الفصل 31 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم روز امين

المشاهدات
18
كلمة
6,594
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

صباحك قهوة، في العادة يقولون صباحك سكر، لكني بدّلتها بصباحك قهوة، أنت سكرها، فرائحة القهوة التي تخطفني لعالمها ومذاقها الساحر، حيث أذوب مع رشفاتها، بالنسبة لي شيئًا هامًا لاستمرار الحياة، أما أنت يا قرة العين ويا درة النفس، فأصبحت لي الحياة بأكملها. فؤاد علام زين الدين

صباحًا، فاق على صوت المنبه حيث صدح بجواره، فقام برفع رأسه سريعًا ليجد آسرة الفؤاد واضعة رأسها فوق صدره، فمنذ انتقالها لهذا الجناح والنوم بتخته قد اتخذت من صدره مخدعًا وأصبح واحة راحتها. بسط ذراعه ليغلق الصوت سريعًا كي لا يزعج ملاكه الغافي، لكنها بالفعل بدأت في تحريك أهدابها بعد أن شعرت بحركة فارسها النبيل. رفعت رأسها تتطلع عليه لينطق وهو يرجع خصلات شعرها الهاربة خلف أذنها: -غمضي عيونك ونامي يا بابا. -هتروح شغلك؟

قالتها بصوت ناعس وعينين تغلقان بفضل نعاسهما، فأجابها بنبرة حنون: -آه يا حبيبي. رفعت جسدها لتقول بتكاسل يرجع لعدم حصولها على القسط الكافي من النوم بسبب سهرتها المميزة ليلة أمس بصحبة معشوق روحها: -هقوم علشان أساعدك في لبسك وأنزل معاك لحد ما تفطر وتاخد قهوتك. جذبها برفق ليعيدها إلى مكانها من جديد وهو يقول بعينين تحمل كمًا هائلًا من الحنان والحب: -أنت ما نمتيش كويس يا حبيبي، نامي وأنا هلبس وهنزل أفطر مع الباشا.

واستطرد بنبرة حنون: -وبعدين النهاردة يوسف عنده إجازة، خدي كفايتك من النوم علشان تقومي فايقة وتقضي اليوم معاه. شملته بنظرات هائمة تأثرًا بجمال قلبه الذي يحمل حنان الدنيا، لتتلمس خده بكفها الرقيق وابتسمت لتقول بحالمية: -على فكرة بقى، أنت أروع حبيب في الدنيا كلها. أعاد رأسها فوق الوسادة برفق ثم مال عليها وطبع قبلة تحمل بلمساتها حنانًا هائلًا ليجيبها بعينين يسكنهما عشق جارف: -وأنت حبيبة حبيبك وقلب قلبه.

ضحك ليتابع بمشاكسة: -استعرت جملتك، عجبتني بصراحة. -حبيبة حبيبي... قالتها بدلال ليعيد نطقها بتأكيد: -حبيبة حبيبك.

قالها بهيام لينسحب رُغمًا عن قلبه المغرم تحت نظراتها الهائمة المصاحبة له حتى اختفى خلف باب الحمام، لتغمض عينيها مستسلمة للنوم الذي سحبها لتتعمق بداخله. خرج بعد قليل يلف خصره بمنشفة كبيرة لينظر عليها والابتسامة العريضة ترتسم بشدة على ثغره. اتجه نحو غرفة الملابس وارتدى ثيابه بالكامل بمنتهى الهدوء، ثم تحرك لمرآة الزينة وقام بتصفيف شعره ونثر رذاذ عطره الفواح. وقف يتطلع على حاله برضى تام قبل أن ينظر على تلك الغافية بسلام ليبتسم بحالمية قبل أن يتجه صوبها ليميل بجزعه بهدوء تام ويطبع قبلة تحمل بلمساتها عشق وحنان وشوق الدنيا بأكملها. تنهد بقلب عاشق لينسحب قبل أن تشعر عليه حبيبته وتنزعج.

نزل للأسفل متجهًا صوب غرفة الطعام ليجد والده يترأس الطاولة تجاوره والدته التي تطلعت على ذاك المبتسم المقبل على الحياة بسعادة، لينشرح صدرها ويخرج منه تنهيدة تنم عن مدى ارتياحها بعد أن اطمأنت على نجلها الحبيب وتأكدت من ملامحه المستكينة أنه يعيش أزهى عصوره. نطق بصوت حماسي يملؤه النشاط: -صباح الخير يا باشا. قالها لأبيه ليتحرك باتجاه تلك الحنون ليميل بطوله فوق رأسها كي يضع قبلة احترام وهو يقول: -صباح الخير يا حبيبتي.

-صباح السعادة يا جناب المستشار... هكذا أجابته قبل أن تنطق مداعبة لصغيرها: -أمال فين نصك الحلو؟ لف للجهة الأخرى ليجلس فوق مقعده المقابل لها والمجاور لوالده لينطق بملاطفة وهو يشير إليها بابتسامة أظهرت كم حبوره الشامل لروحه: -نصي الحلو قاعد قدامي أهو. ابتسمت لتظهر بمقلتيها سعادة لا نظير لها لدلال نجلها الحبيب لها. ليهتف علام بنبرة حازمة: -اتلم يا بابا وخليك بعيد عن حبيبتي علشان ما أحطكش في دماغي.

تلونت وجنتاها خجلًا لتضرب بخفة على كف زوجها الموضوع على طرف الطاولة وهي تلومه بنظراتها اللائمة مع ابتساماتها الخجلة، ليطلق فؤاد قهقهاته العالية وهو يستمع إلى والده يسترسل بنظرات عاتبة لزوجته: -مكسوفة من كلامي ومش مكسوفة من المحترم اللي بيقول لك نصي الحلو؟! نطق بصوت حماسي ضاحك: -الله على الباشا الكبير وهو بيغير على الدكتورة. نطق علام بنبرة جادة: -سيبك من الأونطة بتاعتك دي، أمك بتسألك مراتك فين؟

أمسك صحنه وبدأ بوضع بعض أنواع الطعام بداخله ليجيب والده: -مراتي نايمة، كانت هتنزل معايا بس أنا منعتها، قولت لها ترتاح لإننا نمنا متأخر. -يا حنين... قالها علام متهكمًا ليسأله بفضول: -من إمتى الحنية دي كلها يا سي فؤاد؟! بنبرة جادة أجاب والده: -الحنية موجودة من زمان جنابك، بس كانت مستنية اللي تستاهلها بجد علشان تظهر. -ربنا يسعدكم يا حبيبي ويعوضك بيها عن كل اللي شفته قبلها... نطقتها بعينين حنون ليقطع حديثها

علام وهو يتحدث بحماسة: -تعوضه ويعوضها ويدلعوا بعض براحتهم، المهم تسع شهور وحفيدي يشرف. ليسترسل بنبرة تنبيهية: -أظن أنا أديتك وقتك بزيادة. نظر لوالده والسعادة تحوم فوق جميع ملامحه لينطق بحفاوة: -إن شاء الله هسلمك أول حفيد قبل كده كمان يا باشا. أمن والداه بتمني لتتابع عصمت بعينين متشوقتين لرؤية أحفادها: -ربنا يرزقك بالذرية الصالحة ونشوف ولادك ماليين علينا البيت يا حبيبي. قطع حديثهم دخول فريال التي تحمل

صغيرها فؤاد ويجاورها ماجد: -صباح الخير. رد عليها الجميع وجلسوا يتناولون الطعام لتسأل فريال أباها: -اتفقت مع شركة التنظيم اللي هترتب للحفلة يا بابا؟ أجابها بجدية: -آه يا حبيبتي، كل شيء هيكون جاهز في الميعاد، ما تقلقيش. ابتسمت لأبيها وتابع الجميع تناول الطعام. بعد قليل كان يتحرك داخل الحديقة بطريقه لسيارته كي يستقلها ويذهب لعمله. -فؤاد باشا... قالتها عزة ليستدير لها متسائلًا: -خير يا عزة؟ ردت بطريقة أزعجته:

