الفصل 39 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم روز امين

المشاهدات
21
كلمة
4,734
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

كيف استطعت أن تسحبني من عالمي إلى عالمك الساحر بتلك السلاسة وتجعلني أتنازل عن أشياء وأتقبل أفعالًا ما كنت أتقبلها بالماضي، صدق من قال الحب يصنع المعجزات ويجعلنا نبدو كأشخاص لا يشبهوننا ونتنازل عن أشياء كنا نرفضها وبقوة بزماننا الفائت، فهنيئًا لي بقلبك أيها الوسيم القوي وهنيئًا لقلبك على امتلاكه لجوارحي. إيثار غانم الجوهري بقلمي روز أمين في منزل غانم الجوهري

يجلس منزوٍ على حاله فوق الأريكة، فمنذ أن خرج من الحجز منذ ثلاثة أيام وهو يغفو فوق تلك الأريكة المتواجدة ببهو الطابق الأرضي، لم يصعد إلى مسكنه مع تلك الخائنة خشية بأن يذكره كل ركن بها كم كان مغفلًا غافلًا بكل ما حوله.

تجاوره منيرة التي تبكي ليلًا ونهارًا ولم تجف دموعها تأثرًا لما وصل إليه نجلها البكري المقرب لقلبها، فقد ترك شعر ذقنه ينمو بكثرة ليجعل من مظهره مبعثرًا وفقد كثيرًا من وزنه بسبب حالة القهر التي أصابته على حاله وهو يتخيل حديث الناس عن الرجل المخدوع الذي عاش سنوات مع امرأة لا يعرف خباياها. أقبلت نوارة عليهما ممسكة بين يديها حاملًا عليه بعض صحون الطعام وتحدثت بنبرة حماسية كي تزيل من همه ولو قليلًا:

-عملت لك المسقعة اللي بتحبها يا أبو غانم، من حلاوتها هتاكل صوابعك وراها. حاوطت منيرة كتف نجلها وباتت تتحسسه بحنو وهي تقول: -يلا يا عزيز مد إيدك وكُل. نطق بصوت خافت والحزن والخزي يملآن ملامح وجهه: -مليش نفس يا إما. بصوت متألم ردت منيرة: -لازم تاكل يا ابني، أنتَ مش شايف شكلك بقى عامل إزاي؟ أجابها بكسرة وهو ينكس رأسه للأسفل: -هجيب النفس للأكل منين يا إما. ليسترسل بحزن ظهر بعينيه:

-البلد كلها مبقلهاش سيرة إلا على البقف اللي مراته كانت مستغفلاه وكانت السبب في خراب بيت أخته وقبضت التمن. بعينين تشتعل غضبًا هتفت منيرة بلهجة حادة أظهرت كم الغيظ الساكن بداخلها: -أهي ربنا انتقم منها ودفعت التمن من حياتها، والحرباية التانية اتقبض عليها وإن شاء الله يشنقوها ونخلص منها. لتستطرد بعينين تطلق شزرًا:

-الاتنين طلعوا أوطى من بعض، واحدة كانت عاملة فيها صاحبتها والتانية عايشة في وسطنا وواكلة خيرنا وهي خاينة عيشنا وملحنا. وضعت نوارة ما بيدها بجوار منيرة وتحدثت بهدوء: -خلاص بقى يا مرات عمي، الكلام مش هيفيد بحاجة غير إنه هيزود نار أبو غانم، اذكروا محاسن موتاكم. هتفت من بين أسنانها بحقد دفين: -وهي دي كان ليها محاسن، إلهي يكحمها مطرح ما راحت بحق ما خربت بيت بنتي وشتت الكل. واسترسلت بذهول وعدم استيعاب لما

فعلته زوجة نجلها الراحلة: -أنا مش قادرة أصدق ودماغي هتشت مني، الطماعة علشان شوية فلوس ضيعت من جوزها شغله مع الحاج نصر اللي كان هيعيشنا في عز وهنا منحلمش بيه. نطق عزيز بنبرة حادة وسباب: -بنت الـ... مهمهاش موت أخوها بسبب الفلوس ورجعت تطلب من العقربة اللي اسمها نسرين فلوس تاني، المصيبة إنها ما استفادتش بمليم واحد من الفلوس اللي اخدتها. -الله لا يسامحها دنيا ولا آخرة على اللي عملته فينا...

قالتها منيرة لتنسحب نوارة إلى الخارج، استرسلت بنبرة حنون وهي تضع الصينية على ساقيها لتحثه على المبادرة بتناول الطعام: -يلا يا ابني كُل لك لقمة واطلع استحمى وغير هدومك دي. واسترسلت بقوة: -ومن بكرة عاوزاك تطلع وتروح أرضك وتشوف مصالحك، كفاية قعاد في البيت لحد كده، أنتَ مش عامل عاملة علشان تستخبى في البيت. تنفس بهدوء قبل أن يوجه بصره لها لينطق بخزي: -حقك عليا يا إما، أنا جيت عليكِ وعلى أخواتي بعد موت أبويا وكله بسببها.

