عادت من موعدها بقلب يهيم عشقًا، وعقل يجنب كل مخاوفه لينقاد مستسلمًا لحكم الهوى ورغبة الفؤاد، تاركًا زمام أموره لذاك القلب الذي فلت لجامه وانطلق لعِنان السماء ليسبح ويمرح، متغاضيًا عن كل ما قد يؤرق عليه حياته ويفسد سعادته.
ولجت لداخل الحمام بعد أن قررت الحصول على قسط من الاستجمام. توجهت نحو حوض الاستحمام حيث ملأته بالماء الدافئ وسكبت بداخله بعضًا من سائل الصابون وبعض أوراق الزهور ومزيجًا من بعض الزيوت العطرية، لتغمر جسدها وتغمض عينيها لتدخل بحالة لذيذة من الاسترخاء.
كانت تتنفس بهدوء وبسمة حالمة لم تفارق شفتيها، وهي تسترجع مقابلتها معه بالكامل. نظراته الساحرة التي جعلت منها أسيرة، ناهيك عن كلماته الفاتنة التي استحوذ من خلالها على جميع حواسها، وسحبها معه لعالمه المبهر.
ظلت على وضعها لفترة طويلة حتى شعرت بالاسترخاء التام، لتخرج مرتدية ثياب الحمام وتتجه نحو خزانة الملابس لتنتقي ثوبًا هادئًا وترتديه. تحركت للمطبخ لتتأكد من أن عزة قامت بتجهيز الأصناف التي طلبتها منها لارا لحضور العشاء معهم. بعد قليل كانت تقوم بوضع الصحون الفارغة فوق الطاولة لتجهيزها لحين وصول تلك الجميلة.
صدح رنين جرس الباب ليهرول الصغير استعدادًا لفتحه قبل أن تتبعه عزة التي استبقت خطواته لتنظر من فتحة الباب السحرية، قبل أن تبتسم وتشرع بفتح الباب بعد أن اطمأنت. ابتسمت لارا ليصرخ الصغير باسمها وهو يهرول ليرتمي بداخل أحضانها مرددًا اسمها بسعادة. قابلتها هي بكثير من الحبور وهي تحمله وتلج به للداخل. "وحشتني يا چو." "إنت كمان وحشتيني كتير يا لارا... " نطقها ببراءة. لتنظر للسائق الذي يحمل الكثير من حقائب الهدايا وهي تقول:
"إدي الشنط لعزة واستناني في العربية يا عم عيد." لتستطرد بعد تفكير: "ولا أقول لك روح بيتك اتعشى مع أولادك ولما أخلص هتصل بيك." "حاضر يا هانم... " نطقها الرجل بطاعة ليناول ما بيده إلى عزة التي وضعتهم فوق طاولة جانبية وانسحبت خلفه لكي تغلق الباب. خرجت إيثار للترحيب الحار بضيفتها الجميلة ليدخلا لغرفة الطعام مباشرة. لتتطلع لارا للأطعمة المتواجدة فوق الطاولة وهي تقول بصوت حماسي: "كل الأكل الحلو ده علشاني؟
"وإحنا في ده اليوم اللي ست البنات تيجي تتعشى عندنا... " كلمات ترحيبية نطقتها عزة بسعادة لتكمل إيثار على حديثها: "عملنا لك كل الأكل اللي بتحبيه، يا رب بس يعجبك." نطقت وهي تسحب المقعد لتجلس استعدادًا للبدء بالطعام: "أكيد يا قلبي هيعجبني، ده كفاية إنه من صنع إيديكي إنت وعزة." التف الجميع حول الطاولة وشرعوا بتناول الطعام. لتهز لارا رأسها وتقول باستمتاع وهي مغمضة العينين ويبدو على وجهها التلذذ بمذاق الطعام:
"يا جمال وطعامة ولذاذة الرقاق! هتفت عزة بإيضاح: "ده عمايل إيثار، دوقي بقى الفتة السوري وقولي لي رأيك فيها علشان أنا اللي عاملاها." ابتسمت الفتاة لتجيبها بحديث لين لقلب رقيق هين: "أكيد روعة، كل حاجة بتعمليها تجنن يا عزة." "ربنا يكرمك يا بنت الأصول... " هتفت لارا بحماس وهي تنظر للصغير: "أنا جبت لك هدايا تجنن، هنلعب بيها مع بعض بعد العشا يا چو." اشتدت سعادة الصغير لتسترسل الفتاة وهي تنظر إلى عزة:
"وجبت لك إنت كمان هدية يا عزة، يا رب تعجبك." "مغلبة نفسك ليه بس يا بنتي... " قالتها بعينين شاكرتين لتسترسل بامتنان وهي تتطلع إلى إيثار: "دي إيثار الله يكرمها مش مخلّياني محتاجة لحاجة." مطت شفتاها للأمام مدعية الحزن لتنطق بكلمات لائِمة: "طب هو أنا مش زي إيثار ولا إيه يا ست عزة، ولا هتخليني أزعل منك؟ ابتسمت لها وأجابتها بصدق: "ربنا يعلم معزتك في قلبي."