-كنت عاوزة أطلب من حضرتك طلب وأتمنى ما تكسفنيش. تنهد ليجيبها بنبرة جادة توحي لشخصيته الصارمة: -ما بحبش المقدمات يا عزة، قولي اللي أنت عاوزاه بس بسرعة علشان ما عنديش وقت كتير. -بالراحة عليا يا سعادة الباشا، ده الكلام أخد وعطا... قالتها باستياء ليحملق بها بنظرات أرعبتها وهو يقول بحزم: -عزة، إنجزي. ارتجف جسدها لتنطق بتلعثم أظهر كم ارتياحها:

-هقول أهو، بص يا سيدي، الواد أيهم أخو إيثار، ما أنت عارفه، المهم، هو اللي كلمني ساعة ما أخواتها العرر وأمها ما حبسوها وكانوا هيرجعوها للي ما يتسمى ابن إجلال. زفر بنفاذ صبر وبات يقلب عينيه بضجر وسأم لثرثرتها المبالغ بها ليصيح باستياء ظهر بعينيه: -عزة، أبوس دماغك قولي طلبك من غير كل المقدمات اللي أنا حافظها دي. رمقته بمقت لتلوي فاهها وهي تقول مستنكرة طريقتها بالحديث:

-خلاص يا باشا، أنت خلقك ضيق قوي كده ليه، خلي نفسك طويل وخد وهات كده معايا في الكلام. وضع كف يده ليمرره فوق وجهه وهو يسأل الله أن يمنحه الصبر قبل أن يرتكب جريمة شنعاء بحق تلك الثرثارة، لتهتف هي سريعًا بعدما رأت وصوله لقمة الغضب: -كنت بقول لو يعني تعزم الولا أيهم يقف مع أخته في الحفلة، وأهو منه تفرحها وتحسسها إنك بتفكر في سعادتها، ومنه يبقى حد من أهلها واقف معاها قدام الناس بدل ما هي واقفة بطولها كده.

ضيق بين حاجبيه ثم رفع حاجبه الأيسر مستحسنًا فكرتها التي لم تخطر بخياله نظرًا لانشغاله بما هو أهم. وما أن رأته يبتسم حتى رفعت قامتها لأعلى بغرور قبل أن ينطق هو باستجواد: -فكرة حلوة، ابعتي لي رقمه في رسالة على الواتساب وأنا هكلمه وأعزمه بنفسي، بس إوعي تقولي حاجة لإيثار، خليها مفاجأة يوم الحفلة. -إلهي يكرمك يا أمير يا ابن الأمرا... قالتها بحفاوة لينطق هو متذكرًا:

-أول ما الهانم تصحى جهزي لها فطار وحطيه هنا في الجنينة وخليها تاكل كويس، وبلّغيها إن فيه فريق من دار أزياء جاي ياخد مقاسات وأوصاف الفستان اللي هتلبسه في الحفلة، هيوصلوا على الساعة 12 الظهر. واسترسل مؤكدًا: -ما تنسيش تبلّغيها علشان تعمل حسابها لإن عندي تحقيق مهم ومش هعرف أكلمها، أنا نسيت خالص أقول لها امبارح. -الله يكون في العون يا باشا، أنت هتفتكر إيه ولا إيه...

قالتها بمشاكسة ليبتسم وهو يهز رأسه باستسلام لينطق وهو يتحرك باتجاه سيارته حيث أحضرها الحارس: -روحي شوفي يوسف وفطريه وتابعيه لحد ما المدام تصحى. ليستدير إليها مسترسلًا بتنبيه يرجع لعشقه وخوفه عليها: -إوعي تصحيها، سبيها لما تصحى براحتها. -أنت تؤمر يا باشا... قالتها لتتابع فؤاد وهو يستقل سيارته وينطلق للخارج. ابتسمت لتقول بسعادة: -عملتي إيه في الراجل يا بنت عمي غانم، الراجل عقله طار وبقى بيلف حواليكِ زي المخبول.

فاقت من النوم في حدود الساعة العاشرة صباحًا، اغتسلت وتوضأت وصلت فرضها وجلست تناجي الله وتشكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى. وبعد الانتهاء ارتدت ثيابها ونزلت من الدرج لتقاطع طريقها فريال حيث كانت تصعد للأعلى بطريقها لغرفتها كي تقوم بتبديل ثيابها التي اتسخت بفضل صغيرها الرضيع. تطلعت إلى إيثار لتقول الأخرى بنبرة هادئة: -صباح الخير.

تنفست فريال بهدوء لتنطق بتقييم لمظهرها الرائع ووجهها المشع نورًا والذي يرجع لراحتها واستكانة روحها التي ارتاحت داخل محراب روح الحبيب: -صباح النور. تحمحمت وهي تقول في محاولة منها لفتح حديث معها: -يوسف في الجنينة بيلعب مع بيسان ومعاهم عزة. هزت الأخرى رأسها بإيماءة لتواصل فريال طريقها للصعود قبل أن توقفها إيثار التي تحدثت بنبرة تحمل الكثير من الشكر: -متشكرة على اهتمامك ومعاملتك الراقية لابني.

استدارت تطالعها بنظرات غامضة لتقول بصوت خالٍ من المشاعر صنعته كي لا تخسر كبريائها أمام تلك المرأة التي ما زالت تأخذ حذرها منها إلى أن تثبت عكس ظنها: -ما عملتش كده علشان تشكريني.

قالتها واستدارت سريعًا لتمضي بطريقها للأعلى تاركة خلفها إيثار التي أخذت تحرك عينيها يمينًا ويسارًا باستغراب لتلك غريبة الأطوار. تحركت حتى وصلت للباب الخارجي ليصادف خروجها بولوج عزة التي تسمرت وهي تتطلع عليها بنظرات منبهرة بجمالها الرائع الذي يزداد يومًا تلو الآخر بفضل تقربها من زوجها الحبيب الذي ولج لحياتها ليصبح لها شمسًا ساطعة أنارت حياتها وحولتها لرائعة. هتفت وما زال بصرها معلقًا بها:

-الله أكبر عليكِ يا ست البنات، كل يوم جمالك بيزيد لحد ما بقيتي شبه البدر في ليلة تمامه. اتسعت بسمتها لتنير وجهها أكثر وهي تقول بحميمية: -حبيبتي يا زوزة. وقبل أن تسألها عن الصغير أخبرتها بثرثرة كالعادة: -كنت لسه هطلع أشوفك صحيتي ولا لسه، مع إن سيادة المستشار نبه عليا محدش يهوب ناحيتك ونسيبك تصحي براحتك. لتتابع:

-آه بالحق قبل ما أنسى، جوزك قال لي أقول لك إن فيه ناس من دار أزياء هييجوا بعد ساعتين ياخدوا مقاساتك لفستان الحفلة. باتت تثرثر بحديثها المعتاد لتسألها إيثار: -يوسف فين؟ -في الجنينة مع الباشا الكبير... قطبت جبينها لتسألها من جديد باستغراب: -هو جناب المستشار ما راحش شغله؟! -لا، عنده إجازة النهاردة...

قالتها بنفي لتنسحب إلى المطبخ كي تقوم بتحضير طعام الفطار. تحركت داخل الحديقة وباتت تتطلع بأعين باحثة عن الصغير لتستقر بنظراتها على ذاك الرائع المسمى بـ علام وهو يقف أمام زهوره النادرة يراعيها بنفسه يجاوره الصغير حاملًا بيده الدلو الخاص بري الزهور وتجاوره أيضًا الصغيرة بملامح وجهها السعيدة. تحركت صوبهم وما أن رآها الصغير حتى وضع ما بيده ليهرول إليها مهللًا: -مامي!

