الفصل 33 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم روز امين

المشاهدات
18
كلمة
6,952
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 37%
حجم الخط: 18

عاشقة أنا، أحبك نعم بل وصلت مشاعري معك لعمق المشاعر وعشق الروح، ولكن عذرًا مالك لقلبي وفؤادي، فأرجوك، لا تطلب مني محو حلمي وقطع طريقي الذي بدأته منذ أن تحررت من قيودي وكسرتها لأتيقن حينها كيف يكون طعم الحرية، إذا كنت تحبني حقًا فكلل ذاك العشق بمساعدتي باحتفاظي بكياني وكرامتي، هذا هو مطلبي الوحيد. تطلعت عليه بتمعن ليتابع بجدية: -تقدمي استقالتك، وموضوع الشغل تنسيه وتخرجيه من دماغك نهائي.

اتسعت عينيها ذهولًا لتتراجع للخلف وهي تشمله بنظرات تملؤها خيبة الأمل قبل أن تنطق بخفوت: -أنت بتتكلم بجد يا فؤاد؟! أنت فعلًا عاوزني أسيب شغلي اللي تعبت عليه تلات سنين بحالهم؟! خرجت تنهيدة حارة من أعماق صدره لينظر لها بتعمق قبل أن ينطق بصوت هادئ: -حاولي تفهميني يا إيثار، أنا بحبك وعاوز أريحك، شغلك صعب وكله ضغط على أعصابك وعقلك، وأنا مش حابب أشوفك تعبانة. واستطرد بنظرات حنون وهو يحتوي كفيها بين راحتيه

كي يحثها على التراخي: -ده غير إن أنا ويوسف محتاجين لك في حياتنا. -ولو رفضت؟ قالتها وهي تنظر بتمعن بعينيه لينطق مترجيًا: -تبقي غاوية توجعي قلبي وتتعبيني معاك، لأن ببساطة طول ما أنتِ بره البيت بالي هيبقى معاكِ ومش هرتاح ولا هعرف أركز في شغلي ولا في أي حاجة في حياتي. قطبت جبينها ليتابع بإبانة مستعرضًا المخاطر التي تحوم حولها:

-نصر وابنه المجنون مش هيسيبوكِ في حالك، افهمي، اللي حصل النهاردة ولا هو أول محاولة ولا هتكون الأخيرة. هزت رأسها برفض قاطع قبل أن تنطق في محاولة منه لنقل وجهة نظرها: -اسمعني أنت وحاول تفهمني يا فؤاد، شغلي بالنسبة لي مش مجرد شغل. هزت رأسها لتتابع بتأثر شديد: -ده أماني أنا وابني بعد ربنا، ده اللي حماني وكفاني شر الذل والحوجة لنصر وابنه طول السنين اللي فاتت. أخذ نفسًا مطولًا لينطق متبعًا سياسة النفس الطويل لكي يقنعها:

-خلاص يا بابا، كل ده انتهى بمجرد ما بقيتي حرم فؤاد علام ومبقاش فيه داعي للشغل، لأن ببساطة أنا وكل ما أملك بقينا ملكك، وبما إني بعتبر يوسف زي ابني فحقه عليا إني أعيشه في نفس المستوى اللي أنا عايش فيه. -محدش هيصرف على ابني غيري يا فؤاد. قالتها بقوة لتتابع برأس شامخ وبروح الأنثى عزيزة النفس الكامنة بداخلها: -وزي ما اتحملت مصاريفه طول السنين اللي فاتت أنا بردوا اللي هكمل معاه لحد ما يبقى راجل ويتحمل مسؤولية نفسه.

