حول تلك الطاولة الصغيرة بمسكن "حسين البنهاوي"، اجتمعت العائلة بصحبة يوسف وشقيقته التي توسعت ابتسامتها، وكاد قلبها أن يخرج من مكانه جراء سعادتها البالغة، تشعر وكأنها سمكة عادت للمياه بعد أن كادت تلفظ أنفاسها على الشاطئ. تحدثت مروة بحفاوة وهي تقوم بوضع الطعام داخل الوعاء الخاص بيوسف: -كُل يا يوسف ومتتكسفش، ده بيت عمك، يعني بيتك يا حبيبي. واسترسلت بملاطفة كي تحثه على الاندماج: -ولا يكون أكلي مش عاجبك ومكسوف تقول؟ أجابها
بوقار وابتسامة هادئة: -بالعكس يا طنط، الأكل طعمه حلو جدًا، تسلم إيد حضرتك. تطوعت زينة بالحديث بمرح على غير عادتها: -يوسف أكلته ضعيفة يا مرات عمي. واسترسلت بمشاكسة وهي تتطلع إلى شقيقها: -أصله رياضي ومبيحبش يتخن ويبوظ شكله. تنهدت تقى الصغيرة البالغة من العمر سبعة عشر عامًا وهي تنظر إليه بهيام مراهقة وتقول: -عنده حق، خليك كده يا يوسف وبلاش تتخن، كدة فيك شبه من الممثل أحمد عز. ابتسم بمجاملة وهو يقول: -متشكر يا تقى.
تحدث حسين إلى ابن شقيقه بحميمية، فهو يكن له الكثير من الحب بعيدًا عن مساعداته المادية له: -كل يا ابني واستمتع بنعمة ربنا واشكر فضله، الأكل ده متعة ونعمة من نعم ربنا، وطالما ربنا موسع عليك متحرمش نفسك، أنت لسه شاب وصغير. ابتسم وبدأ بتناول الطعام ليتحدث حسين إلى تلك الجميلة التي طالما اعتبرها ابنة ثالثة له وعاملها بما يرضي الله: -عاملة إيه يا زينة في كليتك؟! أجابته بابتسامة راضية:
-الحمد لله يا عمي، الدراسة كويسة وأنا اتأقلمت بسرعة معاها. مالت عليها جنة لتهمس بمشاكسة: -وأخبار مزز الكلية إيه، مفيش جديد، حاجة كده ولا كده؟ همست بعدما تصبغت وجنتاها باللون الأحمر خجلًا: -إيه الكلام اللي بتقوليه ده يا جنة، أنت عارفاني بردوا بتاعة الحاجات دي؟ ابتسمت الفتاة بشدة على خجل ابنة عمها المبالغ به لتقول بملاطفة: -عمرك ما هتتغيري يا زينة، هتفضلي زي ما أنت، بروطة في مشاعرك.
-مش عاوزة أتغير، أنا حابة نفسي كده، إطلعي أنت منها يا ست جنة. قالتها بنبرة جادة لتضحك الفتاة وهي تقول بمداعبة: -خليك لحد ما ييجي اللي يوقعك على بوزك، وساعتها هتيجي لحد عندي وتحكي لي. -مش هيحصل. نطقتها زينة وهي تنظر بمقلتي جنة بتحدي قابلته الأخرى بهزة رأس ساخرة، قطع همساتهما يوسف حيث نطق موجهًا حديثه إلى أحمد الذي يصغره بعام واحد: -أنت في كلية إيه يا أحمد؟ نطقت جنة تلك المشاغبة كي تلطف من الأجواء:
-لهو أنت كل ده متعرفش هو في كلية إيه يا يوسف؟! ده أنت ليك سنتين داخل طالع علينا. أجابها بابتسامة خافتة: -مجتش فرصة نتكلم في الموضوع يا جنة. -ولا يهمك يا هندسة. قالها أحمد ليتابع حديثه بملاطفة: -أنا يا سيدي في أولى حقوق حلوان.
وما أن نطق بكلمة "حقوق" حتى تزلزل قلب الآخر وكأن وقع الكلمة عليه أصبح مؤلمًا، فكلما ذكرت أمامه الكلية تذكر حلمه الضائع وكيف لحقت به جميع أحلامه بتسلسل مريب وسريع، بلحظة تذكر حبيبته البريئة، "وجعه" مثلما أطلق عليها ولقبها، سأله الشاب بعدما رأى شروده: -روحت فين يا هندسة؟! نطق بابتسامة مزيفة: -موجود يا متر. خرج صوت مروة معترضًا وهي تقول لأنجالها: -سيبوا ابن عمكم ياكل اللقمة بنفس، وبعد العشا ابقوا ارغوا براحتكم.
بعدما انتهوا من تناول الطعام، انتقل حسين وابن شقيقه إلى شرفة المسكن يتناولان مشروب الشاي الساخن، نطق حسين بكلمات حذرة: -أبوك بعت لي حد من طرفه من يومين، وطلب مني رقم تليفونك. اتسعت عيناه ذهولًا ليتابع الآخر بعدما ارتشف بعض الشاي: -بيقول عاوز يكلمك ويطمن عليك أنت واختك ويشوف لو ناقصكم حاجة، بس أنا مرضتش أدي له رقمك إلا لما استأذنك الأول.
تسمرت ملامحه لبرهة وبدون سابق إنذار انطلقت ضحكاته الساخرة دون توقف تحت نظرات حسين المتعجبة من حال الشاب، حاول تمالك حاله وتوقيف قهقهاته لكن باءت جميعها بالفشل، لينطق من بينهم قائلًا باعتذار: -أنا آسف يا عمي، بس حقيقي مش قادر أوقف ضحك. تعجب حسين ليسأله باستغراب: -هو أنا يا ابني قولت لك نكتة علشان تضحك بالشكل ده؟! نطق وما زال مبتسمًا: -هو اللي حضرتك قولته ده مش نكتة يا عمي؟! دي أفيه الموسم زي ما بيقولوا.
