي المحاضرات، قطع طريقها ذاك الـ "مازن" وهو يقول بسخافة بعدما استغل هدوء المكان وعدم وجود مارّة: -على فين يا سندريلا، إنتِ مش ناوية تفكي وتخرجي عن صمتك ولا إيه؟! ارتبكت وتحدثت بتهتهة:

-وسع لو سمحت، خليني ألحق المحاضرة قبل الدكتور ما يدخل. مرر لسانه فوق شفته العلوية لينطق بغمزة وقحة وهو يقترب منها: -ما تسيبك من المحاضرة وتعالي أعزمك برة على حاجة نشربها ونتسلى سوى. تراجعت للخلف سريعًا وهي تصده: -سيبني في حالي الله يخليك. اقترب مرة أخرى قبل أن يقول بوقاحة: -اسمعي الكلام وتعالي معايا، صدقيني هتنبسطي. وأكمل مشيرًا لذاك اليوم تحت ضحكات صديقه "إياد" المستند على الحائط يشاهد ما يحدث بتسلٍّ بدون نخوة:

-هو أنا أه معنديش عربية بي إم دبليو زي الواد اللي إنتِ مصحباه، بس أعجبك. صرخت حين لمس كف يدها لتنطق بحدة: -والله لو مبعدت عني لأصوت والمّ عليك الجامعة كلها. رمقها بنظرات حادة ليهتف بسخط: -جرى إيه يا روح أمك، إنتِ هتعملي عليا شريفة وإنتِ مدوراها. وأشار لصديقه الذي صدحت ضحكاته المستهترة بحالة الفتاة: -طب قول لها إنتَ يا إياد، عرفها إننا شفناها مع الواد بتاعها وإن اللي بتعمله ده ممنوش فايدة.

-فيه إيه يا آنسة، الأستاذ بيتعرض لك ولا حاجة؟ قالها شاب في الفرقة الرابعة كان يمر من جوارهم ولاحظ هلع الفتاة ودموعها، هرولت تختبئ خلفه وهي تقول مستنجدة به: -أرجوك تبعده عني وتخليك معايا لحد ما أوصل لباب القاعة. تألم لحالة الهلع التي بدت عليها وبسرعة تحدث يطمئنها: -إهدي ومتخافيش، أنا جنبك ومش هسيبك. قطع حديثه ذاك المتهور الذي جذبها من خلف الشاب بحدة وتحدث بقوة وعينين تمتلئتين بالشر:

-خليك بعيد بدل ما تتأذي، وبعدين اللي إنتَ جاي تدافع عنها دي مدوراها ومصاحبة واد بعربية بي إم دبليو، يعني من الآخر كده هتضيع نفسك علشان واحدة شمال متستاهلش. -والله العظيم كذاب، اللي بيتكلم عنه ده يبقى يوسف أخويا... قالتها للشاب ثم استرسلت وهي تجذب ذراعها بقوة تحلت بها: -حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا بعيد، ربنا يدوقك من كاس الظلم اللي شربتني منه.

كاد الشاب أن يضحك على مظهرها وهي كالفرخ المبلول وحديثها الجديد عليه، لكنه نفض تلك الأفكار وتحرك إليها ليقف أمامها بجسارة ويقول: -يلّا يلّا منك ليه من هنا، روحوا إلعبوا بعيد، وإياك ألاقى حد منكم بيتعرض لها هي ولا غيرها. -وإنتَ مال أمك يا جدع... قالها وهو يدق بكفيه على صدر الشاب كتهديد بالابتعاد، ليتابع: -روح شوف نفسك رايح فين بدل ما أذيك.

دفعه الشاب بقوة تراجع على أثرها للخلف وكاد أن ينبطح أرضًا لولا يدا صديقه إياد الذي أسنده ليتابع الشاب بسخرية: -مالك يا ابني نافش لي ريشك كده ليه، ده إنتَ شبر ونص يلّا. ثم رمقه من قمة رأسه لأخمص قدميه وهو يقول ساخرًا من قصر قامته بالنسبة له: -أمال لو كنت طول بعرض كنت عملت فينا إيه؟! احدتت ملامح مازن بغضب ليتابع الشاب ناصحًا: -أنا هسيبك المرة دي علشان باين عليك غلبان وأبوك شارب المر علشان يعلمك. واستطرد:

-إنتِ شكلك جديد ولسه في سنة أولى ومتعرفش قوانين الجامعات وصرامتها، صدقني لو خدتك من إيدك الوقت وروحنا لعميد الكلية وحكيت له اللي حصل أنا وزميلتك هتترفد وقتي، ده غير الحبس. اتسعت أعين صديقه إياد لينطق مذهولًا: -حبس؟! أجابه الشاب: -أه يا حبيبي حبس، بتهمة التعرض لقاصر والتحرش بيها وفين، داخل الحرم الجامعي يا غشيم منك ليه، يعني محبوس محبوس. رمقه الشاب بحدة وتحدث بوعيد: -ماشي، هنتحاسب بس بعدين.