تابعوا تناول طعامهم وسط أحاديث شيقة دارت بين الجميع. بعد قليل انتقلوا إلى البهو. جلست إيثار فوق الأريكة بينما تجلس الفتاة أرضًا بجانب الصغير وهما يحاولان تركيب قطع القطار اللعبة، ليصفقا معًا بعدما نجحا بمهمتهما واشتغل القطار. لتنتقل هي بجانب إيثار تاركة الصغير الذي تابع اللهو بالقطار. وضعت كف يدها تحتوي به خاصتها لتتحدث بامتنان: "مش عارفة أشكرك إزاي يا لارا على اهتمامك بيوسف، الواد بيحبك جدًا وبيفرح قوي لما بيشوفك."
"أنا كمان ما تتصوريش سعادتي لما بقعد وألعب معاه... " واسترسلت بضحكات ساخرة من حالها: "أنا بحس إني رجعت بنت صغيرة لما بكون معاه." ابتسمت إيثار لتتحمحم الفتاة قائلة بعيون زائغة: "عاوزة أحكي لك على حاجة حصلت." "قولي يا قلبي... " تنهدت الفتاة لتقول بعينين حائرتين وارتياب ظهر فوق ملامحها البريئة: "وليد رجع يكلمني تاني وعاوزنا نرجع لبعض، تخيلي يا إيثار بيقولي إنه مش قادر ينساني حتى بعد الكلام الصعب اللي قولته له آخر مرة."
تنهدت براحة لتجيبها بنبرة عاقلة: "وده يثبت كلامي عنه ونظرتي فيه، وليد بيحبك بجد يا لارا، اتحملك واتحمل عصبيتك وحالتك النفسية بعد موت بسام." صمتت لتسترسل بأسى: "ده إنت اتهمتيه بإنه السبب في موت بسام." بشعور مؤلم تحدثت الفتاة بما يؤرق نفسها:
"أنا محتارة يا إيثار ومش عارفة أعمل إيه، ما أكذبش عليكي، من ساعة ما كلمني وأنا فرحانة قوي وسعيدة إنه لسة مستنيني ومرتبطش لحد الوقت، بس في نفس الوقت خايفة. شعور إن وجوده في حياتي وحبي ليه هو اللي جنن بسام وخلاه يتصرف بالطريقة دي مش بيفارقني. خايفة أرجع له وبعدين أفشل ومقدرش أتخلص من الإحساس بالذنب المشترك بينا بقتل بسام، خايفة من الفشل يا إيثار." زفرت إيثار لتجيبها بنبرة حاسمة:
"هرجع وأقول لك إنك لازم تروحي للدكتور النفسي وتتابعي معاه علشان تتخلصي من عقدة الذنب اللي ملازماكي طول الوقت واللي مالهاش أساس من الصحة أصلًا." استدارت لتمسك كفيها وهي تقول بنبرة حنون: "إنسي اللي حصل وحاولي تعيشي حياتك مع الإنسان اللي بيحبك وشاريك." أخذت نفسًا عميقًا لتقول بعد حسم قرارها: "خلاص يا إيثار، أنا هخلي أحمد ياخد لي ميعاد مع الدكتور اللي عنده في المستشفى." باغتها الأخرى بإصرار:
"وتكلمي وليد وتقولي له إنك موافقة ترجعي له بس بشرط يتقدم لك رسمي زي ما طلب منك قبل الحادثة." ابتسمت بخجل ليهتف الصغير بسعادة: "يلا يا لارا علشان نلعب! ضحكت لارا لتهبط سريعًا تنضم لذاك البريء لتشاركه اللعب.
باليوم التالي في تمام الساعة الثانية ظهرًا، كانت مندمجة بالعمل على جهاز الحاسوب، تنظر بتمعن شديد على شاشته من خلال نظارتها الطبية بينما تتحرك أناملها فوق لوحة الكتابة بسلاسة وطلاقة. قطع اندماجها صوت رنين هاتفها الجوال لتتوقف وتنظر عليه، وبلحظة اعتلت ابتسامتها ثغرها ليضيء وجهها تلقائيًا حين وجدت نقش حروف اسمه التي زينت الشاشة، لتحول من قلبها الهادئ لمتراقص.
خلعت عنها النظارة ثم أمسكت الهاتف لترد بصوت بذلت قصارى جهدها ليبدو هادئًا: "ألو." "هتصدقيني لو قولت لك إن دي أرق ألو سمعتها في كل حياتي... " نطقها بصوت يفيض رجولة لتبتسم قائلة بعدما أرادت مشاكسته: "وبعدين معاك يا سيادة المستشار، بالراحة عليا أنا مش قدك." بصوت صادق أجابها: "ده سيادة المستشار هو اللي طلع غلبان ومش قدك." ليسترسل مخبرًا إياها بملاطفة:
"بقى أنا أفضل طول الليل سهران علشان طيف عيون سيادتك ملازمني ومش سايبني في حالي، ولما بصعوبة أنام الساعة ثلاثة الفجر ألاقيك جاية لي كمان في أحلامي." ابتسمت بسعادة ليتابع باستنكار مصطنع: "لا واللي أفظع من كده إني ولأول مرة في حياتي من ساعة ما اتعينت في النيابة أعمل مكالمة شخصية من مكتبي، علشان تتأكدي إنك قدرتي تسيطري على كل جوارح فؤاد علام وتخليه يكسر ويخالف ثوابت حياته، مش عارف هتوصليني معاك لحد فين."