وبلحظة احتدم غيظًا واحتدت نظراته كالصقر ليهتف ناطقًا بسخط ظهر بعينيه: -حضرته افتكر الوقت إن عنده عيال وجاي يسأل عليهم؟! وصاح معترضًا بتجهم: -كان فين زمان لما كنا محتاجين له، كان فين وأنا بتربى في بيت راجل غريب وطول الوقت فاكر إنه أبويا. أشار بكفه للداخل ليتابع مسترسلًا بقهرة تسكن قلبه وتستوطنه منذ أن علم بوجود شقيقته ورأى ازدراء حالتها ككل:
-كان فين والمسكينة اللي جوة دي عايشة عالة عليكم ومحملاكم فوق طاقتكم لأن أبوها راجل أناني، كان فين وهي بتتقطع كل يوم وهي حاسة إنها عبء وحمل تقيل على كل اللي حواليها، دمرها بأنانيته وخلاها هشة وضعيفة، ولحد الآن مش عارفة ولا عندها القدرة إنها تواجه المجتمع. توقف لبرهة ثم رفع حاجبه ليسأله متهكمًا: -الوقت بس افتكر إن عنده ولاد وجاي يسأل عليهم؟!
كان يستمع لصرخات الشاب بقلب يتقطع وعينين تنظر أرضًا لا تقوى على المواجهة، يعلم صحة ما يقوله وداخله حزين، تحدث بعدم اقتناع لكن لابد من النصح: -أنا عارف إن عمرو غلط في حقكم كتير، بس يا ابني ده في الأول وفي الآخر أبوكم، وربنا أمركم بطاعته وبره. -لا يا عمي، ربنا عمره ما يأمر بالظلم. ليتابع بجمود وصلابة: -أنا مش مطالب أبر راجل مفيش أي حاجة تربطني بيه غير إن اسمي محطوط قبل اسمه في البطاقة.
راجل أناني عمره ما فكر فيا ولا عمل حساب لوجودي في الحياة. نطق حسين كي يهدئ من روع ابن شقيقه الثائر: -إزاي بتقول كده على أبوك يا يوسف، ده عمره ما حب في حياته حد قد ما حبك! استشاط داخله غضبًا قبل أن ينطق بحدة: -مش صحيح، الحب مش مجرد كلام إنشا بنردده، الحب فعل، خوف على الغير، الحب أب بيحترم ولاده وحريص على صنع مستقبل أفضل ليهم. وتابع بجرح غائر ينزف دمًا:
-الراجل اللي أنت بتقول عليه أبويا كان سبب رئيسي ومباشر بتدميري من كل النواحي، سواء العلمية أو الأدبية أو حتى الإنسانية. -بس يا ابني. قاطعه ليهب واقفًا لينهي ذاك الحديث الغير مرحب به لديه: -أرجوك يا عمي كفاية، احترم عدم رغبتي في الكلام عنه. وتابع وهو يشير إلى بهو الردهة: -أنا هروح أقعد شوية مع أحمد والبنات قبل ما نمشي، بعد إذن حضرتك.
قال جملته وانطلق كي لا يعطي فرصة لفتح الموضوع، تنهد حسين ثم وضع رأسه بين كفيه بحزن وقلة حيلة. *** كان يجلس بشرفة الردهة الخاصة بمسكن أبيه، ولج إليه حاملًا قدحين من القهوة الساخنة وهو يقول بملاطفة بعدما قرر التخفيف من وطأة حزن ولده الذي أصبح ملازمًا له منذ ما حدث بينه وبين أهل زوجته: -عملت لنا كوبايتين قهوة وقولت آجي نشربهم مع بعض. تطلع إلى والده بعينين مهمومتين فتابع الرجل بملاطفة:
-قولت نتكلم شوية قبل ما أمك تيجي من عند خالتك سناء وتكتم على نفسنا زي عادتها. استطاع رسم البسمة على فاه نجله فتحدث من جديد: -أيوا كده يا ابني، اضحك وزيح الهم خليه يبعد عنك ويسلاك. نطق بنبرة خافتة تدل على إرهاقه: -أنا تعبت قوي يا بابا، حاسس نفسي مشتت، مبقتش عارف إذا كان اللي بعمله ده صح ولا غلط. ناوله كوب القهوة ثم أجابه بخبرة أعوام كثر:
-أنا قولت لك من الأول بلاش تمشي ورا كلام أمك، واحمد ربنا على كل النعم اللي أنت فيها. اتسعت عيناه ذهولًا من حديث والده المدين ليجيب بحدة: -ومين اللي قال لحضرتك إن أنا مش حامد ربنا، مش معنى إني حزين على مستقبل بنتي اللي ضاع وبحارب على اللي لسه جاي، أكون سيء ومش بحمد ربنا. وتابع بحيرة وقلب يتمزق كلما تذكر: -يا بابا دي بنتي الوحيدة، انتوا عاوزيني أرمي بنتي لواحد أهله كلهم مجرمين وأبوه هربان بره البلد؟ تنهد الرجل
ثم تحدث بنبرة تعقلية: -محدش طلب منك تجوزها لابن مرات فؤاد، من حقك كأب تدور لبنتك على الأحسن والأفضل. وتابع ناصحًا:
-بس بلاش تعامل الولد بعنف علشان متكسبش عداوة أمه وفؤاد كمان، خليك ذكي يا دكتور وامشي معاهم زي ما طول عمرك ماشي، وبالنسبة لمستقبلها ده ربنا وحده اللي يعلمه، مش يمكن لو كانت دخلت نيابة كانت مسكت قضية وأساءت الحكم فيها وكانت سبب لدخولها النار، ولا مسكت قضية لناس كبيرة في البلد أو إرهابيين وصفوها زي اللي اتصفوا قبلها. وتابع بيقين: -ارضى يا ابني وآمن بالقدر.
أومأ برأسه وانتهيا من شرب القهوة، حمل والده الأكواب ودخل ليقضي فرض الصلاة وتركه وحيدًا شاردًا فيما وصل إليه، صدح رنين هاتفه، رفعه ليزدرد ريقه حين رأى نقش اسم زوجته، فمنذ ذاك اليوم لم يتحدث كلاهما للآخر فتح الزر سريعًا لينطق متوترًا: -إزيك يا فريال، الولاد كويسين. قال جملته الأخيرة حين وجد صمتها فأجابته بصوت حاد دل على مدى استيائها منه: -الولاد بخير، أنا بتصل بيك علشان ترجع بيتك، بيسان تعبانة ومحتاجة لك جنبها.
