الفصل 54 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم روز امين

المشاهدات
17
كلمة
7,678
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

كل منا يتخذ نهجًا لحياته، ويتعامل معها وكأنها لوحة بيضاء خاوية من أية معالم، يرسم بريشته أحلامه الوردية، وكأن العالم أجمع سخر لتحقيق آماله. يأخذ خطواته للأمام نحو ذاك المستقبل المنتظر بكامل ثقته، حتى تباغته الحياة بسيل من الأحداث المغايرة لما خطط له، وبلحظة تنهار أحلامه حلمًا تلو الآخر حتى تختفي وكأنها تحولت إلى سراب لم يكن له أثر ذات يوم، يداهمه اليأس بضراوة ويكاد أن يفتك به، إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

بقلمي "روز أمين"

_كان يجلس داخل المكتبة الخاصة بجامعة القاهرة، مندمجًا لأبعد حد وهو يتصفح إحدى المراجع الخاصة بمجاله، بعدما قرر الانخراط في الدراسة والعمل كي لا يعطي لعقله المجال بالتفكير فيما حدث بينه وبين تلك الحبيبة، قرر أيضًا تجنب التفكير وإرهاق عقله بحل تلك المعضلة وتركها لله ولعامل الوقت وهو كفيل بحل جميع المشاكل، معتمدًا على عشق تلك المغرمة الجارف له، وبأن قلبها سينصاع بالنهاية لمشاعره وينتظر حتى قدوم الحبيب وانتصار الحب. هكذا كان ظنه بها، لكنه نسي أن بعض الظن إثم عظيم.

وأثناء اندماجه بالقراءة شعر بظل أحدهم يجلس بالمقعد المقابل له، لم يشغل باله ولم يهتم فاضطرت تلك الشابة لإخراج صوت حمحمة كي ينتبه لوجودها. وبالفعل رفع رأسه بهدوء لتتقابل عينيه مع خاصتي تلك الجميلة "ساندي"، صديقته بنفس الفرقة، فبرغم علمها بقصة غرامه مع بيسان إلا أنها عشقته بكل جوارحها، وبرغم عدم تجاوبه مع محاولاتها للتقرب منه، إلا أنها لم تتوانى بلفت أنظاره طيلة الوقت، تبسمت وهي تقول برقة:

-ممكن أخد من وقتك شوية صغيرين؟ تطلع إليها متعجبًا لطافتها الزائدة لتتابع هي برقة: -عاوزة أخد رأيك في حاجة خاصة بالدراسة. أومأ بهدوء قائلًا: -لو خاصة بالدراسة أكيد مش هتأخر عليكي. مطت شفتيها وتحدثت بدلال استدعى لاستغرابه: -يعني لو حابة أتكلم معاك في أي موضوع تاني، هتكسفني يا يوسف؟ حدثها بنبرة جادة متلاشيًا طريقتها التوددية: -اتفضلي وأنا سامعك يا باشمهندسة.

تنهدت بيأس بعد فشل المحاولة اللاعدد لها من التقرب منه، وبدأت تطرح عليه بعض الأسئلة التي طرأت بمخيلتها بتلك اللحظة في محاولة منها في فتح حديث يجمعهما سويًا. *****

بمحافظة كفر الشيخ، وتحديدًا أمام منزل "نصر البنهاوي"، توقفت سيارة جيب لونها أسود، تتبعها صف من السيارات التي تحمل الكثير من العمال ومهندسين من التخصصات المختلفة سواء معماري أو ديكور، ترجل أحد الرجال من السيارة يرتدي بذلة سوداء وحذاء مماثل ويبدو من هيأته الوقار، نظر على تلك البوابة الحديدية المغلقة بسلاسل حديدية صدأة نظرًا لعوامل الزمن، تنتهي بقفل أكله أيضًا الصدأ، ثم تطلع باشمئزاز على القاذورات والنفايات التي تنتشر

حول سور المنزل وأمام البوابة حيث تحول المكان بعد قتل نصر ونفي أنجاله لمكان إلقاء نفايات القرية بأكملها وكأنهم بتلك الطريقة ينتقمون من جبروت ذاك الذي تجبر عليهم لسنوات عديدة، أشار للعمال الذين أسرعوا بالهبوط من فوق السيارات وانتشروا كالجراد وبدأوا بجمع النفايات داخل أكياس مخصصة، اقترب أحد الرجال وقام بفتح المنزل بعدما ناوله الرجل المفتاح الخاص تحت تعجب المارة من أهل القرية للذين توقفوا وباتوا يشاهدون ما يحدث باستغراب

وطرح الكثير والكثير من الأسئلة على بعضهم البعض بشأن هوية هؤلاء الرجال.

بمكان آخر من القرية بوسط الساحة الموجودة داخل منزل الحاج محمد، يتوسط الجلوس فوق الأريكة الخشبية تجاوره زوجته "شريفة" ونجله الأوسط "مجدي"، تقابلهم بالجلوس إجلال، كانوا منشغلين بتبادل أطراف الحديث فيما بينهم حتى التزموا الصمت حين استمعوا لصياح أحد الرجال بالعائلة وهو يهرول قائلًا بأنفاس متقطعة: -إلحق يا حاج محمد. وتابع تحت نظرات الجميع المترقبة:

-فيه جوز رجالة شكلهم ألاجة قوي، نزلوا من عربية آخر أبهة ودخلوا بيت الحاج نصر البنهاوي الله يرحمه. وتابع وهو يأخذ نفسًا كي يستطيع المواصلة: -ومعاهم رجالة ياما، عمالين ينظفوا في البيت من بره ومن جوه، وبيخرجوا الفرش ويركنوه بره في الشارع. اعتدل "محمد" مستنفرًا وتحدث بعينين متسعة: -ليكونوا حرامية يا عبدالسلام؟ نفى الرجل سريعًا:

-حرامية إيه بس يا حاج، بقولك ناس ألاجة وباين عليهم النظافة، والناس اللي شافتهم أول ما جم، قالوا إنهم فتحوا البيت بالمفتاح. -طب ارجع أنت على هناك تاني واوعى يغيبوا عن عينك، وأنا هشرب الشاي وجاي على طول، لما نشوف الحكاية العجيبة دي كمان. تعجبت "شريفة" من تلك الجالسة تتناول مشروبها بمنتهى الأريحية وكأن الأمر لا يعنيها، مما جعلها تهتف مستنكرة: -مالك يا إجلال، أنتِ كويسة يا أختي؟!

تبسمت بسعادة ظهرت بمقلتيها ثم رفعت كوب المشروب لترتشف منه قبل أن تتحدث بسكون: -أنا زي الفل وحالي عال العال. ضيق شقيقها ما بين عينيه ثم سألها متوجسًا: -هي إيه الحكاية يا إجلال؟ قاعدة كده لا بيكي ولا عليكي وكأنك مسمعتيش معانا اللي حصل؟! -ده أنا قولت هتقومي تجري وتخربي الدنيا على دماغ الناس دول! خرجت ضحكة شريرة وباتت ملامحها تشبه من كانت بالماضي، ثم نطقت بما جعل جميعهم يتعجبون:

-وأقوم من مكاني ليه وأنا عندي علم بكل اللي بيجرى حواليا. سألها ابن شقيقها "مجدي" مستغربًا: -عندك علم منين وإنتِ قاعدة وسطينا ما اتحركتيش يا عمة؟! هتف محمد مستفهمًا بارتياب: -مين الناس دي يا إجلال؟ -دول رجالة عمرو ابني يا حاج، جايين ومعاهم مهندسين هيكشفوا على البيت ويرمموه، وينظفوه ويجددوا كل حاجة فيه علشان يرجع أحسن من الأول. وأكملت بتباه: -هيرموا الفرش القديم ويفرشوه على الموضة. سألها بنصف عين:

-وإنتِ عرفتي منين الأخبار دي كلها؟ -وابنك جاب منين الفلوس اللي هيعمل بيها كل ده وهو هربان بره البلد؟! وضعت ساقًا فوق الأخرى لتتحدث بتباهي: -عمرو راجع مصر الأسبوع الجاي. هتف مستنكرًا: -راجع إزاي وهو عليه حكم بالسجن؟! تبسمت لتجيبه: -مبقاش عليه حاجة خلاص، سوى كل أموره مع الحكومة والمحامي حل له كل القضايا، ولو على الفلوس فإحنا طول عمرنا معانا اللي يسد عين الشمس ويفيض كمان. وتابعت ساخرة وهي تتطلع إلى زوجة شقيقها:

-لو محتاجة من فرش البيت حاجة روحي خديها وماتتكسفيش يا "شريفة"، أنا قولت لـ عمرو يخلي العمال يسيبوه قدام قصر الحاج نصر، علشان الناس المحتاجة تستفاد منه بدل ما يترمي للكلاب والقطط تقعد عليه. هتفت المرأة بغيظ وتعالي: -اقعدي عوج واتكلمي عدل يا "إجلال"، أنا مرات الحاج محمد ناصف على سن ورمح يا حبيبتي، إحنا أسياد البلد كلها وهنفضل طول عمرنا أسيادها، واللي بيفيض من على طبلتنا يكفي مركز بحاله. وتابعت تذكرها

بما فعلوه معها من احتواء: -ولا رجعة ابنك الهربان هتنسيكي اللي عملناه معاكي يا "إجلال"؟! انتفضت من جلستها لتهب واقفة وتحدثت بجبروت الماضي وكأن الزمان عاد بها لما قبل: -اسمي ستهم يا بت، واللي هينطق "إجلال" دي تاني هقطع له لسانه مهما كان هو مين. وتابعت بنظرات متوعدة: -وماتخافيش، اللي اتعمل فيا منكم ومن العيلة مايتنسيش غير بطلوع الروح. اتسعت أعين الجميع ليهتف محمد موبخًا:

-باين عليكي رجعة ابنك الصايع قوت قلبك ونسيتك الحقيقة يا "إجلال". طالعته دون استيعاب لحديثه ليتابع موضحًا: -إنتِ نسيتي إن نسل نصر النجس كله متحرم عليهم نزول الكفر من تاني ولا إيه! بابتسامة ماكرة تحدثت بشبه تهديد: -عمرو اللي راجع مش عمرو اللي ساب مصر هربان من كام سنة يا حاج محمد، ابني راجع شديد وعارف ناس كبرات قوي في البلد، ونصيحة من أختك حاول تشتري وده، لأن اللي هيعاديه هيفتح على نفسه طاقة جهنم. فرقت نظراتها الكارهة

على الجميع مسترسلة بوعيد: -رمية عيالي بره البلد السنين دي كلها ليها ثمن غالي، ووقت الحساب قرب، وكل واحد هيتحاسب وهيدفع الدين اللي عليه. نطقت كلماتها التهديدية وتحركت للداخل بعدما تركتهم بأفواه مفتوحة وأعين مذهلة. *****

وصل بسيارته الفارهة إلى البوابة الحديدية للوحدة المملوكة لوالده، والمتواجدة بأحد المدن الجديدة، نظر بابتسامة فخر لليافطة الذهبية المثبتة على جدران الواجهة والمدون عليها "فيلا رجل الأعمال عاطف السرجاوي". انفتحت البوابة أوتوماتيكيًا ودلف بسيارته ليسرع إليه الحارس وهو يرحب بتفخيم لذاك المغرور: -حمدالله على السلامة يا "نبيل" بيه. ابتسم بغرور ثم صف سيارته وترجل يعدل من وضع نظارته الشمسية ذات الماركة العالمية ككل أشيائه

لينطق بنبرة متعالية: -"عاطف" باشا هنا ولا لسه في الشركة يا "محروس"؟ -الباشا الكبير جه من ييجي ساعة يا سعادة البيه... نطقها الرجل وهو يقف متأهبًا لأوامر ذاك المتسلط وبالفعل تحدث باستعلاء: -طب خد مفتاح العربية ونظفها لي من بره ومن جوه، عاوزها بتزيق من كتر النظافة. واستطرد متوعدًا بتهديد: -عارف يا محروس لو لقيت فيها ذرة تراب واحدة ولا القزاز مش متنظف كويس ومتكروت زي المرة اللي فاتت، أنا هعمل فيك إيه؟

ارتبك الرجل خشية من بطش ذاك الشاب وتحدث متلبكًا: -ماتقلقش سعادتك، هخليها لك بتبرق زي العروسة في ليلة دخلتها. ألقى عليه نظرات احتقارية قبل أن يتركه ويتحرك صوب الداخل، برغم أن جملته نالت إعجابه، وفور نطقه للجملة تذكر تلك الفرسة الجامحة "بيسان"، ولج من باب المنزل الداخلي ليجد والديه يجلسان بردهة المنزل المتسعة والتي تحتوي على أثاث فخم يدل على رخاء وتنعم تلك العائلة، تحدث بابتسامة واسعة: -معقولة الباشا بجلالة قدره عندنا.

ضيق "عاطف" بين عينيه وهو يرمق نجله قبل أن ينطق متعجبًا بأسلوب استفز الشاب وأثار استيائه: -اللي يسمعك كده يقول بتقعد في البيت قوي يا أخويا، ده أنا وأمك بنشوفك بالصدفة ياد. تملل بوقفته ليحرك رأسه يمينًا ويسارًا باعتراض قبل أن ينطق ضاجرًا: -وبعدين يا باشا، مش اتفقنا نبطل أسلوب الصنايعية ده؟ لم يدع له الفرصة ليكمل وقاطعه بحدة معترضًا: -ومالهم يا سي "نبيل" الصنايعية، دول أجدع ناس، وبعدين من فات قديمه تاه يا أخويا.

قررت تلك التي تجاوره الجلوس التدخل للدفاع عن نجلها المدلل كونه وحيدها، فهي وزوجها لم يرزقا بأطفال بعد أن أنجبا نجلهما الأول "نبيل" وترجع الأسباب لمشاكل لديها، اكتفى الرجل بنجله بالرغم من ضغط عائلته ودائرة أصدقائه المقربين منه، حيث حثه الجميع على الزواج بامرأة أخرى لتنجب له عدة أبناء ليكونوا عزوة وسند له في الكبر، لكنه رفض جميع المحاولات وتمسك بتلك المرأة التي ساندته وتحملت فقره ورافقته طريق المشقة، حيث تزوجته وهو

عامل بسيط في مجال البناء، يحمل شكائر الرمل على أكتافه ويصعد به للأعلى للمشاركة في أعمال بناء البنايات المرتفعة، وقد تحمل المشقة واجتهد حتى وصل لملاحظ أفراد ثم مقاول بسيط ومع الصبر والعزيمة أصبح مالك لشركة تعد من أكبر شركات المقاولات في الدولة، واجه الكثير من الضغط بشأن الزواج بأخرى، وعلى العكس دعم امرأته وتمسك بها لأبعد حد، تحدثت السيدة وتدعى "ناهد" والتي تنتهج طريق نجلها في الكبرياء والتمسك بالمستوى المعيشي الذي

انتقلوا إليه مؤخرًا:

-"نبيل" عنده حق يا "عاطف"، إحنا اتنقلنا نقلة كبيرة قوي لما جينا هنا في الكمبوند، ولازم نبقى شبه العالم اللي ساكنين حوالينا. -بالظبط يا ماما ده اللي أقصده... ليتابع شارحًا الوضع الحالي: -لازم تتعامل على إنك عاطف باشا السرجاوي، رجل الأعمال اللي بيمتلك شركة من أكبر شركات المقاولات في البلد. لم يجبه بتلك النقطة بل انتقل لموضوع أهم وأعظم بالنسبة له: -سيبك من الكلام اللي مبيأكلش عيش ده وخلينا في المهم.