فتحت ذراعيها على مصراعيهما لتستقبله بحفاوة وترفعه ليستقر بأحضانها الحانية. قبلت وجهه بالكامل لتقول بصوت يفيض حنانًا: -حبيبي يا جو، وحشتني. -أنت كمان وحشتيني كتير. استدار لينطق بصوت حماسي وهو يشير إلى ذاك الحنون الذي غمره بعطفه واهتمامه الذي ملأ حياة الصغير وزاد من ثقته بحاله: -شفتي يا مامي جدو علام خلاني أسقي الزرع بنفسي. اشتدت سعادتها لمعاملة ذاك الراقي لصغيرها الحبيب. تحركت صوبه لتقول بنبرة تحمل الكثير

من الاحترام والتوقير: -صباح الخير يا سيادة المستشار. تطلع إليها يرمقها بعينين لائمتين لومة عزيز غالي: -هو ده اللي اتفقنا عليه؟! قطبت جبينها لعدم وصول مغزى جملته لعقلها ليتابع بإبانة بعدما رأى حيرة نظراتها: -مش كنا اتفقنا إنك هتقولي لي يا بابا؟ واستطرد بممازحة تراها منه ولأول مرة فهو الرجل الحكيم الصارم في أحكامه وقراراته لما له من منصب رفيع بالدولة جعلت من الكل يهابه ويعطي له قدره: -رجعنا في كلامنا ولا إيه؟

انتعاشة هائلة اقتحمت قلبها وزلزلته من إثر حلاوة اللحظة. يا الله كم هو شعور رائع للغاية عندما يشعرك أحدهم أنك منه وأمر ما تشعر به من أحاسيس يهمه بقدر ما يهم أقرب الأقربين إلى روحك. اتسعت ابتسامتها الممتزجة بنظرات تشع سعادة لتنطق بصوت تخللته الرجفة من إثر المفاجأة: -ده شرف كبير أنا ما استاهلوش يا أفندم.

نطقت كلماتها وقد امتلأت عينيها بغيمات ملبدة من الدموع المتأثرة بحنو ذاك الذي يمتلك قلبًا من ذهب. اقترب عليها وربت على كتفها ليتحدث بابتسامة حنون: -أنت تستاهلي كل حاجة حلوة ولو بإيدي أقدم لك كل ما تتمنيه عن طيب خاطر، كفاية إنك رجعتي لي ابني من جديد. صمت ليخرج تنهيدة حارة شقت صدره قبل أن ينطق بعينين متأثرتين:

-لأول مرة بشوف فؤاد قلبه بينبض بالحياة ومقبل عليها من جديد، بعد ما كنا خلاص فقدنا الأمل في إنه يرجع لحياته ويستمر. وبعد ما كنت خلاص أَقْلَمت روحي إني مش هيكون لي حفيد يحمل نفس اسمي ويمد في جذور عيلتي، رجع الأمل ينتعش في قلبي أنا وأمه من جديد، وكل ده بسببك يا إيثار. قالها بامتنان ليتابع لائمًا: -وبعد كل ده بتقولي لي شرف كبير ما استاهلوش. نطقت بتلبك ظهر جليًا بنبرات صوتها ونظراتها الزائغة:

-أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه، لأول مرة بحس إن لساني مربوط وعاجز عن إنه يلاقي كلام أرد بيه على كلامك ونبل أخلاقك اللي غمرتني بيهم. لتسترسل بابتسامة خفيفة: -تخيل حضرتك، أنا اللي شغلي كله معتمد على الكلام أبقى بالتوهة دي. -مش محتاجة تقولي أي حاجة لإن اللي عملتيه كافي ووافي بالنسبة لي... نطقها ليخفف من وطأة خجلها وتلبكها لتشمله بنظرات يملؤها الامتنان فتابع بمشاكسة وهو يتحسس وجنة الصغير المتابع لحديثهما بتركيز عال:

-جرى إيه يا يوسف بيه، إحنا هنسيب شغلنا ونتعلق في حضن مامي كده كتير؟! الزرع عطشان وعاوز يشرب. ضحك الصغير ونطق بنبرة حماسية وهو يتزحزح من بين أحضان والدته في محاولة منه بالفرار: -حاضر يا جدو. فلت من أحضان والدته ثم أسرع إلى الصغيرة الواقفة بجوار حوض الورود ليسألها بنبرة طفولية: -مش هتروي وردتك اللي بتحبيها يا بيسو؟ -ارويها لي أنت يا جو علشان مش بعرف أشيل الماية...

نطقتها الصغيرة وهي تنظر لدلو الماء، لينطلق الصغير بحماس نحو زهرتها وأمسك بالدلو وبدأ بريها تحت سعادة الصغيرة التي باتت تهلل وتشكره بسعادة. جلست إيثار حول الطاولة لتراقب معاملة علام للصغار وترقبت بشدة كيف يعلمهم الاعتماد على النفس ويزرع بداخلهما حب العمل والتعود على تحمل المسؤولية. جهزت عزة الفطار وأتت به إليها وتحدثت بنبرة حماسية: -كلي أكلك كله، الباشا موصيني عليكِ قبل ما يمشي. -قال لك إيه عليا يا عزة؟

نطقت سؤالها بلهفة أسعدت قلب عزة التي هتفت بحبور: -قال لي أجهز لك فطار كويس وأخليكِ تاكليه كله، الراجل خلاص، بقى ماشي يهلوس بيكِ. -مش قوي كده... قالتها بدلال وهي تضحك لتجيبها الأخرى باعتراض: -أصلك ما شفتهوش وهو بيتكلم عنك ولا لما يبص لك وأنتوا تحت. واسترسلت لتخبرها بما استمعت له من داخل المطبخ:

-ده البنات في المطبخ مستغربين وهيتجننوا من التغيير اللي حصل له وبيقولوا إنهم أول مرة يشوفوه كده، دول بيقولوا إنه كان بينزل تحت هو ومراته الاولانية وكأنه ما يعرفهاش، عمره ما بص لها زي ما بيبص لك ولا دخل معاها اللي اسمه إيه ده الجاكوزي. بمجرد ذكرها لعلاقته بزوجته السابقة، اشتعلت نار الغيرة وتوهجت بجميع جسدها لتتحول ملامحها من مستكينة هادئة لغاضبة. هتفت بعينين حادة كحدة نظرات الصقر:

-خلاص مش عاوزة أسمع حاجة، وتاني مرة ما تكلمنيش في الموضوع ده. بتلك الثواني مرت بمخيلتها أن كل ما يفعله معها من دلال وعشق جارف يغرقها به كانت تتذوقه على يده غيرها من النساء. بات صدرها يعلو ويهبط من شدة احتراقه لتهتف إلى عزة بحدة: -سيبيني لوحدي.

انسحبت ولم تتفوه بكلمة واحدة كي لا تزيد من نار تلك التي أمسكت بهاتفها لتضغط رقمه سريعًا دون تفكير. كان يجلس بمكتبه يتابع عمله ويرتب للتحقيق الذي سيبدأ بعد قليل هو والكاتب ليصدح هاتفه. أمسكه ليبتسم تلقائيًا حين وجد نقش اسمها المدون "خليلة القلب" فمنذ عقد قرانه عليها سجلها بهذا اللقب. على الفور نطق للكاتب: -سيبني شوية لوحدي يا حسين. -حاضر يا جناب المستشار... نطقها الرجل وما أن انسحب حتى أجاب سريعًا بصوت ملئ بالعشق:

-أهو كده يدوب يومي بدأ وشمسي طلعت. -فؤاد... نطقت اسمه برجفة خلعت قلبه ليجيبها سريعًا: -عيون فؤاد يا حبيبي. -أنت بتحبني، مش كده؟ قالت سؤالها بقلب متألم ليجيبها بهيام عنيف: -لو فيه كلمة تعبر عن اللي جوايا أكتر من العشق كنت قولتها. سألته من جديد بنرجسية جديدة على شخصيتها: -أنا الست الوحيدة اللي دخلت قلبك، محدش دخل قبلي، صح؟ أجابها بكل ما تحمله كلمة عشق من معنى:

-لا فيه قبلك ولا هيكون بعدك، أنت الوحيدة اللي قدرتي تزلزلي كياني وتخليني أتنازل عن كل مبادئي قصاد إني أحصل على نظرة رضى واحدة من عيونك. تنهدت وانخفضت نار الغيرة بعض الشيء ليسألها بعدما شعر بإخماد حريقها من خلال تنهيدتها التي وصلت لقلبه قبل أذنه، فقد وصل بعشقه معها إلى المنتهى حتى صار يستمع لدقات قلبها ويفهم ما تشعر به دون أن تتفوه بحرف: -قولي لي بقى، حبيبي ماله ومين مزعله ومخلي نار غيرته على حبيبه شاعلة قوي كده؟

-للدرجة دي باين عليا... نطقتها بدلال لينطق بمداعبة: -المكتب فحم من حواليا وريحة الشياط جايبة لحد مكتب النائب العام شخصيًا. قهقهت على دعابة زوجها وحسه الفكاهي الذي اكتسبه عن جديد ليعيد عليها السؤال مرة أخرى بنبرة جادة: -مش هتقولي لي مالك؟ تنهدت براحة لتجيبه بهدوء: -ما فيش حاجة، حبيت بس أطمن على مكانتي في قلبك. أجابها باقتضاب يرجع لضيق الوقت لديه: -هحاول أصدقك لإن ما عنديش وقت مش أكتر، بس لما أرجع هتحكي لي أكيد.

