تجبرنا الظروف أحيانًا بأن نسلك دروبًا لا تشبهنا، ولم نكن يومًا لنتخيل المضي قدمًا بداخلها، لكننا في بعض الأحيان نُرغم ونرضخ كي نحصل على مبتغانا. وها أنا الآن أسلك درب الوصول لمبتغاي بأبشع شعور يمكن أن يصيب رجلًا، ما بالك بعاشق مثلي، إنه الموت بعينه يا صديقي. فؤاد علام زين الدين
حاوطتها سيارة دفع رباعي وبدأت بالتضييق عليها ومحاصرتها. في بادئ الأمر خُيل لها بأن سائقها متجرعًا لأحد المشروبات الكحولية، وزمام أموره قد فلت منه وهذا ما تسبب في عدم اتزانه. لكنها سرعان ما فزعت عندما احتكت سيارتها بإحدى السيارات بالجهة الأخرى لتحدث صريرًا عاليًا صرخت رعبًا على أثره. باتت السيارتان تضيقان عليها المرور، وحين عجزت عن الحركة أوقفت القيادة وبدأت بالصراخ مستنجدة، لعل أحدهم من المارة يستمعها ويأتي لنجدتها. في حين ترجل من السيارة عدة رجال ملثمون ليقتحموا سيارتها ويفتحوا الباب ليخرجوها عنوة عنها تحت صرخاتها المستنجدة، ولكن من سيسمع؟
فقد تم استدراجها عن طريقهم لشارع جانبي هادئ للغاية. جذبها أحدهم من ذراعها ليجبرها على التحرك صوب السيارة بطريقة عنيفة وهي تصرخ قائلة: -إنتوا مين وعايزين مني إيه؟ هتف الرجل بحدة: -ادخلي العربية وامشي معانا من سكات أحسن لك. صاحت مستنجدة: -سيبوني حرام عليكم، خلوني أرجع لابني، خدوا العربية وخدوا كل حاجة وسيبوني. جذبها ليلقي بها بالكنبة الخلفية داخل السيارة بطريقة عنيفة لتصرخ بكامل صوتها مستنجدة بفارسها: -فؤااااااااد.
حاوطها رجلان بالجلوس لتجد حالها محاصرة من الجهتين. قاومت وباتت تضرب كليهما بقبضتيها ليصرخ الرجل المجاور للسائق قائلًا بتوبيخ لكلاهما: -مستني إيه يا بجم منك ليه، رش عليها المنوم خليها تخرس قبل ما تفضحنا. انتابها شعور بالرعب وبات صدرها يعلو ويهبط ودقاتها تنتفض داخل قلبها، ثم وضعت كفيها لتحمي بهما وجهها وهي تصرخ مستنجدة برب العالمين: -يارب، ساعدني يارب.
أزاح أحد الرجلين كفيها بقوة ألمتها وزادت من رعبها وهي تتلفت بوجوه هؤلاء الملثمين بعينين زائغتين، أما الآخر فضغط على البخاخ ليخرج منه رذاذًا بكثرة ما أن استنشقته مرغمة حتى تشوشت الرؤية لديها وبدأت بفقد وعيها رويدًا رويدًا حتى فقدته بشكل كامل، وألقت برأسها للخلف بإهمال. انطلق السائق بالسيارة على أقصى سرعة، وبعد ما يقارب من النصف ساعة بدأت باستعادة وعيها رويدًا رويدًا. كانت تشعر بدوار وثقل شديد برأسها. استمعت لبعض صدى
الأصوات من حولها وكأنها داخل حلم. لم تستطع التركيز لعدم استعادة وعيها بشكل كامل. قاومت لتفتح عينيها لكنها وجدت عائقًا أمامها لتكتشف أنها معصوبة العينين، وليس هذا فقط بل شعرت بتقييد ذراعيها من الخلف وأيضًا ساقيها مقيدتين ببعضهما لتتيقن أنها مقيدة فوق المقعد الجالسة فوقه. استمعت لصوت يأتي من بعيد
لرجل وهو يقول بصوت خشن: -الغدا وصل يا رجالة، يلا علشان ناكل قبل ما يبرد. تلفتت بجنون أصابها لعدم رؤيتها للمكان وعدم فهمها لما يجري لتهتف بنبرة مرتعبة: -أنا فين، وإنتوا مين، وجايبيني هنا ليه؟ استمعت لأصوات أقدام تتحرك حتى اقتربت منها ليميل صاحب القدمين عليها واقترب بشكل كبير حتى أنها شعرت بحرارة أنفاسه تلفح بشرة وجنتها قبل أن يتحدث قائلًا بفحيح:
-ما تخافيش قوي كده يا روح قلبي، ده أنتِ في إيد أمينة، إيد حبيبك، ولا نسيتي أنا كنت إيه بالنسبة لك؟ دب الذعر في أوصالها لتشهق برعب أصاب قلبها وهي تنطق بذهول: -عمرو! بسط يده ليُزيل عنها عصبة عينيها بقوة ألمتها لتصرخ على إثرها: -آه. -إيه يا حلوة، اتوجعتي؟ نطقها وهو ينظر لعينيها التي بدأت تفتحهما بألم ناتج عن ضغطهما بالعصبة لمدة طويلة. ارتعدت وهي تتراجع برأسها للخلف لقرب ذاك المعتوه منها بشكل كبير ليتابع بشر ظهر بعينيه:
-هو أنتِ لسه شفتي وجع يا بنت غانم، ده أنا هحاسبك على كل لحظة قللتي فيها مني لما سبتيني ومشيتي مع وكيل النيابة اللي عمل لي فيها سبع رجالة وجه خدك من بين إيديا، بس أنا غفلته ورديتها له وخطفتك من قلب بيته. واسترسل بتفاخر وهو يرفع قامته لأعلى: -مهو مش عمرو البنهاوي اللي يتعلم عليه ويسكت.
تلفتت من حولها بذعر وهي تنظر لهؤلاء الرجال المنتشرين داخل بهو المنزل الفخم الذي تراه لأول مرة بحياتها. التفتت إليه لتطالعه بوجه شاحب وجسد يرتجف رعبًا من هيأته الجنونية وهو يقول بعينين توحي إلى جحيمه القادم: -وحياة كل لحظة حلوة عشناها مع بعض لأدفعك تمن كل وجع حسيت بيه وأنا بتخيلك مع غيري، كل يوم كان بيعدي عليا وإنتِ في بيته. واستطرد بنظرات توحي لمدى حقده الدفين وغضبه:
-جسمي اللي كان بيقيد نار وأنا بتخيلك وإنتِ نايمة في حضنه. نظرت له بتقزز وباتت تحرك رأسها يمينًا ويسارًا قبل أن تنطق بذهول ممزوج بالارتياب: -أنتَ أكيد اتجننت وفقدت عقلك. -هو أنتِ خليتي فيا عقل بعد ما رميتي نفسك في حضن راجل غيري واتحاميتي فيه مني! نطقها بصراخ أرعب أوصالها ليقترب منها أكثر وهو يهمس بضعف ظهر بين مقلتيه: -عقلي خدتيه معاكِ يوم ما خدتي ابني وروحتي بيه على مصر واتحاميتي مني في مديرك الشايب.
فرد ظهره سريعًا وبات يستعرض بذراعيه بكبرياء وغرور: -بس خلاص، كل الوجع اللي عشته قبل كده هينتهي النهاردة، النهاردة هيكون يوم الخلاص اللي استنيته سنين. ليتابع وهو يقبض على كفه بقوة: -وبإيدي، بإيدي هيتم الخلاص يا إيثار. أقبل عليه رأفت صديقه وتحدث بارتياب: -اهدى يا عمرو ووطي صوتك، ما يصحش الرجالة اللي معانا يسمعوك وإنتَ بتكلم أم ابنك كده.