طالعه نبيل بجبين مقطب وترقب شديد، ليهم هو بسؤاله بطريقة أظهرت مدى تعجله لإتمام الموضوع: -فاتحت البت حفيدة المستشار بجوازكم زي ما قولت لي؟ حك ذقنه وابتسم بتسلٍ حين تذكر نظراتها الزائغة التي صوبتها عليه عندما كانت تتجه إليه هاربة من حبها الضائع، اقترب عليها وسألها تحت نظرات يوسف التي تقدح شررًا لو خرج لحول المكان برمته إلى شعلة متوهجة من النار: -إنتِ كويسة؟ دون وعي منها أومأت برأسها مما شجعه ليتمادى بسؤالها:

-لو مش قادرة تسوقي أنا ممكن أوصلك بعربيتك لفيلتك، وبعدها هبقى أرجع آخد عربيتي. -ميرسي يا "نبيل"، أنا كويسة وهسوق عربيتي بنفسي... قالتها بحدة وملامح وجه حادة ليسألها للتأكيد: -متأكدة؟!

أومأت للتأكيد فتحرك يسبقها بخطوة حتى اقترب من سيارتها وقام بفتح بابها بطريقة أظهرت كم تحضره ورقه، ساعدها حتى استقلت مقعدها ثم أغلق لها الباب بعدما سألها ما إذا كانت تحتاج لشيء، فشكرته بابتسامة ساحرة أرادت بها إضرام نيران الغيرة داخل قلب ذاك الذي يصوب نظراته النارية باتجاهها، تطلع نبيل صوب ذاك الجالس بسيارته يختبئ خلف زجاجها المانع للرؤية "المفيم"، وابتسم بخبث كذئب انتصر على فريسته بالمكر والتخطيط والدهاء.

فاق من شروده على صوت والده الذي صدح بحدة وهو يسأله متعجبًا: -ما تنطق يا ابني، مالك متنح ومنشكح كده ليه؟! ضحك بكبرياء قبل أن يجيب بنبرة يملؤها الغرور: -يا حبيبي أنا قولت لك قبل كده اعتبر الموضوع منتهي. ثم استرسل رافعًا قامته بكبرياء: -مافيش بنت لحد اللحظة اللي أنا واقف فيها قدامك دي قدرت تقاوم سحر ورجولة نبيل السرجاوي. رمقه بنظرة مقللة ليسأله بطريقة سوقية:

-طول عمرك كلمنجي ومش فالح غير في الكلام الفاضي، أنا عايز فعل يا حبيبي، عاوز النسب ده يحصل بأي طريقة علشان أقدر أستفاد في شغلي من جد البت دي وخالها. أخذ يقلب عينيه بضجر اعتراضًا على طريقة والده المخزية في الحديث، بينما ضيقت "ناهد" بين حاجبيها لتبادر باستغراب بسؤال زوجها: -ودول هيفيدوك في إيه يا "عاطف"؟! -دول وكلاء نيابة على كلام نبيل؟! -ولو وكيل النيابة السالك ما فادكيش في تسهيل الدنيا والشغل، مين هيفيدك يا "ناهد"؟!

وبعدين دول مش أي وكلاء نيابة والسلام... نطق جملته الأخيرة بانتشاء وعينين متسعة أظهرت مدى جشعه: -ده الراجل الكبير طلع منصبه كبير قوي، ولما سألت عليه المحامي بتاع الشركة عندي، قال لي إنه مترشح يمسك بعد النائب العام، لو يعني النائب ساب منصبه لأي ظروف. كان يتطلع إلى والديه بابتسامة وانتشاء واضعًا كفيه داخل جيبي بنطاله متطلعًا بعينين تقطر غرورًا كعادته، في حين زادت ابتسامة ناهد التي تطلعت لنجلها بافتخار

لتنطق بكثير من الزهو: -"نبيل" ابني طول عمره شاطر وبيقع واقف، وكل البنات هتموت عليه. طالعها مقوسًا فمه لينطق بطريقة تهكمية: -ما تتفرديش وتتني قوي كده إلا لما نشوف أمارة، والبنت توافق على سي نبيل بتاعك. -هتوافق يا بابا، وقريب جدًا... قالها بثقة عالية ليتابع مسترسلًا بابتسامة: -جهزوا نفسكم لزيارة سيادة المستشار علام زين الدين قريب قوي. *****

مع غروب شمس اليوم، داخل مطبخ قصر "علام زين الدين" يلتفتن العاملات حول الطاولة المستديرة المتواجدة بالمنتصف، يحتسين مشروبًا باردًا صنعته إحداهن ليتمتعن به في وقت راحتهن، صدح صوت ذاك الهاتف المعلق بالحائط والخاص بخدمة ساكني القصر، تحركت السيدة "سعاد" لتجيب بجدية ورأس مرفوع: -ألو. أجابها فؤاد من غرفته الخاصة: -ابعتي لي حد من عندك يوضب لي شنطة هدوم تكفي ثلاث أيام سفر يا سعاد. بمنتهى العملية أجابته:

-تحت أمر حضرتك يا سيادة المستشار، حالًا وداد هتكون عندك. قاطعها بهدوء: -بلاش الوقت. توقف عن الحديث لينظر بساعة يده ثم تابع: -ابعتيها كمان نص ساعة بالضبط أكون خلصت الشاور بتاعي، علشان أشوف الهدوم اللي هتحطها وأقول لها على كام حاجة معينة. -أوكي يا باشا. أغلق معها ليلج إلى الحمام مباشرة، أما بالمطبخ، أنهت المكالمة لتنطق بنبرة جادة: -وداد، جهزي نفسك بعد نص ساعة بالضبط هتطلعي لفؤاد باشا علشان تجهزي له شنطة هدومه. باغتها

عزة بسؤالها المتعجب: -شنطة لإيه يا مدام سعاد؟! سحبت المقعد لتعود للجلوس من جديد ثم تحدثت بجدية: -الباشا بيقول إنه مسافر يومين. اتسعت عيني الأخرى لتقول بشرود: -إيثار ما جابتليش سيرة الموضوع ده يعني؟! وتابعت وهي تحتوي فكها بأصابع يدها: -وبعدين من أمتى الباشا بيخلي حد يلمس هدومه غيرها؟! شملتها سعاد بنظرة ساخرة وهي تقول متهكمة: -وهي الهانم لازم تقدم لك تقرير عن كل حاجة بتحصل معاها ولا إيه يا ست عزة؟!

ضحكت العاملات ساخرة من عزة مما جعلها تستشيط غضبًا لتقول بنبرة حادة وعينين تطلق شزرًا: -آه يا حبيبتي، كل صغيرة وكبيرة في حياتها بعرفها. قاطعتها بلهجة حماسية تلك الفتاة الجالسة بينهن والتي انضمت حديثًا لفريق العاملات: -اسمحي لي حضرتك أطلع أنا أواضب الشنطة لسيادة المستشار. تطلعت عليها وداد وقبل أن تعترض تابعت الأخرى بنبرة ماكرة: -وداد يا حرام تعبانة طول اليوم من التنظيف، ومن حقها ترتاح شوية.

ابتسمت وداد لتتحدث بارتياح بعدما نال أسلوب الفتاة على استحسانها: -خلاص يا مدام سعاد، خليها تطلع هي بدالي، أنا فعلًا حاسة بتكسير في كل جسمي ومحتاجة أرتاح، وكمان مش هقدر أطلع السلم. ابتسمت الفتاة بمكر لنجاح مخططها لتنطق سعاد بجدية: -ما فيش مشكلة، اطلعي بدالها. لتتابع وهي تشير بسبابتها بتحذير شديد: -بس خلي بالك كويس وبلاش تعملي فوضى وإنتِ بتسحبي الهدوم من الدولاب، وتلبسي القفاز لأن الباشا ما بيحبش حد يلمس هدومه.

وأكملت مسترسلة باستغراب: -المفروض إن إيثار هانم هي اللي بتجهز له شنطته، بس إحنا بننفذ الأوامر.