واسترسل بهراء ليلقي طمعه وجشعه على زوجته الراحلة كي يتنصل من ذنوبه: -كانت دايمًا تسخني عليكم بكلامها وأنا من خيبتي مشيت وراها. تنهدت بألم حين تذكرت تلك الأيام العجاف التي تذوقت فيهم طعم الذل والمرار على يد نجلها الذي وهبته كل ما تملك من حنان ومدته بكل دعمها وما تملك من سلطة داخل المنزل وبالأخير كانت هي أول من تُجبر عليها بقوته بعد رحيل والده. **********

أما بمنزل نصر البنهاوي، يجلس بصحبة أنجاله الثلاث والمحامي يتحدثون لكي يجدوا مخرجًا لتلك الـ "سُمية" لا لأجلها فهي بالأساس لا تعني لهم أي شيء، جل ما يشغل بال نصر الآن هو الانتخابية البرلمانية التي اقتربت وفقط. تحدث المحامي بأسى: -كل اللي بنعمله ملوش لازمة قصاد اعترافها يا حاج، سمية يادوب اعترفت من هنا وتاني يوم المحضر اتحول للنيابة وأخدوا أقوالها في عدم وجودي ومن غير حتى ما يبلغوني. واستطرد مشككًا:

-الموضوع تم بسرعة تخوف، الظابط صاحبي اللي في قسم المركز قال لي إن جالهم أوامر عُليا بسرعة الإجراءات، حتى سُمية كانت هتلغي اعترافها وتنكر زي ما أنا فهمتها واتفقنا، بس بتقولي إنهم كانوا مسجلين لها الاعتراف في القسم وعرضوه عليها وحطوها تحت ضغط نفسي لحد ما اعترفت قدام وكيل النيابة اللي أخد أقوالها. حك ذقنه وتحدث بعينين تطلق شزرًا: -هو فؤاد علام مفيش غيره، الراجل ده مش هيسكت إلا لما يجيب نهايتي.

هتف عمرو بحدة بالغة أظهرت كم استشاطته وناره المستعيرة: -ما أنتَ لو سمعت كلامي وخليتني أأجر عيل يخلصنا منه بطلقة مكناش وصلنا للي إحنا فيه ده. احتدت ملامحه وامتَلأت بالغضب الحاد ليهتف هادرًا: -اخرس يا بقف ونقطنا بسكاتك، أصلًا كل اللي المصايب اللي إحنا فيها دي بسبب عمايلك السودة. رمق أباه بحدة والتزم الصمت كي لا يثير غضبه أكثر فتحدث المحامي من جديد:

-أهم حاجة نشوف موضوع وصل الأمانة بتاع عاملة النظافة اللي الشرطة لقيته في دولاب نسرين قبل ما يستدعوها.

كانت الشرطة قد عثرت على وصل أمانة بمبلغ خمسون ألف جنيهًا مصريًا بداخل خزانة سمية باسم عاملة نظافة بالمستشفى العام التابعة للمركز وتُدعى ميرفت وبعثت لها استدعاءً للاستجواب بعدما أنكرت سمية معرفتها وعلاقتها بذاك الوصل، لكنها كانت خارج المدينة حيث انتقلت إلى محافظة الإسكندرية لزيارة أحد أقربائها واليوم فقط قد عادت إلى منزلها فاستغل نصر حضورها وبعث لها مرسولًا ليجلبها ويستفسر منها لما أعطت زوجة نجله هذا المبلغ وما المقابل وذلك بعد إنكار سمية للمحامي وامتناعها عن الإجابة على أسئلته بشأن ذلك الوصل.

ليتحدث طلعت بنبرة جادة: -أنا بعت لها الغفير وزمانه جايبها وجاي. خرجت إجلال تتطلع على الجميع بنظرات مبهمة تقشعر لها أبدانهم لتجلس دون التفوه ببنت شفة، دخلت العاملة لتنطق: -الغفير جه ومعاه واحدة برة وبيطلب السماح بالدخول يا حاج. أشار لها بكفه بعينين حادة كنظرات الصقر قبل أن ينطق: -خلي البت تتنيل تدخل لوحدها واعملي لنا شاي. ولجت السيدة الأربعينية بجسد مرتجف وباتت تتفحص الوجوه بعينين زائغتين مرتعبة لينطق نصر بقوة وثبات:

-من غير لف ودوران تنطقي وتقولي سُمية ادت لك الفلوس دي ليه. واسترسل بتهديد مباشر جعل المرأة تنتفض بوقفتها: -وإلا قسمًا بالله أخلي الغفير ياخدك يدفنك حية في الجبل ولا من شاف ولا من دري. صاحت بنبرة ترتجف رُعبًا: -هقول على كل حاجة يا حاج، بس والنبي بلاش الأذية وأديني الأمان. أخيرًا خرج صوت إجلال لتهتف بعينين تطلق سهامًا نارية لو خرجت لاخترقت جسدها بالكامل وأوقعتها صريعة في الحال: -ما تنطقي من غير رغي كتير يا بت.

أشارت بكفيها لتهتف بصوت أظهر كم الرعب الذي أصابها من نظرات تلك المتجبرة: -سمية، سمية هي وأمها جم واتفقوا معايا إني أدبر لها عيل بعد سبع شهور وهتديني مية ألف جنيه. اتسعت أعين الجميع ذهولًا لتتابع وهي تتلفت من حولها بهلع: -قالت لي إنها عيانة بورم في الرحم والدكتورة قالت لها لازم تشيله، بس قبل ما تعمل العملية لازم تجيب ولد بأي طريقة علشان تضمن عيشتها مع سي الأستاذ عمرو. واسترسلت بما أذهل الجميع:

-اتفقت معايا أدبر لها ولد وأخطفه من المستشفى يوم ولادته، عطتني خمسين ألف جنيه وكتبتني بيهم وصل أمانة، واتفقت معايا تسلمني الخمسين التانيين بعد ما أسلمها العيل. هب واقفًا وبات يصرخ ملقيًا اللوم على والديه: -شوفتوا الحية اللي معيشيني معاها غصب عني، عاوزة تلبسني عيل من الشارع بنت الـ... سبها ليكمل لومه: -شوفت يا بابا آخرة إصرارك وجبرك ليا على العيشة معاها؟!