قالها وتحرك للأمام هو وصديقه ليصيح الآخر متهكمًا: -وليه بعدين يا حيلتها، ما أحنا فيها أهو، تعالى لو راجل وواجهني. مضى بطريقه دون رد ليلتفت الشاب متحدثًا باهتمام لتلك التي مازالت ترتجف: -إنتِ كويسة؟! بنبرة مرتعبة نطقت: -أنا متشكرة جدًا، إلهي ما يوقعك في ضيقة أبدًا ويسترك. -إنتِ منين؟ سؤال وجهه لها بعدما لفت انتباهه كلماتها التي لا تتناسب مع مظهرها وثيابها الثمينة، لتنطق هي متعجبة: -إشمعنا؟ -إنتِ هتخشي لي أفيه؟

قالها بمناغشة لتحزن وتنظر أسفل قدمها بعدما شعرت بسخريته مما أحزنه لينطق سريعًا: -زعلتي ليه كده، يا بنتي أنا بهزر، بنكشك علشان تفكك من الخوف ده. تطلعت إليه لتتعمق بمقلتيه البنيتين ليتابع من جديد: -إضحكي خلاص. ابتسمت بخفة ليكمل: -أنا اسمي رامي كمال، طالب تجارة بالفرقة الرابعة. ظلت صامتة ليحثها على التحدث قائلًا: -دورك. -دوري في إيه مش فاهمة؟! قالتها ببلاهة ليطلق ضحكة رجولية أثارت انتباهها ثم توقف ليقول:

-ده إنتِ مشكلة، شكلك خام قوي. ثم تابع مفسرًا: -أقصد اسمك إيه؟! أجابت بصوت خافت: -زينة، سنة أولى كلية علوم. طالعها ليبتسم قائلًا: -اسمك حلو قوي يا زينة، زي شكلك. ارتبكت لتسحب عنه بصرها بارتباك وتحركت للأمام لتقف متسمرة عند سؤاله: -إنتِ صحيح مصاحبة زي ما الولد ده قال؟! التفتت لتجيبه وهي تهز رأسها بارتباك ظهر عليها: -لا والله العظيم أبدًا، ده بيفتري عليا. -خلاص مصدقك من غير ما تحلفي...

أخرج بطاقة تعريفية واقترب منها ليبسط ذراعه قائلًا: -ده الكارت بتاعي وفيه رقم تليفوني، لو حد منهم ضايقك تاني رني عليا. رمقته بحزن وهي تتنقل ببصرها بين البطاقة وعينيه ثم التفتت لتسرع إلى الأمام دون نطق حرف واحد مما أصاب الآخر بالاندهاش من تلك الفتاة غريبة الأطوار التي أصابته بالفضول. عادت لمنزلها لتجد ذاك الثائر ينتظرها داخل الحديقة. وما أن رآها تترجل من سيارتها حتى أقبل عليها ليهتف غاضبًا:

-أهلًا بالهانم اللي معتبراني كيس جوافة في حياتها؟! ليصيح معترضًا على حديثه: -ده حتى كيس الجوافة ليه فايدة عني. ارتجف جسدها لتسأله بهلع بعدما اعتقدت حدوث شيء سيء لأطفالها: -إيه اللي حصل يا فؤاد؟ حد من الولاد جرى له حاجة؟ -اللي حصل عندك إنتِ يا مدام... قالها بصياح مرتفع أظهر كم غضبه ليتابع بحدة بالغة: -دايرة تخططي وتكوني فرقة مراقبة، وتطلبي البوليس، وكل ده في شركتي ومن ورى ظهري وأنا نايم على وداني زي المغفل.