ابتسمت على اهتمامه بها لتنطق بنبرة حنون: -أنا بحبك قوي يا فؤاد، وبموت من غيرتي عليك. -وفؤاد لا عمره حب ولا داب غير حبيبة حبيبها... نطقها بصوت ينطق عشقًا ليرتاح قلبها. تنهد هو الآخر وتحدث باستعجال: -أنا مضطر أقفل يا حبيبي علشان عندي تحقيق مهم هيبدأ بعد شوية، خلي بالك من حبيبي لحد ما أرجع له. ابتسمت لكلماته الناعمة التي يغمرها بها ويدللها حتى باتت تشعر بأنها ملكة وتربعت على عرش قلبه العظيم. نطقت بدلال

تعلمته على يد عاشقها: -هستناك يا حبيبي، ما تتأخرش على حبيبتك. -بحبك... همس بها بطريقة ناعمة ليغلق سريعًا تاركًا حبيبته لتهيم في بحر كلمات غزله المنفرد. تنهدت بارتياح لتتناول طعامها بنهم وهي تشعر بلذة كل ما تتناوله. بعد قليل خرجت فريال من باب القصر واتجهت إليها وهي ترى عزة تلملم صحون الطعام هي وعاملة أخرى لتتحدث وهي تسحب المقعد استعدادًا للجلوس: -اعملي لي أي عصير فريش يا عزة. -من عنيا يا ست هانم... ثم التفتت

إلى إيثار ونطقت لتتأكد: -وأنتِ هعمل لك قهوتك حالًا. لم تجيبها والتفتت لتصيح بصوت مرتفع نسبيًا كي يستمع إليه والد زوجها: -تشرب قهوة معايا يا بابا؟ شملتها فريال بنظرات متعجبة من تلك التي تنادي لأبيها بأبي. فاجأها والدها الرزين وهو ينطق بنبرة يملؤها الحنان: -آه يا حبيبتي. كيف لأبيها ذاك الوقور المعروف بوسط عائلتهم بالجدية والصرامة أن يتعامل بكل حميمية وود مع تلك الغريبة التي اقتحمت حياتهم؟

داخلها مشاعر مذبذبة. الآن وفقط فهمت مغزى شعورها المخيف تجاه تلك الـ إيثار منذ أن ولجت إلى منزلهم بصحبة شقيقها الذي كان يحاوط عليها كمن يحمي طفلته الصغيرة ويخشى عليها من الجميع. نعم إنه شعور الخوف والغيرة على عرشها، فمنذ أن خُلقت وجدت حالها ملكة متوجة على عرش عائلتها العظيم والآن ذاك العرش بات مهددًا والخطر يحوم حولها في وجود أخرى يكن لها الجميع الكثير من الحب مع الاحترام والود. ابتلعت غصة مرة ومطت شفتيها كما الأطفال لتجد والدها يقبل عليهما بصحبة الصغار. جلس بالمقعد المجاور

لكلتاهما ليسأل ابنته بحنو: -فؤاد الصغير فين؟! أجابته بنبرة خالية من المشاعر فما زالت تلك الفكرة تسيطر على عقلها الصغير: -نايم في أوضته والناني معاه. جلبت عزة القهوة والمشروب ليتناول كلٌ منهم شرابه مع تناولهم للأحاديث المشتركة، فلاحظت فريال تلقائية الأخرى وسجيتها في التعامل مع والدها ومعها، فتنهدت لتأكدها عدم خبثها بل هي أبسط من أن تكون بتلك الصورة التي رسمها لها الشيطان منذ أن رأتها. *********

بأحد المناطق الراقية بالقاهرة الكبرى حيث المسكن الخاص الذي اشتراه نصر وخصصه إلى المرأة التي تزوجها سرًا لتشعره بأنه رجلًا بعيدًا عن سيطرة إجلال وسطوتها التي تمارسها عليه وتشعره دائمًا بالدونية وبالمن عليه وبأن الفضل فيما وصل له يرجع لوالدها ونفوذ عائلتها الكبيرة. خرجت شذى من غرفتها بعد أن تجهزت لاستقبال زوجها لتجد الخادمة "فتنة" تتحرك ببهو المسكن بجوار التحف والمزهريات بنظرات مريبة لترتبك حين وجدتها أمامها.

هتفت شذى بتذمر تستعجلها: -أنتِ مش نضفتي الرسيبشن ده من بدري وظبطيه، واقفة عندك بتعملي إيه تاني؟! -كنت بشيك على التحف والڤازات لحاجة تقع منهم يا مدام... قالتها بعدما سيطرت على رجفة جسدها لتسألها الأخرى التي تنظر لحالها في المرآة الموضوعة بوسط البهو: -خلصتي طبيخ ولا لسه؟ أجابتها باستفاضة: -الأكل كله استوى وقفلت عليه النار من شوية. فتحت محفظة النقود وأخرجت منها مبلغًا من المال لتبسط به يدها وهي تقول:

-طب خدي حسابك ويلا انزلي بسرعة قبل ما جوزي يرجع، أنتِ عارفة ما بيحبش حد غريب يدخل البيت. لتسترسل بابتسامة ساخرة وتهكم: -البيه فاكر إن أنا اللي بنظف وبطبخ له بنفسي. أخذت فتنة المال وهي تقول بهدوء: -فيه رجالة كتير كده يا هانم، ما يحبوش ياكلوا إلا من تحت إيدين ستاتهم. هتفت الأخرى بغضب حاد ينم عن مدى توترها: -أنتِ هتقفي تتسايري معايا، يلا اخرجي قبل ما ييجي.

لوت الفتاة فاهها وأسرعت إلى المطبخ لتلتقط عباءتها السوداء وترتديها على عجالة وبسرعة البرق كانت تخرج من باب البناية ليصادف خروجها دخول ذاك الـ نصر ويليه الحارس الحامل بين يديه كمًا هائلًا من الأكياس. تخطاها لتلتفت الفتاة للخلف تتطلع إليه ثم مضت بطريقها. وصل للأعلى وأغلق باب الشقة بعدما أدخل الحارس الأشياء داخل المطبخ. هرولت عليه شذى لترتمي بأحضانه وباتت تزيده من قبلاتها الناعمة التي تسحبه وهي تقول بزيف:

-وحشتني يا نصورتي، وحشتني قوي. -ما بلاش الاسم البايخ ده... قالها باستنكار وهو يقربها إليه لتمط شفتيها بدلال: -بدلعك. نطق بصوت غليظ: -ما بحبش دلع الأسامي، أنتِ عارفة الدلع اللي بيجيب معايا من الآخر واللي بسببه لكِ غلاوة عندي. ضحكت برقاعة قبل أن تقول بدلال لم يراه سوى على يداها: -الدلع بكل أنواعه موجود وحصري عند شذى حبيبتك، تعالى الأول نتغدى وبعدها أوريك الدلع على أصوله. جذب ذراعها بقوة لترتطم بصدره من جديد وهو يقول

بلهفة واشتياق ظهرا بعينيه: -تعالي هنا رايحة فين، هو الغدا هيطير؟ أطلقت ضحكة رقيعة من جديد لتتحرك معه صوب غرفة النوم الخاصة بهما.