ضيقت "عزة" بين حاجبيها وهي ترمق الفتاة بنظرات ثاقبة، تلك الفتاة في بداية العقد الثاني من عمرها "الثالثة والعشرين" تدعى "هند" تمتلك وجهًا حسن وجسدًا متناسق أنثوي من الدرجة الأولى "صارخة الجمال كما يطلقون على شبيهاتها"، حضرت عن جديد إلى القصر لتعمل به، بعد أن فقدت عملها في منزل المهندس "أحمد الزين" بعد أن قامت "نجوى" زوجة أحمد بطردها أمام الجميع بأحد التجمعات العائلية بعد أن تعرقلت ساق الفتاة في مما جعلها تقع على وجهها

ويقع معها طقم الكؤوس التي ورثته تلك الـ "نجوى" عن والدتها، مما جعل الدماء تغلي بعروقها وتنفجر لتهجم على الفتاة وكادت أن تصفعها لولا تدخل أحمد وعلام وفؤاد، وقد أصرت على طردها بكثير من التعنت، بكت الفتاة بشدة وكادت تتوسلها دون فائدة، مما جعل علام يتدخل ويأخذ الفتاة لتنضم للعاملات داخل قصره بعدما لان قلبه لدموع الفتاة وتوسلاتها، وباتت تتحدث عن حاجتها الملحة لهذا العمل.

وقفت عزة لتنطلق إلى الخارج تبحث عن تلك المغيبة "إيثار"، وجدتها تجلس بجوار والدي زوجها وأولادها الثلاث "زين الدين، تاج، المشاغب مالك"، نطقت بنبرة أظهرت كم توترها: -تعالي معايا، عوزاكي في حاجة مهمة. قطبت جبينها وسألتها متعجبة: -فيه إيه يا عزة؟ -ما فيش، كنتي عاوزة أخد رأيك في حاجة تخصني... قالت جملتها بجدية، نطقت "عصمت" وهي تحث زوجة نجلها للذهاب: -قومي معاها وشوفيها عاوزة إيه. نهضت لتنطق بتهذيب: -بعد إذنكم.

خرجت معها إلى الحديقة فالتصقت "تاج" بجدها وارتمت داخل أحضانه وهي تقول بدلال مفرط: -جدو، هو أنا قولت لك النهاردة أنا بحبك قد إيه؟ يحفظ طباع حفيدته ويحفظ شخصيتها عن ظهر قلب، أشار بكفه لينطق بمداعبة: -سيبك من الكلام ده وهاتي من الآخر وقولي عاوزة إيه يا بكاشة. ابتعدت لتتطلع عليه وهي تسأله باندهاش مفتعل: -إنت تعرف عني إني بكاشة يا جدو؟ ضحكت عصمت وتحدثت بما أكد حديث زوجها:

-هو جدك بس اللي يعرف يا تاج، العيلة كلها عارفة إنك بكاشة ودلوعة. تعالت ضحكات زين ومالك الذي تحدث بكلمات تصاحبها قهقهة ساخرة: -يا بكاشة يا عيوطة يا تاج. مطت شفتيها وربعت ساعديها بحدة ثم نطقت وهي تتطلع على جدها تشتكيه بملامة: -عاجبك تريقة زين ومالك عليا دي يا جدو. لم يرق لعصمت اتهامها لتوأمها الخلوق فتحدثت بنبرة عاتبة: -هو "زين" يا حبيبي نطق بحرف واحد؟! -قولي لها يا نانا... نطقها ذاك الرزين لتهتف الفتاة باستياء:

-وهو ضحكه عليا ده مش تريقة؟! ولا الأستاذ مالك وخفة دمه اللي مغرق القصر فيها. أخرج الصغير لسانه قاصدًا إغاظتها وبالفعل حصل على ما أراد فاستشاطت الفتاة. قرر علام التدخل كي يفض ذاك النزاع قبل أن يحدث ويتحول لمشادة كلامية وحرب شرسة، فابتسم للفتاة وهو يربت على كفها باحتواء: -سيبك منهم وقولي لي عاوزة إيه من جدو يا حبيبتي. تبسمت وظهر عليها الارتياح ثم نطقت متحمسة: -المدرسة عاملة رحلة لإنجلترا، هيقعدوا هناك أسبوعين بس.

وتابعت وهي تمرر كفها فوق صدره بحنان: -ممكن تسمح لي أروح أنا وزين. -اتكلمي عن نفسك لو سمحتي... نطقها زين وهو يعدل من وضع نظارته الطبية ليتابع مسترسلًا بعملية ووقار وكأنه رجلًا تخطى الثلاثين من عمره: -أنا الفكرة نفسها غير مطروحة للنقاش بالنسبة لي. تكلمت بلطف ولين كي تستحوذ على قلب شقيقها فيقتنع: -ليه يا زين، كل أصحابنا رايحين وصدقني هننبسط جدًا. وتابعت بعينين متوسلة: -بليز يا زينو توافق. أشار بكفه بحزم:

-ما تحاوليش، وياريت توفري الجدال لأنه مش هيفيد حد فينا غير إنه هيرهق عقلك ويستنفذ طاقتك وطاقتي. وتابع بجدية وصرامة: -أنا واخد قراري والأمر محسوم بالنسبة لي، وزي ما سبق وقولت لك، غير مطروح للنقاش. -إنت سخيف زيك زي أخوك بالضبط... قالتها بانفعال شديد فقاطعتها "عصمت" هادرة: -تاج، نقي ألفاظك وإنتِ بتتكلمي مع إخواتك. تثاوب الصغير فحملته عصمت فوق ساقيها وسألته بحنو يقطر من نبراتها: -إنت عاوز تنام يا حبيبي؟

أومأ برأسه وهو يقاوم فتح أهدابه، أخذته بأحضانها ليغلق جفنيه سريعًا بعد أن قامت بتقبيل وجنته الناعمة وهي تبتسم وتقول: -يفضل يتشاقى طول اليوم وفي لحظة ينام على نفسه. ضحك زين وهو يقول: -من يومين كان طالع من المطبخ وببص لقيته جري هنا على الكنبة واتمدد جنبي، وفي لحظة لقيته راح في النوم. ضحك الجميع فلاحظ علام غضب تلك الحانقة فتحدث بهدوء: -إنت فاتحتي بابي في موضوع الرحلة دي؟ هزت رأسها ونطقت بيأس:

-لا، لأني عارفة إنه هيقول لي كلمته الشهيرة، قولي لمامي... قالت جملتها الأخيرة وهي تهز رأسها بتهكم فقاطعتها عصمت قائلة بتأكيد: -فؤاد عمره ما هيقول لك كده بخصوص موضوع مهم زي ده، هو آه بيسيب بعض الأمور تحت تصرف مامتك، لكن ده في الأمور البسيطة، أما بخصوص موضوع سفرك فده موضوع مهم ومستحيل باباكي يسيب القرار فيه لماما. -اطلعي اتكلمي مع بابا وشوفي رأيه إيه... نطقها علام وهو يحتوي كتفها بساعده لتنطق متوسلة:

-طب ما تكلمه حضرتك، هو بيحبك وأكيد هينفذ أوامرك بدون نقاش. -ما أقدرش أتدخل في حاجة ليها علاقة بتربية أبوكي وأمك ليكي يا تاج، أتدخل يوم ما ألاقي قراراتهم هتضرك وتضر مستقبلك إنتِ أو أي حد من إخواتك، غير كده أنا آسف. ربعت ساعديها وزفرت بقوة دلت على كم استيائها. ***** بالخارج سحبت عزة إيثار من كفها وتحدثت بنبرة عاتبة: -كده يا إيثار، بقى بعد العمر ده كله بتخبي على "عزة". وشملتها بنظرات ملامة:

-بقى أعرف موضوع سفر الباشا زيي زي الغريب؟ واسترسلت وهي تدق على كفيها: -ده أنا شكلي كان زي الزفت وهي الولية اللي اسمها "سعاد" بتدي أوامر لـ "وداد" علشان تطلع تجهز له الشنطة. لتتابع بنظرات مشتعلة: -واللي غاظني أكتر البنت الجديدة أم جيبة محزقة وملزقة اللي طلعت لنا زي الخازوق دي كمان، البت يا أختي اتنطرت زي اللي لسعتها عقربها أول ما سمعت سعاد بتقول لـ "وداد" تطلع، ونطت في الكلام وهتطلع هي بدلها. جذبت