دفعه للخلف بقوة لينطق بنبرة حادة وهو ينظر لهؤلاء الرجال المصطفين حول أكياس الطعام الموضوعة فوق طاولة جانبية ويلتهمون ما بداخلها بطريقة مقززة: -خد البهايم دول وخليهم يطفحوا جوه في أوضة السفرة. ليعيد بصره إليها وهو يقول متهكمًا: -وسبوني مع مراتي الحلوة لوحدنا. كانت تحرك رأسها بذهول وهي تتطلع عليه بعدم استيعاب بما يحدث من حولها. هل هي حقًا الآن بين قبضة ذاك المعتوه وداخل براثنه؟ ماذا سيفعل بها وعن أي خلاص يتحدث؟
يبدو أنه قد جُن على الأخير. تنفست لتنطق بحذر نظرًا لحالته الجنونية: -فوق يا عمرو قبل ما تضيع نفسك وتضيعنا معاك، فكر في يوسف وحط مصلحته قدام عنيك. -ما أنا كل اللي بعمله ده علشان خاطرنا إحنا ويوسف. قالها بهدوء ليتابع وهو يشملها بنظرات ولهة عبرت عما يكنه من عشق داخل قلبه المريض: -عارفة يا إيثار، برغم اللي عملتيه فيا ده كله إلا إني لسه بموت فيكِ وبتمنى لك الرضا. واسترسل بطمأنة:
-علشان كده مش عاوزك تقلقي، لما نسافر هعاقبك الأول على كل اللي عملتيه فيا ونبقى خالصين، وبعدها هعيشك ملكة، أنا وإنتِ ويوسف هنعيش ملوك في إيطاليا. اتسعت عينيها هلعًا لتصرخ قائلة: -إيطاليا إيه اللي هنسافرها يا مجنون. أصابتها حالة من الهياج لتصرخ وهي تزحزح جسدها المقيد بالمقعد في محاولة فاشلة منها للتخلص من القيود: -فكني يا عمرو، فكني وبطل جنان وخليني أروح لابني. مال عليها وحاوط وجنتها بكف يده ليهمس بحنان وهو يداعب أنفها
بخاصته كي يطمئن رعبها: -متخافيش يا حبيبتي، يوسف هيجي لنا حالًا، أنا بعت له ناس مستنياه على طريق المدرسة، أول ما يخرج هيجيبوه لحد هنا وعلى بكرة الصبح هنكون متحركين على مركب هتوصلنا لإيطاليا ومن هناك هنسافر ونلف الدنيا كلها. وتابع بعينين لامعتين بزهو: -أنا بقى معايا فلوس كتير قوي يا إيثار، فلوس هتعيشنا ملوك إحنا ويوسف وولادنا اللي هنخلفهم. ذهلت من حديثه اللاواعي والجنوني لتنطق بنظرات زائغة تفرقها هنا وهناك
بتشتت ظهر على ملامحها: -لا، لا أنتَ أكيد مجنون، إنتِ ناسية إني متجوزة؟ اشتعلت عينيه بشرارات الغضب ليصرخ بحدة هادرًا بقوة أصابت جسدها برجفة حادة: -أنا جوزك الأول والأخير، ومفيش قوة على وجه الأرض هتقدر تبعدك عني تاني، وإياك أسمعك تنطقي كلمة متجوزة دي تاني، إنتِ فاهمة؟
تطلعت لهيأته والآن تأكدت من فقدانه لبصيرته. فقد جنب العقل وباتت تحركه مشاعر الغيرة والتملك ويرجع سبب هذا لتعاطيه للحبوب والأعشاب المخدرة التي كست على عقله غشاوة وبات يتصرف بعشوائية دون وضع أي حسابات لخطواته. خرج صوتها بضعف وعينين يكسوهما الألم والترجي: -فوق يا عمرو علشان خاطر يوسف، إنتَ كده بتدمر مستقبل ابنك. واسترسلت بقراءة لما هو آت: -فؤاد مش هيسيبك إلا لما يدمرك.
صاحت بجملتها الأخيرة التي أخرجت الوحش الكامن بداخله لينقض عليها كثور هائج فلت لجامه ويقوم بصفعها بقوة جعلت وجهها يهتز على إثر الصفعة، ولم يتوقف بل تلاها بأخرى أشد وأقوى وبات يزيدها حتى رأى الدماء تسيل من أنفها وجانب شفتها السفلى ليتوقف على الفور ويجس بركبتيه أمامها وهو يتفحص وجهها قائلًا بذهول: -عاجبك كده، استفزتيني لحد ما خلتيني أفقد سيطرتي وأضربك. واسترسل ملقيًا اللوم على عاتقها: -نفس اللي كنتي بتعمليه زمان.
ألقت برأسها للخلف باستسلام وإعياء شديد بعدما شعرت بتخدر وجهها بالكامل من إثر صفعاته القوية. سلمت أمرها لبارئها لتنطق بصوت واهن: -يارب، اشملني بعطفك ونجيني يارب. ******** بنفس التوقيت كان يجلس داخل مكتبه بجسد مشدود وعقل غاب عنه لشدة توتره وترقبه لما سيحدث. وضع رأسه بين كفيه وبات القلق ينهش داخله بل ويفتك بقلبه العاشق.
تجبرنا الظروف أحيانًا بأن نسلك دروبًا لا تشبهنا، ولم نكن يومًا لنتخيل المضي قدمًا بداخلها، لكننا في بعض الأحيان نرغم ونرضخ كي نحصل على مبتغانا. وها أنا الآن أسلك درب الوصول لمبتغاي بأبشع شعور يمكن أن يصيب رجلًا، ما بالك بعاشق مثلي، إنه الموت بعينه. انتفض بجلسته عندما صدح صوت هاتفه الجوال ليرفعه ويجيب سريعًا بعدما شاهد اسم نبيل: -أيوه يا نبيل. نطقها بصوت لاهث وكأنه يصارع الموت ليجيبه الآخر بنبرة جادة:
-الهدف دخل المصيدة يا أفندم. واسترسل: -عربيتين دفع رباعي حاوطوا الهانم وأجبروها تدخل في شارع جانبي، والمدام اتحركت معاهم حالًا في عربيتهم. وكأن أحدهم غرس خنجرًا مسمومًا بوسط قلبه. الأنثى الوحيدة التي استطاعت تحريك مشاعره وجعلته يفتح أبواب قلبه لاستقبال الحياة بحفاوة من جديد، ها هي الآن بين أيادي هؤلاء الخارجين عن القانون وعليه الصبر والتروي وعدم التهور. أي عقل لديه سيتحمل هذا الشعور المميت الذي يمزق أحشائه إلى أشلاء؟
وإن تحمل العقل فهل يستطيع الفؤاد الصمود؟ أخرج صوته بصعوبة وهو يسأله: -اتأكدت بنفسك إن القوة الأمنية محاوطة البيت؟ أجابه الرجل باستفاضة: -أيوه يا سيادة المستشار، أول ما سمعنا عن طريق الكاميرات إن رجالته اتحركت لطريق شركة الأباصيري بلغنا سيادة اللواء المسؤول عن القضية وسيادته أمر بتحرك القوة وانتشارها حوالين البيت. واسترسل بإبانة:
-كده فقدنا كاميرات العربية اللي في الفوانيس وجواها بعد ما خرجوا الهانم منها، بس لسه معانا الجي بي سي اللي موجود في الساعة. كان يستمع له بقلب يعتصر ألمًا. هب واقفًا وتحدث بنبرة جاهد بصعوبة لتخرج هادئة: -تمام يا نبيل، أنا هقفل لأني لازم أتحرك حالًا.
أغلق الهاتف وتحرك سريعًا باتجاه المكان المخصص لتعليق حلته ليجذبها وبلمح البصر كان يرتديها ليعود من جديد إلى مكتبه الخشبي يختطف علّيقة المفاتيح الخاصة به وجميع متعلقاته الشخصية ليتجه مهرولًا للخارج ومنه للجراج ليتحرك منطلقًا بسيارته باتجاه منزل عمرو المتواجد بأحد المناطق السكنية الجديدة. زفر بقوة عله يخرج نيران قلبه. هز رأسه بألم وبدأ يتذكر ما حدث باليوم الثالث لدخول إيثار قصره. عودة لما قبل شهر من الآن...
تخطت الساعة العاشرة ليلًا. كان يجلس فوق التخت مستندًا بظهره للخلف وعلى وجهه ابتسامة هائلة تنم عن مدى راحته. كلما تذكر ما حدث منذ يومين وبأن أميرته أصبحت الآن تسكن قصره تزداد سعادته ويشعر بالاستكانة والهدوء. تحرك ليتجه نحو الشرفة ليفتح بابها الزجاجي ويستند بكفيه على السور الحديدي. رفع رأسه للأعلى ليغمض عينيه ويأخذ نفسًا مطولًا من الهواء النقي ويزفره براحة. بات يكرر عملية التنفس حتى شعر باستكانة روحه. فتح عينيه وبات يتجول بهما يتفحص المكان ليقع بصره على سيارة تصطف على بُعد عدة أمتار من القصر. تعجب من داخله لينسحب للداخل ويمسك هاتفه بعدما تحرك الحث القانوني لديه وشعر بالريبة. اتصل برئيس الحرس وتحدث أمرًا:
-بهاء، شوف لي حكاية العربية اللي راكنة بره دي، ومن غير ما يحس صاحبها تجيب لي رقم اللوحة بتاعتها. -أوامر جنابك يا سيادة المستشار.
قالها الرجل ليبعث بأحد الحرس يتحرى عن رقم لوحة السيارة دون أن يلاحظه أحد، وما أن أعطى الإشارة لكبير الحرس حتى توجه الرجل صوب السيارة ودق على الزجاج الحاجب للرؤية "مُعتم" ليسحب قائد السيارة الزجاج للأسفل عن طريق الزر الإلكتروني لينكشف وجه القائد وشخص آخر يجاوره الجلوس بالمقعد المجاور ليسأله الحارس مستفسرًا: -خير يا بشوات، إيه اللي موقفكم هنا؟ تعمق عمرو بعينيه لينطق ساخرًا بطريقة فظة:
-وإنتَ تطلع مين علشان تيجي تسألنا وتحقق معانا؟ هتف الرجل بحدة بالغة: -لما تبقى واقف قدام القصر اللي أنا مسؤول عن حمايته يبقى مالي ونص. تابع عمرو تهكمه لينطق ساخرًا: -يا عم أنا جيت جنب القصر بتاعكم ولا لمست السور بتاعه حتى، أنا واقف في الشارع والشارع ملك للحكومة. رمقه المدعو بهاء بعينين حادة كالصقر قبل أن يهتف بصرامة لا تقبل الجدال: -طب يلا اتحرك حالًا قبل ما أتصل بالشرطة تيجي تاخدكم. واستطرد بتهديد
مباشر لخطورة الموضوع: -وهناك ابقى برر لهم وقوفك قدام قصر عضو المحكمة الدستورية براحتك. كاد أن يرد ليسبقه صديقه رأفت بريبة: -يا باشا مفيش داعي للكلام ده كله، إحنا كنا سايقين من بدري ووقفنا نريح شوية وهنتحرك حالًا. قال كلماته ليلكز كتف صديقه وهو يقول ليحثه على التحرك: -يلا بينا يا صاحبي. زمجر عمرو ليهمس رأفت محذرًا: -متبقاش راسك يابسة ويلا بينا. زفر بقوة ليدير مقود السيارة وينطلق بها للأمام ليقول
والغضب اكتسى وجهه بالكامل: -ابن الكـ... واخد الشارع على حسابه، موقف لي شوية حيوانات يحجزوا على اللي رايح واللي جاي وكأنه شارع أبوه. نطق رأفت المجاور له بريبة: -اهدى يا عمرو وخليك صبور أكتر من كده، أنا وافقتك على جنانك ده لما لقيتك منهار ومقهور على مراتك وابنك.