-تعبانة إزاي؟! نطقها بلهفة وهلع لتجيبه بهدوء: -نفسيًا يا دكتور، ولا حضرتك ناسي اللي حصل لها؟! قالتها لائمة مشيرة لما حدث بفضله، فنطق هو في محاولة منه لفتح الحديث: -فريال، أنا... قاطعت حديثه بحدة: -أنا مضطرة أقفل لأني رايحة عند ماما، ياريت ترجع بسرعة علشان نفسية الأولاد، ومتنساش إن اللي بيحصل ده ممكن يأثر على نفسية فؤاد وعلى تحصيله الدراسي. -حاضر يا فريال. قالها مستسلمًا لتنطق بنبرة جادة جعلته يرتعب: -مضطرة أقفل.
نطقتها وأغلقت الهاتف سريعًا مما جعله ينظر بالهاتف مذهولًا، متى أصبحت بتلك القسوة، يبدو أن معركته الأخيرة جعلته يخسر الكثير من محبة واحترام من حوله وأولهم زوجته الحنون. قطع شروده دخول والدته التي حضرت من الخارج وسألته باستغراب لحالته: -اللي واخد عقلك يا دكتور، سرحان في إيه؟ قص جميع ما حدث عليها لتنطق بابتسامة شامتة: -يظهر إن الهانم بنت الأكابر بدأت تحن، بس مكسوفة وبتجيبها في العيال. تطلع عليها تائهًا لتتابع ناصحة:
-عاوز نصيحتي، اقعد لك كمان أسبوع وطنشها، ولا تعبرها، هتلاقيها جيالك زاحفة لحد هنا تترجاك علشان ترجع معاها. دقت على كفيها وتحدثت: -ساعتها بقى تقعد وتحط رجل على رجل وتملي شروطك عليها، وأولهم حق عيالك في المال السايب اللي سلموه للفلاحة مرات أخوها. واسترسلت بتحريض كالشيطان: -لازم تخليها تكلم أبوها في موضوع حقها في الشركة يا ماجد. أجابها كي يحثها على ترك الأمر ونسيانه:
-يا ماما سبق وقولت لك إن سيادة المستشار علام كتب كل أسهم الشركة لفؤاد بعد ما خلف ولاده التوأم، وحط مبلغ لفريال في البنك مقابل حقها في الأسهم. تحولت ملامحها لغاضبة وصاحت معترضة: -وهي سكتت من خيبتها، أهي فلوسها لسه مرمية في البنك بنفس القيمة، والشركة كل يوم سعرها بيزيد لما بقت بمليارات المليارات. وتابعت بجنون وحدة: -ده حرام يا ناس وميرضيش ربنا، وأنت لازم تخلي مراتك تتكلم مع أبوها وأخوها. -هنرجع للموضوع ده تاني يا نوال.
جملة حادة قالها عليوة ليتابع وهو يشير لنجله: -بلاش تسمع كلامها وتصغر نفسك قدام الناس يا ابني، سيبك من أمك وقوم جهز نفسك علشان ترجع بيتك لمراتك وولادك.
زفر بحيرة تملكت منه وما زاد الأمر سوءًا هي مناوشات والديه الحادة التي بدأت للتو وكالعادة بدأ كلًا منهما رمي التهم على الآخر، تلك الفترة هي أسوأ فترات حياته، يعيش حالة من التشتت والضياع، ساخطًا على نجلته وحلمه بها التي أضاعته من بين يديه للمرة الثانية، ناهيك عن إصراره القوي برفضه لارتباط يوسف منها، بالإضافة لتلك الإيثار واستحواذها على ثروة العائلة التي كانت ملكًا لأنجاله قبل مجيئها الأسود هي وصغيرها إلى قصر علام الزين.
*** ولجت للحجرة الخاصة بها وخليل الروح، وجدته يجلس فوق السرير يتوسطه مستندًا بظهره للخلف، يضع جهاز الحاسوب الخاص به فوق ساقيه يتصفح من خلاله أحد المواقع الخاصة بعمله، تجاهل دخولها، شرعت بخلع المئزر عنها وقامت بتعليقه وهي تقول: -الولد مالك بقى مجرم حرفيًا، هلكني لحد ما نام، تخيل كان عاوز ييجي ينام في وسطنا زي إمبارح، شكله أخد على دلعك فيه. لم تجد منه سوى الصمت، تطلعت إليه لتجده ما زال على وضعه،
نطقت بنبرة متعجبة تسأله: -أنت مش سامعني ولا إيه يا فؤاد؟! لم يعر لحديثها اهتمام فأدركت أنه ما زال غاضبًا منها، تنهدت ثم تحركت لتتكئ بجسدها فوق الفراش ثم بسطت ذراعها تتلمس إحدى ساقيه بنعومة قبل أن تنطق بدلال مفرط: -هو شرشبيلي الشرس زعلان من حبيبته ولا إيه؟ ظل متجاهلًا حتى دلالها الذي يعشقه مما جعلها تدرك أن غضبه طائل، نطقت بنبرة حنون: -خلاص بقى يا فؤاد، وحياتي عندك ما تعملها زعلة وتتقمص زي العادة. -اتقمص؟!
نطقها مستنكرًا لتبتسم وهي تحرك كفها فوق ذقنه بغنج ليزيح كفها عنه وهو يقول بحدة: -لو كنتي فاكرة إني هعدي لك حصل بالساهل كده تبقى غبية، ولسه معرفتيش فؤاد علام كويس يا مدام. واسترسل مفسرًا بإبانة: -أنا عديت الموضوع تحت علشان خاطر أبويا وأمي وشكلك قدامهم، لكن وحياتك عندي ما هعديه يا إيثار. اعتدلت لتجلس بشكل صحيح بعدما رأت ثورة غضبه ثم تحدثت بجدية: -ما أنا شرحت لك اللي حصل وفهمتك وجهة نظري يا فؤاد.