تنهد وبدأ بلف مقعده يمينًا ويسارًا باسترخاء ليتابع مستطردًا بنبرة رجل يذوب عشقًا: "غيرتيني قوي يا إيثار، غيرتيني لدرجة تخوف." "بقى إيثار المسكينة عملت كل ده في فؤاد علام؟! " نطقتها بدلال جعل من قلبه هائجًا متوهجًا ليرد عليها بمراوغة: "والله ما حد طلع مسكين غير فؤاد علام." ابتسمت وتحمحمت قبل أن تقول باستئذان متهربة من كلماته التي تسحبها لعالم مليء بالحالمية، وليس هذا بالمكان المناسب لتلك المحادثات:
"لو قولت لك إني مضطرة أقفل تزعل مني؟ "مقدرش أزعل منك... " قالها بصوت حنون ليتابع مفسرًا موقفه: "أنا آسف بجد، أنا كنت مكلمك علشان أشتكي لك من طيف عيونك اللي عذبني معاه طول الليل، وكنت مقرر أقفل بسرعة علشان ما أعطلكيش عن شغلك." واستطرد بصوت متأثر: "بس كعادتي معاك، الكلام ما بيخلصش وجملة بتجر جملة وموضوع بيجيب موضوع وبنسى الوقت وياك." "إيثار... " نطقها حين طال صمتها كي يطمئن عليها، ولكن أين هي إيثار؟
لقد ذابت الفتاة كقطعة شوكولاتة وقعت بكوب من الحليب الساخن لتنصهر وتذوب في الحال. انتبهت فور نطقه لاسمها لتقول ببحة مؤثرة بصوتها: "نعم." "عينيك حلوة قوي... " قالها قاصدًا وهو يبتسم بخبث بعدما تيقن من انصهار مشاعرها من أثر كلماته الساحرة ليتابع مسترسلًا بعدما قرر أن يرأف بحالتها: "أنا هقفل علشان تشوفي شغلك وهكلمك على الساعة عشرة بالليل."
وافقته فأنهى المكالمة لتتنفس بعمق وباتت تتفقد حرارة وجنتيها التي توهجت جراء كلماته التي نقلتها لعنان السماء. بينما وقف هو ليتحرك حتى وصل لنافذة مكتبه الزجاجية ووقف يتطلع للبعيد بعينين لامعتين بوميض الهوى. انتشى داخله وبلحظة تعجب وبات يلوم حاله، كيف سمح لعقله الواعي بالانجراف كالمغيب خلف مشاعره الهوجاء؟
ما زالت مخاوفه من تكرار الماضي تلاحقه برغم محاولاته بالمضي قدمًا. بالنهاية قد وقع صريعًا لعيناها، لكنه سيوازن أموره بالتأكيد ولن يسمح لأخطاء الماضي بأن تتكرر. داخل الحديقة الخاصة بمنزل نصر البنهاوي. تجاورتان سمية وياسمين الجلوس لتنطق الأولى بنبرة بائسة وقد اكتسى وجهها بالحزن واليأس:
"أنا تعبت يا ياسمين ومبقتش عارفة أعمل إيه. كل يوم بيعدي وبيقربنا من الانتخابات بحس إن روحي بتتسحب مني. مصيري بقى متعلق بالانتخابات ونهاية حياتي مع عمرو بتقرب." وعلى حين غرة التفتت إليها لتهتف بنبرة حاقدة: "ده أصلًا مش طايقني لا أنا ولا البنت لوحدي، تخيلي بقى لما اللي اسمها إيثار دي ترجع هيعمل فينا إيه؟ ده الواد لما بييجي بينسيه الدنيا وما فيها، أمال لما هي بنفسها تيجي هيعمل معاها إيه؟ تنهدت لتجيبها بما يطمئن قلبها:
"اوعي تكوني فاكرة إنها لما هترجع البيت هتتعامل زي قبل الطلاق. إيثار قيامتها هتقوم بمجرد رجوعها للبيت ده تاني. وحب عمرو وجنونه بيها مش هيشفع لها عند ستهم اللي خلاص حطيتها في دماغها وناوية تطلع القديم والجديد كله على جثتها." لتسترسل بشفقة ظهرت فوق ملامحها: "طب تصدقي باللي خلقك، رغم إن ابن إيثار بينغص عليا حياتي كل ما ييجي هنا، إلا إنها صعبانة عليا قوي. دي هتشوف أيام أسود من قرن الخروب وبكرة تقولي ياسمين قالت."
رفعت كفيها وهي تنظر للسماء وتنطق بكلمات تقطر حقدًا وغلًا: "إلهي ما تشوف غير الهم والحزن في حياتها إيثار بنت منيرة. ربنا ينتقم منها بحق الظلم اللي شفته من جوزي أنا وبنتي بسببها." انتفضت كلتاهما على صوت مروة التي باغتتهما وهي تهتف من خلفهما: "يخربيتك ولية بجحة عديمة الحيا. إنت مصدقة نفسك وعاملة فيها مظلومة يا عقربة؟ بقى إيثار هي اللي ظلمتك يا عرة النسوان! واسترسلت بنظرات مذهولة:
"أمال لو ما كناش قافشينك مع جوزها وفي قلب فرشتها، صحيح اللي اختشوا ماتوا! قالت كلماتها الأخيرة وهي ترمقها بازدراء لتهب الأخرى من مكانها هاتفة وهي تلوح بإصبع كفها بنظرات كارهة: "تعرفي إيه أكتر حاجة حارقة دمي يا مروة؟ إني مش قادرة أمد إيدي عليكي علشان ستهم مش هتسكت. لولا كده كنت جبتك من شعرك وحطيتك تحت رجليا وعرّفتك مقامك صح." "لو بنت رجالة بصحيح اعمليها، ومش هقول لك ستهم هتعمل فيكي إيه لا...