اتسعت عينيه من حدتها ليسألها مستفسرًا بتعجب: -وأنا وراحتي يا إيثار، ملناش أي وجود في حساباتك؟! بنظرة تمتلئ بالحنان تحدثت: -أنت جوزي وحبيبي وعوضي الحلو اللي ربنا كافئني بيه على صبري، بس علشان خاطري حاول تفهمني وتقدر مشاعري. -يعني إيه؟! نطقها بحدة لتجيبه بنبرة متألمة: -ناس كتير فاكرين إني وقعتك واتجوزتك علشان فلوسك. ولو قعدت من الشغل هبقى بأكد لهم شكوكهم فيا، زائد إني مش حابة أعقد ابني لما يكبر. قطب جبينه بعدم استيعاب

لما تقصد لتتابع بإيضاح: -مش عاوزة أعرض ابني لأي حاجة تقلل من كرامته وتحسسه إنه أقل من أي حد، نفوس الناس مش كلها سوية يا فؤاد، أكيد هييجي حد يطلع عقده على ابني ويعايره بإن جوز أمه هو اللي كان بيصرف عليه لحد ما خلاه راجل، لو ده حصل هموت يا فؤاد.

كان يتطلع إلى صدق مشاعرها بقلب وعقل مذبذبين، ماذا عليه أن يفعل، أيجبرها على أن تترك عملها بالإكراه ويجعلها تفقد كبريائها وعزة نفسها على يديه، أم يوافق إرادتها ويعرض حياتها للخطر بجانب عدم راحة قلبه العاشق لخروجها بشكل يومي، مرر كف يده على وجهه وأغمض عينيه باستسلام لتقترب وهي تزيل كفه للأسفل ليتطلع عليها وهي تقول بنبرة حنون حاولت بها استقطاب هدوئه: -علشان خاطري متزعلش وحاول تهدى. هز رأسه بشرود ليقول بعدما

اهتدى بتفكيره لذاك الحل: -خلينا متفقين إن مهما حصل لا يمكن هوافق على رجوعك لشركة أيمن الأباصيري تحت أي ظروف. احتدت ملامحها واكتست بغضب عظيم ثم فتحت فاها تستعد لهتاف حاد وقبل أن تعترض أوقفها بكفيه حيث أشار بهما وهو يخبرها بما انتوى: -ولو كان شغلك ضروري قوي بالنسبة لك يبقى من الأولى تستلمي منصب في شركتنا، وأهو على الأقل تبقى بتابعي مال جوزك وتراعي مصالحنا. اتسعت عينيها لتهتف باعتراض:

-لا طبعًا، أنا مستحيل أوافق على كده. واسترسلت بإبانة: -أنا لو عملت كده هبقى بأكد لهم... وقبل أن تكمل حديثها الهرائي بالنسبة له قاطعها بصوته الحاد وهو يهتف هادرًا بعينين تنذر بنشوب حرب قادمة: -قسمًا بالله ما أسمع كلمة تانية تخص الناس واللي هيقولوه لتشوفي مني وش ما هتقدري تستحمليه دقيقة واحدة. أخرجت صوتها بكثير من الأسى والحزن والضعف الذي أدمى قلبه: -مقدرش أغفل عن الكلام لأنه خارج من أقرب الناس لينا يا فؤاد.

-يا ستي طظ في كل الناس وألف طظ. قالها بعينين تطلق شزرًا، توقف عن الكلام للحظات وأغمض عينيه وأطلق زفرة مطولة ليأخذ استراحة من حالة الغضب التي تملكته ثم فتح جفونه لينظر عليها من جديد وهو يقول بنبرة حاول ضبط النفس من خلالها: -اسمعيني كويس يا إيثار، أنا مش هقبل إن مراتي تشتغل في أي مكان وعند أي حد وعيلتي بتملك مجموعة من أكبر الشركات الموجودة في البلد، وأبويا شريك فيها بالنص. تنهدت تستدعي هدوئها لتنطق متسائلة:

-طب تقدر تقولي هشتغل إيه هناك؟! ضيق بين عينيه ليجيبها مقترحًا: -أنتِ خريجة تجارة، تقدري تمسكي قسم المحاسبة وتطوري نفسك فيه ويبقى كارير ليكِ. تنفست بهدوء تحت نظراته المترقبة لتنطق أخيرًا بموافقة مجبرة لإرضاء زوجها الحبيب: -خلاص يا فؤاد، اللي تشوفه صح أنا موافقة عليه. تنفس براحة واقترب عليها مداعبًا أرنبة أنفها بأصابع يده: -كنت واثق إن حبيبي عاقل ومش هيعمل مشكلة من موضوع بسيط زي ده. ابتسامة خافتة اعتلت

جانب ثغرها لتقول بهدوء: -أنا بحبك يا فؤاد ومستعدة أعمل أي حاجة علشان نعيش مبسوطين في حياتنا، الشعور ده زاد خصوصًا بعد ما اطمنت على حضانة يوسف. تحدث بنبرة جادة: -وأنا عاوزك تكوني واثقة ومتأكدة إن أي حاجة بعملها، فهي علشان حياتنا تستقر ونعيش كأي زوجين عاديين ومعانا يوسف. تنفس بقوة وظهر على ملامحه الغضب وهو يتابع قائلًا بانكسار رجل عاشق حتى النخاع:

-مكنش سهل عليا أسلمك بإيدي للحيوان طليقك، جسمي كان قايد نار وأنا بتخيل إيدين الحيوانات اللي مأجرهم لخطفك وهي بتلمسك. وهز رأسه ليتحدث مستسلمًا بخفوت: -بس مكنش قدامي حل غير ده علشان أقفل باب الحضانة نهائيًا وبدون رجعة، كان لازم الأب يمضي على التنازل وإلا كنا هنفضل عمرنا كله في مماطلة المحاكم وقضايا رايحة وقضايا جاية من الطرفين. تطلعت عليه بعينين عاشقة ممتنة، أمسكت كفيه ومالت تقبلهما قبل أن ترفع وجهها

من جديد وهي تنطق بصدق: -أنا عارفة يا حبيبي ومقدرة جدًا اللي عملته علشاني، بالعكس أنا لازم أشكرك ألف مرة إنك ضحيت بحاجات كتير قوي وضغطت على نفسك علشان تريح قلبي من ناحية يوسف. -مكنش سهل عليا والله يا حبيبي. نطقها بضعف ليسترسل موضحًا بإبانة: -بس علشان عارف إن يوم ما هياخدوا يوسف منك هتعيشي معايا جسد بلا روح، عملت كل شيء ضد مبادئي ورجولتي علشان مخليكيش توصلي لليوم ده.

نزلت دمعة من عينيها تأثرًا بتمزق روح حبيبها جففها لها سريعًا بإبهامه لتنطق وهي تحتفظ بأصبعه لتقبله بحنان جعل القشعريرة تسري بجسده: -أنا بحبك قوي يا فؤاد ولو عشت عمري كله أشكرك على اللي عملته معايا من يوم ما عرفتك للوقت مش هيكفي. تنفس براحة لتتابع هي بحيرة ظهرت بعينيها: -فؤاد. -إيه يا حبيبي. قالها بهدوء لتسأله بتشتت وحيرة: -هو لو عمرو اتنازل عن الحضانة، مش ممكن مامته ترفع قضية ضم وتكسبها؟

-لا يا حبيبي، الأب والأم هما الطرفين اللي ليهم الحق في التنازل، وبمجرد تنازل أحد الطرفين للآخر يسقط أي حق لأي حد تاني. أغمضت عينيها لتتنهد براحة وهي تضع كفها على صدرها ثم فتحتهما لتقول بصوت حماسي: -يلا نروح علشان يوسف. أجابها بهدوء: -حاضر يا حبيبي، هنعدي الأول على المستشفى، الدكتور مستنينا هيعمل لك تقرير صحي ويكتب لك حاجة للكدمات اللي في وشك ونروح على طول.