استكانت قليلًا بعدما علمت سبب حدته لتنطق وهي تحتوي كفيه برعاية: -طب ممكن تهدى وتيجي معايا فوق علشان نعرف نتكلم براحتنا. نفض كفيها ليصيح بحدة تحت نظرات والديه اللذين خرجا على ارتفاع صوته الغاضب: -نتكلم في إيه يا أستاذة، ونتكلم بعد إيه؟! تساءل والده باستغراب: -فيه إيه يا سيادة المستشار؟! صوتك عالي ليه؟ هتف بنبرة أظهرت كم سخطه: -فيه إن الهانم مراتي شيلاني كزوج من حساباتها، وبتتعامل معايا كرئيسة مجلس إدارة للشركة.

واسترسل ساخطًا: -ده حتى دي مش عاملة لي حساب فيها. هتفت هي الأخرى دفاعًا عن موقفها: -وكنت عاوزني أعمل إيه يا سيادة المستشار، أجي أجري عليك وأستخبى في حضنك وأقولك إلحقني يا فؤاد. لتشيح بكفيها مستعرضة: -وأبقى فشلت في أول اختبار حقيقي ليا كرئيس مجلس إدارة الشركة، وأفقد احترام الموظفين ليا، وأفقد كمان ثقتكم اللي كلكم حطتوها فيا. ثم اقتربت عليه ونطقت في محاولة منها لامتصاص غضبه: -يا حبيبي إهدى من فضلك وخليني أشرح لك.

تطلع لملقيتها بجنون قبل أن يصيح بغضب أظهر ارتعابه عليها: -تشرحي لي إيه يا إيثار، هتقولي إنك دخلتي وكر العقارب برجليك من غير ما تبلغيني، إزاي تبقى فيه شركة بتحاربك ومجندة موظفين جوة الشركة ومتبلغنيش بمصيبة زي دي؟! -مكنتش عاوزة أشغلك يا فؤاد، أنا مقدرة جدًا ظروف شغلك ومنصبك الكبير. ضحك ساخرًا وبات يدور حول حاله بجنون وهو يجذب شعر رأسه للخلف، ليتوقف ويتحدث ساخرًا لأبويه: -سامعين الهانم مراتي بتقول إيه؟

هتف علام كي يعي نجله على حاله ويخرج من حالة الغضب تلك: -خلاص يا فؤاد، إهدى وخلينا نفهم اللي حصل من إيثار. وبدون مقدمات اقترب منها ليجذبها بقوة ويسكنها بأحضانه، ثم حاوطها بذراعيه ليشدد عليها بقوة كادت أن تفتت عظامها، وهمس بجانب أذنها: -إزاي قدرتي تعملي كده، تخبي عن حبيبك يا إيثار، ده أنتِ نايمة في حضني طول الليل. ابتعد قليلًا ليحاوط وجنتيها بكفيه وتابع بجنون العشق: -إفرضي أذوكِ، كنت هعمل أنا إيه وقتها؟

زادها الحنين عشقًا فوق عشقها الهائل له، وما شعرت بحالها سوى وهي تتلمس ذقنه النابتة بكفها قبل أن تقول بنبرة حنون وبعينيها حنان الدنيا بأكمله: -ما أنا قدامك أهو وكويسة يا حبيبي. ثم سألته: -بس أنتَ عرفت منين؟ رفع حاجبه وبنصف عين أجابها متهكمًا: -هي الهانم ناسية هي مرات مين ولا إيه؟! أما عن الزوجان الواقفان يشاهدان بتعجب لما يحدث، فقد نطق علام بمداعبة بعدما قرر تلطيف الأجواء:

-أنا بقول تاخد مراتك وتطلع أوضتكم بدل ما أتصل ببوليس الآداب ييجي يلمكم ويمشي. قهقهت عصمت وتحدثت: -والله عندك حق يا سيادة المستشار، ابنك ومراته اتجننوا على كبر، بعد ما كان بيزعق وخارب الدنيا، فجأة أخدها في حضنه وهاتك يا كلام حب وغرام. جلست وقصت عليهم ما حدث لينطق علام متأثرًا: -أنا مش قادر أستوعب إن بسام يعمل كده. أجابته عصمت بتعقل: -الغيرة تعمل أكتر من كده يا علام. حك فؤاد ذقنه وتحدث:

-اللي أهم من موضوع غيرة بسام وتصرفه هي الشركة دي، مين صاحبها وليه قاصدنا إحنا بالذات من وسط سوق العمل كله؟! أجابته بما تراه من وجهة نظرها: -ولا قاصدنا ولا حاجة يا فؤاد، الموضوع أبسط من كده، الشركة نازلة بتقلها في السوق، وأكيد هتحطنا في دماغها بما إننا المنافس الأكبر ليها في المجال. أشار بكفه معترضًا: -لا يا إيثار، أنا عندي إحساس إن الموضوع أكبر من كونها منافسة شركات. تنهدت عصمت لتقول باستغراب:

-أنا مش فاهمة الدنيا جرى فيها إيه، الطمع والجشع ملى قلوب الناس بشكل يخوف. أسرع الصغير إلى والدته ليحتضنها قائلًا بدلال وهو يتمسح بها: -مامي حبيبة قلبي. -يا روحي يا ملوك، وحشتني يا عمري. تحدث بملاطفة: -أنتِ كمان وحشتيني، يلا علشان تتغدي وتنامي في حضن بابي، وبعدين تصحي ونروح عند جو. مسحت فوق شعره بحنان ثم أجابته: -مش هينفع نروح لجو النهاردة، هو وزينة معزومين على العشا عند عمهم. وقف فؤاد ليحمل صغيره ويحتضنه وهو يقول:

-تعالى يا حبيبي علشان مامي تقوم تغير هدومها. لف الصغير ذراعيه حول عنق والده وسند رأسه فوق كتفه، ليلتفت فؤاد لخليلة الروح وتابع قائلًا: -يلا يا بابا علشان تغيري هدومك ونتغدى مع بعض. أومأت لتهب واقفة وتتحرك للداخل تحت نظرات ذاك الحبيب العاشق. ليلًا

كانت تجلس فوق مقعدها الهزاز بشرفة غرفتها الخاصة، دموعها تتساقط حزنًا وألمًا على ما وصلت إليه من حال بفضل عزيزَي عينيها، حبيبها ووالدها، تطاردها ذكرياتهما معًا طيلة الوقت، استمعت لبعض الطرقات الخفيفة فوق باب غرفتها لتهتف بصوت خافت بعدما قامت بتجفيف دموعها سريعًا: -اتفضل. اقتربت منها فريال وحاوطت كتفيها متسائلة بنبرة حنون: -قاعدة لوحدك ليه يا بوسي، تعالي أقعدي معايا أنا وفؤاد تحت في الجنينة.

-معلش يا مامي، أنا مرتاحة كده. تنهدت الأم لتتابع الفتاة بجدية: -مامي. تطلعت عليها لتسترسل الفتاة بعينين ذابلتين من شدة البكاء: -اتصلي بـ بابي وخليه يرجع، كفاية كده. تألمت وشعرت بوخزة شديدة هاجمت قلبها بضراوة، خرج صوتها متألمًا وهي تقول بنبرة عاتبة: -هو أنا كنت قولت له يمشي، ده زي ما يكون بيتلكك، راح قعد عند مامته ومن يوم اللي حصل مرنش عليا مرة واحدة. تنفست الفتاة بعمق وهي تقول:

-أنتِ عارفة إنه مكسوف من اللي حصل لي بسببه، أرجوكِ كلميه وخليه يرجع، بلاش تحسسوني بذنب أكبر، كفاية عليا اللي أنا فيه. وما أن نطقت كلماتها حتى انفجرت ببكاء مرير لتحتضنها الأخرى وتشاركها دموعها الحزينة. بمكان آخر

يقف بشرفة الردهة ينظر إلى السماء، داخله يتقطع ألمًا وقهرًا على الحبيب، يريد معرفة أخبارها، يتطوق شوقًا لرؤية وجهها والاطمئنان عليها، ينتظر يوميًا أمام جامعتها ينتظرها ليرى وجهها من بعيد ويطمئن بشوفتها، لكنها منذ ذاك اليوم لم تطأ ساقيها الجامعة ولا الشارع من الأساس، تنهد بألم ينخر بقلبه، استمع لصوت شقيقته وهي تقول بصوت حماسي يرجع لسعادتها لزيارة منزل عمها التي تربت بكنفه: -أنا جاهزة يا يوسف. التفت ليقول بفتور:

-يلا يا حبيبتي. اقتربت عليه ومسكت كفه لتقول بمغزى: -روح لها يا يوسف، قول لها إنك لسه بتحبها ومش قادر تبعد عنها، هي كمان واضح إنها بتحبك. أجابها بقلب ينزف دم: -مبقاش ينفع خلاص يا زينة، الشرخ كبر قوي بينا والمسافة بعدت. كادت أن تتحدث فقاطعها لينهي الحديث: -يلا علشان منتأخرش على عمك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...