اشتدت ملامحه وامتلأت بالقسوة قبل أن يصرخ عاليًا: -أنا جوزك قبل ما أكون صاحب الشركة يا هانم، والمفروض إني أكون على علم بكل خطوة بتخطيها سواء في البيت أو في الشركة أو أي مكان بتروحيه. وتابع بتذكير لها: -ومتنسيش إن ده كان اتفاقنا قبل ما تنزلي الشغل، وده لأمانك مش تعنت مني لا سمح الله. أخذت تقلب عينيها بضجر قبل أن تنطق مفسرة:
-يا حبيبي أنا فاهمة كل الكلام ده ومقدرة خوفك عليا، بس أنا بالطريقة دي عمري ما هتقدم في شغلي ولا هقدر أحترم نفسي طول ما أنا حاسة إني تابع ليك يا فؤاد. واسترسلت بإبانة: -ده غير نظرة الموظفين ليا اللي دايمًا هتكون دونية. بحدة مفرطة هتف: -ملعون أبو أي اعتبارات سيادتك بصالها قدام أمانك بالنسبة لي. أنهى كلماته واندفع مغادرًا الغرفة كثور هائج لا يرى أمامه بينما زفرت هي وارتمت بظهرها للخلف مستسلمة.
في الصباح، فاقت من نومها ولم تجده بجوارها، استمعت إلى صوت المياه يأتي من الحمام فعلمت أنه بالداخل، أما بالأسفل، ولج الصغير إلى المطبخ وعيناه تجوب على ضالته حتى وجدها فابتسم وهو يسرع إليها قائلًا: -أنت ليه مش جيتي تصحيني وتلبسيني اليونيفورم زي كل يوم؟! بابتسامة واسعة أجابته: -علشان كنت بعجن لك البيتزا اللي بتحبها. صفق بكفيه ليقفز وهو يقول بسعادة: -يا سلام يا زوزة يا جميلة.
ضحكت وهي تقوم بتشكيل العجينة وتقوم بوضع المكونات فوقها لتنطق بمشاكسة: -وبعدين أنا بعت لك البت اللي أنت قولت لي قبل كده إن شكلها حلو وعيونها ملونين، كاترينا دي ولا أبصر اسمها إيه. تطلع عليها وبات يهز رأسه وكأنه يستوعب حديثها، لتتابع بثرثرة كعادتها: -أهي شكلها يفتح نفسك على الصبح بدل ما تصبح بخلقة عزة اللي حفظتها بقالك ست سنين. ضحك الصغير ببلاهة لتذهل السيدة سعاد وتقترب منها لتنبيهها:
-ست عزة، الكلام اللي بتقوليه لمالك ده عيب وميصحش. وتابعت بتهديد مبطن: -ولو فؤاد باشا عرف رد فعله مش هيبقى كويس. أشاحت بكفها الملطخ بالعجين قبل أن تقول: -يا أختي أنا بهزر مع الواد وبفكه، هو أنت هتفضلي واقفة لي كده على الكلمة. صاح الصغير بنبرة ملحة: -خليني أحط أنا الجبنة على وش البيتزا يا زوزة. نطقت برفض تام: -مش هينفع علشان متبهدلش هدوم المدرسة، روح يلا عند جدك الباشا واقعد معاه لحد ما البيتزا تجهز وأخرجها لك.
وتابعت بجدية: -سيادة المستشار لو نزل من فوق ولقاك في المطبخ هيلسوعك. اتسعت عيناه وتذكر تحذير والده شديد اللهجة له بعدم دخوله غرفة تحضير الطعام، وضع كفيه الصغيرين فوق فمه وهو يقول: -بابي لو شافني هينفخني. نطق كلمته وهرول مسرعًا للخارج، لتنطق سعاد باستياء: -الولد ألفاظه بقت بيئة بسببك يا عزة، مين يصدق إن ده ابن سيادة المستشار فؤاد زين الدين، وحفيد سعادة المستشار علام باشا زين الدين. نطقت وداد من بين ضحكاتها:
-طب والله دمه زي العسل، مش أحسن من زين اللي ماشي في البيت زي الرجل الآلي. ضحكت العاملات لتوقفهن نظرة سعاد الحادة التي تحدثت بصرامة: -كل واحدة تشوف شغلها وهي ساكتة، ويلا خرجوا الأكل ورصوه على السفرة. ثم نظرت لساعة يدها وأكملت: -فاضل خمس دقايق والباشا الصغير وحرمه ينزلوا. تحركن سريعًا لتنفيذ أوامر تلك الصارمة. بعد قليل كان الجميع مجتمعًا على طاولة الطعام، تحدث زين وهو ينهي كأس الحليب الخاص به:
-خلصي فطارك بسرعة يا تاج علشان الباص فاضل له خمس دقايق بالضبط ويوصل. وقفت إيثار تغلق صناديق الطعام الخاصة بصغارها وهي تقول: -خلي بالك من أختك يا زين. -حاضر يا مامي. نطقت الفتاة باعتراض: -على أساس إني عيلة صغيرة وابنك العاقل هياخد باله مني. -بطلي لماضة. قالتها إيثار لتمط الفتاة شفتيها باعتراض، فتابعت إيثار وهي تجذبها إليها بمداعبة: -هاتي بوسة قبل ما تمشي.