_بعد مرور يومين، مساءً بقصر علام زين الدين حيث أقيم حفلًا هائلًا دعى به جميع عائلته ونخبة من صفوة المجتمع بمناسبة زواج نجله الوحيد وترقيته بالعمل. كان الحفل مميزًا حيث تعاقد علام مع إحدى كبريات شركات تنظيم الحفلات ليخرج الحفل بطريقة منظمة وخاطفة للأبصار. ساعدت مساحة الحديقة الشاسعة على التنظيم أكثر. حضر الجميع ولم يتبق سوى العروسين. انتهت إحدى السيدات المسؤولة عن تزيينها والتي حضرت بطلب من فؤاد لتقول وهي تشير

لها لتتطلع إلى المرآة: -إيه رأيك يا مدام؟ وقفت تتطلع على حالها بانبهار لتنطق بصوت خفيض: -تسلم إيدك. أومأت لها المرأة بهدوء ورضى لتخرج من الغرفة، أما هي فظلت تنظر لحالها بعينين راضيتين وبلحظة تحولت عينيها لفارسها الذي ولج للتو من الباب لتتسع عينيه وهو يتمعن بجمالها الخاطف للأنفاس. اقترب مسلوب الإرادة حتى وقف خلفها مباشرة لينطق بحروف أظهرت كم انبهاره: -إيه يا بابا الجمال ده كله. ابتسمت بسعادة لتسأله بتلبك ظهر بصوتها:

-بجد شكلي عجبك؟ بنظرات مسحورة أجابها: -أنتِ سحراني دايمًا يا إيثار، مجرد ما ببص في عيونك بتوه وبنسى كل الناس. -ربنا يخليك ليا يا حبيبي... قالتها بنبرة حنون لتتابع بعينين زائغة كشفت عن حيرتها وتلبكها: -أنا مكسوفة أنزل قوي يا فؤاد، أول مرة هشوف وأتعرف على عيلتك الكبيرة. -إوعي في يوم أسمع منك كلمة خايفة... قالها بقوة ليسترسل بنظرات تهيم شوقًا بعشق الحبيب: -تخافي إزاي وحبيبك جنبك؟

تبسمت بفضل كلماته الرائعة وبرغم هذا ما زال الخوف يسكنها من مقابلة عائلته لها لتنطق بما يراودها من مخاوف: -خايفة لأهلك ما يتقبلوش وجودي بينهم كعيلة. بنبرة تشع حنانًا نطق برجولة: -أنتِ بكل أهلي وبكل الناس. واسترسل باستنكار لتفكيرها المنافي لعقله: -وبعدين أهلي مين اللي خايفة ما يتقبلوش وجودك، إحنا كل اللي يهمنا هما أبويا وأمي وفريال، وأظن دول مش محتاجة إني أقول لك إنهم مرحبين بيكِ.

-سيبك بقى من التفكير السطحي ده وخليني أقدم لك هديتي الأولى... قالها وهو يتجه صوب الخزانة ليفتحها ثم يقف أمام خزنة حديدية ويفتح أرقامها السرية ليخرج منها علبة خاصة بالمجوهرات لونها بيج ويعود إليها من جديد. فتح العلبة ليظهر منها بريق لامع خاص بحبات الألماس المرصوصة حول ذاك الطوق المميز. انبهرت بجماله وجمال الإسوارة والخاتم المجاورين له. رفع الطوق وعاد خلفها ليساعدها على ارتدائه تحت نظراتها المنبهرة وهي تنطق بحفاوة:

-الكوليه يجنن يا فؤاد. -عجبك يا قلب فؤاد؟ سؤالًا طرحه عليها بنعومة لتجيبه بانبهار: -ده أحلى كوليه شافته عينيا. واسترسلت وهي تطالعه وهو يجلب الإسوارة من العلبة: -بس ما كانش فيه داعي تكلف نفسك يا حبيبي، ما أنت لسه جايب لي طقم من قريب. أجابها بنبرة هادئة: -الطقم الأولاني كان شبكتك يا عروسة، لكن ده هديتي ليكِ بمناسبة ترقية جوزك.

ألبسها الخاتم ليرفع كفها يلثمه برقة نالت استحسانها. عاد خلفها من جديد وشملها بنظرة تقييمية لينطق منبهرًا: -تجنني يا إيثار. قالها ليقترب من وجنتها الناعمة ويضع قبلة حنون بث من خلالها كم عشقه الجارف والكبير لتلك الراقية. ابتعد ليتنفس ثم سألها بغموض: -مستعدة تستقبلي مفاجأتك التانية؟

ضيقت بين عينيها حين وجدته ينسحب صوب الباب ويفتحه ليدخل منه شقيقها الوسيم وهو يرتدي بدلة فخمة تليق بمظهر الحفل أهداها إياه فؤاد، مصففًا شعره برتابة من يراه يعتقد أنه نجمًا سينمائيًا. أنير وجهها وشعرت بفرحة عارمة شملت روحها لتفتح له ذراعيها على مصراعيهما ليهرول إليها ويرتمي داخل أحضانها كطفل صغير كان ينتظر غفران والدته على ذنبه العظيم الذي اقترفه بحقها. تحدثت وهي تشدد من احتضانه:

-إيه المفاجأة الحلوة دي، وحشتني يا أيهم. أجابها بصوت واهن خجول يرجع لخذلانه لها: -وأنتِ كمان وحشتيني. تنفست رائحته بعمق فقد وجدت به رائحة والدها الذكية. أما عزة فكانت تبكي من ذاك المشهد المؤثر. اقترب فؤاد وجذبها لأحضانه لتنظر له بامتنان وهي تشكره بصوت متأثر: -لو شكرتك من لبكرة على المفاجأة الحلوة دي مش هوفيك حقك. تطلع إلى عزة الواقفة بجوار الباب لينسب الحق لأهله:

-اللي المفروض تشكريها هي عزة، لإنها صاحبة الفكرة، أنا مجرد نفذت. خرجت من بين أحضانه لتقترب عليها وتقوم باحتضانها بقوة وهي تقول: -ربنا يخليكِ ليا يا عزة وتفضلي دايمًا معايا. حولت بصرها لشقيقها واقتربت عليها تتلمس بكفها الحنون وجنته تحت سعادته البالغة. لينطق فؤاد مرحبًا به: -نورت بيت أختك يا أيهم. -ده نورك يا باشا... قالها الشاب بخجل ليربت عليه فؤاد وهو يقول: -طب يلا علشان ننزل، اتأخرنا كتير على الضيوف.

بعد قليل خرجت من باب القصر تتأبط ذراع ذاك الوسيم تحت نظرات الجميع التي صوبت باتجاههما بعد صدوح صوت الموسيقى التي تسبق خروج العروسين مع التصفيق الحار لاستقبالهما. كانت ترتدي ثوب سهرة ناعمًا من اللون الأبيض بتصميمه الكلاسيكي الرائع المصنوع من الدانتيل والحرير الطبيعي مما أعطاه ملمسًا سحريًا حيث جذب جميع الأنظار، وخاماته الفاخرة التي جعلته يتماشى مع أجواء السهرة الأشبه بملكية. يأتي الفستان بأكمام طويلة وحزامًا مزينًا بالإكسسوار الأنيق لإضفاء لمسة أنثوية رائعة، كما تتزين أكمامه بالتطريز الهادئ الذي يزيد من جمال الثوب وجمال تلك الأنيقة التي ترتديه.

تطلعت سميحة إليها لتمقتها بنظرات تمتلئ بالاحتقار والغيرة وخاصة بعدما رأته من اهتمام وعشق ظاهر بعيني فؤاد الذي يكاد يلتهمها بحب. استقبلتهما عصمت بالقبلات والاهتمام الذي زرع الثقة بقلب إيثار ثم انهال عليهما بعض الأقارب والمعازيم لتقديم التهنئة. تحرك بها لطاولة عمه أحمد والد سميحة ووالدتها وشقيقتها الأخرى وشقيقها. أشار إلى عمه وهو يقول بابتسامة خفيفة: -أحمد باشا زين الدين، عمي. أقبلت عليه لتصافحه باحترام وهي تنطق بحفاوة

وابتسامة رقيقة علت ثغرها: -اتشرفت بمعرفة حضرتك. ابتسم لها قبل أن يقول بحفاوة: -مبروك، نورتي عيلتنا وشرفتيها. -ميرسي يا أفندم. وتبادلت أيضًا المصافحة مع والدة سميحة تلك المرأة المتعالية التي صافحتها بأطراف أصابع يدها حين قدمها فؤاد قائلًا: -نجوى هانم، مرات عمي أحمد. لتنطق بكبرياء بعدما شملتها بنظرات متعالية: -أهلًا.