" نطقت كلماتها باستفزاز لتسترسل بكبرياء بعدما رفعت قامتها لأعلى: "أهلي هما اللي هيمحوك إنت والعرة أبوك اللي عرف بفض يحة بنته واتكتم علشان فلوس ونفوذ نصر البنهاوي، ولا إنت نسيتي أنا بنت مين وإن عيلتي تاني أكبر عيلة في البلد بعد البنهاوية." ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق ثغرها لتسترسل بإهانة: "ولا إنت فاكرة الناس كلها واقعة ومالهاش أصل زيك؟
وصل داخلها لحد الاشتعال لتهرول مسرعة للداخل لعدم وجود كلمات تجابه بها تلك التي انطلقت بوجهها كمدفعية ألقت بقذائفها القوية بوجهها. أطلقت ياسمين ضحكة عالية لتنطق باستحسان وهي تنظر لتلك الواقفة تتطلع على تلك البغيضة وهي تهرب للداخل بابتسامة نصر: "جدعة يا بت يا مروة، نسفتي جبهتها وجبتيها الأرض." التفت لها لترمقها بنظرات قوية وهي تهتف بغضب: "ولما إنت شمتانة فيها كده قاعدة تسمعي لها وتشجعيها على كلامها الفارغ ده ليه؟
تحركت لتجلس بجوارها لتتحدث الأخرى وهي ترفع كتفيها بلامبالاة: "يعني هقولها إيه؟ إيديها بترغي وأنا بسمع، وبعدين أنا لا بطيقها ولا بطيق اللي اسمها إيثار، كفاية عليا ابنها اللي كل زيارة يقلب جوزي وحماتي عليا، وكأنه بمجيته بيفكرهم إني ما خلفتش الولد." "وهي إيثار وابنها ذنبهم إيه علشان تحاسبيهم بجهل دماغ جوزك وحماتك؟ " قالت كلماتها الصادقة لتسترسل بسخط:
"وبعدين سيبك من إيثار، إنت إزاي أصلًا تقعدي مع واحدة خاطية زي دي، دي واحدة خانت أعز صاحبة ليها يعني مالهاش أمان، والله بستغربك قوي يا ياسمين." لاحت الأخرى بكفها بلامبالاة وهي تقول: "سيبك من الكلام ده، شكل الدنيا هتولع في البيت بعد الانتخابات ومحدش عارف إيه اللي هيحصل." "ربنا يسترها يا ياسمين، بس شكل اللي جاي ما فيهوش خير لحد أبدًا... " نطقت كلماتها بتأثر خوفًا على تلك إيثار.
ذهبت إلى مدرسة صغيرها كي تجلبه بعدما أخبرتها المشرفة بأن السيارة الخاصة بنقل الأطفال ذهبت إلى الصيانة فاضطرت للاستئذان مبكرًا من عملها والذهاب إلى المدرسة. وما أن ترجلت فوجئت بوجود ذاك عمرو الذي اتفق مسبقًا مع المشرفة لتقول هكذا لإيثار بعد أن أعطاها مبلغًا كبيرًا من المال لم تستطع رفضه. زفرت بضيق وتحركت باتجاه بوابة المدرسة ليقترب منها قائلًا بعد أن قطع طريقها: "استني يا إيثار، أنا عاوز أتكلم معاكي في موضوع مهم."
رمقته بنظرات حارقة لتهتف بنبرة حازمة: "إنت شكلك ما فهمتش كلامي كويس المرة اللي فاتت، وبتصرفاتك الغبية دي هتضطرني أبلغ البوليس." "اسمعيني لآخر مرة وبعد كده ابقي اعملي اللي إنت عاوزاه... " نطقها بعينين مترجيتين ليسترسل بذات مغزى: "مش يمكن كلامي يعجبك؟ أخذت تقلب عينيها بضجر وسخط تلعن بسريرتها غباء ذاك الحقير ليباغتها قبل أن ترفض: "عندي عرض ليكي، اسمعيه وقولي لي رأيك." "اتفضل غني وسمعني...