تدللت الفتاة وابتسمت لترتمي بأحضان والدتها التي عانقتها بشدة وقامت بوضع قبلة حنون فوق وجنتها الناعمة، مالت الفتاة على وجنة أبيها لتضع قبلة وهي تقول: -باي باي يا بابي. -باي يا قلب بابي. قبلت أيضًا وجنتي جديها وتحركا للخارج، لم يتبقى سوى الصغير الذي صفق بحفاوة وهو يرى عزة قادمة بالشطيرة: -بيتزا عزة وصلت، وااااو. ضحك علام وتحدث: -إحنا لازم نفتح لعزة محل بيتزا ونسميه بيتزا عزة. نطقت بابتسامة:
-إن شاء الله يخليك يا سيادة المستشار. بدأت بوضع الشطيرة داخل صحن الصغير لتنطق إيثار لزوجها في محاولة منها لإرضائه: -أحط لك بيتزا يا سيادة المستشار؟ -متشكر. نطقها مقتضبًا ووقف ليحمل حقيبته وهو يقول بجدية: -بعد إذنكم. سألته عصمت باهتمام: -مش هتشرب قهوتك يا حبيبي؟ -هشربها في المكتب يا ماما. قالها وتحرك مغادرًا قبل الموعد المحدد له ليتركها متأثرة بقلب حزين. ***
ليلًا، كانت تجلس بغرفتها تسترجع ألبوم ذكرياتهما سويًا، تقلب صفحات الألبوم والابتسامة تشق ثغرها تارة وتارة أخرى تنساب الدموع، ما زال قلبها مولع يصرخ متألمًا بفضل فراقه، منذ ذلك اليوم وهي تعيش صدمة لم يستوعبها عقلها إلى الآن، توقفت أمام صورة لها وهي ترتدي ملابس سباحة مكونة من قطعتين، ابتسامة ممتزجة بالدموع خرجت حين تذكرت ذكريات تلك الصورة وذاك اليوم.
عادت بذاكرتها لما قبل عامين، بعدما انتهت هي ويوسف من اختبارات الثانوية العامة، قرر علام الذهاب للفيلا التابعة له بمنطقة الساحل الشمالي كي يحصل الجميع على كم من الاستجمام والراحة قبل ظهور النتيجة، وقت غروب الشمس، فاق يوسف من أيلولته ليخرج على الشاطئ المقابل للفيلا، اتسعت عيناه بحدة حين وجد بيسان ترتدي ثوبًا خاص بالسباحة مكون من قطعتين من اللون الأسود، تقف بجوار شقيقها وتنظر باتجاه والدتها التي تلتقط بعض الصور التذكارية لهما بالكاميرا الخاصة بهاتفها الحديث، تراقصت الشياطين أمام عينيه وهرول مسرعًا متجاهلًا وجود والدتها ليجذبها من ذراعها بقوة
وهو يقول بصياح أرعبها: -إيه الزفت اللي أنت لابساه ده؟! خلع عنه قميصه ولف جسدها به ثم سحبها وتحرك باتجاه المنزل ليتابع بسخط: -أنا مش قولت ألف مرة مفيش مايوهات تتلبس؟! كان يتحدث وهو يجرها خلفه بسرعة لتصرخ باعتراض: -حاسب يا يوسف هتوقعني. أما فريال فضحكت على ذاك الغيور وتابعت التقاط الصور للصغير. أدخلها المنزل ليدفعها للداخل وهو يصرخ بحدة: -والله العظيم لو شفتك لابسة مايوة تاني لأقطم رقبتك، أنت فاهمة ولا لا؟!
نطقت باعتراض وهي تدب الأرض بساقيها معترضة: -يا يوسف الفيلا خاصة والشط خاص بينا ومقفول، يعني محدش هيشوفني غيرك. -وأنا مش عاوز أشوفك كده، ولا حابب خالك ولا جدو ولا أي مخلوق يشوفك كده، اللي أنت لابساه ده حرام ومش مقبول، افهمي. تنهدت لتقول بتفهم: -حاضر يا جو، مش هلبس كده تاني. أشاح بكفه للأعلى وهو يشيح بنظره عنها: -اتفضلي على أوضتك غيري هدومك. -حاضر، بس ممكن تضحك. قالتها بدلال قابله بحدة قائلًا بتحذير: -بيسان.
ربعت ساعديها لتنطق بدلال وأنوثة: -طب إيه رأيك مش هطلع غير لما تضحك، وكمان تقول لي يا بوسي. تنهد مستسلمًا لعشقها المجنون ليبتسم وهو يقول: -اطلعي غيري. -يا إيه؟! قالتها بدلال ليجيبها بانصياع: -يا بوسي. طالعته بعينين عاشقة قبل أن تقول بنعومة وفراشات العشق تداعب أسفل معدتها: -بحبك يا عمر بوسي وقلبها. -يلا على فوق. قالها بابتسامة وهو يشير للأعلى بحنو، لتنساق لأمره وتصعد الدرج تحت سعادة قلوبهم الهائمة.
فاقت من ذكرياتها لتتحسس بأناملها صورة لهما في نفس المصيف وهي تقف خلفه تستند بذراعيها على كتفيه والسعادة تنطق من أعينهم، نزلت دموعها كشلالات وهي تقول بصوت واهن: -وحشتني يا حبيبي، إزاي هونت عليك يا جو، إزاي هانت عليك بوسي وقدرت توجعها بالشكل ده. ***
بعد مرور يومين، عصرًا، وقف بسيارته أمام منزله أو بالأدق منزل زوجته الذي أهداه لها والدها، أبطل إدارة محركها وجلس متسمرًا بمقعده، جزءًا منه يريد الترجل والدخول إلى عائلته وليسعف زوجته مهرولًا كي يحتضنها ويقدم اعتذاره عما بدر منه وحول ذاك اليوم الكارثي بالنسبة للجميع، وليحتوي صغيرته ويتأسف لها عما حدث، وجزءًا آخر لا يريد ويأبى بل ويطالبه بالانسحاب الفوري حفاظًا على ما تبقى من هدر لكرامته أمام الجميع، كانت تتحرك داخل
الحديقة الخاصة بمنزلهم تحاول الخروج من تلك الحالة التي أصابتها منذ ذاك اليوم المشؤوم، تطلعت بعينيها لخارج البوابة الحديدية فلمحت سيارة والدها، راودها شعورًا بخجل والدها فتوجهت صوب البوابة لتقوم بتشجيعه للدخول، نعم هو كان سببًا رئيسيًا بكسر قلبها وإجبار حبيبها بالتخلي عنها أمام الجميع بتلك الطريقة المهينة لأنوثتها، لكنه بالنهاية يظل أبيها التي تكن له الحب والاحترام برغم قساوته الجديدة عليه.