أما نصر فكان مصدومًا مما استمع إليه، أحقًا ما قصته عليه تلك العاملة؟ لينطق بنبرة تدل على مدى صدمته: -ده أنا معيش في بيتي زعيمة عصابة وأنا ولا داري، تخطيط شيطاني علشان تلف على ابني وتتجوزه وقتل، وآخرتها عاوزة تلبسنا عيل مش من نسلنا. -تبعت تجيب لي أمها ومسافة ربع ساعة تكون تحت رجليا علشان أعرفها التخطيط اللي على حق بيبقى إزاي... كلمات نطقتها إجلال بعينين تطلق شزرًا لتتابع بهسيس من بين أسنانها:

-وأنتَ يا طلعت، تاخد الرجالة وتروحوا تكسروا بيت أبوها وتجيبوا عاليه واطيه والليلة يسيبوا البلد ويغوروا بلا رجعة. -قوم يا طلعت مستني إيه... قالها نصر بحدة تأكيدًا على قرار زوجته لينطق من جديد متوعدًا: -ما اتخلقش لسه اللي يستغفل نصر البنهاوي وعياله. ثم حول بصره للمحامي الجالس بصدمة ليتابع بغل وكلمات خرجت من تحت أسنانه:

-البت تطلعها لي براءة بأي طريقة، وأنا بنفسي اللي هقوم قيامتها علشان أعرفها التخطيط لنصر وعياله بيبقى إزاي. ليصيح بكامل صوته مستدعيًا العاملة: -بت يا صباح، اطلعي اندهي لي الغفير من برة علشان ياخد الست ميرفت مشوار لحد الجبل. هرولت لترتمي بجسدها المنتفض تحت ساقيه تقبلهما بهلع وهي تهتف بدموعها الحارة وتترجاه:

-أبوس إيدك ترحمني يا حاج، أنا مليش دعوة بحاجة، هي اللي فضلت تتحايل عليا وفي الآخر صعبت عليا لما عرفت بمرضها الوحش. نفضها بحذائه بقوة ليدفعها بتجبر لترتمي بعيدًا وهو يهتف من بين أسنانه: -كل واحد يستحمل نتيجة أفعاله، وابقي دوري على حد تصعبي عليه أنتِ كمان لما ادفنك حية. حضر الغفير ليجذبها بعنف فأسرع إليها المحامي لينطق بعدما جذب المرأة من بين قبضة الرجل:

-بلاش يا حاج، النيابة باعتة لها استدعاء ولو ما راحتش هتبقى مصيبة وهيتفتح علينا أبواب جهنم، أنتَ داخل على انتخابات ومش ناقص شوشرة. نطقت إجلال وهي ترمقها بنظرات مرعبة: -تطلعي من هنا على النيابة وتقولي لهم إن المحروقة اللي اسمها سمية كانت عطيالك الفلوس مساعدة منها علشان تبني بيهم بيتك وهترجعيهم لها بعدين من شغلك. واسترسلت بحرص كي لا تتشوه رجولة نجلها المدلل في البلدة لو انتشر ذاك الخبر:

-وسيرة العيل دي لو طلعت من لسانك هقطعهولك، مفهوم يا بت؟! على الفور هزت رأسها عدة مرات متتالية دلالة على التأكيد لتتابع الأخرى وهي ترمقها بسخط: -غوري يلا من هنا. هرولت المرأة للخارج تلاها المحامي وخرج طلعت مع رجاله لتنفيذ أوامر والده بجلب والدة سمية كي تتفشى بها إجلال، وتخريب منزل عائلتها وإخراجهم من البلدة بأكملها، لم يتبق بصحبة نصر سوى عمرو المستشاط وإجلال وحسين الذي نطق بعدم استيعاب:

-أنا مش مصدق اللي بيحصل ده، حاسس إني في كابوس ولا بتفرج على فيلم أكشن. رمق نصر عمرو ليهتف بجنون: -البت دي كانت بتجيب الفلوس دي كلها منين ياد؟! ازدرد لعابه خشية معرفة والده بعمله الخاص في التنقيب عن الآثار لينطق بزيف وارتباك: -أكيد باعت دهبها.

تذكر حين كان يكتشف ضياع ماله ويسألها عنه فتقول بكذب أنها لم تر أي نقود معتمدة على نسيانه الدائم بسبب الحبوب المخدرة الدائم على تناولها بشكل مستمر مما جعله ينسى ويتوه أحيانًا، ومن كثرة ماله الحرام لم يعد ينتبه لما ينقص منه لينطق والده مشككًا: -وهو دهبها هيكفي نسرين ولا الست ميرفت ولسه اللي مستخبي. -وأنا هعرف منين يا بابا، ما يمكن كانت بتسرقكم وأنتوا مش حاسين... قالها بمراوغة ليتابع مبدلًا مجرى الحديث:

-وبعدين إحنا في إيه ولا في إيه، أنا بكلمك في اللي كانت عاوزة تلبسني في عيل مش من صُلبي وأنتَ بتكلمني عن الفلوس؟! نطقها بغضب مصطنع لتنطق إجلال بنبرة حنون: -اقعد يا عمرو واهدى، ورحمة أبويا الحاج ناصف اللي عمري ما أحلف بيه باطل، لأكون جايب لك حقك منها هي وأهلها لحد ما يصعبوا عليك وأنتَ بنفسك اللي تقول لي كفاية. نظر لوالدته ليهدأ قليلًا ثم تحرك يجاورها الجلوس لينطق من جديد: -أنا عاوز أشوف ابني. هتف نصر بقوة وحزم:

-الموضوع ده تنساه خالص لبعد الانتخابات. نظر أمامه ونطق بتوعد وشر: -فؤاد علام بيحاربني وحسابه تقل قوي معايا. واستطرد من بين أسنانه: -ونصر البنهاوي مبيسبش حقه ولا بيسامح في الأذية. لوت إجلال فاهها وابتسمت ساخرة على ما ينتظر ذاك الأبله على يدها، ليسترسل وهو ينظر له: -النهاردة بالليل تروح مع حسين للمأذون وتطلق البت دي بالتلاتة. شعر وكأنه كان حبيسًا وفُك أسره لينطق بسعادة مبالغ بها: -بجد يا بابا؟! أجابه نصر

بعد تفكير عميق في الأمر: -كده كده المحامي قال لي إنها مش هتتنيل تطلع من السجن وهترسي للإعدام، يبقى تطلقها ونظهر قدام الناس إننا مبنرداش بالظلم وإني أجبرت ابني يطلقها أول ما اتأكدنا إن هي اللي قتلت مرات عزيز. واسترسل وهي يحك ذقنه: -أنا هكلم المحامي وأخليه يسيب القضية.