" قالتها بسخرية ليبتلع غصته من جفاء معاملتها ويقول متجاهلًا إهانتها: "أنا اشتريت فيلا في كمبوند هيعجبك قوي وهكتبها باسمك، وهنقل ليوسف في مدرسة إنترناشونال هناك وأخليه يعيش ولا الملوك، بس إنت وافقي وخلينا نرجع ونعيش مع بعض، ووعد مني مش هنزلك البلد أبدًا، هعيش معاك هنا حتى لو أبويا هيقاطعني فيها بس مش هسمح لحد يمسك بكلمة تأذيك." تنفست لتجيبه بعدما فقدت القدرة على المجابهة:
"طب بص بقى يا عمرو علشان تريح نفسك وتريحني معاك، لو إنت آخر راجل في الدنيا، وحياتي واقفة عليك ولو بقائي في الدنيا مرتبط بيك إنت بالذات، أنا متنازلة عن حياتي ومش عاوزاها. فيه أكتر من كده؟ وكأنه في عالم موازٍ ولم يستمع لحديثها الكاره:
"يا إيثار أرجوك حاولي تفهميني، أنا مش قادر أكمل حياتي من غيركم. من يوم ما سبتيني وأنا حاسس إني ميت، ما بقتش بحس بأي حاجة وما بقاش فيه حاجة تفرحني. إنت الست الوحيدة اللي أنا حبيتها في عمري كله." "وعلشان كده خنتني مع زبالة البلد كلها... نطقتها بتهكم لتتابع بسخط: "الزبالة اللي إنت متجوزها ما كانتش أول واحدة تخوني معاها." هز رأسه بنفي كي لا يفقد احترامه أكثر من هذا ليقول بتضليل:
"لا يا حبيبتي صدقيني، ده كانت أول وآخر غلطة في حياتي." صاحت وهي ترمقه باشمئزاز: "الحقيرة اللي إنت خنتني معاها بعتت لي رسايل زبالة بينك وبين الأشكال الشمال اللي كنت ماشي معاهم في الوقت اللي كنت بتستغفلني فيه وتقول لي إني حب حياتك... " واسترسلت بنبرة تحمل الكثير من الاشمئزاز:
"إنت أول واحد إدي له الأمان وأسلم له روحي، بس طلعت خاين وطعنتني وغدرت بيا. جاي تلعب عليا وفاكرني مغفلة وهصدقك. قولتها قبل كده للحقيرة مراتك لما كلمتني تحذرني من إني أحاول أقرب منك، وهقولها لك إنت كمان ويا رب تفهم." واستطردت وهي تشمله باحتقار: "ما حدش بيرمي نفسه في الوحل تاني بعد ما ربنا رضي عنه وخرج منه سالم." "سمية كلمتك إمتى؟ " سؤالًا وجهه لها بعينين تطلق حممًا جحيمية لتجيبه باشمئزاز:
"روح اسألها بنفسك وبالمرة خليها تبعد عني وإنسوني بقى وخرجوني من دماغكم إنتوا الاتنين." لتسترسل بنبرة تهديدية: "وقسمًا برب العزة يا عمرو ما هعمل حساب لابني أكتر من كده، ولو ظهرت قدامي تاني حتى لو صدفة لأبلغ عنك واللي يحصل يحصل." قالت كلماتها لتنصرف للداخل وتركته غارقًا في أفكاره وما فعلته تلك الحقيرة. ليلًا بمسكن عزيز ونسرين الخاص.
كان يتمدد فوق فراشه الخاص بغرفة نومه، ساندًا برأسه على ظهر التخت، يتطلع أمامه بشرود تام وملامح وجه مكفهرة. ليلتفت لتلك التي ولجت وبيدها صينية تحمل فوقها كوبين من الشاي الساخن لتضعها فوق الكومود وتعتدل تجاور زوجها الجلوس فوق الفراش. ناولت زوجها كوب الشاي لتسأله بعدما لاحظت امتعاض ملامحه: "مالك يا عزيز؟ اعتدل جالسًا ليتناول منها كوب الشاي وهو يزفر بقوة أظهرت كم الغضب الكامن بداخله ليهتف بنبرة حادة:
"الحالة كل ما دا بتضيق ونصر مش راضي يرجعني أنا ووجدي مع رجالته إلا لما أرجع له الهانم للبيه ابنه." واستطرد بأعصاب مشتعلة: "وأبويا حط لنا العقدة في المنشار، قفلت زي الدومنة ومش لاقي لها حل خلاص." لوت فاها واستدارت بجسدها تتناول كوب الشاي لترتشف منه بعض القطرات ثم تنهدت بصوت عالي لتقول: "عم غانم ده راجل غلبان وأختك عاملة زي الحية، بتسحب اللي قدامها بكلمتين ناعمين منها."
"منها لله، ضيعيتنا في الأول وشكلها مش هتسكت غير لما تخربها علينا خالص... " نطقها بحقد دفين ليسترسل بجشع بعدما التف بجسده نحو زوجته: "إنت أصلك ما تعرفيش الفلوس اللي عمرو بقى عايم فيها بعد ما اشتغل من ورا أبوه، الواد بقى بيلعب بالملايين لعب يا نسرين. وقالها لي صريحة لو إيثار رجعت لي هعيشكم في عز عمركم ما حلمتوا بيه." "ربنا يهديها وتراجع نفسها علشان خاطركم...
" قالتها بفاه ملتوي لتسترسل بنبرة خبيثة كي تستدعي سخط ذاك الحانق على شقيقته أكثر وأكثر: "بصراحة أنا أول مرة أشوف واحدة كارهة الخير لإخواتها كده." قرب كوب المشروب من فمه وارتشف بصوت عالي ثم تحدث وهو يضيق بين حاجبيه: "كنت ناوي آخد وجدي ونروح نجيبها نص الليل ولا من شاف ولا من دري بس أبويا الله يسامحه قفلها في وشي." "هو إنت هتغلب يا عزيز؟ دور في جرابك على خطة تخليها ترجع." "وأكيد هتلاقي...
" قالتها بتحريض ليهز رأسه بموائمة. عاد عمرو من القاهرة بعد منتصف الليل ليصعد سريعًا لمسكنه الخاص بتلك الحرباية. ولج لداخل حجرة النوم ليجدها تغط في سبات عميق ليهرول عليها جاذبًا إياها من شعرها لتفتح عينيها بفزع وتصرخ حين باعتها بصفعة قوية وهو يجز على أسنانه بحقد دفين: "بقى أنا تلعبي عليا يا بنت الكـ... بتروحي تتفقي من ورايا مع الأشكال الزبالة اللي زيك، وتشتري منهم الرسايل وتبعيتيها لإيثار.