بعد قليل كانت ترتمي داخل أحضانه أثناء قيادته للسيارة بعدما جلب لها بعض المسكنات والكريمات المزيلة للكدمات، أغمضت عينيها حتى أنها غاصت بالنوم ليشعر بها من خلال انتظام أنفاسها، نظر عليها وجد وجهها قد بدأ يصبغ باللونين الأحمر والأزرق فكز على أسنانه بغيظ واستعرت النار بداخل قلبه من جديد كلما تذكر صفع ذاك الحقير لها، ولج من باب الحديقة ليرى الجميع بانتظاره، أسرع عليه الحرس ليفتح له الباب في حين لمس هو وجهها الموضوع على

صدره بلين وقال بصوت هامس: -حبيبي. -إمممم. قالتها وهي تقاوم فتح أجفانها بصعوبة ليتابع هو بنبرة تجمع بها حنان الدنيا بأكمله: -قومي يا بابا خلاص وصلنا. ساعدها في الاعتدال والعودة لمقعدها لينزل وسريعًا تحرك باتجاه الباب المجاور لمقعدها لينحني عليها ويحملها برفق، تعلقت بعنقه وبدأ الإعياء يشتد عليها نتيجة ما مرت به، أسرع إليهما عصمت وفريال وعلام الذي تحدث إليها بعدما وضع كفه على كتف نجله كنوع من المؤازرة:

-حمدالله على السلامة يا بنتي. -الله يسلمك يا بابا. قالتها بضعف يرجع للتخدر الذي أصاب جسدها بالكامل نتيجة ما حدث وبدأت آثاره في الظهور عليها من خلال آلام حادة شعرت بها بجميع أنحاء جسدها، اقتربت عصمت تتفحص نجلها بتمعن شديد لتسأله بقلب الأم المتلهف: -أنت كويس يا حبيبي؟ -إحنا بخير يا حبيبتي متقلقيش. قالها بهدوء لتتابع وهي تمسك كف إيثار الموضوع على قلب حبيبها وتتلمسه متسائلة بقلب صادق بعدما اطمأنت على صغيرها الحبيب:

-حمدالله على سلامتك يا إيثار، ربنا ينتقم منه ويبعد شره هو وأهله عنك. نطقت بإعياء شديد: -متشكرة يا دكتورة. نطقت فريال بنبرة متأثرة بعدما شاهدت تلك الكدمات المتفرقة بوجهها وآثار ربطة الحبل حول عنق كفها مما ترك أثرًا ظاهرًا: -سلامتك يا إيثار، ألف سلامة عليكِ. للحظة وضعت نفسها محلها وتخيلت تهجم أحدهم عليها فتأثرت كثيرًا وظهرت ملامح الحزن عليها لتجيبها تلك الواضعة رأسها باستسلام فوق صدر زوجها: -الله يسلمك يا فريال.

بصوت عالٍ وجهت عصمت حديثها إلى فؤاد خشية ليتأذى: -دخلها جوه علشان ظهرك يا حبيبي. بالفعل تحرك باتجاه الباب الداخلي والكل تبعه ليهرول الصغير الذي رآهم حيث كان يلهو مع بيسان، وضعها فوق الأريكة ليجاورها الجلوس ثم أخذ رأسها ليسندها على كتفه بلين وعناية، أسرع الصغير وهو يسألها بذعر ظهر فوق ملامح وجهه البريء: -مالك يا مامي؟ نطقت سريعًا لطمأنة الصغير: -متخافش يا حبيبي، أنا كويسة. حملته عصمت كي تهدئ من روعه لتقول

وهي تربت على ظهره بحنان: -مامي زي الفل يا حبيبي، متخافش. تطلع للصغير بحنان وقد حزن لأجله، فهذا الأبله فاقد العقل والحس والإنسانية لا يستحق بأن يكون أبًا لملاك كهذا البريء، نطق ليطمئن روعه: -متخافش يا جو، مامي كويسة. -طب مين عمل في وشها كده؟ سؤالًا طرحه الصغير ببراءة ليجيبه بهدوء كي لا يفزع: -وقعت من على السلم وهي نازلة من شغلها يا حبيبي. -أكيد مش شربت اللبن الصبح.