رفعت إيثار عنقها لأعلى تتطلع بعينيها على طاولة أيمن الأباصيري لتتحدث مع زوجها متجاهلة تلك المتعالية مما جعلها تستشيط غيظًا: -فؤاد، تعالى نسلم على الباشمهندس أيمن ومدام نيللي. رمقتها بسخط سميحة التي تجلس بغرور ولم تعر لوجودها اهتمامًا لكنها كانت تنتظر اهتمام الأخرى بها ليقول فؤاد بهدوء كي تنتبه: -حبيبي، ما سلمتيش على سميحة. تطلعت عليها بنظرة تدعي الأسى والحرج وهي تقول بزيف تعلمه سميحة جيدًا:

-سوري بجد، ما أخدتش بالي منك. رفعت قامتها تتطلع عليها بتفاخر قبل أن ترد لها الضربة: -عادي، أنا كمان ما شفتكيش. تحمحم فؤاد ونظر لعمه مبتسمًا كي يرفع عنه الحرج الذي أصاب كلاهما جراء الحرب الدائرة بين كلتاهما مما أحدث تراشقًا متبادلًا من النظرات والكلمات: -بعد إذن حضرتك يا عمي. -اتفضل يا حبيبي... قالها الرجل لينسحب فؤاد وزوجته. نطقت نجوى باستشاطة ظهرت بعينيها وصوتها: -شفت البنت وقلة ذوقها يا أحمد؟!

تعجب من صياح زوجته الغير مبرر بالنسبة له لينطق بكلمة حق: -إنتوا اللي بدأتم بقلة الذوق أنتِ وبنتك معاها، أنتِ بغرورك في طريقة سلامك عليها، وبنتك اللي حاطة رجل على رجل وباصة الناحية التانية بمنتهى قلة الذوق. جحظت عيني نجوى لتقول باستياء بالغ: -أنت بتدافع عنها بدل ما تقول لأخوك على جليطة مرات ابنه؟! رفع كتفيه لينطق بلامبالاة أحْرقت روح زوجته:

-أشتكي لأخويا ليه، البنت جت سلمت عليا بكل احترام ووشها ما شاء الله بشوش جدًا، هي اتعاملت معاكم بنفس طريقتكم، وده شيء يُحسب لها. قال كلماته ليهب واقفًا وهو ينظر لتجمع رجال العائلة وكأن شيئًا لم يكن: -هروح أقعد مع علام ورجالة العيلة. احتدت غيظًا بعد تحركه لتنظر هي لتلك الجالسة بجوارها: -تعالي نروح نقعد مع ستات العيلة إحنا كمان بدل ما نتاخد مخالفة ويقولوا علينا متكبرين زي العادة.

زفرت سميحة وهي تقف وتحركت بجانب والدتها بغرور. كانت ترتدي ثوبًا باللون الأحمر الصريح ذو حمالات رفيعة عاري الصدر والظهر وبالكاد يصل لمنتصف فخذيها مما أشعل إيثار وجعلها تغير على زوجها من طلتها الجريئة. وصلا لطاولة عملاقة تضم معظم نساء وفتيات العائلة وجلستا بغرور. أقبلت عليهم عصمت وفريال لتقوما بالترحاب بالجميع بحفاوة. تحدثت إحدى سيدات العائلة: -ألف مبروك لسيادة المستشار يا دكتورة. -الله يبارك فيكِ يا ميرفت.

سألتها أخرى بفضول: -هي العروسة من عيلة مين يا عصمت؟ -العروسة من كفر الشيخ يا منى، عيلتها مش معروفة في القاهرة... هكذا أجابتها فردت أخرى باستحسان: -بس بصراحة يا عصمت فؤاد عرف يختار صح المرة دي، البنت زي القمر وشكلها محترمة ولبقة جدًا في كلامها. أكملت أخرى على حديثها: -دي مش زي القمر وبس يا لولو، دي كمان وشها حلو عليه، جت وجابت له الترقية معاها. تعالت ضحكاتهم لتهمس عصمت بسريرتها خشية من أن يصيب نجلها وزوجته حسدًا

من هؤلاء النسوة: -قل أعوذ برب الفلق. فرقت نجوى نظراتها الحادة على الجميع بعدم ارتياح لتلك الجلسة، فطالما لم تنسجم بالتجمعات العائلية لشدة تعاليها وشعورها الدائم بدونية الآخرين بجوار شأنها التي تراه عظيمًا. استشاط داخل سميحة ولم تعد تتحمل مدح الجميع بها لتنطق بنبرة حادة تنم عن غضبها ونيرانها الشاعلة: -تعرفي يا أنطي لولو إن العروسة اللي عمالين تمجدوا فيها دي بتشتغل سكرتيرة.

قالتها وهي تشير بسبابتها باشمئزاز لتحول عصمت بصرها إلى فريال التي ابتلعت لعابها وشعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها من شدة الإحراج من والدتها. أخيرًا نطقت نجوى بعد أن قُدّمت لها فرصتها فوق طبق من ذهب لتهتف باستياء ظهر بصوتها وملامحها: -أوووو، معقولة فؤاد علام يتجوز حتة سكرتيرة! وضعت منى كف يدها لتغطي به فمها وبدأن بالهمز واللمز لتقطع همسهم عصمت التي هتفت بصوت واثق ومتزن:

-إيثار مديرة مكتب لشركة الأباصيري ودي واحدة من أكبر شركات الاستيراد والتصدير. وحتى لو كانت سكرتيرة فده ما يعيبهاش بشيء، بالعكس يعلي من شأنها إنها بتشتغل ومعتمدة على نفسها. واسترسلت وهي تنظر إلى سميحة: -العيب إننا نتكبر على الناس ونقلل من شغلهم وكفاحهم لمجرد إننا اتولدنا أولاد لطبقة غنية وعالية. خجلت سميحة وسحبت بصرها لتنظر للأسفل فنطقت لولو بنبرة صادقة:

-عندك حق يا عصمت، الشغل عمره ما كان عيب، وبعدين شركة الأباصيري شركة مشهورة جدًا ومش أي حد يشتغل فيها. أومأت عصمت برأسها لتنطق قبل أن تنسحب: -بعد إذنكم هروح أشوف الضيوف وأرحب بيهم. ثم تطلعت على نجلتها لتشير لها للحاق بها. رمقت سميحة بنظرات حادة لائمة قبل أن تلحق بوالدتها. بعد ذهابها تحدثت نجوى بسخرية: -قال مديرة مكتب قال، لا وبتقول لها بكل تفاخر، أمال لو دكتورة ولا شغالة في مكان مرموق كانت عملت فينا إيه؟!

نطقت لولو بمنطقية: -يا جماعة هي هتفرق إيه سكرتيرة من مديرة مكتب ولا إن شاء الله حتى كانت وزيرة، النتيجة في الآخر واحدة، وهي إن فؤاد علام هيقعدها في البيت وهيعيشها ملكة زمانها، أنتوا مش شايفين الطقم الألماس اللي لابساه، دي يعمل له يجي أربعة مليون جنيه. ردت أخرى بانبهار: -ولا الفستان، واووو يجنن. -كل اللي بتقولوه ده ولا يهم عصمت وسيادة المستشار علام ولا يفرق معاهم في أي حاجة... كلمات مبهمة نطقت بها منى لتسترسل بإيضاح:

-أنتوا مش واخدين بالكم من نقطة مهمة جدًا، فؤاد كان مضرب عن الجواز، والكل فقد الأمل فإن علام يبقى له حفيد من صلبه غير ولاد فريال، يعني الجوازة دي بالنسبة لعلام وعصمت طوق النجاة الأخير. واسترسلت بلامبالاة: -بغض النظر بقى عن العروسة من عيلة مين أو بتشتغل إيه، كل ده ولا يفرق معاهم جنب الفرحة الكبيرة اللي هيحسوها لما البنت تجيب لهم الوريث لكل الهيلمان ده. قالت أخرى:

-عندك حق، ده سيادة المستشار يمتلك أكبر ثروة في العيلة كلها.