كذابة، والله العظيم كذابة، دي بتقول لك كده علشان تكرهك فيا. قالت كلماتها الافتراضية وهي تقسم بالله كذبًا للخلاص من بين براثن ذاك الغاضب، ليباغتها بصفعة أخرى وهو يتابع قائلًا: اخرسي، أوعي تجيبي سيرتها على لسانك، دي ستك وتاج راسك وراس أهلك، وبكرة أرجعها وآخدك تترمي تحت رجليها زي أقل خدامة في بيتها. حاولت فك وثاقه وهي تصرخ بدموع من شدة الألم: حرام عليك يا عمرو، سيب شعري. ضغط على فكها بقبضته ليقول بتهديد صريح:
قسمًا بالله لو فكرتي مرة تانية تتصلي بإيثار، لأكون قاتلك ودافنك في مزرعة المواشي، المكان اللي يليق بواحدة زيك. نطق كلماته بحقد ليدفعها تسقط فوق الفراش، ليرمقها بازدراء وتحرك للخارج بعدما بصق باتجاهها تعبيرًا عن مدى احتقاره لها، لتنظر بغل على الباب وهي تتوعد له ولتلك الحقيرة.
بعد مرور بضعة أيام، مرت على العاشقين وما زالت حالة الوله وجمال البدايات تسيطران على جوارحهما، حتى صار كلا منهما لا يستطيع النوم براحة إلا بعد سماع صوت الآخر والتشبع ببعض كلمات الغزل التي تغزو قلبيهما وتنعشهما. كانت تحادثه من غرفتها الخاصة لتذوب من سؤاله المشاكس لها حيث قال بصوت منتشي: هو أنا قولت لك قبل كده إنك حلوة قوي؟ صوت ناعم لضحكة رقيقة وصل إليه لينعش قلبه ويزداد انتشاءً حين استمع لصوتها المداعب: آه، وكتير كمان.
رفع حاجبه الأيسر ليسألها لمشاكستها: قصدك تقولي إني بقيت ممل وكلامي مكرر وسخيف؟ فغرت فاها بدهشة لتجيبه سريعًا بنفي قاطع خشية حزنه منها: لا طبعًا، إنت بتقول إيه؟ لتسترسل بنبرة خجلة غُلفت بالانبهار: إنت كل حاجة منك مميزة وغير، كلامك، نظراتك، حتى ابتسامتك غير. أسمي ده إعجاب؟ قالها بخباثة ليستطرد بأكثر جرأة: ولا حب وانبهار؟
خجلت من كلماته الصريحة ليزيدها عليها بعدما عقد النية عن معرفة مشاعرها تجاهه ليسألها بنبرة حنون جعلت من قلبها ينتفض ثائرًا: أنا إيه بالنسبة لك يا إيثار؟ اشتعلت وجنتيها تأثرًا، لا تعلم ماذا يحدث لها معه، وكأن مشاعرها أصبحت بكرًا ولم تخض أية تجارب عاطفية من قبل، لكن حقًا هو غير بكل شيء. باغتها بسؤاله ليضغط عليها قائلًا: أنا عاوز إجابة ومش هتنازل. أخذت نفسًا عميقًا كي تستطيع مجابهة ذاك الماكر لتقول بصوت هادئ:
إنت نسمة هوا باردة جاية بعد يوم مشمس حار، هو ده شعوري بيك يا فؤاد. نزلت كلماتها الصادقة على قلبه لتدخله في حالة من السكينة والانتشاء لينطق بصوت هائم: تعرفي إني حبيت اسمي قوي منك، كل ما بتنطقيه بحس إني أول مرة أستطعمه، بيخرج من بين شفايفك كأنه سيمفونية مش مجرد حروف بتتقال وخلاص. أقول لك أنا بقى على حاجة؟ قالتها بصوت منطلق ليجيبها مهمهمًا بطريقة ناعمة أذابت قلبها: إمممم. ابتسمت لتتابع بانبهار:
وأنا بسمعك بحس إنك مش بتتكلم زي البشر، كلامك مترتب قوي وبحس إنه شعر مش مجرد كلام من اللي بيتقال طول الوقت. طب مسألتيش قلبك عن المسمى الحقيقي للمشاعر دي؟ قالها بهدوء لتجيبه بخجل: سألته طبعًا. وقال لك إيه؟ ابتسمت بلؤم لتجيبه بعدما انتوت مداعبته على طريقتها: اللي بيني وبين قلبي أسرار وأنا متعودتش أفتن.