ابتسمت ساخرة على دهاء ذاك الذي يخطط بذكاء ويبدل في خطته البديلة كما يبدل أحذيته لكنها ستفاجئه بالضربة القاضية التي ستنهي على مستقبله السياسي والمالي أيضًا. بعد مرور أسبوع تحولت قضية سمية إلى محكمة الجنايات للبحث قبل النطق بالحكم وقد تخلى عنها المحامي وانسحب وتركها أهلها وحيدة كما أمرهم نصر قبل تشريدهم وطردهم من القرية والمركز بأكمله، وقد تم طلاقها من عمرو مما جعلها تدخل في حالة من عدم التصديق ونكران الواقع.

********** عصرًا كانت تغفو بغرفتها تغط في سبات عميق، فاقت من نومها لتهرول سريعًا إلى الحمام لتصل إلى الحوض وبدأت باستفراغ جميع ما تحتويه معدتها، باتت تكرر العملية حتى استمعت لبعض الطرقات بالخارج، لم تستطع الخروج لصعوبة حالتها، ارتمت على أرضية الحمام لتستمع لصوت عزة التي أقبلت عليها بهرولة: -اسم الله عليكِ يا بنتي، مالك يا إيثار إيه اللي حصل؟ كانت تتنفس بصعوبة بوجه شديد الاحمرار تأثرًا بحالة الاستفراغ

لتنطق بكلمات متقطعة: -هموت يا عزة، مش قادرة، الترجيع هيموتني. مالت عليها لتسندها وهي تقول: -ده من الوحم يا حبيبتي، يعني هو أنتِ أول مرة تحملي.

ساعدتها على النهوض لتستند من جديد على الحوض وتكرر ما فعلته، أمسكت عزة بالماء لتغسل لها وجهها علها تستفيق وتنتعش، استمعا لصوت ذاك الذي حضر للتو من عمله ليهرول على عجالة فور استماعه لصوتها الآتي من الحمام بعد إلقائه لحقيبة عمله، اتسعت عينيه بهلع بعدما رأى إعيائها الشديد وبلحظة كانت بأحضانه ليتفحص ملامحها وهو يسألها بقلب يرتعش رعبًا لأجلها: -مالك يا بابا، مالك؟

لم تستطع الرد عليه لشدة تعبها كل ما فعلته هو الارتماء بأحضانه وبإلقاء رأسها وإسنادها على صدره ليميل بطوله الفارع ويحملها بين ساعديه ليهرول باتجاه الفراش فأجابته عزة التي لحقته بهرولة لتساعده: -متخافش ده من الوحم. مددها على الفراش ليحتضن وجنتيها يتطلع عليها بنظرات متألمة لأجلها، نطق بصوت متأثر: -هتصل بالدكتور يجي حالًا. نطقت عزة بتهوين كي تطمئن قلب ذاك العاشق: -مش مستاهلة يا باشا، اللي بيحصل لها كل ده من الوحم. حول

بصره إليها لينطق باستخفاف: -أيوه نسيبها يعني ولا إيه مش فاهم؟ ثم تطلع على حبيبته قائلًا بنظرات تقطر حنانًا ممزوجًا بعشق هائل: -هقوم أكلم الدكتور على ما عزة تساعدك تغيري هدومك. هزت رأسها بنفي لتهتف عزة مقاطعة: -متكبرش المواضيع قوي كده، هي كباية جنزبيل سخن هتخليها زي الفل. كاد أن يعترض فقاطعته إيثار بصوت متأثر: -عزة عندها حق يا حبيبي، هي كباية جنزبيل وهبقى كويسة.

بعد قليل جلبت لها عزة كوبًا من مشروب الزنجبيل الساخن وتناولته وبعدها هدأت ليسألها بنبرة حنون: -طمنيني يا بابا عاملة إيه؟ أومأت برأسها لتنطق مع ابتسامة حنون كي تطمئن قلب حبيبها المُلتاع: -الحمد لله أحسن. هتفت عزة وهي ترفع قامتها لأعلى بتفاخر: -مش قولت لك، علشان تبقى تسمع كلامي بعد كده من غير مقاوحة. رفع حاجبه باستنكار يتطلع عليها ليكرر كلمتها مستهجنًا:

-مقاوحة، وغلاوة الدكتورة عصمت عندي لأكون مجوزك السنة دي علشان أخلص من لسانك ده يا عزة. لوت فاهها مستنكرة وهي تقول: -قَطع الجواز وسنينه، قال جواز قال. لتتابع بعدما أخرجت صوتًا بفمها جعل فؤاد يدخل في نوبة ضحك: -وأنا كنت شفت اللي اتجوزوا فلحوا لما هروح أقلدهم. نطق بهدوء يحثها على الخروج: -طب يلا على تحت خليهم يجهزوا الغدا وأنا والمدام نازلين حالًا. بالفعل هبطت للطابق الأرضي ليعتدل هو أمام حبيبته لينطق بعينين تفيض عشقًا:

-البيبي شكله طالع شقي وهيتعب حبيبي معاه. رفع كفها لمستوى فمه ليضع قُبلة وهو ينظر لها بحنان الدنيا بأكملها وهو يتابع بعينين معتذرتين: -أنا آسف يا عمري. ابتسمت بحنان لتجيبه: -تعب الدنيا كله يهون قدام لحظة سعادة واحدة بشوفها في عيونك وأنتَ بتلمس بطني وبتتخيل البيبي، فما بالك لما يوصل بالسلامة وتاخده في حُضنك. أخذت نفسًا مطولًا لتتابع بعينين تفيض غرامًا وهي تتحسس بطنها:

-عارف يعني إيه إحساس إن جوايا حتة من الراجل اللي بحبه. تطلع إليها بعينين لامعتين من شدة العشق لتتابع هي: -ده شعور حلو قوي يا فؤاد وأول مرة أجربه. أغمض عينيه ليضع قبلة فوق كفها ويتعمق بها لينتفض جسده حين استمع لدقات عالية لينطق بقوة: -ادخل. ظهرت عزة بملامح مستاءة لتنطق بحدة: -الأكل تلج على السفرة، الناس مستنيينكم من ساعة وأنتوا قاعدين تحبوا لي في بعض. أغمض عينيه ليكور كفه وهو يقول من بين أسنانه:

-امشي من قدامي يا عزة بدل ما أقوم أرتكب فيكِ جريمة. -انزلي يا عزة اطلعي يا عزة لحد ما رجليا اتكسرت، أنا كان مالي ومال الهم ده بس يا ربي... كلمات اعتراضية نطقتها لتنطلق ضحكات إيثار العالية ليوجه بصره عليها وهو يسألها متعجبًا: -واضح إن كلام عزة هانم عجبك قوي. هزت رأسها قائلة لتشاكسه: -كل حاجة من عزة بتعجبني. ابتسمت عزة لتنطق بمداعبة: -ريح نفسك يا سيادة المستشار، مش هتعرف تدخل بينا وتفرقنا عن بعض أبدًا. تنفس ليقف فاردًا

ظهره وهو يقول: -يلا ننزل علشان اللي مستنيين تحت دول وبعدها نطلع ونتحاسب. نزلت عزة وتحركت هي بجوار زوجها بعدما ارتدت ثيابًا ساترة لجسدها وشعر رأسها، انضما للعائلة وتناولا الطعام تحت اشمئزاز إيثار من رائحة الطعام وعدم رغبتها في تناوله، ليلًا خرج فؤاد للالتقاء بأحد أصدقائه تاركًا إيثار بصحبة والديه بالأسفل، شعرت بالإعياء قليلًا لتجبرها عصمت على التمدد فوق الأريكة ببهو المنزل ليسألها علام بنبرة حنون: -حاسة نفسك أحسن؟

لتجيبه بهدوء: -الحمد لله يا بابا، أحسن شوية. نطقت عصمت وهي تتحسس ذراعها بحنان: -معلش يا حبيبتي اتحملي، هي الشهور الأولى في الحمل بتبقى سخيفة، بس إن شاء الله يعدوا على خير وبعدها هتبقي كويسة. ردت بابتسامة هادئة على والدة زوجها التي تغمرها بحنانها ورقي تعاملها: -إن شاء الله يا حبيبتي.

هبطت فريال وزوجها من فوق الدرج لينضما إلى العائلة وما أن جلسا وكادت إيثار أن تعتدل من تمددها وقبل أن تنزل ساقيها إلى الأرض ولج فؤاد ليستشيط غضبًا وغيرة عندما رأى زوجته ممددة فوق الأريكة وزوج شقيقته يقابلها الجلوس، هرول عليها لينطق بملامح متجهمة وهو يقف أمامها يحميها بجسده: -السلام عليكم. رد الجميع السلام لتعتدل هي سريعًا ليباغتها بجذبه ليدها وهو يقول: -يلا علشان نطلع جناحنا.

ازدردت لعابها حين رأت تجهم ملامحه الغاضبة لتهز رأسها بإيجاب سريع وتهب واقفة بمساعدته لينطق علام موجهًا حديثه لنجله: -هتطلعوا ليه من الوقت يا فؤاد، اقعد معانا لحد ما نتعشى وبعدين ابقى اطلعوا براحتكم. نطق وهو يحثها على التحرك بجانبه بحدة شعرت بها: -معلش يا باشا أنا راجع تعبان شوية ومحتاج أقعد براحتي. تبادل الجميع النظرات مستغربين حدته لينطلقا نحو الدرج وهو يصيح بصوته الغاضب: -عزة! هرولت من المطبخ لتجيبه باحترام:

-أؤمر يا باشا. أجابها وهو يصعد بخطوات واسعة غير عابئًا بتعب تلك التي يجذبها خلفه دون مراعاة لإعيائها: -ابقي طلعي لنا العشا فوق وهاتي معاكِ يوسف واعملي حسابه. -حاضر... قالتها عزة لتنسحب للداخل من جديد، تطلع ماجد على زوجته المتعجبة تصرف شقيقها لتنطق عصمت سريعًا وهي تنظر إلى ماجد في محاولة منها لتلطيف الأجواء: -أكيد فيه حاجة ضايقته برة. أومأ لها ليقف قائلًا باعتذار: -أنا خارج أشم شوية هوا برة في الجنينة.