رسغ الأخرى لتتابع هاتفة: -البت دي أنا مش مرتاحة لها يا إيثار، مسهوكة كده ومش عجباني حركاتها ولا لبسها. كانت تستمع لها بعدم استيعاب لتسألها باستهجان وكأن الأخرى تهذي: -إنتِ بتخرفي وتقولي إيه يا عزة؟ -سفر إيه وشنطة مين دي اللي تتوضب؟! -شنطة جوزك يا ست الهوانم. لتتابع متوجسة بعدما بدأ الشك يساورها: -أنا شكلي كده ظلمتك، إنتِ باين عليكي ما تعرفيش. هتفت بعينين متسعتين:

-عزة إنتِ بتتكلمي بجد، أنا جوزي فعلًا مسافر وأنا ما أعرفش؟! كادت أن تتحدث لكنها توقفت حين اندفعت الأخرى بجنون نحو الداخل ومنه للدرج، فتحدثت الأخرى بنبرة لائمة: -ما أنتِ مش ناوية تجبيها لبر يا بنت منيرة، لساني نشف ودلدل وأنا بقول لك تستسمحي جوزك وتصالحيه وتنهي الخناقة اللي مش باين لها آخر دي، ابقي خلي بقى كرامتك تنفعك لما ينفيكي ويستغنى عنك واحدة واحدة. صعدت إيثار عدة درجات لتتوقف بعدما استمعت

إلى صوت والد زوجها الرزين: -تعالي يا إيثار، عاوز أتكلم معاكي في موضوع مهم يخص "تاج". ابتسمت الفتاة ولكن سرعان ما زالت البسمة وتجهم وجهها حين استمعت لتلك التي انطلقت على الدرج كطلقة المدفع لتتحدث وهي تتسلق الدرج على عجلة من أمرها: -هشوف فؤاد وأنزل لحضرتك تاني يا بابا. هتفت الفتاة بطريقة حانقة: -شايف يا جدو، علشان تعرف إني آخر اهتمامات مامي. -بلاش افترا يا تاج، مامتك واخدة بالها منكم كويس...

جملة قالتها "عصمت" لتهدأ روع الفتاة، لتتابع حين لمحت عزة تلج من الباب: -هاتي واحدة من البنات تشيل مالك وتاخده على أوضته يا عزة. -تحت أمرك يا دكتورة... وتابعت متعللة: -أنا والله لولا الغضروف اللي عندي كنت شيلته أنا. بالأعلى قبل قليل

داخل الغرفة الخاصة بفؤاد وزوجته، خرج من الحمام مرتديًا مئزره الخاص بالاستحمام تتدلى قطرات المياه من شعر رأسه لتنزل على صدره العريض بطريقة ملفتة للنظر، من يراه يقسم بداخله أنه لم يتعدى الثلاثين من عمره بعد من شدة جاذبيته وجسده الرياضي، فما زال يحافظ على رشاقة جسده باتباع الرياضة دومًا، وقف أمام مرآة الزينة وأثناء ما كان يقوم بتصفيف شعره استمع لقرع فوق الباب، وبعد السماح للطارق ولجت تلك الفتاة "هند" وتحدثت

بنبرة رقيقة واحترام: -مساء الخير يا باشا، مدام سعاد بعتاني علشان أوضب لحضرتك الشنطة. أشار بكفه دون الالتفاف وتحدث وهو يتابع تصفيف شعره: -ادخلي. التفت وأمسكت الباب استعدادًا لإغلاقه ليباغتها صوته الحاد: -سيبي الباب مفتوح. أصابها الارتباك وهزت رأسها عدة مرات متتالية ليتابع هو بعملية: -خرجي لي ثلاث أطقم داخلية ورصيهم تحت، وبعدها الترنجات، ولما تخلصي هقول لك تحطي إيه تاني.

أومأت بحماس وأخرجت القفازات وبدأت بارتدائها وهي تنظر لانعكاس وجهه كي تنال إرضائه، جذبت الحقيبة وبدأت برص الثياب كما أخبرها، كانت تسترق منه النظرات الإعجابية، متمركزة بنظراتها على فتحة صدره، وفجأة ولجت تلك الغاضبة تتلفت حولها بتمعن، اشتعل جسدها بنار الغيرة حين تطلعت عليه ورأته بكل تلك الجاذبية، يا له من وقح، كيف له أن يقف هكذا أمام أنثى غيرها، وتلك الحقيرة من تكون كي تتواجد بمكان واحد مع حبيبها وتحظى برؤيته المهلكة تلك.

شملت الفتاة بنظرات يملؤها الازدراء، فمنذ حضورها إلى القصر وهي لا تروق لها، فشخصيتها غامضة وعليها علامات استفهام بالنسبة لها، ملابسها الضيقة تستثير غضبها، تمايلها بمشيتها وغنجها المبالغ به يثيران حنقها، نظرت لفتحة صدرها التي تظهر جزءًا وتحدثت بحدة أظهرت كم وصولها للغضب: -سيبي اللي في إيدك ده واطلعي بره. تطلعت الفتاة إلى ذاك الذي يواليهما ظهره وما زال يصفف شعره بلامبالاة لتقول بصوت يحمل دلالًا أنثويًا:

-هوضب شنطة الباشا وهخرج على طول يا هانم. استشاط داخلها وهي ترى تلك الفظة تعود لترتيب الثياب وكأن حديث الأخرى مجرد صدى صوت أو فقعات هواء لا قيمة لها، وما زاد من حنقها هو ميل الفتاة بجسدها على الحقيبة بطريقة ملفتة مما أحرق قلب إيثار وجعل نيران الغيرة تتأجج بقلبها لتصيح بحدة وهي تصك على أسنانها: -قولت لك اطلعي بره وما أشوفش خلقتك هنا في الأوضة مرة تانية.

اعتدلت الفتاة ثم نظرت إلى فؤاد تنتظر رده، رأى وقوفها في انعكاس المرآة ليعتدل يطالعها ثم تحدث بحسم وعينين جامدتين: -إنتِ مش سامعة كلام الهانم؟! -أنا مستنية أشوف أوامر حضرتك يا باشا علشان أشوف هعمل إيه... قالتها بانكسار علها تكسب تعاطفه. رمقها بنظرات حادة لينطق بلهجة صارمة أرعبتها: -أوامر إيه اللي بتتكلمي عنها، الحرف اللي المدام بتنطقه أمر وينفذ في الحال، مفهوم؟

ابتلعت لعابها من هيئته المخيفة وبلمح البصر كانت تترك ما بيدها ثم هرولت سريعًا صوب الباب لتفادي غضب تلك الحانقة، وبعد أن أغلقت الباب خلفها ابتسمت بخبث ثم استمالت نحو الباب لاستراق السمع. بالداخل، نطق بنبرة صارمة بعدما والاها ظهره يتطلع لهيئته ويتابع نثر عطره على جسده بسخاء: -يا ريت بعد كده تخلي بالك من تصرفاتك قدام الخدم. ثم أكمل مسترسلًا بجدية بعدما رأى نظراتها المتعجبة:

-ما كانش فيه داعي تطلبي من البنت إنها تخرج وتسيب اللي في إيدها وإنتِ عارفة ومتأكدة إنها بتنفذ أوامري. وتابع بما أفقدها اتزانها: -قللتي من نفسك قوي قدام البنت. اتسعت عينيها غير مستوعبة أنها تستمع إلى تلك الكلمات من زوجها، فنطقت بذهول: -إنت بتقول لي أنا الكلام ده يا فؤاد؟! -وبعدين هو مين اللي حطنا في الموقف البايخ ده، مش إنت؟! ثم صمتت لوهلة وكأنها تذكرت لتصيح بحدة: -ثم تعالى هنا يا سيادة المستشار، إنت مسافر بجد؟