قالها بفطانة ليضحك الجميع أما بيسان فقد وقفت بجانب جدتها لتمسك بساقه وهي تقول: -مش تزعل يا جو، أنطي هتبقى كويسة. أما عزة فكانت تجلس بالمطبخ تستند بكفها فوق الطاولة وتحتسي كوبًا من مشروب الشاي الساخن قبل أن تدخل وداد وهي تقول بارتياب: -شوفتوا اللي حصل. التفت إليها الجميع ينتظرن بشغف ما ستبلغهن لتهتف هي من جديد: -فؤاد باشا راجع من بره شايل مراته ووشها متشلفط على الآخر، زي ما يكون واحد ساحلها ضرب.

وقع الكوب من بين يد عزة لتصرخ وهي تهرول صوب الباب: -يلهوي، إيثار. هرولت للخارج تحت همهمة الجميع لتهتف سعاد بنبرة حازمة: -كل واحدة تخليها في شغلها وبطلوا رغي. صمت رهيب عم بأرجاء المكان بعد صوتها المريب، أما عزة فهرولت لتتفحص صغيرتها وهي تسألها بدموعها التي انهمرت لشدة رعبها: -مين اللي عمل فيكِ كده يا قلبي؟ -أنا كويسة يا عزة متقلقيش. كلمات نطقتها لطمأنة تلك الحنون التي هتفت من بين أسنانها بحدة وغضب:

-نصر وابنه ورا اللي حصل لك، مش كده؟ هتف فؤاد بنظرة محذرة وهو يوجه انتباهها إلى الصغير: -عزة، المدام وقعت من على السلم. فهمت مغزى نظراته ففضلت البكاء بصمت قبل أن تقول عصمت: -ادخلي المطبخ جهزي شوربة للهانم علشان تتغدى قبل ما تنام يا عزة. -مش عاوزة أكل. جملة نطقتها إيثار بنفي من رأسها لتتابع وهي تنظر لزوجها بإعياء: -أنا عاوزة أطلع أنام يا فؤاد. نطق علام بنبرة صادقة: -لازم تاكلي يا بنتي علشان تاخدي أدويتك وتتحسني بسرعة.

اقتربت عليها فريال بخطوات هادئة قبل أن تعرض مساعدتها بعدما رق قلبها لحال تلك المسكينة ومظهرها هي وصغيرها الذي يدمي القلوب: -تعالي أسندك لجناحك علشان تغيري هدومك على ما يجهزوا لك الغدا. عليها فؤاد بعينين شاكرتين: -سيبيها يا حبيبتي، أنا هطلعها بنفسي. هزت رأسها قبل أن تقول برفض تام: -روح أنت لميعادك وأنا هسند وهطلع مع فريال. كانت تقصد ميعاده مع نصر للحصول على التنازل لكنه رفض معللاً:

-مش هتحرك غير لما تتغدي وتاخدي علاجك، خليهم يستنوا. وقف ليحملها من جديد وصعد بها الدرج بصحبة عزة التي حملت الصغير، وقفت فريال تتطلع عليها وهي تقول: -مسكينة، المجرم مبهدل وشها، والولد يا حرام مخضوض على مامته. ارتمت عصمت فوق الأريكة باستسلام لتزفر باستياء، لا تعلم ماذا عليها أن تفعل، هي تكن لتلك الـ إيثار الكثير من الحب والاحترام لكن يأتي حبها والخوف على صغارها في المقام الأول لذا هي الآن بين نارين. *********

ولجت من الباب ليدخل بها إلى الحمام مباشرة، ساعدها بخلع ملابسها وأنزلها داخل حوض الاستحمام المجهز من قبل العاملات والمملوء بالماء الساخن، غمرت جسدها بالمياه كاملًا، خلع عنه حلة بدلته وشمر أكمام قميصه ثم اتجه ناحيتها وجلس على حافة الحوض وقام بوضع الماء والصابون السائل على كتفيها وبدأ بتدليكهما برفق ولين راق لها وأغمضت عينيها على إثر تدليكه باستمتاع، همست من بين شفتيها: -تسلم إيدك يا حبيبي.