أسرع للخارج لتنطق فريال وهي تلحق بزوجها: -أنا كمان هروح أتمشى مع ماجد. بعد ذهاب الجميع نطق علام بوجه حزين: -ابنك بيغير على مراته من جوز أخته. -معقولة؟! ... نطقتها بذهول لتتابع نافية وهي تهز رأسها: -بس فؤاد أعقل من كده يا علام. نطق مفسرًا بنبرة ظهر بها الحزن: -ومن إمتى العقل والغيرة بيجتمعوا في جملة واحدة يا عصمت. ليتابع بدهاء:

-أنا ليا مدة ملاحظ تصرفات فؤاد الجديدة عليه مع ماجد، مؤخرًا بيتعمد ما يقعدش هو ومراته في تجمع فيه جوز أخته، ومكانه على السفرة اللي غيره علشان يكون في صف واحد مع ماجد. بنبرة مهمومة سألته: -طب والعمل يا علام، هنعمل إيه؟ رفع كتفيه باستسلام. ********** تحركت بجواره وما أن ولجا لجناحيهما حتى أغلق الباب ليستدير لها صائحًا بحدة:

-المنظر اللي شوفته من شوية ده ميتكررش تاني وإلا قسمًا بالله هحبسك هنا في الجناح وتحت ده مش هتلمحيه بعينيكِ تاني. ليتابع بعينين تطلق شزرًا: -فاهمة ولا لا؟! انتفض جسدها لتنطق بصوت خافت بدفاع عن حالها: -ده لسه نازل من فوق وأنا كنت لسه هعدل نفسي. احتدت ملامحه وامتَلأت بالغضب ليهدر بصوت أرعبها: -مش عاوز أسمع زفت مبررات، هي كلمة واحدة اللي مسموح لك تنطقيها وهي حاضر. اغرورقت عينيها بالدموع لتخرج صوتها متألمًا بنبرة عاتبة:

-أنتَ بتكلمني كده ليه يا فؤاد؟ أنا معملتش حاجة تستاهل غضبك ده كله؟ الغضب يملأ عينيه ويحتل جميع جسده لدرجة أنه لا يقبل بالنقاش حاليًا ليهتف بقوة وإهانة دون الانتباه لتعبها: -فعلًا معملتيش؟! ليصيح بعينين تطلق سهامًا نارية: -ولما أدخل ألاقي الهانم مراتي راقدة وفاردة جسمها قدام راجل غريب، إسميه إيه ده يا مدام؟! برغم حالة الإعياء المسيطرة عليها إلا أنها لم تتحمل إهانته لتهتف بقوة وعينين حادتين رافضة اتهامه:

-خلي بالك من كلامك يا فؤاد، أنا كنت قاعدة مع بابا وماما لوحدنا ولما ماما شافتني تعبانة أصرت عليا أنام على الكنبة جنبهم، وقبل ما توصل بثواني نزلت فريال وجوزها. صرخ بجنون الغيرة على من ملكت لُب عقله وتملكت من الكيان: -وليه ما طلعتيش في جناحك بمجرد ما شوفتيه نازل من على السلم؟! -ملحقتش... صرخت بها لتتابع بنبرة متألمة من شكه بها: -أنا مجرد ما حسيت بيه قدامي كان قعد وعلى ما حاولت أقوم كنت أنتَ دخلت.

صاح بانفعال شديد جعل من أوردة عنقه تنفر وتنتفض بقوة: -قولت لك مش عاوز مبررات، وقسمًا بالله يا إيثار المنظر ده ما يتكرر تاني لتشوفي وش لفؤاد علام يصدمك. تطلعت عليه تتعمق بعينيه بنظرات عاتبة قبل أن تهرول صوب الباب ليجذبها من يدها قبل أن تلف مقبض الباب لفتحه ليحثها على الاستدارة له وهو يسألها بنظرات حادة كالصقر: -على فين يا مدام؟! نفضت يده بعزم لتنطق بحدة: -هروح أبات في أوضة يوسف. اتسعت عينيه ليهتف هادرًا بحدة وجنون:

-خلي ليلتك تعدي على خير ومتخلنيش أطلع جناني عليكِ. ليسترسل بقوة: -وإياكِ بعد كده تتحركي من الجناح ده، مش كل ما نتخانق تجري تستخبي لي في أوضة يوسف. لم تستطع التماسك أكثر من هذا فنزلت دموعها ليصرخ موبخًا: -عيطي ولا حتى اتفلقي.

شهقت بقوة ليهرب من أمامها متجهًا إلى الشرفة لترتمي هي فوق الفراش تبكي بقهر وألم، رفع يده وجذب شعر رأسه للخلف بقوة كادت أن تقتلعه من جذوره، تطلع من حوله ليغمض عينيه في محاولة منه لتهدئة حاله وإخماد حريقه المشتعل. ********** بالأسفل بحديقة القصر، كان ممسكًا سيجارة بين أصابعه ينفث بها عن غضبه لتسأله زوجته بهدوء: -مالك يا ماجد؟ نطق بنبرة حادة وملامح وجه متجهمة: -مفيش. نطقت باستياء: -ده على أساس إن أنا معرفكش؟

أخذ نفسًا مطولًا من سيجارته لينفث دخانها سريعًا في الهواء الطلق قبل أن يهتف بنبرة ظهر عليها الغضب: -طالما عارفاني يبقى أكيد عارفة إيه اللي ضايقني. -تقصد فؤاد؟! ... قالتها بترقب ليهتف بحدة: -طب ما أنتِ واخدة بالك أهو. وضعت كفها على ظهره تتحسسه بحنان لتنطق مبررة تصرف شقيقها: -فؤاد عمره ما كان بيتصرف كده، أكيد فيه حاجة زعلته في الخروجة. لتسأله بترقب شديد: -وبعدين أنتَ ليه أخدت الموضوع بشكل شخصي.