عودة إلى إيثار حيث ذهبت لطاولة أيمن الأباصيري بصحبة زوجها تحت نظرات سالي المشتعلة. لم تكن يومًا تكن الكره والبغضاء إلى إيثار، لكن شعور أنها كانت تمن عليها بالهدايا والمعاملة الحسنة كان يرضي غرورها. لكنها لم تتقبل فكرة أن تلك العاملة في شركة والد زوجها أصبحت بين ليلة وضحاها زوجة لنجل رجل بقدر ومنصب علام الكبير وشأن فؤاد وفوق كل هذا فإنهم يمتلكون أموالًا طائلة وأصولًا وشركات تُعد بمليارات الجنيهات وكل هذا سيصبح ملكًا لتلك الفلاحة ابنة القرية في حال إنجابها لذكر للعائلة. تطلعت على تلك القلادة المعلقة بصدرها لتزيد من اشتعال نيران قلبها. كانت تتوسط الجلوس ما بين نيللي ولارا التي تحدثت بنبرة حماسية وهي تتطلع

على الأجواء من حولها: -الحفلة تجنن يا إيثار. عقبت بابتسامة سعيدة: -عقبال حفلة جوازك وتبقى أحسن من دي ألف مرة يا لارا. -قريب جدًا... نطقتها الفتاة بحماس بعدما عادت لطبيعتها الأولى حيث واظبت على جلسات العلاج النفسي وتحسنت بفضل الله وبفضل اهتمام من حولها وأيضًا فادها كثيرًا إتمام خطبتها من الشاب التي تريده وتبادله العشق. وضعت نيللي كف يدها لتربت على كف إيثار وهي تقول بنبرة صادقة لامرأة راقية:

-المرة الجاية نيجي نبارك لك على أخو يوسف. ثم مالت على أذنها لتهمس بتوعية: -إوعي تكوني بتاخدي حاجة تأجل الحمل يا إيثار. هزت رأسها نافية وهي تقول: -لا خالص، ده فؤاد مستعجل قوي على الموضوع. ردت بمنطقية: -لازم يستعجل، أنا عرفت إن فؤاد ما لوش أخوات غير فريال، وطبيعي يستعجلوا على وريث للعيلة.

زفرت سالي وهي ترى والدة زوجها تتهامس مع تلك الفتاة غير عابئة بوجودها. أما فؤاد فكان منشغلًا بالحديث مع أيمن وأحمد وأيهم الذي جاور فؤاد الجلوس. نظر أيمن إلى إيثار وتحدث مستفسرًا: -هي سيادة المديرة مش هترجع شغلها بقى ولا إيه؟ ابتسمت لتشير بكف يدها إلى زوجها وهي تقول بمداعبة: -حضرتك تقدر تسأل سيادة المستشار لإن العطلة من عند جنابه. رفع حاجبه الأيسر مستنكرًا وهو يقول بمشاكسة: -آخرتها تسلمي جوزك تسليم أهالي للباشمهندس.

أطلق الجميع ضحكاتهم عدا سالي المستنكرة ما يحدث ليتابع مسترسلًا بجدية: -إن شاء الله هترجع بعد بكرة. -بجد يا فؤاد؟ قالتها بعدم استيعاب لينظر إليها قائلًا بهدوء: -بجد يا حبيبي، الباشمهندس صبر علينا كتير وكفاية لحد كده.

تطلع أيمن إليه باستغراب، فقد توقع عدم موافقة فؤاد على عودة إيثار لممارسة عملها من جديد، ولهذا فقد قام بتعيين فتاة أخرى لتتدرب لحين إبلاغ إيثار بقرارها الأخير كي يتم تعيين الفتاة رسميًا بدلًا من إيثار لكنه تفاجأ بقرار فؤاد ونيللي أيضًا. ******* داخل إحدى الغرف الجانبية بالقصر، تدور عصمت حول حالها بوجه غاضب لتصيح بحدة إلى تلك الواقفة كالتلميذ الفاشل: -إزاي تعملي حاجة زي كده، تطلعي أسرارنا ولمين! لواحدة تافهة زي سميحة؟!

واسترسلت بجنون: -ليه يا فريال، ليه تحطي أخوكِ وتحطينا في موقف بايخ زي ده؟! بنبرة خجلة نطقت بدفاع عن نفسها: -يا ماما والله ما كنت أقصد، أنا كل اللي كنت بفكر فيه وقتها هو إني أحافظ على فؤاد وأبعد عنه إيثار بوجود سميحة. هتفت بصياح حاد: -وأنتِ مالك، تدخلي في حياة أخوكِ ليه؟! نطقت الفتاة بنبرة حزينة: -ما كنتش فاكراه بيحبها ولا كنت فاكراها كويسة، كنت مرعوبة على أخويا من فكرة تكرار الماضي. زفرت لتنطق بضجر أصابها

من تفكير نجلتها الأرعن: -أنتِ ليه محسساني إن فؤاد ده عيل صغير ومن غيرك هيتوه؟! نطقت بنبرة يملؤها الخجل: -خلاص بقى يا ماما، والله ما هتدخل تاني في حياته، بس أرجوكِ بلاش تقولي له حاجة عن اللي حصل. أشارت بسبابتها بنبرة حاسمة ولهجة حادة لا تقبل النقاش: -ده آخر تحذير ليكِ، غلطة كمان وكل حاجة هتوصل لبابا وهو يتصرف معاكِ ويشوف آخر جنانك ده إيه.

قالت جملتها بتهديد لتخرج باندفاع للخارج لتنظر الأخرى لأثرها بخزي وخجل يسيطران عليها والندم يملأ قلبها. عودة للحبيبان، اشتغلت الموسيقى لرقصة السلو فاقترب من حبيبته وأمسك كف يدها ووقف بها بوسط الساحة المخصصة لرقص الثنائيات. همست بجانب أذنه باعتراض: -مش هينفع أرقص، ما بعرفش وهفضحك والناس هتضحك علينا. همس بنبرة هادئة بثت بداخلها الطمأنينة:

-ششش، اهدي يا بابا وسلمي لي نفسك، امشي معايا في الخطوات زي ما علمتك امبارح وأنتِ هتبقي هايلة. بالفعل بدأت باتباع الخطوات وبعد قليل شعرت بليونة جسدها وخفة حركتها بين يديه. تعمقت بعينيه العاشقة ليهمس بنبرة هائمة: -بحبك، وكل يوم بتعلق بيكِ أكتر. -وأنت بقيت كل حياتي يا فؤاد... قالتها بنبرة رومانسية لتتابع رقصتها الأولى معه أمام الناس لتنتهي الرقصة على خير ليصفق لهما الجميع بحفاوة كتحية للعروسين.

بعد قليل، اشتغلت موسيقى لرقص الثنائيات مرة أخرى فقفزت سميحة وتوجهت صوب فؤاد الواقف بجوار بعض من أبناء عمومته لتسحبه من كفه وهي تقول بدلال وحماس زائد: -تعالى يا فؤاد أرقص معايا. كانت تقف بجوار شقيقها تتحدث معه وتستعلم عن حال والدتها وشقيقاها. وما أن رأت تلك التافهة تقترب من رجلها حتى هبت النيران المستعرة لتشعل جميع جسدها. راقبت تصرفات فؤاد بتمعن حيث جذب يده من بين راحتها قبل أن يشملها بنظرات متعجبة وهو يقول:

-أنا من إمتى برقص معاكِ علشان أرقص النهاردة يا سميحة؟! تدللت لتجذب كفه من جديد كي تشعل زوجته وتخلق بينهما بابًا لفتح المشاكل يعود عليها بالنفع: -علشان خاطري، بليز وافق يا فؤاد. -سميحة...