-أول ما تتغدي وتاخدي أدويتك وتنامي شوية هتقومي زي الفل. قالها بطمأنة ليتابع بمداعبة كي يخرجها من تلك الحالة: -عاوزين نستعد للسهرة وفقرة الخلخال. ابتسامة واهنة خرجت منها ليبتسم وهو يحرك كفيه بمهارة على كتفيها كي يزيل عنها التشنجات التي أصابتها من تلك الحادثة، سألته بتوتر مازال يتملكها رغم طمأنته الشديدة لها: -تفتكر عمرو ممكن يعند ويرفض يمضي على التنازل؟ أجابها بجبين مقطب وهو يتابع تدليك عنقها من الخلف:

-هو وأبوه مش حمل الخساير اللي هتحصل لهم من ورا قضية الخطف لو وصلت للنيابة. سألته من جديد: -طب هو ممكن يرجع في كلامه بعد ما يخرج ويرفع قضية ضم من جديد؟ أجابها بثقة وهدوء: -لا يا حبيبي مينفعش، أنا عامل له صيغة تنازل متخرش المية. ثم تنهد ليتابع بصوت لائم: -وبعدين أنا مش قولت لك تريحي دماغك من التفكير واعتبرِي التنازل اتمضى خلاص. ليسترسل بهدوء: -غمضي عيونك وخدي نفس عميق وحاولي تسترخي.

انساقَت لحديثه وبدأت بأخذ نفس مطولًا مع إغماض عينيها باستسلام للحصول على بعض الراحة والاستجمام لينطق بعد حوالي خمسة عشر دقيقة: -كفاية كده يا قلبي ويلا علشان ترتاحي في سريرك. ساعدها في الخروج من المياه لينطق بمشاكسة وهو يجفف جسدها بالمنشفة: -صبرني يا رب. ضحكت بخفة لتستدير له بعدما ساعدها على ارتداء المئزر لتلقي حالها بين أحضانه متشبثة بعنقه وهي تقول: -ربنا يخليك ليا يا فؤادي وتفضل سندي وحبيب عيوني.

تنفس بقوة ليضع خصلاتها خلف أذنها وينطق بعينين هائمتين بجمال روحها: -ويخليكِ ليا يا فرحة أيامي. أسندها حتى وصلت إلى سريريهما ليجد يوسف جالسًا عليه ينتظرها بصحبة عزة التي أحضرت الطعام وهي تقول: -تليفونك مبطلش رن يا باشا. رفعت له الغطاء ودثر هو زوجته جيدًا ثم مال على جبينها طابعًا قبلة حنون قبل أن يقول بجدية: -هاتي التليفون يا عزة. التقطته من فوق الطاولة لتناوله إياه لتظهر ابتسامة ساخرة على جانب فمه لتسأله

هي بفضول كاد يمزق داخلها: -هو؟ تطلع عليها ليهز رأسه بتأكيد بعدما فهم مقصدها بشأن المتصل "نصر"، لينطق باهتمام وحب: -اتغدي كويس وخدي الأدوية، وأنا هدخل أغير هدومي بسرعة وأروح لهم. قال كلماته وتحرك إلى غرفة الثياب لينتقي ملابس له قبل أن يتحرك إلى الحمام للاغتسال. ********