نطق ببرود: -على ما أظن الشنطة اللي قدامك أفضل إجابة على سؤالك. -يعني مسافر بجد وكمان من غير ما أعرف؟! -للدرجة دي وجودي من عدمه ما بقاش فارق لك! لم تجد منه سوى ذاك الصمت المريب الذي بات يرعبها، فمنذ ما حدث في الشركة بأمر كشفها للمخطط وهو يتجاهلها تمامًا ولا يتحدث معها، وباءت كل محاولات تقربها منه بالفشل الذريع، حتى توقفت عن تلك المحاولات ووضعت كرامتها حائلًا بينهما. هرولت باتجاهه وجذبت ذراعه لتجبره على النظر لوجهها،

ثم صرخت بقوة واعتراض: -رد عليا يا فؤاد، ما تسيبنيش أكلم في نفسي كالعادة. -عاوزة إيه يا إيثار؟ ... قالها بحدة أظهرت كم حنقه لتجيبه بضعف وهوان: -عاوزة أعرف عقابي ده أمتى هينتهي، لحد أمتى هتفضل تذل فيا وتقلل مني؟ وتابعت مستنكرة باشمئزاز: -كل ده علشان قررت أعتمد على نفسي في شغلي وأثبت جدارتي للمنصب اللي إنت بنفسك سلمته لي وأمنتني عليه؟! وتابعت باتهام: -وكأنك بتعاقبني على نجاحي واستقلاليتي.

-اللي جنابِك شايفاه إثبات جدارة واستقلالية هو من وجهة نظري تسيب وعدم تحمل للمسؤولية. اتسعت عينيها ذهولًا ليتابع هو بإبانة: -الهانم نسيت إنها زوجة لرئيس نيابة منصبه حساس، وإن احتمال جدًا الناس دي تكون قاصدة تضربني في شغلي عن طريقك، ومرتبين خطة لتوقيع الهانم في الفخ، وطبعًا كالعادة الهانم ماشية بمزاجها. وأشار على نفسه: -والمغفل آخر من يعلم. صاحت بحدة مستنكرة وضعها: -وهو أنت محتاجني أبلغك؟!

ما كفاية عليك جواسيسك اللي مالية الشركة، واللي حتى مش مسموح لي أعرف هما مين. -احمدي ربنا إني بحميكي من غباء عنادك... قالها مستنكرًا لتصيح بصوت رافض: -حافظ على كلامك معايا يا فؤاد.

بالخارج، كانت تسترق السمع لما يقال خلف الأبواب بوجه مبتسم شامتا حتى استمعت لصوت أقدام يأتي من خلفها فارتبكت لتلتفت سريعًا وجسدها بالكامل ينتفض رعبًا، اطمئن قلبها قليلًا حين رأت القادم، هرولت سريعًا وتصنعت بأنها خرجت للتو من الباب، طالعتها الفتاة بلامبالاة وتوجهت لوجهتها التي تقصدها حتى وقفت أمام الباب لتستمع لصياح والديها مما جعلها تقطب بين حاجبيها باستغراب، أخذت نفسًا عميقًا ثم أخرجته وتشجعت لتدق الباب بخبطات خفيفة، استمعت لصوت أبيها فولجت لتتفاجأ بوقوف والديها كل أمام الآخر وكأنهما مصارعين داخل حلبة المصارعة، برغم صمت أبويها المريب

إلا أنها نطقت بصوت لطيف: -ممكن أدخل يا بابي، عاوزة أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم. برغم جسده المشتعل نارًا من حواره الحاد مع عنيدته والذي تحول لصراع إلا أن قلبه لان لتلك الحبيبة، وما كان منه سوى أن فتح ذراعيه على مصراعيهما لينطق مستقبلًا إياها: -تعالي يا قلبي. أسرعت بخطواتها حتى وصلت لأحضانه ثم تحدثت وهي تتطلع إلى حقيبة الملابس: -هو أنت مسافر؟! أجابها بهدوء: -رايح كام يوم الغردقة في شغل. أومأت ثم تحدثت باستكانة:

-المدرسة عاملة رحلة لإنجلترا مدتها أسبوع، وكل أصحابي رايحين. ابتعدت قليلًا وتطلعت بعينيها المتوسلة لمقلتي والدها في محاولة منها للتأثير عليه، وتابعت مسترسلة: -وأنا نفسي أروح معاهم قوي يا بابي. تطلع لعينيها وشعر بضعف كبير، فتلك الصغيرة دون غيرها باستطاعتها السيطرة على قلب وامتلاك "فؤاد علام"، نطقت إيثار مستبقة حين رأت التردد والحيرة يسكنان عينيه:

-مع إنك عارفة إن السفر لوحدك لأي دولة من غيرنا مرفوض يا "تاج"، إلا إنك كل فترة بتحبي تثيري الجدل وتطلعي لنا بموضوع تنكدي بيه على نفسك، وكأنك بتتعمدي إنك تحسي وتعيشي شعور المظلومة اللي عايشة بين شوية مستبدين متعمدين يكبتوا حريتها. تلألأت دمعاتها الحزينة بمقلتيها وهي تستمع لكلمات والدتها القاسية ثم توجهت بنظراتها نحو أبيها وكأنها تشتكيه، حاوط وجنتيها بكفيه ثم تحدث بابتسامة قائلًا:

-أنا موافق، هكلم مديرة المدرسة بكرة وهحجز لك إنتِ وزين. نزلت كلماته على قلبها كطلقات من الرصاص اخترقت قلبها دون رحمة، وعلى الجانب الآخر فكان واقع كلماته مختلف تمامًا على الفتاة، حتى أنها قفزت في الهواء عدة مرات متتالية وهي تقول بعدم استيعاب: -بجد يا بابي. -بجد يا حبيب بابي... نطقها ببالغ من الحنان لتنطق بفرحة عارمة ومشاعر شديدة الصدق: -أنا بحبك قوي يا بابي. ثم صمتت بتفكير لتتابع بخيبة أمل ظهرت بعينيها:

-بس "زين" رافض فكرة السفر نهائي. ابتسم لطمأنتها: -سيبي "زين" عليا، أنا هعرف أقنعه. ارتمت داخل أحضانه لتضع رأسها على موضع قلبه قبل أن تقول بنبرة تقفز منها السعادة: -إنت أجمل وأحن بابي في الدنيا كلها، أنا بحبك قوي.

ربت على ظهرها لتشكره الفتاة وتخرج مهرولة والسعادة والحماس يلازماها، كانت تتطلع عليه وحزن عميق يحتل قلبها ويؤلمها، لمعت عينيها بالدموع تأثرًا بالحزن الذي أصابها، باتت تنظر إليه أملًا في أن يتطلع عليها ويشرح لها سبب قراره دون مناقشتها، وحينما طال تجاهله خرجت عن صمتها لتقول بلهجة أظهرت كم تأثرها: -أول مرة تقرر لوحدك في موضوع خاص بالولاد، من غير ما تناقشني فيه ونتفق! وضع كفيه بجيبي الرداء ثم التفت باتجاهها

وتحدث بطريقة حادة: -وهو إنتِ كنتي أخدتي رأيي ولا ناقشتيني لما رديتي عليها بالرفض النهائي؟! -إنت بتعند معايا وتردها لي يا فؤاد؟ ... نطقتها بعينين متسعتين ثم تابعت: -وبعدين أتناقش معاك في إيه، مش إنت برضه اللي سيبت لي حرية التصرف في أي حاجة تخصهم من وهما صغيرين، وقتها قولت لي إنك واثق في عقلي وحكمتي وإني هقدر أوفق ما بين الصالح ليهم ومتعتهم في الحياة؟! -رجعت في قراري زي ما إنتِ نقضتي وعدك ليا...

طالعته بعدم استيعاب فتابع موضحًا: -لو الهانم فاكرة، أول ما سلمتك منصبك طلبت منك ما تتصرفيش في أي حاجة غير لما ترجعي لي علشان أمانك، وسيادتك يومها وعدتيني إن ما فيش قرار ولا أي صغيرة وكبيرة هتحصل إلا لما تكوني مبالغاني بيها. نطقت مفسرة: -دي غير دي يا فؤاد. -بالنسبة لي واحد، وياريت تتقبلي قراري وتقفلي على موضوع سفر الأولاد، لأنه لو اتفتح هتزعلي...