ابتسم وصمت قليلًا بعدما عقد النية للدخول داخل عالمها أكثر، وبالأخص بعدما أجرى بعض التحريات عنها، لكنه أراد أن يختبر صدقها من عدمه من خلال إجابتها، وأيضًا هو لم يحصل على جميع تساؤلاته بشأن قصة طلاقها التي يشوبها الكثير من الغموض. ليباغتها متسائلًا: إيثار، هو أنا ممكن أعرف سبب طلاقك؟ انزعجت كثيرًا من طرحه لذاك السؤال، لكنها أعطته الأحقية لاستفساره لتجيبه بصوت جاهدت ليخرج مطمئنًا لكنها فشلت، ليخرج متألمًا ممزوجًا
ببعض الحدة: الخيانة. نطقتها باقتضاب ليقطب جبينه ويطرح عليها استفسارًا جديدًا: أي نوع من الخيانة تقصدي! لما يصر على فتح هذا الباب مجددًا، لقد أغلقته وتوارت خلف أحزانه، وأقسمت بألا تقترب منه لكي لا تحزن، يبدو أن عليها فتحه الآن والضغط من جديد على جرحها العميق. تنهدت لتجيبه باقتضاب:
هقول لك على اللي تقدر منه تتوقع اللي حصل، بس من غير الدخول في تفاصيل مش هتفيدك، الخيانة كانت مزدوجة والضربة كانت موجعة، والنتيجة إن اللي كان جوزي وأبو ابني. توقفت لتأخذ نفسًا عميقًا عبر عن مدى صعوبة الحديث بالنسبة لها كامرأة ذبحت كرامتها: متجوز حاليًا أقرب صديقة ليا ومخلف منها بنت. الحقير! كلمة غاضبة خرجت من فم فؤاد بلهجة مستاءة ليتابع بسخط واستنكار: معقولة خانك مع صاحبتك! واستطرد بذهول: طب وهي إزاي قبلت بكده!
إزاي وافقته على حقارته دي، حتى لو قدر يشغلها ويخليها تحبه غصب عنها، إزاي قدرت تطعنك في ظهرك؟ ابتسامة ساخرة خرجت منها لتجيبه بانهزام: طب إيه رأيك إن صاحبتي الوفية هي اللي حاربت وقاتلت لحد ما عرفت توقعه في شباكها، عمرو كان بيحبني جدًا. برغم تمزق قلبه عليها، إلا أن حزنه عليها تحول لغضب عارم قد يحرق الأخضر واليابس حينما استمع لنطق شفايفها لحروف اسم رجل غيره، ليقول بنبرة هادئة لا تنم عن مدى النيران
المستعرة الكامنة بداخله: يا ريت دي تكون آخر مرة أسمعك تنطقي اسم راجل غيري، والبني آدم ده بالذات. على الأقل احترامًا للعلاقة اللي ما بينا حاليًا. نطق كلماته الأخيرة بحدة أربكتها لتنطق بصوت خرج مرتبك: خلاص متزعلش، أنا ما قصدتش إني أضايقك بكلامي. أنا بس كنت بشرح لك الـ.. لم تكمل جملتها لمقاطعته بصوته الحازم: خلاص لو سمحتي، ويا ريت تقفلي الموضوع ده خالص.
صمت دام لأكثر من نصف دقيقة مرّت على كلاهما بصعوبة، هي وقد شعرت بالإهانة من حدة حديثه، وهو قد شعر بنار استعرت بجسده بالكامل لمجرد تخيله أنها كانت تخص رجلًا غيره في يوم من الأيام. تحمحمت لتقول باستئذان بعدما علمت بانتهاء الحديث: أنا مضطرة أقفل. إيثار... قالها بصوت يبدو غاضبًا ليتابع بنبرة صوت رجل يحترق غيرة على محبوبته: أنا بحبك، وأظن من حقي أغير على الست اللي بحبها.
كان هذا أول اعتراف صريح منه بكلمة أحبك. انتابها شعور مختلط ما بين حب وألم وندم يخالطهم شعور بالذنب. ضاعت فرحة الاعتراف وسط تزاحم تلك المشاعر المتضاربة، ليكمل هو بصوت نادم بعدما وصله مدى تألمها حتى وإن لم تتحدث: أنا آسف، اتنرفزت غصب عني لما تخيلت إنك في يوم كنتِ لغيري. طب ما أنت كمان كنت مع غيري يا فؤاد، بس الفرق بيني وبينك إني احترمت كلامك وخصوصيتك لما بلغتني إنك كنت متجوز وانفصلت. قالت كلماتها
بصوت متألم لتتابع بلوم: وما سألتكش عن أي تفاصيل علشان ما أضايقكش. أغمض عينيه بألم ولم يعد يدري أيحزن لأجل ألمها الذي تسبب هو به أم ينقم عليها لذكرها لتجربته المريرة مع تلك الحقيرة، ليهتف بصوت خرج جاد لأبعد حد: موضوعي ما فيهوش أي تفاصيل مهمة علشان أقولها لك، أنا اتجوزت ومرتحتش. واسترسل بزيف: بعد الجواز اكتشفت إننا مختلفين عن بعض في كل حاجة فانفصلت عنها. تنهدت وما زال الألم يسيطر على كل كيانها، ليقول بقلب يتمزق لأجلها:
أنا آسف. ليتابع بصوت هامس متأثر يفيض صدقًا وهيامًا: أنا بحبك. سحبها اعترافه لعالم أكثر حالمية، عالم خالي من الأحزان والآلام. لم تدري بحالها إلا والابتسامة تشق طريقها ليسعد قلبها. الذي انتفض من مكانه يتراقص على أنغام اعترافه الصريح بعشقها الذي احتل قصوره العالية، ليكمل مسترسلًا بما جعلها تذوب وتنصهر من كلماته: بحبك ومش عاوز غيرك من كل الدنيا، وعاوزك تنسي كل اللي فات وكأنه ما حصلش، عاوز أنسى معاك وبيك مرارة الأيام.