ذكره رأفت بما حدث ليلة أمس داخل المسكن الخاص برأفت، حيث ذهب له عمرو منهارًا وهو يتوعد لقتل فؤاد والأخذ بالثأر منه بعد أن حرمه من حبيبته وأخذها منه تحت أعين الجميع، جلسا سويًا وباتا يتناولا الحبوب المخدرة ولفائف السجائر المحشوة بنبات الحشيش الذي يذهب العقل ويدمر خلاياه، ظلا يفكران إلى أن اهتدى عمرو إلى فكرة مراقبة منزل فؤاد حتى يتسنى له فرصة خروج إيثار إلى عملها وحينها سيقوم بخطفها هي والصغير ويرحل من الوطن بأكمله.
استرسل رأفت بنبرة حذرة: -لازم تمسك أعصابك أكتر من كده علشان الحراس مياخدوش بالهم إننا بنراقبهم ويبلغوا وكيل النيابة ويكشفك. توقف عن غضبه المبالغ به ليهدأ قليلًا وهو يقول بعينين مترقبتين للطريق: -عندك حق، الموضوع محتاج تكتيك على كبير، علشان كده إحنا هنراقبهم من الناحية التانية للطريق، مش هنقف تاني قدام الفيلا على طول علشان مياخدوش بالهم.
عودة إلى فؤاد الذي أمسك هاتفه الجوال ليتصل على صديق له يعمل في الإدارة العامة للمرور ويملي عليه الرقم الذي أخبره به رئيس الحرس وهو يقول بتوصية: -عاوزك تكشف لي على رقم العربية ده يا حازم وتجيب لي اسم صاحبها بالكامل. واستطرد ليعلمه: -بس خلي بالك، دي خدمة شخصية ليا بعيدًا عن الشغل.
تحدث الطرف الآخر بحميمية ترجع لعدم استغلال فؤاد لمنصبه بأي شكل من الأشكال قبل ذلك، لكنه الآن مجبرًا لأخذ الحيطة كي يعمل على حماية مالكة الفؤاد وصغيرها ولا يدع أية ثغرة دون سدها: -في خلال ساعة واحدة كل المعلومات هتكون عندك، إحنا في دا اليوم اللي فؤاد باشا علام بذات نفسه يطلب مني خدمة شخصية. -حبيبي يا حازم بيه، تسلم يا باشا...
نطقها شاكرًا لينهي المكالمة بعدما تبادلا التحية، ظل متسمرًا مكانه بداخل الشرفة يتطلع للبعيد ويراقب المكان بتمعن شديد بعد أن ساوره الشك بأمر تلك السيارة الغريبة عن المكان، بعد أقل من ساعة صدح رنين هاتفه ليرفعه أمام عينيه ليتأكد من أنه حازم ليجيب على الفور: -طمني وقول لي إنك جبت لي اسمه. نطق حازم ممازحًا صديقه: -هو اسمه بس، ده اسمه واسم محافظته وبلده كمان. ضيق بين عينيه ليسأله بشك بات يساوره: -اسم بلده!
هو مش من القاهرة ولا إيه؟! -لا يا باشا، خد عندك... قالها بحماس ليتابع بإبانة: -العربية باسم "عمرو نصر طلعت البنهاوي"، محافظة كفر الشيخ مركز الـ أوقفه فؤاد حيث نطق مبتسمًا بخبث: -متكملش يا حازم، الباقي أنا عارفه. -تمام يا باشا، تأكد إننا دايمًا في الخدمة وتحت الأمر... قالها حازم ليغلق الخط، فرك فؤاد ذقنه بأصابع كف يده ثم نظر أمامه مضيقًا عينيه لتخرج منه كلمات بشرود:
-يا ترى وراك إيه يا سي عمرو، خليني معاك للآخر ويارب يكون اللي في دماغي صح وشيطانك وزك ورماك في طريقي، ياااه، ده أنت تبقى خدمتني خدمة العمر ووفرت عليا كتير قوي. باليوم التالي، فاق من نومه وتحرك لغرفة من حرمت على عينيه النوم منذ قدومها وسكونها بالجوار، ولج إليها بعد الاستئذان ليجدها تصفف شعر الصغير بعد تجهيزه بالثياب المدرسية استعدادًا لذهابه، ابتسم له الصغير بينما أقبل هو عليه وأسكنه أحضانه وهو يقول متوددًا:
-جاهز للمدرسة يا بطل؟ هز الصغير بإيماءة حماسية فحول بصره عليها يتطلع بتمعن بأسرتيه الساحرتين لينطق بعدما ابتلع لعابه تأثرًا بجمال عينيها: -أخبارك إيه النهاردة؟ -الحمدلله... قالتها بعينين تتوارى خجلًا من نظراته الجريئة المصوبة فوق عينيها وشفتيها المكتنزة بشكلها الشهي، ليتحمحم من تأثره الشديد بخجلها الذي زادها جمالًا بعد أن احمرت وجنتيها تأثرًا وأصبحت تشبه ثمرة التفاح الناضجة، استعاد توازنه لينطق بنبرة جادة:
-إيثار، مش عاوزك تطلعي من البيت نهائي الفترة دي وتحت أي ظروف. طالعته لتسأله متعجبة: -ليه، هو فيه حاجة حصلت؟! قطب جبينه متعجبًا سؤالها الأبله ليجيب عليها مستنكرًا: -أنت عاوزة يحصل إيه أكتر من اللي حصل في كفر الشيخ علشان ناخد حذرنا؟! كادت أن ترد لكن طرقات ثقيلة فوق الباب قطعت حديثهما لتلج عزة وهي تقول بصوت حماسي: -صباح الخير يا ست البنات.
قطعت جملتها حينما تفاجأت بوجود ذاك الوسيم لتنطق بابتسامة سعيدة وهي تتمنى في قرارة نفسها أن يتم الزواج بينهما بطريقة فعلية كي تطمئن على تلك المسكينة: -صباح الفل يا باشا. -صباح الخير يا عزة... قالها ومازال يتطلع لأميرته الساحرة لتنطق هي من جديد: -جهزتي يوسف؟ الباص على وصول. -نزليه وسلميه للحارس اللي على البوابة... قالها قاصدًا عزة ليسترسل وهو ينظر بعيني رائعة الحسن ليبث الطمأنينة بأوصالها بشأن الصغير:
-أنا مأكد عليه إمبارح يسلمه بنفسه لمشرفة الباص. أومأت له فأخذت عزة الصغير وذهبت بعد أن أغلقت الباب خلفها، تحمحم وهو يقترب عليها ليقول بطريقة أذابت قلبها وجعلت من فراشات العشق تحتل معدتها لتدغدغها بلذاذة: -كنا بنقول إيه؟ تحمحمت بخجل لتخرج صوتها بصعوبة: -كنا بنتكلم عن اللي حصل في كفر الشيخ. -مركزة مع كلامي أنت...
نطقها بملاطفة مع غمزة من عينيه لتسحب جسدها للخلف مما جعله يبتسم، ود لو أن له الحق لاقترب منها وقام بسحق عظامها داخل ضمة أحضانه المهلكة وليحيا معًا حلاوة الحب، لكنه سرعان ما تذكر عهده الذي قطعه على حاله حين وعدها بعدم إجبارها على شيء وإعطائها حرية اختيار الوقت المناسب، نطق بنبرة هادئة: -المهم يا إيثار، متخرجيش من البيت لوحدك نهائي ولو حصل واضطريتي تخرجي تكلميني علشان حد من الحرس يخرج معاك. -اتفقنا...