قال كلماته وتحرك إلى غرفة الملابس دون انتظار رد منها تاركًا إياها في حالة ذهول من تغيره الكلي. ***** بنفس التوقيت، تحديدًا داخل حجرة فؤاد

كان يتجاوران التمدد فوق السرير المشترك، يتقلبان بعدم راحة وكأنهما يرقدان فوق صفيح ساخن، تشعر باستعارة جسدها وكل ذرة به تنتفض غضبًا، أحقًا قرر السفر وقام بجميع خطواته دون إخطارها، لولا "عزة" لكان رحل دون علمها، قلبها يغلي ويحثها على النهوض والصراخ بوجهه باعتراض على كل ما يجري، تريد الاعتذار منه والارتماء داخل أحضانه بعد السماح ولتتنعم بدفء أحضانه ورائحة جسده العطرة التي اشتاقتها شوق الزهور لحبات الندى، لكن عقلها يأبى

الرضوخ وخصوصًا أن جميع محاولاتها السابقة بنيل رضاه باءت بالفشل الذريع، أما هو فكان بين نارين، نار الهوى والاشتياق لعطر خليلته ولشهد رحيق شفتيها، ونار سأمه من عناد تلك الفرسة الجامحة وعدم انصياعها لقراراته التي وضعها وفقًا لتأمينها، لكنها بكل مرة ترمي بحديثه وقراراته بعرض الحائط وهذا بات يؤرقه ويستدعي جنونه عليها.

قلبه يأمره بجذبها بقوة وإدخالها داخل أحضانه بل شق صدره وتخبأتها بين ضلوعه، لكن عقله رافضًا رفضًا باتًا، والاستمرار في معاقبتها بالبعد عنه تأملًا بتعلمها من أخطاء الماضي وتلاشيها بالمستقبل، ظل كلاهما يتقلب بالفراش وكأنهما على جمر حتى غاب هو بغفوة رغما عنه مستسلمًا لإرهاقه، استسلمت وهاجمها الحزن بعدما استمعت لانتظام أنفاسه وتأكدت من دخوله في سبات عميق، تنهدت بأسى وظلت تفكر وتفكر حتى غلب عليها هي الأخرى النعاس.

استيقظ على صوت المنبه المزعج ليعتدل ساحبًا جسده مستندًا على ظهر التخت، مسح بكفه على وجهه بحركة عفوية ثم استقر ببصره على خليلة الروح، وجدها تتصنع الغرق بغفوتها فتنهد متألمًا للحال الذي وصلا إليه، رفع الغطاء واتجه بهدوء صوب الحمام ليختفي خلف بابه، استمعت لصوت غلق الباب ففتحت عينيها لتخرج من صدرها تنهيدة حارة، توضأ وخرج ثم قام بتأدية صلاته، انتهى من ارتداء ثيابه وتوجه للحقيبة حملها وخرج على الفور بعد أن ألقى نظرة أخيرة

على تلك الغافية وصراع عنيف مع النفس، أيتقدم إليها ويقوم بوضع قبلة وداع السفر، أم يثبت على موقفه، بالفعل انحاز للاختيار الثاني وخرج سريعًا قبل أن يضعف، استمعت لغلق الباب فرفعت جفونها، سحبت جسدها للأعلى وباتت تمسح الغرفة بعينيها على أمل أن تجده ما زال موجودًا ينتظر إفاقتها ليدخلها بأحضانه ويعتذر عما بدر منه ليلة أمس، شعرت بالأسى وبدون سابق إنذار هبطت دموعها لتغرق وجنتيها، باتت تبكي مع ارتفاع شهقاتها المتألمة، رفعت عنها

الغطاء وتحركت باتجاه النافذة لتنظر من خلف الستارة بعد أن اختبأت خلفها، وجدته يصعد إلى السيارة بالمقعد الخلفي وانطلق السائق متحركًا للخارج، ارتفع صوت

بكائها ليخرج صوتها الباكي: -معقولة يا فؤاد، إزاي قدرت تسافر من غير ما تودعني وتطمن قلبي إنك هترجع بسرعة؟ وتابعت بشهقة عالية تقطع نياط القلب: -هونت عليك إزاي يا حبيبي. أمسكت هاتفها وتحدثت إلى مديرة مكتبها لتخبرها أنها لن تأتي اليوم إلى الشركة لإصابتها بإرهاق شديد. *****

بعد مرور ساعة، كانت تجلس في الحديقة تتناول قدحًا من القهوة مع بعض الكعك الخفيف التي أصرت "عزة" على إحضاره بعدما رفضت الأولى تناول وجبة الفطار، انضمت إليها "عصمت" بعدما علمت بوجودها بالمنزل وعدم ذهابها للعمل، سألتها بهدوء: -سعاد بلغتني إنك ما روحتِيش الشركة قولت أجي أشرب قهوتي معاكي. أشارت للمقعد: -اتفضلي يا ماما. جلست ثم سألتها باستغراب بعدما رأت انتفاخ عينيها واحمرار أنفها: -مالِك، شكلك مش نايمة كويس. أجابتها

في محاولة منها للهروب: -أنا كويسة، مرهقة من الشغل شوية. -أوعي تكوني فاكرة إني مش واخدة بالي من تصرفاتك إنتِ وفؤاد في الفترة الأخيرة، لا إنتِ كويسة ولا ابني كويس. التزمت الصمت فتابعت الأخرى بحدة: -أنا مش بقول لك كده ومستنية إنك تحكي لي، لأني عارفة إن لا إنتِ ولا فؤاد بتحبوا تحكوا مشاكلكم الخاصة، بس يا ريت تخلي بالك لأن مشاكلكم بدأت تأثر على الأولاد. ضيقت بين عينيها وسألتها متعجبة: -بتأثر إزاي حضرتك؟ أجابتها باستياء:

-إنتِ مش ملاحظة إنك ما بقيتِيش تقعدي مع ولادِك زي الأول، ولا قرار سفر زين وتاج اللي اتفاجأنا بيه أنا والباشا. وتابعت بحدة ملقية عليها مسؤولية اتخاذ نجلها لذاك القرار وتبعياته: -إزاي فؤاد ياخد قرار زي ده وهو عارف إن طول الوقت فيه خطر على الأولاد وعليكي؟! -أنا اتفاجأت بيه زي حضرتك بالضبط، فؤاد عمل كده كنوع من العقاب ليا. سألتها بتشكيك:

-وإيه بقى اللي عملتيه يخلي فؤاد ياخد قرار متهور زي ده لوحده، من غير حتى ما ياخد رأي الباشا؟! أجابتها بحدة ترجع لعدم تقبلها لهجة "عصمت" المدينة: -حضرتك ما سألتيهوش ليه؟! -سألته طبعًا، بس كالعادة قال لي ما تشغليش بالك يا ماما، مشكلة بسيطة وهتعدي... قالتها بحدة لتسترسل متهكمة: -لكن المشكلة طولت يا إيثار، ومش بس منكدة على ابني حياته، لا، دي بدأت تأثر على أحفادي.

لم يرق لها حديث تلك السيدة، فبرغم حنانها البالغ واحتوائها لها طيلة سنوات زواجها من فؤاد، إلا أنها تتحول وتنحاز عندما يصل الأمر لسعادة نجلها وأحفادها، وطالما كان هذا الحاجز بينها وبين إيثار، عكس ذاك الراقي "علام"، فطالما عاملها كابنة له واحتواها مثلها مثل فريال تمامًا، احتدم داخلها لتنطق بدموع ظهرت بمقلتيها: -هو ليه حضرتك جايبة اللوم عليا لوحدي. وتابعت بإبانة:

-اللي مغير فؤاد هو وقوفي في الشركة وحلي للمشكلة اللي اتعرضنا ليها في الفترة الأخيرة واللي حضرتك على علم بيها يا دكتورة. وتابعت بإيضاح: -وبرغم إن من حقي أثبت جدارتي في إدارة الشركة وأحل مشاكلي بنفسي، إلا إني اعتذرت له واتذللت علشان يسامحني إني ما قولتلوش. واسترسلت باستسلام وضعف: -بس هو رافض اعتذاري، قولي لي إيه اللي مطلوب مني أعمله وما عملتوش.