أجابها بما بدأ يستشعره مؤخرًا من تصرفات فؤاد المستجدة: -علشان أخوكِ ليه فترة متغير معايا أنا بالذات يا فريال، ده بيخبي مراته مني، تخيلي؟! نطقت لتخفف من آثار ما فعله شقيقها على نفس زوجها: -يا حبيبي أنتَ اللي بقيت حساس قوي، اللي أنتَ بتقوله ده بعيد كل البعد عن شخصية فؤاد واسترسلت بتبرير مستندة للماضي:

-ما احنا كنا عايشين معاه أيام ما كان متجوز الزفتة نجلا وعمره ما اعترض على وجودك ولا اتصرف بأي طريقة تحسسك إنه متضايق منك. نطق مفسرًا ما استطاع قراءته من عينين شقيقها: -أيام زمان شيء والوقت شيء تاني يا فريال، أخوكِ بيحب إيثار وبجنون كمان. تنهدت ولم تجد بداخلها شيئًا مناسبًا للرد ففضلت الصمت والوقوف بجواره دون حديث. **********

بنفس التوقيت داخل منزل محمد شقيق إجلال، اجتمعت العائلة بناءً على طلب منها بعدما تقدم المحامي بأوراق هارون طلبًا لانضمامه في السباق الانتخابي عصر اليوم الأخير وقبل أن يغلق باب الترشح بساعة واحدة ليتحدث شقيقها الأصغر عبد الله: -خير يا ستهم، جمعتي الكل ليه؟ تراجعت بظهرها للخلف لتنطق بقوة وثبات وهي تنظر لهارون الجالس أمامها: -هارون قدم في الانتخابات النهاردة، وأنا اللي خليت المحامي قدم له الورق. ضيق محمد عينيه

ليسألها بعدم استيعاب: -انتخابات إيه؟! نطقت بقوة: -انتخابات مجلس الشعب يا حاج محمد. -طب ونصر؟! ... نطقها أحد الحضور لتهتف من بين أسنانها بغل: -الخاين الواطي طلع متجوز عليا بت صغيرة ومعيشها في مصر. اتسعت أعين الجميع ليهتف عمها بقوة زلزلت أركان الحجرة: -الواطي الجبان قليل الأصل، إزاي يتجرأ ويتجوز على بنت الحاج ناصف. هب شقيقها واقفًا لينطق بغضب عارم لو خرج لأحرق الأخضر واليابس بطريقه:

-ده أنا هروح أعلقه على أعلى شجرة على كوبري البلد وأخليه فرجة للي رايح واللي جاي على الطريق. نطقت بنبرة حادة كي تحثه على التراجع والهدوء: -اهدى يا حاج عبد الله واقعد خلينا نتكلم بالعقل، ده مهما كان برضه أبو عيالي وإهانته هتهينهم هما كمان، أنا هدمره بس بطريقتي. واسترسلت بقوة اكتسبتها من المكانة التي وهبها لها والدها وفرضتها جبرًا على الجميع:

-النهاردة الحاج هارون اترشح، من بكرة الصبح عاوزة صوره تملى شوارع كل بلاد المركز علشان نصر يشوفها ويتفاجئ ويتقهر. واسترسلت آمرة بطريقة جعلت من شقيقها الأكبر يغضب من داخله: -عاوزين نعمل له دعاية محصلتش، وكل واحد فيكم يروح لنسايبه ومعارفه من البلاد التانية ويوصيهم. نطق عمها بقوة:

-أصلًا أي حد هيعرف إن حد من عيلتنا نازل الانتخابات هيدي له صوته وهو مغمض، إحنا كنا عاملين لك أنتِ بس حساب ومحدش من عندنا بيترشح قصاده، بس طالما بدأ بالخيانة وعض الإيد اللي اتمدت له يبقى حلال فيه اللي هيشوفه على إيديكِ. نطقت بغضب عارم وحقد ظهر من بين نظراتها: -أنا مش هكتفي بخسارته في الانتخابات يا عمي، أنا عاوزاه يرجع شحات زي ما خدته، عوزاكم تنبهوا على كل تجار الآثار محدش يتعامل معاه تاني.

وأنتَ يا حاج محمد، عاوزاك تسحب كل الرجالة اللي بتساعده في الحفر، عوزاكم تشلوا حركته وتقطعوا عنه حتى النفس علشان ما يبقالوش ملجئ غيري. واستطردت متوعدة بسخط: -وساعتها هعرفه هو لعب مع مين. هتف محمد متوعدًا بشر: -أنا هدمرهولك يا ستهم، وما أبقاش ابن الحاج ناصف إن ما خليته يصرخ ويولول زي النسوان. نظرت للجميع بقوة وتابعوا التخطيط على تدمير نصر. ********** بعد منتصف الليل

كان كلا منهما ممددًا على التخت ذاته لكن تفصل بينهما مسافات وأميال، كانت تعطيه ظهرها ممددة على جانبها الأيسر تضع كفها تحت رأسها بقلب حزين وعينين منتفختين من شدة بكائها الذي استمر كثيرًا، نظر عليها وتنهد بضيق، ما زال غاضبًا منها حتى الآن على إيثارها لجنون غيرته العمياء وعدم مراعاتها لتلك النقطة، زفر بقوة لعدم قدرته على حسم قرارًا بالاقتراب منها وترضيتها، قلبه يتلهف شوقًا وخوفًا عليها ويطالبه بقوة ضمها ومحو الحزن عن

عينيها لأجل سلامتها ولأجل الحفاظ على جنينه الغالي، لكن عقله رافضًا ويؤنبه بل ويحذره من الرضوخ لطلب هذا القلب الضعيف، يطالبه بالقوة والثبات على موقفه كي تأخذ حذرها بالمستقبل وتعلم أنه لم ولن يغفر الخطأ بسهولة وتعيد بتفكيرها آلاف المرات قبل الإقبال على أي خطوة.