نطقها بنظرات حادة كالصقر قبل أن ينسحب بطريقه لزوجته التي تنهدت براحة فور رؤيتها لتصرفه الذي برد نار قلبها المشتعلة. أما سميحة فتحرك إليها شاب يدعى محمود يعشقها وتقدم لخطبتها لكنها رفضته لتعلقها الشديد بفؤاد وانتظارها له. تحدث الفتى باسطًا ذراعه في دعوة صريحة منه بعدما رأى إحراجها على يد فؤاد: -تعالي نرقص مع بعض يا سو. -مش عاوزة أرقص خلاص... نطقتها بملامح وجه مكفهرة لتنسحب كالإعصار من أمامه.

وصل إليها ليحاوط خصرها بذراعه معلنًا للجميع ملكيته لتلك الجميلة التي شملته بنظرة حنون. قال قاصدًا أيهم بملاطفة: -أظن أنا كده عداني العيب، ليا نص بحالها سايب لك مراتي. ابتسم أيهم لينطق بحفاوة: -بصراحة عداك العيب وأزح يا سيادة المستشار. تحدث فؤاد بنبرة جادة: -اعمل حسابك إنك هتبات معانا النهاردة. -متشكر يا سيادة المستشار، بس أنا لازم أروح علشان عندي شغل بكرة... قالها بهدوء لتقول هي:

-خد مفتاح الشقة بتاعتي وبات فيها، ويا سيدي ابقى خد إجازة بكرة، مش لازم تروح الشغل بعد يوم سهر زي ده. -أنت خريج إيه يا أيهم؟ سؤالًا وجهه فؤاد له ليجيبه: -كلية تجارة. قطب جبينه بتفكر قبل أن ينطق بجدية: -طب ما تسيبك من شغل الحكومة أبو ملاليم ده وتعالى اشتغل في الشركة بتاعتنا. تطلعت إليه إيثار بتمعن ليتابع هو: -هخلي عمي أحمد يعينك بالمؤهل بتاعك ويحط لك مرتب محترم تقدر تكون حياتك من وراه. راق له العرض كثيرًا لكن توجد بعض

العقبات أمامه ليقول بتردد: -بس ميزة هناك إن البيت جنب شغلي، لكن لو جيت هنا هضطر أصرف نص مرتبي على السكن. هتفت إيثار بحماس: -اقعد في شقتي. ابتسم فؤاد لينطق بمداعبة: -وادي يا سيدي مشكلة السكن اتحلت. نظر لهما بتردد لتحسه وهي تمسك بكفاه متحمسة للفكرة: -وافق يا أيهم، دي فرصة حلوة قوي ليك، لو فضلت في وظيفتك عمرك ما هتعرف تتجوز ولا تكون نفسك. رفع كتفه باستسلام ثم تحدث بابتسامة سعيدة: -تمام.

وضع فؤاد كفه فوق كتفه ليربت عليه قائلًا: -مبروك عليك الوظيفة. -الله يبارك فيك... قالها بنبرة سعيدة. انتهى الحفل على خير وانسحب الجميع. صعدت بجوار زوجها لجناحيهما ليحيا كلاهما بداخل أحضان الآخر ويختما ليلتهما بتلاحم روحيهما معًا. *********

بعد يومين، فاقت باكرًا لتلج إلى الحمام اغتسلت وتوضأت وصلت فرضها بصحبة زوجها الحبيب. وبعد مدة كانت تجاوره الوقوف أمام مرآة الزينة. تلف حجابها بعناية وهو يلف ربطة عنقه. وقف قبالها وأخرج ساعة يد من إحدى الأدراج وتحدث بنبرة حنون وهو يلبسها إياها بعناية: -الساعة دي هديتي ليكِ بمناسبة رجوعك للشغل، مش عاوزك تقلعيها من إيدك نهائي. -خالص مالص، حتى وأنا باخد شاور؟ قالتها بدلال وهي تشاكسه لينطق بنبرة حنون

وهو يتابع غلق قفل الساعة: -اسمعي كلام حبيبك من غير جدال. انتهى ليتطلع على الساعة بتمعن فاقتربت عليه لتتلاعب بأناملها بأزرار قميصه ثم وقفت على أطراف أصابعها كي توازي طوله لتقول وهي تطبع قبلة حنون بوجنته: -ربنا يخليك ليا يا حبيبي. تحمحم لينظف صوته قبل أن ينطق بهدوء: -إيثار، أنا جبت لك عربية جديدة هتروحي بيها النهاردة. قطبت جبينها لتسأله باستغراب: -وجبت لي عربية ليه؟ ما أنا عندي عربيتي.

حاوط خصرها بذراعيه ليميل على أنفها ويضع قبلة فوق أرنبته لينطق وهو يتعمق بعينيها: -عربيتك ما بقتش تليق بمرات فؤاد علام يا قلب وروح وحبيبة فؤاد علام. ابتسمت لدلاله الزائد الذي لم يدع مناسبة إلا وغمرها به ليتابع هو مقترحًا: -ممكن تسيبي عربيتك لأيهم، بما إنك مش محتاجاها خلاص. ضيقت بين عينيها لتنطق باقتناع: -فكرة حلوة. تنهدت لتنطق وهي تتلفت حولها: -يلا يا حبيبي علشان ما نتأخرش.

تحركت خطوة مبتعدة عنه ليجذبها بقوة لتعود مرتطمة بصدره القوي لتتطلع عليه وجدت بعينيه عشق وحب يكفي لإحياء عشرة قلوب. احتضنها بقوة ثم أبعدها قليلًا وبات يقبل وجنتيها بنهم وشغف لينطق بنبرة تفيض حنانًا: -أنا بحبك، قوي. -عارفة... قالتها بتأكيد متعجبة حالته ليسترسل وهو يبتلع لعابه: -يلا ننزل.

تحركت بجانبه ونزلا الدرج ومنه إلى غرفة الطعام ليتناولا فطورهما ومن ثم جاورته التوجه إلى الجراج لترى سيارتها الفارهة التي أسعدت قلبها ليس لقيمتها المادية المرتفعة ولا لماركتها العالية، بل لاهتمامه بها ودلالها بكل الطرق. استقلت سيارتها وانطلقت تحت نظراته المترقبة.

ولجت إلى الشركة تحت سعادة قلبها لعودتها إلى العمل التي عملت عليه كثيرًا كي تصل لتلك المكانة. رحب أيمن بها والجميع بحفاوة ومر اليوم بسلاسة. نزلت للأسفل باستخدام المصعد الكهربائي ومنه للخارج. استقلت السيارة وتحركت بطريقها للعودة إلى منزل زوجها. كانت تقود بسعادة وانتشاء يرجع سببها للعودة إلى العمل. وعلى حين غرة حاوطتها سيارة دفع رباعي وبدأت بالتضييق عليها. للحظة فكرت بأن سائقها تجرع أحد المشروبات الكحولية لكنها فزعت

عندما احتكت سيارتها بإحدى السيارات بالجهة الأخرى لتحدث صريرًا عاليًا صرخت رعبًا على إثره. باتت السيارتان تضيقتين عليها المرور وحين عجزت عن الحركة توقفت وبدأت بالصراخ حين ترجل من السيارة عدة رجال ملثمون ليقتحموا سيارتها ويفتحوا الباب ليخرجوها عنوة عنها تحت صرخاتها المستنجدة ولكن من سيسمع فقد استدرجوها لشارع جانبي هادئ للغاية. جذبها أحدهم ليجبرها على التحرك صوب السيارة بطريقة

عنيفة وهي تصرخ قائلة: -أنتوا مين وعايزين مني إيه؟! هتف الرجل بحدة: -ادخلي العربية وامشي معانا من سكات أحسن لك. صاحت مستنجدة: -سيبوني حرام عليكم، خلوني أرجع لابني، خدوا العربية وخدوا كل حاجة وسيبوني. جذبها ليلقي بها داخل السيارة بطريقة عنيفة لتصرخ بكامل صوتها: -فؤااااااااد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...