قالها بعينين ولهتين مملؤتين بالغرام مما جعل جسدها ينتفض بالكامل وتاهت متناسية حديثه ليهز رأسها مستفسرًا فأومأت وهمست: -حاضر. تقدم منها خطوة وبسط يده ليتلمس بها وجنتها الناعمة تحت انتفاضة جسديهما، ترقب ردة فعلها ليتمادى وينزل بأصبعه يتحسس شفتها السفلى تحت نبضات قلبها التي تدق كطبول الحرب وصدرها الذي يعلو ويهبط بقوة، وكأن عينيه بهما مغناطيس جذبها ليميل بطوله الفارع عليها وكاد أن يلمس شفتيها لكنها باغتته بابتعادها
للخلف لتنطق بنظرات عاتبة: -هو ده وعدك ليا؟! أغمض عينيه ليأخذ نفسًا مطولًا ليزفره براحة ومن جديد تطلع عليها لينطق بصوت يملؤه الشوق والحنين والغرام: -ما على عاشق الحبيب ملامة، إن تداعى وجدًا وأبدى غرامه هكذا العاشق المولّه صب، ذو اصطلام وناره ضرامه شعر، بهاء الدين الصيادي. ابتسمت بسعادة بعد أن شملتها كلماته وأشعرتها بأنها فراشة تتراقص على أنغام كلماته العاشقة، نطقت بعينين فشلت بإخفاء الغرام داخلهما:
-ده سيادة المستشار طلع شاعر كمان. -سيادة المستشار بيتحول قدام عيون حبيبه... قالها بهيام ليتابع بتوسل حبيبًا: -ادينا فرصة للحياة يا حبيبي، سلمي لي نفسك وأنا أوعدك إنك مش هتندمي. مشاعر هائلة شملت روحها لتسحبها لسحر عينيه الرائعة باتا ينظران بوله متبادل حتى قطع وصليهما رنين هاتفه، لتنزل بصرها سريعًا ويتطلع هو بشاشة هاتفه قبل أن يقول باعتذار: -ده تليفون مهم خاص بالشغل ولازم أرد عليه. واسترسل بنظرات مغرمة: -فكري في كلامي.
أمسك كف يدها ورفعه إلى فمه ليطبع قبلة رقيقة لمس من خلالها جلد يدها الرقيق بشفتيه الغليظة مما جعل جسديهما يصاب برجفة قوية، اضطر على الابتعاد بعد صدور رنين الهاتف من جديد ليبتعد وهو يقول: -خلي بالك من نفسك، ولو احتجتي أي حاجة كلميني على طول. انسحب وقبل أن يحرك مقبض الباب استمع لصوتها وكأنه آلة موسيقية وهي تهمس بحروف اسمه: -فؤاد. التفت سريعًا يتطلع بلهفة لتنطق بابتسامة حنون: -متشكرة.
تنهيدة حارة شقت صدره وخرجت منه كانت كفيلة للرد عليها قبل أن ينصرف مغلقًا الباب من خلفه تحت رنين هاتفه الذي لم يصمت.
تحرك فؤاد إلى عمله وقد التقى مع فريق من أصدقائه المقربين بعد أن قرر مراقبة نصر وعمرو وجميع أشقائه، هو بالأساس كان مقررًا هذا لكنه كان يأخذ استراحة المحارب بعد ما حدث معهما منذ يومين بكفر الشيخ، بعد يومين كان قد حصل بجعبته على معلومات ثرية للغاية، فمن خلال مراقبة عمرو استطاعوا معرفة بيته الذي اشتراه سرًا منذ شهرين دون علم والده ولاحظوا أيضًا تردد عمرو على مكتب مستترًا خلف واجهة الاستيراد والتصدير يشتبه بمالكه بأنه
عميل لتهريب الآثار المنهوبة من البلد، ذهب فؤاد إلى أبيه وقص عليه ما حدث من مراقبة عمرو المستديمة لمنزلهم هو وصديقه وتردده على ذاك المكتب المشبوه فتدخل والده وأخذ لهما موعدًا من النائب العام وقصا عليه الرواية والشبهة التي تدور حول ثروة نصر الطائلة والإشاعات الدائرة بالبلدة عن اتجاره بالآثار، أعطى النائب العام كل الصلاحيات إلى فؤاد بإعطائه الأمر لمراقبة المدعوين نصر وعمرو، استغل الفريق الذي كونه فؤاد خلو منزل عمرو
المتواجد بأحد المناطق الجديدة ليقوموا بزرع عدة كاميرات صوت وصورة بجميع أنحاء المنزل كي يستطيعوا الاطلاع على كل ما يدور داخل المنزل.
بعد مرور يومين عاد فؤاد ليلًا من عمله الذي استغرق طيلة اليوم ليبلغه الحارس الأمني بأن زوجته السيدة إيثار قد خرجت ظهر اليوم من المنزل دون علمه ورفضت اصطحاب الأمن معها إلى مسكنها الخاص حيث ذهبت لجلب بعض الأشياء الخاصة بها وبصغيرها ليجن جنونه ولولا علمه بأن المدعو عمرو قد سافر اليوم إلى كفر الشيخ كي لا يدع الشك يساور والده بأنه يفعل شيئًا مريبًا لكان فقد عقله، صعد للأعلى وظل يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا وهو يتخيل سيناريو
أن ذاك عمرو لم يسافر اليوم وكان يراقب المنزل كعادته وقام باختطافها أو أذيتها دون ترتيب منه، هز رأسه رافضًا مجرد التخيل، وبعث الخادمة كي تستدعي له تلك العنيدة ليهدر بها بحنق، لم يتمالك حاله وثار عليها حتى أنه أهانها بقوة بعدما فقد أعصابه جراء رعبه عليها كلما تخيل ماذا كان سيصيبها لولا ستر الله عليهما.
استمرت المراقبة القانونية لمدة شهر اكتشفوا به زيارة رجل من دولة أوروبية إلى منزل عمرو واستمعوا بالصوت والصورة من خلال الكاميرات إلى اتفاق عمرو مع الرجل بأن يذهب برجاله إلى محافظة سوهاج للتنقيب عن الآثار لتهريبها للخارج عن طريق المكتب المشبوه الذي تردد عليه عمرو سابقًا، وكان هذا إنجازًا حققه فؤاد وهدية قدمها للوطن على طبق من ذهب، فالقضية كانت متفرعة حيث تحتوي على مهربين ومساعديهم من الدولة، وللأسف الشديد اكتشفوا بعض الشخصيات التي تساعد المهربين منهم رجالًا من القضاء والشرطة الفاسدين.
أعطى النائب العام أمرًا لوزارة الداخلية كي تتخذ الإجراءات اللازمة للقبض على عمرو بشأن اختطافه لامرأة متزوجة من رئيس نيابة والتخطيط لاختطاف نجله أيضًا المؤيد حضانته إلى والدته من قبل حكم محكمة، أما بخصوص قضية الآثار فتم تأجيلها لحين القبض عليهم وهم متلبسين بالجرم المشهود.
جهز فؤاد سيارة خاصة زرعت الشرطة بفوانيسها الخارجية الأمامية منها والخلفية كاميرات مراقبة صوت وصورة وأيضًا من الداخل لكي يستطيعوا الاطلاع على كل ما سيحدث معها بالتفصيل الممل، أيضًا جلب فؤاد ساعة لزوجته وقام الفريق بوضع جهاز تتبع بداخلها كي يتتبعوا خطواتها بعد أن يسمح لها بالخروج بمفردها كطعم يتم به اصطياد ذاك الأبله الذي خُيل له بأنه الأذكى وما هو إلا أداة لحدوث ما أراده فؤاد وخطط له ليوقعه في الفخ الذي نصبه له بمنتهى البراعة والدهاء ليسقط عنه حضانة الصغير بإرادته ويغلق ذاك الباب بشكل أبدي.
******** عودة للحاضر كان يقود سيارته بجنون ليلحق بخليلة الروح قبل أن يحدث لها مكروهًا على يد ذاك المختل الذي لا يمتلك من العقل مثقال ذرة، أما عمرو فقد وقف يتطلع على الدماء السائلة من شفتها وأنفها ليهتف بحدة وغضب ملقيًا باللوم عليها: -شفتي وصلتيني لإيه بعندك. أمسك محرمة ورقية وبات يجفف لها الدماء تحت نفورها منه وتراجعها للخلف وهي تقول بصرامة وسخط: -إبعد إيدك عني وإوعى تلمسني.