-أنا ما ليش دعوة بكل الكلام ده يا إيثار، مشاكلك مع جوزِك تحليها بنفسك، وكان من الأولى بلاش تعملي الحاجة اللي بتنرفزه. وتابعت بأنانية: -أنا اللي يهمني في الموضوع هو إن ابني وأحفادي ما يتأثروش. واسترسلت بإشارة من سبابتها: -إنتِ عارفة كويس إن أكتر حاجة بتحرق دمي، هي لما ألاقي ابني مش مبسوط. لم تنتظر رد الأخرى وتابعت بأمر:

-حاولي تحلي الموضوع وتراضي جوزك بأسرع وقت، ويا ريت لو تكلميه النهاردة في التليفون وتحاولي تخليه يتراجع عن قرار سفر الأولاد، أنا قلبي مش مطمن للسفرية دي. وتابعت بحدة ظهرت بعينيها: -ولو لا قدر الله حصل حاجة للأولاد، إنتِ اللي هتكوني مسؤولة قدامي. انتهت من حديثها وأسرعت للداخل تاركة الأخرى وسط دوامة أفكارها المشتتة، لم يكن ينقصها سوى والدة زوجها وتلميحاتها السخيفة تلك، وكأن كل ما يهمها بالأمر هو تحسين مزاج نجلها وفقط.

أثناء دخول عصمت للمنزل قابلتها عزة التي كانت بطريقها بالقهوة إليها، تحدثت: -القهوة بتاعتك يا دكتورة. بحدة بالغة تحدثت: -اديها للمدام بتاعتك، يمكن لما تشربها تفوق وتوعى لنفسها. أسرعت بالدخول في حين امتعضت ملامح الأخرى لتنطق بصوت خفيض: -مالها أم قويق دي كمان. اقتربت من تلك الواضعة رأسها بين كفيها لتسألها: -وإنتِ مالِك إنتِ الأخرى، شايلة طاجن ستك على دماغِك ليه على الصبح؟

ومالها الولية حماتك، بتقول يا شر اشتر من صباحية ربنا كده ليه؟! -سيبيني في حالي يا عزة، آخر حاجة محتاجاها الوقت إني أقعد أجاوبك على أسئلتك دي. وضعت القهوة وجلست مقابل لها ثم تحدثت بتبرم: -ما هي دايمًا كلمة عزة هي اللي بتقف في زورِك، مع إني قلبي عليكي وبشوف اللي مسقطاه عنيكي، وبدل ما تسمعي كلامي وتعملي بيه، تقومي عليا وتقلبي. *****

داخل الجامعة، ولجت "زينة" إلى المقهى المخصص لتقديم الوجبات الخفيفة والمشروبات، تطلعت على الطاولات لتتحرك صوب طاولة جانبية خالية من الأشخاص وجلست عليها بعدما طلبت تجهيز شطيرة لها وقنينة مياه عذبة وأخرى غازية، جلست لتنتظر إعدادها من قبل العامل، كان يجلس بإحدى الطاولات الفتيات اللواتي يركزن معها فنطقت إحداهن: -مش عارفين تجروا رجل البنت دي علشان تنضم لشلتنا. ضحكت إحداهن وهي تقول: -إشمعنا يعني؟ أجابتها بابتسامة خبيثة:

-بصراحة أخوها دخل مزاجي وعاجبني، وعاوزة أضرب صحوبية معاه. نطقت صديقتها بضحكة: -هو اللي عاجبك برضه ولا عربيته البي إم دبليو. نطقت بلهفة: -لا بجد الواد مز قوي وعاجبني. أجابتها أخرى وهي ترمق "زينة" باشمئزاز: -ده لو توم كروز في عز شبابه يغور من وشها، دي بنت كئيبة وشبه البومة. وتابعت بامتعاض: -ما تتغروش في البراند اللي بتلبسها، دي الهدوم مدارية الفلح بتاعها. ردت الفتاة الأولى:

-يا بنتي وأنا مالي ومالها، أنا عاوزة أخوها، بصراحة أنا اتكلمت معاه من يومين، كان واقف مستنيها بره جنب عربيته، اتلككت وعملت نفسي تايهة وسألته عن شارع، وصف لي الطريق وكان جنتل جدًا معايا، عاملني بمنتهى اللطف والتحضر. نطقت إحداهن بعقلانية: -يا بنات البنت شكلها خجولة وما عندهاش ثقة كفاية بنفسها، هي رافضة أي حد يقرب منها، فياريت تحترموا رغبتها وتسيبوها في حالها. تطلعن لبعضهن وتابعن نميمتهن عليها. بطاولة أخرى

تضم "مازن" ورفيقه "إياد" الذي تحدث وهو يبتسم لصديقه: -العصفورة قاعدة لوحدها، ما تيجي نزاحمها في القفص بتاعها. تطلع عليها بنظرات متفحصة قبل أن يقول بذات مغزى: -اصبر يا عم "إياد"، أنا بجهز لها خطة في دماغي هتخليها تقع في شباكي بمنتهى السهولة. ضحك الآخر وتحدث مصفقًا: -الله عليك يا مازن يا جامد.

أما هي فتبسمت حين رأت دخول ذاك الرجل النبيل "رامي"، لن تنسى له موقف التصدي لذاك الوغد حين كان يتحرش بها، فمنذ ذاك اليوم وهي تراه كثيرًا حيث كثرت صدفهم، مرة داخل المكتبة الخاصة بالجامعة، وفي الفناء وحتى هنا داخل المقهى، كان يجلس بصحبة أصدقاء له، أثناء ما كان يمشط المكان بعينيه لمحها فجال بخاطره المرات التي رآها بها، فوجد نفسه يبتسم تلقائيًا، رفعت بصرها لتتلاقى الأعين وسرعان ما سحبت خاصتها سريعًا لتشغل حالها بتناول الطعام في محاولة للهرب من عينيه الساحرة، ضحك على خجلها وتابع تمشيط المكان ليجد من يرمقه بحقد وكراهية تقطر من عينيه فغمز له مع ابتسامة مستفزة في حركة أشعلت نيران "مازن" وجعلته يتوعد بسريرته بالانتقام منه.

***** مرت الليلة الأولى على الحبيبان بمنتهى القسوة، ذاق كلاهما الأمرين في الابتعاد واشتياق كل لحضن الآخر، أشرق صباح يوم جديد فتحركت إلى الشركة بكامل لياقتها.

ولجت للداخل تتحرك بخطوات ثابتة لامرأة قوية واثقة من نفسها، يلحق بها رجلين حراسة منتقاة بعناية لا يفارقاها أينما ذهبت، وصلت إلى مكتب السكرتيرة فتوقف الرجلان لانتهاء مهمة توصيلها واكتفيا بهذا الحد، وما أن لمحتها مديرة مكتبها "عالية" حتى هبت واقفة وهرولت عليها باستنفار لتقول بنبرة متوترة: -أنا بتصل بحضرتك من بدري وحضرتك ما بترديش. تحدثت "إيثار" بجدية: -كان معايا تليفون مهم يا "عالية". وتابعت وهي تتحرك

باتجاه باب مكتبها الخاص: -دي غير إني كنت قريبة من هنا، وأديني وصلت، تعالي نتكلم جوه وقولي اللي عندك. هتفت المرأة بصياح مرتبك وهي تراها تلف مقبض الباب استعدادًا لفتحه: -فيه حاجة لازم حضرتك تعرفيها قبل ما تدخلي مكتبك. نطقت جملتها بعد فوات الأوان، فقد تسمرت الأخرى بوقفتها وكادت مقلتيها أن تخرجا من عينيها مما رأت داخل المكتب. ترى ما الذي رأته إيثار جعلها تتطلع إلى الداخل بحيرة وذهول واستنفار؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...