رآها وهي تقبل فزادته رؤيتها خجلًا، فتح باب السيارة ووقف لتقبل عليه بابتسامة خافتة رسمتها كي تزين ملامحها الحزينة ولكن هيهات، انتفض قلبه حزنًا على هيأتها، فقد شحب وجهها كثيرًا وفقد لون بشرتها حيويته ليبدو جلدها بلون أصفر باهت، أما عينيها فحدث ولا حرج، باتت ذابلة واقتحمت الهالات السوداء حولها لتبدو بهيئة مزرية وكأنها فتاة أخرى غير ابنته، بالإضافة إلى فقدانها لبعض الوزن، أين صغيرته الجميلة المنطلقة، أين حيويتها وروحها المرحة، لقد تدمرت بفضله، بملامح وجه حزينة وعينين تنطق أسفًا طالعها، أخرجت صوتها بصعوبة
وهي تقول بنبرة خافتة: -حمد لله على السلامة يا بابي. بدون كلمة واحدة جذبها لأحضانه وبات يشدد عليها وهو يقول بصوت نادم: -أنا آسف يا حبيبتي، مكنتش أعرف إن كل ده هيحصل لك. ابتعدت قليلًا لتنطق بهدوء كي تخفف من وطأة حزنه وخجله معًا: -حصل خير يا بابي. وتابعت وهي تجذب كفه لتحثه على الدخول: -تعالى ندخل، مامي وفؤاد قاعدين جوة، محدش لسه اتغدى.
تنفس بهدوء ليغلق باب السيارة وينطلق مجاورًا لها، ولجت للداخل محتضنة كفه ليتفاجأ بخروج فريال من المطبخ وهي تقول بصوت جاد: -بسرعة جهزي السفرة يا نادية، الولاد جاعوا. تسمرت حين وجدته يجاور ابنتها، يتطلع إليها بنظرات حزينة ممتزجة بشوق، بادلته بأخرى عاتبة غاضبة لائمة، تسمر كلاهما بمكانه، كل ينتظر المبادرة من الآخر، شعرت الفتاة بوضع والديها المحرج فقررت التدخل لإنهاء ذاك الموقف، تحدثت وهي تتحرك باتجاه والدتها ممسكة بكف
أبيها الذي تحرك طواعية: -اعملي حساب دكتور ماجد معانا في الغدى يا نادية. وقف مقابلًا لها لينطق وهو يبسط ذراعه استعدادًا لمصافحتها: -إزيك يا فريال. -الحمد لله. قالتها باقتطاب لتتابع بجدية: -حمد لله على السلامة يا دكتور. -الله يسلمك. نطقها بصوت خافت لتكمل هي بما أملته عليها تربيتها السليمة كابنة تربت على اتباع الأصول، وذلك بعدما شعرت بحرجه: -نورت بيتك، على ما تغير هدومك هيكون الغدى جهز. عادت إلى المطبخ من جديد
دون نطق حرف لتتحدث الفتاة: -بصوت مرتفع: -فؤاد، يا فؤاد. خرج الفتى من غرفة المعيشة لتتابع بصوت أهدأ: -تعالى سلم على بابي. هرول الفتى ليحتضن والده وهو يقول بحفاوة أدخلت السرور على قلب ماجد: -حمد لله على السلامة يا بابي، وحشتني. -أنت كمان وحشتني يا حبيبي. قالها بابتسامة واسعة.
تناول الجميع الغداء في أجواء هادئة، وانتهى اليوم لتستقل فريال غرفة غير غرفتها المشتركة به بعدما قررت اعتزاله وتجنب وجوده، كنوعًا من الاعتراض على ما فعل بابنتها وما قام به من افتعاله لمشكلة هزت الوسط بأكمله. *** داخل الأراضي الفرنسية، كان يتحدث عبر الهاتف الجوال، ليصيح بسعادة مفرطة: -يعني كده خلاص يا متر، حضرتك سويت المشكلة مقابل المبلغ اللي هدفعه؟ استرسل بعينين زائغتين من شدة سعادتهما:
-وبكدة هقدر أدخل البلد بشكل شرعي؟ على الطرف الآخر أجابه المحامي ذات الاسم اللامع الذي اختاره لتسوية الأمر مع السلطات المصرية، تحدث بابتسامة وكبرياء: -الأمر بسيط زي ما بلغتك قبل كده يا عمرو بيه، إحنا سوينا الأمر وهتدفع مبلغ مقابل تسوية الأمر وبكدة هتسقط قضية الآثار فورًا، وبعدين الموضوع بسيط، ده مجرد اتهام في قضية تهريب آثار ودي تعتبر قضية بسيطة جدًا.
أغلق مع المحامي ونظر أمامه وهو يبتسم بانتشاء وفخر وكأنه حقق أعظم انتصاراته للتو. ***
أمام بوابة جامعتها، يقف على الرصيف الموازي ينتظر بلهفة والشوق يقتل جميعه، متشوقًا لنظرة واحدة ترضي حنينه الصارخ إليها، كم من الليالي مرت تمنى أن يزوره طيفها بالأحلام ولو لمرة واحدة، وكأن عالم أحلامه تأمر عليه كغيره، انتفض قلبه بلوعة حين رآها تخرج من بوابة الجامعة الرئيسية تنتظر الموظف المسؤول عن جراج خاص بجوار الجامعة تصف سيارتها به يوميًا بعيدًا عن الزحام، كانت قد سبق وأبلغته من خلال الهاتف ليحضر لها السيارة أمام البوابة حيث تقف، كالعادة اقتحم المدعو "نبيل" خصوصيتها
لينطق بغرور كعادته: -هي عربيتك مش معاك ولا إيه؟ لم تعر لحديثه اهتمام بل تجاهلته تمامًا، فتابع بإصرار وكأنه تعود على الإهانة على يدها، برغم مئات الفتيات اللواتي يرتمين عليه بما له من قبول حسن بالمظهر والملبس وأيضًا نفوذ والده المالية مما جعل الفتيات تتهافتن عليه ويحاولن جذب انتباهه بشتى الطرق، إلا أنه أصر على امتلاك تلك الفرسة الجامحة واختطافها من خيالها العاشق، وما زال يواصل رغم عدم تقبل بيسان له: -تعالي أوصلك.