زفر بقوة للمرة الثانية وحين وجد قلبه يلين ويحاول إضعافه انتفض واقفًا ليذهب إلى الحمام ويختفي خلف بابه، خلع عنه قطعة الملابس السفلية التي يغفو بها دائمًا وألقاها أرضًا من شدة غضبها وتحرك تحت صنبور المياه وفتحه لينهمر منه الماء البارد على جسده عله يُطفئ من روحه وجسده المشتعلان بلهيب الغيرة، أعاد شعره للأسفل ثم استند بكفيه على الحائط الرخامي وأغمض عينيه وبدأ يتنفس تحت الماء المنهمر كي يخرج شحنة الغضب الكامنة بداخله، ظل

على هذا الوضع أكثر من خمسة عشر دقيقة ليخرج بعدها مجففًا جسده ويلف نصفه السفلي بمنشفة كبيرة، خرج ليجدها ما زالت على وضعها، تحرك صوب خزانة ثيابه وأخرج قطعة ملابس سُفلية جديدة وارتداها لينضم مجددًا إليها بالتخت، نظر عليها ليبتلع لعابه ثم استدار ليعطيها ظهره عله يستطيع النوم إذا ما رآها أمامه، ولكن كيف يتحاشى وجودها ورائحة عطرها تتغلغل بأنفاسه وتقتحم رئتيه، جاهد حاله بصعوبة على ألا يجذبها ويسكنها بأحضانه ككل يوم، حالها

لم يختلف بالكثير عنه، غاضبة نعم وللغاية لكن حنينها يسحبها إليه، تريد الارتماء داخل أحضانه كي يشعرها بالأمان، فمنذ ليلة زواجها الفعلي منه وهي تغفو بأحضانه لتشعر بالسكينة والأمان لكنها الآن تحاول أن تجاهد شعورها بالحنين إليه، لم تستطع الثبات فاستدارت لذاك الذي يواليها ظهره ونطقت

بصوت اخترق أعماق قلبه: -مش عارفة أنام، ممكن تاخدني في حضنك؟ وكأنه كان ينتظر الإشارة ليُلبي نداء قلبه قبل قلبها، استدار بلهفة لينظر لها، نظرت إليه باستعطاف ليبادلها إياها بلوم وعتاب ثم فرد ذراعه باتجاهها فتسحبت لتضع رأسها عليه كقطة سيامي، نظر لها لينطق بنبرة خافتة: -متعمليش كده تاني. صمتت ليعيد حديثه مرة أخرى ولكن بحدة: -مسمعتش ردك ليه؟ -حاضر... نطقتها بهمس يكاد يُسمع لينطق بقوة: -علي صوتك. -حاضر...

قالتها بصوت واضح ليجذبها بعنف ويميل على شفتيها يلتهمها لتبادله قبلته العنيفة التي فصلاها بعد حاجتهما الملحة للهواء، نطق بعينين تذوب عشقًا: -غيرتي نار قايدة لو خرجت هتحرقك وهتحرقني معاكِ، حاولي تتجنبي خروجها علشان نقدر نكمل حياتنا وإحنا مرتاحين. -والله ما عملت حـ... كادت أن تكمل، فوضع إصبعه فوق شفتيها لينطق بعينين حادة: -قلت لك مش عاوز أسمع مبررات.

هزت رأسها بطاعة ثم نكستها للأسفل وقد كست ملامحها الحزن، ليمد يده يرفع ذقنها ليجبرها على النظر لعينيه ثم سألها بقوة: -بتحبيني؟ أجابته بدون تردد: -عمري ما عرفت الحب غير على إيديك. نطق بملامح ما زالت حادة: -يبقى تريحيني وتسمعي كلامي لحد ما أشوف حل للي إحنا فيه. أجابته بهدوء: -حاضر يا فؤاد، بس عوزاك توعدني بإن اللي حصل النهاردة ده ميتكررش تاني. قطب جبينه بعدم استيعاب لترد على تساؤلات عينيه دون أن يبوح بها:

-بلاش تدخلنا في سكة الشك لأني مش هقبلها منك بعد النهاردة. نطقتها بحزم لأنها ذكرتها بغيرة وشك عمرو بها وضربه وإهانته له، فنطق هو سريعًا ينفي شعورها: -أنتِ اتجننتي يا إيثار، شك إيه اللي بتتكلمي عنه! ليسترسل بصدق ظهر بين عينيه: -أنتِ أكبر وأطهر من إني أشك فيكِ. مطت شفتيها للأمام لتسأله بحزن: -أمال كلامك ليا النهاردة معناه إيه؟! نطق سريعًا بدون تردد:

-غيرة ونار قايدة بتاكل في جسمي على الست اللي ما دوقتش الغرام إلا على إيدها ولا حسيت بالراحة غير في حضنها. وضعت كفها تتحسس ذقنه النابتة قبل أن تنطق بدلال أذاب قلبه وأنعش روحه: -وإذا كانت الست نفسها بتقول لك إنها مبقتش شايفة في الدنيا دي كلها غيرك لدرجة إنها بتشوفك في كل الوشوش، بردوا هتغير؟! مرر إبهامه على شفتيها لينطق بعينين بالغرام ناطقة: -لو مغيرتش عليكِ يبقى معنديش نخوة ولا بحبك بالدرجة الكافية.

ما شعرت بحالها سوى أنها تقترب على شفتيه لتقوم بوضع قبلة رقيقة بثت له من خلالها كم أنها ذائبة عاشقة هائمة في سماء عشقه، سرعان ما تحولت قبلتهما لشغوفة مجنونة، ظل يقبلها بنهم، لتتحول قبلتهما لرغبة مجنونة، سحبها معه داخل دنياهما الحالمة ليعزفا معًا أجمل معزوفة على أوتار العشق ويسبحا داخل بحر شهدهما المميز والفريد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...