احتدم صدره غيظًا من نفورها منه ليقبض على فكها بعنف قبل أن يهتف هادرًا بحدة: -ماشي يا إيثار، هنتحاسب على كل ده صدقيني، وحسابك هيبقى شديد، شديد قوي يا بنت غانم، بس قبل ما أحاسبك عاوزك تجاوبيني على سؤال واحد. رمقته بمقت واشمئزاز لاقتراب أنفاسه الكريهة التي تبغضها كما تبغضه ليتابع وهو يهمس بهسيس مرعب: -سلمتي نفسك لابن الكـ... ده، ولا صونتي جسمك لجوزك؟ هتفت بصوتٍ مختنق يرجع لشدة قبضته:
فؤاد هو جوزي، فوق بقى من القرف اللي بتشربه ولحس دماغك ده! اشتعَل جسده بنار الغيرة ليشدد على قبضته بقوة جعلت من أسنانها تصتك ليعلو صريرها وهتف وهو يجز على نواجذه بقوة: لو اسمه جه تاني على لسانك هقطعهولك، أنا بس اللي جوزك، أنا قدرك اللي مش هتعرفي تتخلصي منه غير بطلوع روحك. والوقت لازم تنطقي... قالها بحدة ليكمل بسبابٍ لعين تحت ارتعابها ونظراتها الزائغة: الـ... ده قرب منك؟ سلمتي له نفسك وخنتيني؟
ولا لسه محافظة على شرفك لجوزك؟ قطع حديثه أحد الرجال الذي كان من المقرر أن يأتي بالصغير بعدما يستوقفوا سيارة المدرسة ويقومون بخطفه وجلبه إلى هنا: ملقناش الولد في أتوبيس المدرسة يا عمرو بيه. فك قبضته من فوق فكها ليستدير يتطلع عليه وهو يهتف بجنون: يعني إيه ملقتهوش في الأتوبيس يا بهايم؟! أنا متأكد إنه راح المدرسة النهاردة، أنا بنفسي شايفه وهو بيركب الأتوبيس. ارتعدت أوصاله عندما وصل لأذنيه أكثر صوتٍ
يبغضه وهو يهتف بنبرة حادة: يوسف في البيت قاعد مستني مامته. قبل أن ينطق بكلماته كانت جميع الرجال مكبلين من قبل رجال الشرطة، أما هو فحاول إخراج مسدسه من جيب الجاكيت الجينز ليشد فؤاد أجزاء مسدسه الخاص ليحدث صوتًا أرعب عمرو وهو يراه يصوب فوهة المسدس نحوه لجاهزيته قبل أن ينطق بتحذيرٍ شديد اللهجة: قبل ما إيدك تلمس هدومك هكون مفرغ رصاص المسدس ده كله في قلبك. أسرع شخصان من رجال الشرطة لتكبيله مستغلين تشتته
لتصرخ هي مستنجدة بحبيبها: فؤاااااد! انتفض جسده حين وجدها مكبلة ومقيدة بالمقعد، وما جعل النيران تستعر وتتوهج بجسده هو خط الدماء السائل من جانب شفتها لتجحظ عينيه وهو يهرول عليها جثا بركبتيه أمامها وبات يتفحص وجهها وهو ينطق بضعفٍ ظهر كم ضعفه الداخلي تجاه تلك الحبيبة: مين اللي عمل فيكِ كده؟ وكأنها كانت تحبس دموعها حتى وصوله، انهمرت كشلالاتٍ وهي تنطق بضعفٍ: الحمد لله إنك جيت يا حبيبي.
حاوط وجنتيها وعينيه المرتعبة تتجول بهلعٍ فوق ملامحها وجسدها تستكشف سلامته لينطق بنبرة تقطر حنانًا وعشقًا: متخافيش يا بابا، أنا معاكِ خلاص. مال على قدميها يفك الوثاق ليهرول أحد الرجال صوبها وكاد أن يفك وثاق ذراعيها ليوقفه بإشارة حازمة جعلته يتراجع سريعًا: محدش يقرب منها.
وكأن تحذيره هذا بمثابة إعلانٍ منه بملكيته الخاصة لتلك الجميلة الغير قابلة للمس أو حتى النظر. بعدما انتهى من فك قدماها هب واقفًا ليتجه خلفها ويحل وثاق ذراعيها ليوقفها، وما شعر بحاله سوى وهو يحتضنها بقوة متناسيًا الجميع لتتشبث هي به فهو بالنسبة لها أصبح الخلاص من جميع ما يؤرق روحها ويعيق استمرار حياتها بهدوءٍ. شدد من ضمته ليستمع لصرخات عمرو الجنونية وهو يصيح: ابعد عنها يا ابن الـ...
والله لأموتك يا فؤاد يا علام، والله لأقتلك. قام بسبه وياليته لم يفعل ويُخرج صوته من الأساس، فقد أيقظ الوحش الكامن بداخله والذي تأجل خروجه لحين الاطمئنان على خليلة القلب والروح. أجلسها من جديد فوق المقعد لتسأله بصوتٍ مختنق بالدموع: ابني فين يا فؤاد؟ حاوط وجهها لينطق بصوتٍ حنون: يوسف في البيت مع جده علام، أنا بعت له الحارس جابه من المدرسة بعد ما راح بساعة واحدة، متخافيش عليه وإهدي يا حبيبي.
أومأت بهدوء ليهب هو واقفًا ليستدير لذاك الثائر الذي يحاول الفرار من بين أيادي الرجلين وهو يسب ويلعن في فؤاد بعدما احترقت روحه وهو يرى امرأته المفضلة بين أحضان غيره تتشبث به وكأنه طوق نجاتها منه. هجم عليه كأسدٍ جريح ليُمسكه من تلابيب ثيابه ليسدد له لكمة قوية ارتد للخلف على أثرها بعدما خلصه من أيادي الرجلين وأبعدهما، ليجذبه من جديد ويسدد له لكمة أخرى تلتها أخرى وهو يقول بنبرة تعبر عن مدى احتراق روحه مما أصاب حبيبة
حبيبه كما يطلق عليها: بتتشطر على واحدة ست يا ناقص، بتعوض نقصك وعدم رجولتك بضربها يا زبالة. قذفه للخلف ليقف أمامه كالأسد فاردًا ذراعيه وهو يهتف ببسالة: تعالى كده وريني الرجولة يا عديم الرجولة. كفاية يا فؤاد، كفاية أرجوك وخلينا نمشي من هنا... كانت تلك صرخاتها المترجية التي لم يستمع لكلمة واحدة منها لشدة ناره المشتعلة. اقترب عليه ضابط الشرطة محاولًا توقفه عما يفعل من مخالفات لكنه أشار له بقوة وهو يقول:
من فضلك تبعد يا حسام بيه، لازم أربي عديم الرجولة وأعرفه إزاي يبقى راجل قبل ما أسلمه لك. هتف الضابط بحزمٍ كي يحثه على التوقف: يا فؤاد باشا اللي بتعمله ده غير قانوني، وكده سيادتك ممكن تعرض نفسك لمساءلة قانونية. اللي عاوز تعمله إعمله يا حضرة الظابط... قالها وهو يتجهز للهجوم على ذاك الذي تحدث وهو يستعد لتسديد لكمة إلى فؤاد: عامل لي فيها دكر جامد وإنتَ متحامي وسط رجالتك.
هجم عليه ليتفادى فؤاد الضربة ويقع ذاك الأبله منبطحًا على الأرض نتيجة اندفاعه القوي الخالي من العقل والتخطيط، لينحني فؤاد عليه ويحيط جسده بين قدميه بطريقة أشعرت الآخر بعجزه ليضغط على حنجرته بإبهامه مما حجز الهواء ومنع وصوله إلى رئتيه ليهمس بهسيسٍ بملامح وجه مخيفة: إنتَ اللي دكر يلا، بإمارة ما إنتَ مكتف واحدة ست وبتضربها يا...
وقام بسبه بأبشع الألفاظ مما جعل إيثار تفتح فاها بذهولٍ وعدم تصديق لما يخرج من فم زوجها الخلوق. تحرك الضابط ومعه بعض الرجال ليقومون بصعوبة بتخليص ذاك الحقير من قبضتيه الحديديتين. ظل يسعل بقوة بعد أن كان سيلفظ أنفاسه الأخيرة على يد ذاك المجنون برأيه. وقف فؤاد يتطلع بصدرٍ مشتعل على ذاك الذي يسعل وينظر إليه برُعبٍ ظهر بين عينيه المذعورتين من هيأته، لينطق فؤاد بنظراتٍ شامتة:
غبائك وقعك بين إيديا ومحدش هيقدر يخلصك، حتى أبوك ونفوذه يا ننوس عين أمك. هرول إلى زوجته وتحدث وهو يحتضن كفيها بين راحتيه بحنان: خلاص يا حبيبي، الصعب كله عدى. وتابع قاصدًا ضابط الشرطة الذي سئم تواجده وأفعاله الجنونية لكنه مضطر لتحمل تصرفاته نظرًا لمنصب والده الكبير وهذا ما جعل التوصية عالية عليه من رؤسائه: يا ريت يا حضرة الضابط تاخد إجراءاتك اللازمة وتاخد أقوال مراتي علشان نمشي.
اقترب الضابط منها وبدأ بأخذ أقوالها كمجني عليه، أما هو فأمسك بهاتفه الخاص وقام بالاتصال على هاتف نصر الذي كان يترأس طاولة الطعام وهو يتناول وجبة الغداء بصحبة عائلته بالكامل عدا ذاك المشاكس الذي لم يتوانَ في جلب المصائب لتستقر بالأخير فوق رأسه. أخرج هاتفه من جيب جلبابه ليضيق بين عينيه وهو يقول بتعجب: فؤاد علام، وده عايز مني إيه. هتفت إجلال بفمٍ يلوك بالطعام: أكيد عاوزك في حاجة تخص يوسف، رد بسرعة.
على الفور ابتلع ما في فمه من طعامٍ كان يلوكه ليجيب بصوتٍ مرحب: يا أهلًا يا باشا، مبسوط إني جيت على بال سعادتك وسمعتني صوتك. بصوتٍ قوي تحدث بنبرة حادة: وهتنبسط أكتر لما أقول لك على الخبر اللي عندي. خير يا باشا؟ ... نطقها بارتيابٍ أصابه من حدة صوته ليهتف الآخر بصوتٍ أكثر حدة: هو اللي عنده عيل زي عمرو يشوف خير برضه يا سيادة النائب؟
رجفة عنيفة اقتحمت جسد نصر وانتظر معرفة أي مصيبة جلبها له ذاك الأبله تلك المرة ليصيح فؤاد بقوة وصوتٍ ينم عن مدى غضبه: المجرم ابنك خطف مراتي واتعدى عليها بالضرب. واستطرد بوعيدٍ صارم نتج عن نار قلبه المستعرة: بس أقسم بربي ما هسيبه، هخليه يقضي اللي باقي له من عمره كله في السجن، ووعد مني مهيشوف للشمس نور طول ما أنا على وش الدنيا وفيا نفس.