التفتت لتواجهه تحت غليان قلب ذاك المغروم الذي يشاهد من الجهة المقابلة: -قولت لك قبل كده إن طريقنا مش واحد. -مين قال لك إنه مش واحد. وتابع بثقة تعجبت منها: -أنت ليا يا بوسي، وبكرة تقولي لي كان عندك حق يا نبيل. واسترسل بعينين تجوب ملامحها بإعجاب: -بصي لنا كويس يا بوسي، إحنا كابلز يجنن، بنكمل بعض، كل واحد فينا مينفعش يكون غير مع التاني.
تمللت من كلماته السخيفة وباتت تتطلع من حولها ثم كادت أن ترد لتتفاجأ بسيارة الآخر من بعيد، تصطف على الرصيف المقابل، على الجانب الآخر، اشتعلت النيران بقلبه لتطال كل خلية بجسده حيث باتت عروقه تبرز وتنتفض من شدة غليان غيرته على من تملكت من الوجدان، بدون إدراك قبض بقوة على عجلة القيادة وشدد بقبضته حتى برزت عروق كفه وابيضت، كاد أن يخرج من سيارته ويقتحم وقوفهما ليجذبها ويخبأها خلف ظهره لتلاشي نظرات ذاك الوقح الجريئة، لكنه توقف باللحظة الأخيرة، فبأي حق سيذهب إليها وبأي صفة ستنساق لأوامره؟!
هو الآن قد فقد شرعيته بالكامل، فحديثه بذاك اليوم المؤلم يعد بمثابة تنازل رسمي عن حقه بها، اشتعل داخلها لتهرول إليه بنار مستعرة تاركة خلفها ذاك الذي تعجب تحولها وهي تهرول بتلك الشراسة، من يرى هيأتها وتوسع عينيها يجزم بأنها مقبلة على حرب ضارية لا محال، انتفض قلب "يوسف" حين وجدها تسلك الطريق بحدة وعنف قاصدة سيارته، ارتبك واهتز قلبه حتى أن العقل أعطاه أمرًا بإدارة المحرك والهروب لكنه عاند ووقف مكانه، فلم يكن الهروب يومًا
ضربًا له، هو رجل المواجهات فليظل كما هو وليواجه بجسارة تلك الحبيبة، أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا حين شعر باقترابها، لفت للجهة الأخرى ودقت بعنف على زجاج السيارة المفيم، تنهد قبل أن يضغط على زر نافذة السيارة لينزل، تطلعت إليه ثم بلحظة جذبت الباب لتستقل مقعدها المجاور له قبل أن تلتفت وبدون
مقدمات صاحت متسائلة بحدة: -أنت واقف هنا بتعمل إيه؟! بالطبع لم تجد إجابة وما زاد من جنونها هو تطلعه للأمام وتركيزه بنقطة اللاشيء بمبالاة، فصرخت بحدة وهي تعيد عليه السؤال: -رد عليا، أنت واقف هنا بتعمل إيه، ومتحاولش تكذب لأني كشفاك. التفت يطالعها بجمود مصطنع ثم خرج صوته متزنًا: -جاي أشوفك وأطمن عليك. -ليه؟! باغتته بذاك السؤال وتابعت بحدة أكبر تكاد تصل للعداء: -تطمن عليا بتاع إيه؟! صمت لتصيح من جديد: -رد عليا يا يوسف.
-ممكن تهدي. قالها كي يستقطب هدوءها لكنها باغتته بحدة أكبر: -ميخصكش، أهدى، أولع، ميخصكش، أنت تجاوب على سؤالي وبس.
أغمض عينيه ورمى رأسه مستندًا بها على خلفية المقعد باستسلام، زادها مظهره جنونًا فصاحت وهي تجذب وجهه تجبره على النظر إليها، اقشعر جلده حين لامست أناملها الرقيقة ذقنه النابتة وما شعر بحاله سوى وهو يشدد على تلك الأنامل كي يجبرها على الإطالة بلمسته، زاد جنون غضبها من تصرفه ونظراته المتلهفة التي كشفت عن مكنون صدره وما يحمله من عشق دفين لها، جذبت كفها بحدة وتحدثت بعصبية مفرطة: -قولت لك جاوب على سؤالي، أنت بتعمل إيه هنا؟
اتسعت مقلتيه بذهول من تصرفها العنيف، فتلك هي المرة الأولى التي تقاوم فيها لمسته ونظرات عيناه، يبدو أنه توغل في أذاها للحد الذي جعل كرامتها تتحدى مشاعرها وتتفوق عليها. لام حاله على ذاك التصرف الأهوج، فقد اتخذ قرار الابتعاد أو بالأصح النفي، فهو سيفنى بابتعاده عن محبوبته وخليلة الكيان، تحمحم كي ينظف حنجرته ليستطيع التحدث بشكل يظهر عدم مبالاته: -اعتبريها غلطة ومش هتتكرر تاني يا بوسي. دفعته بصدره بقوة
لتهتف بألم ينخر بقلبها: -متقوليش يا بوسي، ولا حتى تنطق اسمي كله على لسانك، أنا بكرهك يا يوسف، بكرهك ومش عاوزة أشوفك قدامي تاني. شعر بصفعة قوية نزلت على جدران قلبه زلزلته، وبرغم أنه استمع إلى تلك الكلمة منها أثناء تواجده بالمشفى إلا أنه اعتبرها هذيان من شدة الصدمة، لكن تلك المرة كانت التأكيد، لا يدري ما حدث له، فقد تملك التحدي منه وأراد تعرية مشاعرها أمامها، فتحدث ناظرًا بعينيها بقوة:
-عمرك ما هتقدري تكرهيني، عارفة ليه؟ طالعته بحقد ليتابع بنعومة مشيرًا على صدرها: -لأني محفور هنا، جوة قلبك، اللي بينا مش مجرد قصة حب عابرة يا بيسان، اللي بينا سنين ومواقف وعمر بحاله، ومهما تحاولي تمحيه مش هيطلع غير بالموت. بجبروت وعنفوان جديدًا عليها أجابته: -يبقى الموت أهون عندي من إن حب واحد زيك يفضل ساكني. -واحد زيي؟! قالها بذهول ليتابع متسائلًا بحدة: -أنت شايفاني إزاي يا بيسان؟! -شيفاك واحد خاين للعهد. نطقتها
بحدة لتسترسل بنبرة ساخطة: -وعدتني بالحب وعشمتني بالجنة معاك. واسترسلت بملامح متأثرة وغشاوة دموع تلألأت داخل مقلتيها: -خلتني طيرت في سماك وبنيت معاك كل أحلامي، ربطت كل حاجة تخصني ووقفتها على وجودك. رفعت كتفيها لتتابع مسترسلة باستسلام: -وفي النهاية سبتني ومشيت، خلتني متعلقة، لا أنا اللي طايلة سما أطير فيها وأعيش أحلامي اللي رسمتها، ولا أنا اللي واقفة على أرض ثابتة أقدر من خلالها أكمل حياتي مع حد تاني.