واستطرد هامسًا بما دغدغ مشاعرها وأنهى على صمودها الواهي: عاوز أعيشك جوه جنة فؤاد علام، وأخليكِ تتنعمي وتدوقي فيها ومعايا متاع الدنيا بعيد عن أي حسابات. كلامك بيسحرني وبيسحبني لعالم عمري ما دخلته غير معاك. كلمات حالمة نطقتها لتتابع بريبة استطاعت خرق قلبها رغم ما تشعر به من متعة لا يضاهيها شيئًا: بس في نفس الوقت غامض ومش بقدر أفسره. ضيقت بين عينيها لتسأله بحيرة: زي مثلًا جملة "بعيد عن أي حسابات" تقصد بيها إيه!
بصوت قوي ثابت أجابها: أكيد هييجي الوقت اللي هتفهمي فيه معنى كل كلامي، خلي كل حاجة لوقتها وعيشي اللحظة اللي إحنا فيها، بلاش تفكيرك في المستقبل يضيع عليك حلاوة اللحظة، عيشي الحاضر بجماله ورونقه وسيبي نفسك للمشاعر تحركك. برغم حديثه الذي يحتمل أكثر من معنى، إلا أنها تشعر معه بأمان لا تدري مصدره. تنهدت وأكملا حديثهما الذي لا ينتهي منذ أن تعارفا واتفقا على المحادثات لإعطاء حاليهما فرصة للتقرب والتعرف كل على صفات الآخر.
بعد مرور شهرين على تقربهما، اتصل بها بعد تفكير عميق وبعدما حسم أمره بشأن علاقتهما لتجيبه بهدوء: أهلًا يا فؤاد. أخبارك إيه؟ قالها بهدوء لتجيبه بابتسامة سعيدة لاهتمامه: الحمد لله. باغتها بطلبه المرفوض بالنسبة لها: إيثار، أنا عازمك بكرة على العشا وممنوع ترفضي. نطقها بإصرار لتنطق برفض قاطع:
أرجوك يا فؤاد بلاش تضغط عليا، أنت عارف إنه ما ينفعش وده كان طلبي الوحيد لما طلبت مني نتكلم علشان نقرب ونتعرف على بعض، قلت لك إني مش هقدر أخرج معاك لأسباب كتير أنت عارفها. وأنا قدرت ظروفك وما حاولتش أطلب منك أبدًا إننا نخرج، وصدقيني لو ما كانش الأمر ضروري ما كنتش هطلب. قالها بتوضيح ليسترسل بذات مغزى: الكلام اللي عاوز أقوله لك ما ينفعش يتقال في التليفون، لازم أبص في عيونك وأنا بقوله وأستمتع بتأثيره عليك.
انتفض جسدها بالكامل وبتلقائية غزت السعادة قلبها لتيقنها مغزى حديثه، ليباغتها بكلماته الواثقة: ثقي فيا وتأكدي إني عمري ما هعمل حاجة تأذيك. أومأت لتجيبه بصوت كان ينطق فرحًا رغم محاولاتها التحكم به: أنا واثقة فيك لأبعد حد، ولولا ثقتي في أخلاقك عمري ما كنت هوافق إننا نتكلم فون. ابتسم لثقتها اللامحدودة به لينطق بصوت حماسي: ما تنسيش تلبسي فستان رقيق ويا ريت يكون لونه نبيتي.
عدة مشاعر ثائرة هزت كيانها بالكامل، ما بين سعادة هائلة وارتياب من المجهول وشعور مرير يستقر في أعماقها خوفًا من تكرار الماضي اللعين، لكنها نفضت كل المشاعر السلبية لتجعل الإيجابية منها تستحوذ عليها لكي لا تفسد شعورها العميق بالبهجة. أغلقت الهاتف بعدما اتفقا على ساعة الموعد والمكان والزمان. قضت ليلتها في اختيار ثوبها الأنيق وحجابها ونوع العطر التي ستنثره عليها لينعش رائحتها. وأخيرًا جاء الموعد واستقلت سيارتها بعدما
حاصرتها عزة بأسئلتها اللحوحة حتى اضطرت بإخبارها ليسعد قلبها ويطير فرحًا لأجل تلك الجميلة التي اتخذتها كابنة لها. وصلت للفندق الشهير الذي بعث لها بعنوانه على هاتفها الجوال، ووجدت موظف المكان بانتظارها بالخارج ليوصلها للقاعة بالداخل. ولجت للداخل بقلب مرتبك وجسد لم تستطع التحكم به ليرتعش تأثرًا بحالتها. انبهرت عينيها بجمال وروعة وفخامة المكان ليباغتها ذاك الذي وقف سريعًا من جلوسه حول إحدى الطاولات ليتقدم منها. لقد كان
وسيمًا للغاية، يرتدي بذلة سوداء ذات ماركة عالمية، مصففًا شعره بعناية فائقة وذقنه مهندمًا بطريقة جعلتها تنظر عليها وتغمض عينيها للحظات وهي تتخيل حالها تتلمسها بأناملها الرقيقة. اقترب عليها ليمسك بكفها ويقربه من فمه.
قبل أن تلامس شفتيه جلدها الناعم لتغمض على أثر لمساته عينيها ويذوب جسدها من مجرد لمسة، لكنها سرعان ما فاقت لتسحب
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!