انتفض من مقعده وهب واقفًا ليهتز المقعد وينقلب للخلف مما أحدث رعبًا بقلوب الحاضرين ليصيح نصر بقلبٍ مرتاب: الكلام اللي جنابك بتقوله ده لا يمكن يحصل من عمرو يا باشا، ده أكيد بلاغ كيدي، ابني لا يمكن يتصرف بالـ... دي مع أم ابنه. أجابه فؤاد بصوت واثق:
-جريمة ابنك في حق مراتي متصورة صوت وصورة يا حضرة، وأحب أقولك إني بكلمك في الوقت الحالي من فيلا ابنك اللي في زايد وحواليا فريق من الشرطة اللي ضبطت الواقعة، وفريق من النيابة العامة جاي في الطريق لمعاينة المكان. بالمختصر كده القضية لابسة ابنك وإنسى إنه يعرف يخرج منها. قالها بقوة ليستطرد بدهاء قانوني أراد به بث الرعب داخله:
-وبكده أقدر أقول لك بل وأجزم إنك تنسى فوزك في البرلمان الدورة دي يا سيادة النائب، وتأكد إني مش هسيب حق مراتي وهبذل أقصى ما عندي علشان أدمر مستقبل التافه ابنك. ليصرخ بقوة زلزلت المكان وجعلت الجميع ينتبه ويلتفت صوب ذاك المشتعل بملامح وجهه الغاضبة: -وأقسم بالله، لأدفعه تمن كل لحظة رعب مراتي حست بيها وعاشتها على إيديه هو وشوية الأوباش اللي لاممهم حواليه.
كان يتحدث وكل ذرة بجسده تنتفض من شدة ناره، كلما تخيل صفع ذاك الحقير لخليلة القلب واقترابه منها ولمس جسدها يتخلل الاشتعال بخلايا جسده بالكامل، شعورًا مريرًا تملك من روحه، تناقض ما بين عشقه الجارف لها وعدم تقبل فكرة كيفية السماح لنفسه بوضعها داخل تلك التجربة المريرة وما بين إنهائه لقضية صغيرها التي تؤرق روحها ولا تدعها أن تحيا حياتها بسلام. انتبهت على صياح حبيبها الذي يبتعد عنها عدة أمتار ويتركها بصحبة الضابط الذي يهتم بأخذ أقوالها، تطلعت إليه بإشفاق على حاله، تعلم جيدًا غيرته المرة عليها ولهذا زاد حزنها، ليتها لم تخرج اليوم، لو لم تخرج لكانت كفته وحالها شر ما حدث.
على عجالة نطق نصر الذي شعر ببساط المجلس ينسحب من تحته تحت نظرات الجميع المرتعبة الذين وقفوا يتابعون ما يحدث بصمت تام نظرًا لهيئة نصر المستوحشة والتي توحي بحدوث كارثة: -اهدأ يا فؤاد باشا وكل مشكلة وليها حل، أنا مستعد أجي لحد عندك وأبوس على دماغ الهانم وأراضيها بالطريقة اللي هي تؤمر بيها، وهي أكيد مش هيرضيها تضيع مستقبل عمرو ولا تضر اسمي، إحنا مهما كان أهل يوسف وأي حاجة تضرنا هتضره.
قال كلماته الأخيرة ليبتز مشاعره باتجاه الصغير واسترسل مترجيًا: -الانتخابات ما فاضلش عليها غير تلات أسابيع يا سعادة الباشا، وحضرتك ما يرضيكش الفضيحة اللي هيتعرض لها اسمي لو الموضوع ده اتعرف. أجابه فؤاد بسخرية: -الكلام ده تروح تقوله لابنك عديم النخوة والرجولة، كان من الأولى هو اللي يعمل حساب لمكانتك وللانتخابات اللي أنت داخل عليها.
صاح بحديثه ليغلق الهاتف بوجهه دون إعطاء الآخر حق الرد. تحرك إلى حبيبته ووقف خلف المقعد الجالسة فوقه ليحتوي كتفيها بكفيه وهو يسأل الضابط: -خلصت يا أفندم؟ -خلصنا يا فؤاد باشا، تقدر تتحرك بالهانم. نطقها الرجل بهدوء ليملي عليه فؤاد بجدية: -فريق النيابة جاي في الطريق يعاين المكان، ما تنساش تحرز الكاميرات وتخلي فريقك يفرغ محتواها ويسلموها للنيابة. استشاط الرجل من تعدي فؤاد على اختصاصاته لينطق بقوة وحزم:
-ده شغلنا يا سيادة المستشار وإحنا أدرى بيه. -وأنا مخول من النائب العام بذات نفسه بمتابعة كافة الإجراءات، وما تنساش إن المجني عليها تبقى مراتي يا حضرة الضابط.
كلمات هتف بها فؤاد بصرامة وحدة أظهرت كم توتره واحتراق روحه مما حدث لزوجته وهذا ما استشفه الضابط ليأسف بعينيه لما حدث. أما تلك العاشقة فرفعت كفيها للخلف تحتوي بهما كفيه لينتفض جسده من إثر لمساتها. تحرك ليقف أمامها ثم قام بحملها بين ساعديه لتتشبث بعنقه كما المتشبث بالحياة وتستند بوجنتها على صدره ليشملها شعور رائع بالأمان في القرب منه. تحرك بطريقه للخارج ليوقفه صريخ ذاك المعتوه قائلًا بعدما رأى حبيبته تتشبث بأحضان غيره:
-مش هسيبك يا إيثار، هدفعك تمن كل اللي عملتيه فيا، هندمك على عمر الباشا اللي متعلقة في رقبته ده، وبكره تشوفي. رفعت رأسها بإعياء لتراه مكبل اليدين بالأصفاد الحديدية يجاوره رجلين شرطة يسحبونه صوب سيارة الشرطة وهو يزأر كالأسد الحبيس محاولًا الفكاك من بين أياديهم ليهتف فؤاد وهو يتخطى وقوفه حاملًا حبيبته: -اخرس يا تافه واستنى جحيمي اللي هينسفك من على وش الأرض أنت وعيلتك بالكامل.
صرخ بجنون يرجع لعدم استطاعته لرؤية ذاك المشهد الذي ثار جنونه وأخرج وحوشه الكامنة: -هقتلك يا فؤاد يا علام، وحياة أمي لأقتلك. نطق وهو يتحرك للأمام بطريقه للسيارة: -لو قدرت ما تتأخرش، يلا أنت آخرك بوقين فاضيين تهجس بيهم. واسترسل بتقليل من شأنه ليشعل قلبه: -بالمناسبة يا فاشل، أبوك جاي لك في الطريق، هيعلقك على الفلكة بعد ما طيرت من إيده كرسي المجلس اللي عامل له قيمة. ثم التفت له ليتابع بابتسامة شامتة:
-غبائك صور لك إنك ممكن تتفوق على فؤاد علام وتخطف مراته، بس أنا دايمًا سابق الأغبيا بخطوة، خيوط اللعبة كلها كانت بين إيديا وأنا بحركك بين صوابعي زي الدمية، وأنت زي الأهبل بتتحرك على الخط اللي أنا برسمه لك بالملي، خليتك تصدق نفسك لحد ما وقعتك في شر أعمالك ووصلتك للمكان اللي يستحقه غبي زيك. كانت تستمع إليه بعدم استيعاب لكلماته، ماذا يقصد، أكان على علم بخطفها؟!
جن جنون عمرو وبات يصرخ بهيستيرية توحي لمدى وصوله للغضب العظيم، ظل يسب ويلعن بأقذر الشتائم ليهتف رأفت وهو يعض على أصابعه ندمًا: -منك لله يا عمرو، ضيعت مستقبلي يا فاشل، بس أنا اللي غلطان، أنا اللي سلمت دماغي لواحد تافه دلوع أمه زيك، وأدي النتيجة، روحت في داهية من وراك.