توسع بؤبؤ عينيه حين أشارت بحديثها على أحدهم، أيمكن أن يمتلكها غيره من الرجال؟! شعرت بصراع حاد ظهر بين مقلتيه، ومَن غيرها يشعر به ويلمس روحه، تحاملت على حالها لتسأله، تعلم أنها جارت على كرامتها بما يكفي لكنها ستعطيه تلك الفرصة عله يرأف بحالها ويتراجع عن صرامته وعناده: -لآخر مرة هسألك يا يوسف، لو لسه بتحبني خلينا ناخد فرصة تانية ونحاول. وتابعت مسترسلة بتحذير: -وقبل ما تجاوب لازم تعرف إن دي الفرصة الأخيرة اللي هديها لك.
امتلأت عيناه بحيرة امتزجت بألم، وباتت عيناه تجوب ملامحها بنظرات زائغة، صراع عنيف هاجمه بضراوة، انقسم كل شيء به ما بين الرفض والقبول، قلبه حالمًا يزجه على أن يظفر بتلك الفرصة ويغتنمها لصالح قلبيهما، ولينسى الماضي ويضعه جانبًا متلاشيًا جل شيء مقابل التنعم داخل أحضان الحبيب والفوز بالمستقبل، بينما العقل والكرامة اتحدا ليكونا فريقًا شرسًا ليهاجما القلب بعنف قائلين:
-أصمت أيها الخاضع الخنوع، يا لك من قلب فاقد للكرامة، أين نخوتك وعزة نفسك أيها البائس، ألأجل حب امرأة لا تختلف عن مثيلتها من بنات حواء تخضع وتخنع لأبيها وتدع حالك تحت قدميه ليدهس على كرامتك ذهابًا وإيابًا؟ رد القلب بهيام يكاد يقتله: -لكنها ليست كباقي النساء، هي حبيبتي، خليلتي وشريكة أحلامي، هي من بقيت صامدًا لسنوات لأجلها، هي من حلمت أن أسكن مدينتها، هي فقط دون غيرها.
-لا داعي للمبالغة، فـ في النهاية كلهن سواسية، كلهن نساء. كانت تلك كلمات العقل قبل أن يخرجه من تلك الحرب صوتها الناعم وهي تترجاه بعينيها: -قولت إيه يا يوسف؟ بعد صراع عنيف هز رأسه وهو يقول: -مش هقدر. ليتابع بذل وألم: -أرجوك قدري موقفي. ابتسمت ساخرة لتنطق بنبرة ضعيفة سيطرت عليها الهزيمة: -كنت متأكدة إن ده هيبقى ردك، كنت واثقة إنك هتبيعني وتدوس على حبي، دايمًا بتختار المقابل ليا قصاد التخلي عني.
هز رأسه ناكرًا تفكيرها لتتابع مسترسلة بعينين يملأهما التحدي وكأنها تحولت لأخرى شرسة: -بس وحياة حبك اللي لحد اللحظة دي مش قادرة أخرجه من جوايا لأنساه يا يوسف، ولو روحي متعلقة فيك هخرجها بإيدي، ولا إني أعيش مذلولة تحت رحمة حبك. وتابعت بحدة وصلت للإهانة: -إوعي تخليني أشوف وشك مرة تانية، ولو عندك كرامة بجد متجيش بيت جدو علام بعد النهارده، خلي عندك ضمير وابعد علشان أقدر أتنفس في بعدك وأعيش.
اكتفت بهدر تلك السهام بقلبه وبدون مقدمات خرجت لتنطلق بطريقها نحو سيارتها برأس شامخ وصلابة محاربة عزمت الأمر على اقتحام ساحة المعركة. تاركة خلفها قلبًا تحطم وفؤادًا من العشق تمزق. ليقابلها على الجهة الأخرى نبيل بابتسامة منتصر وكأنه كان ينتظر رجوعها إليه. دمعة حارة انزلقت من عينيه وهو يراقب ابتعادها وكأن روحه سلبت منه برحيلها، خرجت كلمة بصوت ضعيف وقلب صارخ يأبى القادم: -متمشيش.
شهقة حادة خرجت لتتابعها دموع انهمرت كشلالات من عينيه، دموع احتجزت طويلًا والآن لم يعد بمقدورها الانتظار أكثر: -متسبنيش لوحدي، هموت في بعدك يا بيسان. مال برأسه جانبًا لينطق وكأنه يحتضر: -ارجعي.
وكأنها استمعت لمناداتها لتستدير تنظر باتجاهه ولكن بنظرات حادة ممتلئة بالقوة والتحدي وكأنها تتوعد قلبه وتطالبه بانتظار ما هو قادم للانتقام، ألقت عليه نظرة ساخطة لتستدير وتتابع طريقها من جديد وهي تتحرك بخطوات واثقة نحو الأمام، نحو ذاك المبتسم بشماتة ظهرت بعينيه وهو يتطلع على ذاك الزجاج المفيم متأكدًا أن من خلفه يناظره بحقد دفين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!