فتح أحد الرجال باب السيارة لفؤاد ليضع حبيبته بالمقعد المجاور لمقعد القيادة وساعدها على الاعتدال ثم أغلق الباب بهدوء وتحرك للجهة الأخرى ليستقل مقعده أمام طارة القيادة. ******** عودة إلى نصر
صدم بعدما أغلق فؤاد الهاتف دون أن يعيره أي اهتمام ليصرخ وهو يطيح بجميع ما يقابله من أدوات فوق طاولة الطعام وبلحظة تناثر الطعام بأرضية وحوائط الغرفة وتناثر زجاج الكؤوس هنا وهناك مما أرعب الجميع وجعلهم يتراجعون للخلف للنأي بحالهم من غضب ذاك الذي أصابه الجنون. أخذت زوجة طلعت أطفالها وهرولت للخارج تبعتها مروة وأبنائها بينما ظلت سمية لتعلم أي مصيبة أتى بها ذاك الأبله تلك المرة. هرولت عليه إجلال لتصرخ باستعلام وعينيها مرتعبتين بعدما استمعت لاسم
مدللها أثناء المحادثة: -إيه اللي حصل يا نصر، عمرو جرى له إيه؟! بهيئة جنونية لا تبشر بخير أشاح بكفيه هاتفًا: -عمرو ما بيجرالوش حاجة يا أختي، عمرو بيعمل كل مصيبة وأختها ويخلع منها وأنا اللي بلبسها في الآخر يا أم الننوس. أسرع إلى مكانه حسين وطلعت الذي تساءل بحيرة: -إيه اللي حصل يا أبا، عمرو نيل إيه المرة دي كمان؟! صاح بغضب عارم وبصدر يعلو ويهبط من شدة انفعاله:
-البيه أخوك خطف إيثار هانم، الأهبل فاكرها لسة بنت غانم الراجل الغلبان، ما يعرفش إنها بقت مرات ابن علام زين الدين أبرز وأهم أعضاء المحكمة الدستورية، ده غير جوزها رئيس النيابة. دبت إجلال على صدرها بكفيها أما نصر فوضع كفيه فوق رأسه باستسلام لينطق بنبرة انهزامية: -كرسي المجلس طار من إيديا خلاص، مش هيبقى لي لزمة في المركز من هنا ورايح. لينطق بشعور من الضياع:
-ضعت وضاعت هيبتك بين الناس خلاص يا نصر، وابنك هو اللي كتب نهايتك بإيده. قطعت حديثه بكلماتها الصارمة وهي تهتف بجبروت امرأة: -هو كل اللي همك يا نصر؟! واسترسلت بنبرة آمرة: -اتحرك يلا على مصر وما ترجعش البيت غير وابني معاك. جحظت عينيه وهو يتطلع عليها متعجبًا جبروت تلك المرأة ليهتف مذهولًا: -أنت لسه ليك عين تتكلمي يا إجلال، كل المصايب اللي أنا فيها دي بسبب دلعك فيه!
ليا شهر بقول لك خذي بالك من ابنك وشوفيه بيبات في أنهي داهية وأنت كالعادة بتدافعي عنه. شملها بازدراء ليسألها شامتًا: -يا ترى دلوع أمه قال لك إنه شاري بيت في مصر؟!
صكت سمية على أسنانها بغضب شديد بعدما نزلت عليها الأخبار كالصاعقة وجعلت من نار الغيرة تشتعل بصدرها، فطالما تمنت لو باستطاعتها الوصول إلى إيثار لتخلصت منها دون أن يرف لها جفن، فقد أصبح وجود تلك الإيثار يسبب لها عائقًا عن استكمال حياتها بشكل طبيعي ولا بد من وجود حل لمحوها من الحياة بأكملها. تحدث حسين بعقل كعادته فهو الوحيد بين أفراد تلك العائلة من يمتلك عقلًا وقلبًا إلى حد ما متوازنين:
-مش وقت الكلام ده يا جماعة، خلونا نتحرك ونروح نشوف حل للمصيبة دي قبل ما المحضر يتحول للنيابة زي المرة اللي فاتت. توافق الجميع مع رأيه لينطلق نصر ونجلاه للحاق بذاك الطائش لترمق إجلال تلك الواقفة جانبًا وهي تهمس بفحيح: -كله منك يا عرة النسوان يا بنت الـ... سبتها بأبيها لتهجم عليها بعدما فلت لجام تحكمها، جذبتها من شعرها لتهتف تحت صرخات سمية المستنجدة: -لولا وسـ...
ولعبك على ابني علشان تدبسيه في جوازته السودة منك، مكنش كل ده حصل. حضرت ياسمين ومروة على صرخات سمية المستنجدة، واقتربتا من إجلال في محاولة بائسة لتخليص خصلاتها التي تقطعت بين أصابع إجلال التي تابعت بقوة: -إبعدي يا مرة إنتِ وهي، مفيش واحدة فيكم تتدخل وسيبوني أربي الأفعى بنت الـ... دي. وتابعت بفحيح وهي تصك على أسنانها: -دخلتك البيت كانت شؤم على ابني، من يوم ما عرفك ما شافش يوم عدل في حياته. هتفت مروة بحكمة:
-سبيها يا ستهم لتموت في إيدك ويحسبوها عليكِ واحدة. لتكمل ياسمين على حديث مروة: -سبيها يا ستهم، مفيش حد يستاهل إنك تضايقي نفسك علشانه، الجيران هيسمعوا صواتها وهنتفضح بين الناس. دفعتها بقوة ليرتطم جسدها بالأرض بقوة لتهتف من بين أسنانها: -غوروها من قدامي بدل ما أقتلها بإيديا. ألقت كلماتها لتخرج سريعًا. انحنت كل من ياسمين ومروة لمساعدة تلك المنبطحة أرضًا لتدفع بأيديهما وهي تهتف بحدة وغضب: -إبعدي عني منك ليها. اعتدلت مروة
لتهتف وهي ترمقها باشمئزاز: -الخير ماينفعش مع العقارب اللي زيك. "إبعدي عني الساعة دي يا مروة... " قالتها بحدة وتهديد لتسألها الأخرى بسخرية: -وإن مابعدتش هتعملي إيه يا شملولة؟ كادت أن تتحدث قبل أن تقاطعهما ياسمين التي صرخت: -إتلمي إنتِ وهي وخلي ليلتكم تعدي على خير وكفاية المصيبة اللي حطت على راسنا من ورا عمرو. ألقت مروة نظرة احتقار لتنطق بسباب: -تستاهلي كل اللي إنتِ فيه يا رخيصة. ********* داخل قصر علام زين الدين.
كان يجلس داخل الحديقة بصحبة زوجته وفريال بعدما استدعاهما ليطلعهما على المستجدات لتنطق عصمت بلهجة مرتعبة وقد سكن الرعب عينيها: -يا نهار إسود، هي حصلت للخطف؟ دول مجرمين يا علام. واسترسلت بجسد مرتجف وعينين زائغة: -وفؤاد ليه يدبس نفسه في التدبيسة السودة دي؟ صاحت فريال بذعر ظهر بعينيها: -أنا قولت من الأول إني مش مرتاحة للموضوع ده يا ماما محدش فيكم صدقني. مالنا إحنا بواحدة أهل جوزها مجرمين.
تحدث علام وهو ينظر للصغير الذي يلهو مع الصغيرة على بعد مترين فقط: -ممكن تهدوا من فضلكم، ووطوا صوتكم علشان الولد ما يسمعش ونفسيته تتأثر. هتفت عصمت بحدة: -نهدى إزاي بعد اللي حكيتهولنا ده يا علام؟ مش يمكن المجرمين دول يفكروا يأذوا إبني هو كمان؟ هتف بصرامة وقوة ترجع لثقته بحاله وبمنصبه الكبير: -إنتِ شكلك اتجننتي يا عصمت، مين ده اللي هيتجرأ ويأذي إبن علام زين الدين؟ صاحت بقوة لتجيبه بما يتنافى مع حديثه الغير مقنع لها:
-نفس اللي اتجرأ وخطف مراته يا سيادة المستشار. -اللي خطف مراته عيل أهبل وإبنك هو اللي رسم له الطريق اللي مشي عليه، يعني مفيش خوف أبدًا منه... قالها باستفاضة ليسترسل موضحًا: -ده غير إن اللي حصل ده فيه خير كبير قوي لفؤاد. قطبت فريال جبينها لتسأل والدها باستفسار متعجب: -وإيه بقى الخير اللي هيعود على فؤاد من حاجة زي دي يا بابا؟! أجابهم بإبهام:
-فؤاد وهو بيرتب لموضوع خطف إيثار ظهر قدامه موضوع مهم جدًا خاص بأمن البلد، ولو تم على خير فؤاد هيترقى فيها، وده يبقى عوض ربنا ليه عن وقف ترقيته التلات سنين اللي فاتوا. تنهدت عصمت بحيرة ومازال قلبها يرتعب قلقًا على صغيرها ليتابع علام بلهجة تحذيرية: -مش عاوز حد منكم يضايق البنت ولا يحسسها بحاجة لما تيجي، في النهاية هي ضحية وملهاش أي ذنب في الظروف اللي أجبرت عليها. تطلعت فريال لوالدتها بنظرات تنم عن مشاعر مختلطة.
********** عودة إلى إيثار المصدومة. تحرك فؤاد منطلقًا بالسيارة وكل خلية بجسده تنتفض بقوة. صوبت بصرها عليه لتسأله بصوت مرتجف بعدما استشفت بفطانتها معرفته من خلال حديثه مع الضابط عن الكاميرات تلاه حديثه العجيب مع عمرو: -إنت كنت عارف إن عمرو هيعمل فيا كده؟ تابع القيادة وهو ينظر أمامه بوجه مبهم وفضل الصمت لتكرر عليه سؤالها بطريقة حادة: -رد عليا يا فؤاد، كنت عارف؟ "إرتاحي ولما نروح بيتنا نبقى نتكلم هناك...
" نطقها بصوت خافت لتصرخ بكامل صوتها وهي تدق على تابلوة السيارة: -مش بمزاجك يا سيادة المستشار، إحنا هنتكلم حالًا وهتقول لي الحقيقة كلها ومن غير كدب. أوقف السيارة فجأة لتحتك إطاراتها بالإسفلت مما أحدث صريرًا مزعجًا تحرك جسد كليهما للأمام على إثره. حول بصره إليها ليهتف بحدة وغضب لنعتها له بأكثر صفة يمقتها: -وأنا من إمتى كدبت عليكِ يا مدام علشان أكدب الوقت؟ -طب فهمني إيه اللي بيحصل حواليا...
نطقتها بضعف ودموع الألم تجمعت بمقلتيها. إنتفض قلبه حال رؤيته لغشاوة دموعها ليفك وثاق حزام الأمان خاصته ويهرول عليها ليجذبها ويدخلها بأحضانه كي يزيل عنها كل ما شعرت به اليوم من رعب. ما شعرت بحالها إلا وهي تلف ذراعها حوله لتشعر بالأمان الذي لم تجده سوى بأحضانه. أطلقت العنان لدموعها لتنهمر بقوة لينطق وهو يمسد بكفه على رأسها وظهرها بحنان: -بلاش عياط علشان خاطري، مش هقدر أتحمل أشوفك كده.
نطق كلمته بصوت أوحى إلى ضعفه أمام دموعها لتتأثر كثيرًا بصوته لتبتعد متسائلة وهي تنظر بعينيه: -خلاص مش هعيط، بس فهمني يا فؤاد. -هقول لك على كل حاجة يا بابا... قالها وهو يداعب ذقنها بأصابع يده ليسرد عليها جل ما حدث مستثنيًا موضوع الآثار لسريته التامة ولعدم اكتماله بعد، لينطق مستنتجًا ما سيحدث: -كده نصر ماقداموش غير حل واحد قصاد خروج ابنه من المصيبة اللي حط نفسه فيها، وهو تنازل ابنه عن الحضانة بشكل نهائي وبعقد موثق.
بلهفة وتمني سألته: -تفتكر نصر هيوافق على كده يا فؤاد؟ مط شفتيه بلامبالاة ليقول بثقة عالية: -مفيش قدامه حل غير كده، حضانة يوسف، قصاد خروج ابنه وضمَانُه لكرسي المجلس، والكرسي أهم حاجة بالنسبة له. واسترسل بابتسامة منتصر: -يعني يا يوافق يا يوافق. قطع حديثهما صدوع رنين الهاتف ليخرجه من جيب سترته وينظر بشاشته لترتسم ابتسامة عريضة على ثغره وهو ينظر لها: -نصر البنهاوي.
ابتسمت بسعادة ليغمز لها بطرف عينه قبل أن يجيب ويضغط على زر خاصية مكبر الصوت ليستمعا لصوت نصر الجالس بسيارته بجوار طلعت الذي يقود: -فؤاد باشا. -نعم يا سيادة النائب... قالها بحدة لينطق الآخر بتذلل: -أنا بترجاك يا باشا وبحلفك بغلاوة يوسف توقف كل إجراءات نقل عمرو للنيابة لحد ما أوصل ونقعد ونتفق، أنا في الطريق ونص ساعة بالظبط وهكون عندك. -وأنا بصفتي إيه هوقف الإجراءات يا سيادة النائب؟! قالها باستغراب ليتابع ساخرًا منه:
-يظهر إن من كتر كسرك للقوانين وتعديك عليها فاكر إن الكل زيك. أجابه بانكسار بعدما حاول مهاتفة جميع من يعرفهم للمساعدة: -يا باشا الكل عامل حساب لجنابك وجناب الباشا الكبير، كل ما اتصل بحد من معارفي يقول لي الموضوع أكبر مني، ده الخصم جناب المستشار شخصيًا. تطلعت إلى حبيبها بفخر. هل حقًا جاء اليوم الذي ترى به ذاك المتجبر مكسورًا ذليلًا ويطلب العفو من أحدهم؟ رد فؤاد بجبروت يليق بنصر: -والمطلوب مني إيه؟ أجابه بهدوء:
-إنت اللي هتطلب وتتشرط يا باشا، وأنا عليا التنفيذ. واستطرد بتذلل: -وزي ما قولت لسعادتك، أنا هاجي بنفسي وأحب على راس الهانم مراتك. -مراتِ مش محتاجة حد يبوس على راسها يا سيادة النائب... قالها بقوة ليتابع بدهاء مخطط له جيدًا: -اللي يرضي مراتي حاجة واحدة بس. نطق على عجالة دون تفكير: -اللي تأمر بيه كله هنفذه. ابتسم بجانب فمه وأمسك كفها ليقبل باطنه ثم قال برأس شامخ تحت نظراتها العاشقة وقلبها الذي بات لا يحيا سوى بدقاته:
-ابنك يسحب قضية ضم الحضانة ويتنازل بعقد موثق عن حضانة يوسف لإيثار بشكل نهائي. نزلت كلماته على قلب نصر كحمية بركان ثائر. هذا حفيده الغالي والأقرب لقلبه، من فعل الكثير والكثير لأجل عودته لأحضان عائلته والاحتفاظ به، كيف له أن يتخلى عنه بتلك السهولة؟ ابتلع لعابه لينطق بصوت خافت: -اطلب أي طلب تاني غير ده يا باشا. واستطرد بلهفة: -أنا مستعد أكتب لها نص ثروتي، بس بلاش موضوع التنازل عن يوسف دي.
جحظت عيني طلعت ليلتفت لأبيه ويرمقه بغضب حارق، ألأجل الاحتفاظ بذاك الملعون الصغير يهدر نصف ثروتهم بتلك السهولة؟ ابتلعت لعابها بتوتر لينطق فارسها ورجلها الأوحد بغضب حاد: -خلي بالك من كلامك يا نصر وإعرف كويس إنت بتقول إيه ولمين. واستطرد بسخط أرعبه: -نص ثروة مين اللي تديها لمرات فؤاد علام قصاد حضانة ابنها؟ نص ثروتك اللي فرحان بيها دي ماتجيش نقطة في بحر اللي مراتي تملكه حاليًا.
نزلت كلماته على قلبها كقطرات الندى فوق الزهور العطشة لتنعشها، فقد أخبر نصر أن ما يملكه هو ملك لخليلة قلبه كما يلقبها، ليسترسل هو بثبات وتهديد: -اللي عندي قولته وده آخر كلام والقرار ليك، وياريت تقرر حالًا لأن كل دقيقة بتعدي، ابنك بيقرب أكتر من السجن المؤبد، وكرسي المجلس بيبعد عنك. أجفل عينيه بحزن وشعر بعجز هائل، لم يعد لديه رفاهية الاختيار بعدما وضعه ذاك الداهي بمأزق عمره. تنفس مطولًا لينطق بحزن
وألم لم يشعر بهما من قبل: -أنا موافق يا سيادة المستشار، وقف الإجراءات وأول ما نوصل هخلي عمرو يكتب لك التنازل ويمضي عليه. اشتدت سعادتها لدرجة أنها تناست جل ما مرت به من آلام وعثرات وحزن استوطن قلبها طيلة سنواتها الماضية، فاليوم هو أسعد أيام حياتها على الإطلاق، فقد تمكنت بالاحتفاظ بصغيرها الغالي للأبد على يد حبيبها، هذا المغوار الذي اختطف لها حضانة الصغير من فم الأسد ليقدمها لها على طبق من ذهب.
أغلق الهاتف لتفك وثاق حزامها وتقفز بسعادة كالأطفال لتستقر داخل أحضان ذاك العاشق الذي قهقه بقوة وهو يقول مربتًا على ظهرها: -مبروك يا عمري. "الله يبارك فيك يا حبيبي، الله يبارك فيك... " قالتها بصوت سعيد لتخرج سريعًا وهي تتابع بلهفة: -أنا هعيش عمري كله أشكر ربنا وأشكرك على اللي عملته معايا يا فؤاد. شملها مضيقًا عينيه ليقول بحديث ذات مغزى: -مابحبش الشكر بالكلام، أنا سيد الأفعال. أمسكت كفيه تحتويهما لتهتف بحبور شمل روحها:
-اطلب اللي إنت عاوزه يا حبيبي وأنا تحت أمرك. "هما طلبين مفيش غيرهم... " قالها بابتسامة جذابة ليتابع بغمزة وقحة: -أول طلب، عاوز مراتي حبيبتي تدلعني النهاردة. وأشار بكفيه بطريقة جعلتها تضحك: -بدلة رقصك وخلخالك والموسيقى اللي على كيف كيفي، وأشوف بقى دلعك الرايق لجوزك حبيبك، ماليش دعوة بقى بيومك الصعب اللي عيشتيه. ليتابع بدلال على أنثاه بكلمات متقطعة: -أنا، عاوز، مراتي تدلعني. -بس كده، من عيوني... قالتها وهي تتحسس صدره
بدلال أشعل ناره ليتابع هو: -والطلب التاني. تطلعت عليه بتمعن ليتابع بجدية: -تقدمي استقالتك، وموضوع الشغل تنسيه وتخرجيه من دماغك نهائي. اتسعت عينيها ذهولًا لتتراجع للخلف وهي تشمله بنظرات تملؤها خيبة الأمل قبل أن تنطق بخفوت:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!