بعد خروج فؤاد وانطلاقه بسيارته مع سيارة الحراسة التي أصر عليه علام لتتبعه، صعدت عصمت وفريال ومعهما إحدى العاملات التي تحمل صينية مملوءة ببعض أنواع الفاكهة الطازجة وكوبًا من عصير البرتقال الطازج أيضًا ليجداها مازالت تتناول طعام الغداء تجاورها عزة حاملة الصغير الغافي فوق ساقيها، أشارت فريال للعاملة بأن تضع ما بيدها وتعود للأسفل من جديد فانساقت الفتاة إلى ما أمرت به، جلست عصمت على حافة الفراش وتحدثت بنبرة

حنون وهي تتحسس ساق الأخرى: -عاملة إيه يا حبيبتي؟ أجابتها بنبرة هادئة: -الحمد لله، حاسة نفسي أحسن بعد الشاور. -لما تنامي هترتاحي أكتر. قالتها بحنو لتسألها فريال بنبرة متعجبة وملامح وجه يكسوها الاستياء: -هو أنتِ إزاي كنتِ عايشة مع واحد حيوان بالطريقة دي؟! حذرتها عصمت بنظراتها لتتابع بتأثر وتضامن ظهر بعينيها: -هو أنا غلطت في حاجة يا مامي، هو حضرتك مش شايفة الحيوان عامل إيه في وشها؟ لتسترسل بحدة:

-طب والله الحيوان مظلوم مع حقير زيه. ابتسمت عصمت رغمًا عنها لتنطق عزة التي وجدت فرصتها: -طب والله عندك حق يا هانم، ده مجنون، قال إيه بيحبها ومش قادر يتخيل إنها بقت لراجل غيره. -مستحيل حد يكون بيحب بجد ويعمل كده في اللي بيحبه. جملة معترضة نطقتها فريال باستهجان لتتابع بحدة أكثر وهي تتطلع على تلك الكدمات المنتشرة بوجهها: -ده واحد مريض بحب التملك. -هو كده بالضبط. قالتها إيثار قبل أن تتابع بإبانة:

-للأسف، هو اتربى على إنه يمتلك كل حاجة تعجبه، من يوم ما طلبت الطلاق وأخدت ابني وبعدت وهو هيتجنن، كل فترة كان بيحاول يقتحم حياتي ويعرض عليا الرجوع، وطبعًا كان بيعرض عليا ملايينه الكتير، آخر مرة قالي إنه شرى فيلا في زايد وهيكتبها باسمي وهيحط لي المبلغ اللي أقول عليه في حسابي في البنك. لتتابع بذهول ارتسم فوق ملامحها:

-لكن عمري ما تخيلت الجنون يوصل بيه بإنه يخطفني وأنا على ذمة راجل تاني، لا وكان مخطط لخطف يوسف هو كمان لولا ربنا ستر وفؤاد كان عارف وبعت بودي جارد جاب الولد. تطلعت إلى عصمت لتتابع وهي تهز رأسها: -فيه حد عاقل يعرض طفل صغير لتجربة خطف هتأثر عليه بالسلب باقي عمره.

هزت رأسها بأسى، أما فريال فكانت تستمع إليها متعجبة من تلك المعلومات الجديدة عليها، فقد كانت تعتقد أنها كانت متزوجة من رجل بسيط لا يمتلك أموالًا طائلة كالتي تحكي عنها لتسألها بفضول بعدما فشلت بالتحكم بحالها: -هو طليقك غني للدرجة دي؟! كالعادة تطوعت عزة بالإجابة وهي تتحدث بكثير من الثرثرة:

-ده أبوه عضو مجلس شعب كبير وعنده أملاك وأطيان ملهاش أول من آخر، والواد عمرو ده طول عمره دلوعة أمه اللي مش شايفة غيره قدامها، مغرقاه بالفلوس اللي ملهاش حصر. لتسترسل وهي تشير بكفيها: -هو فسد ووصل لحالته دي من قليل. نطقت عصمت بهدوء: -ربنا يبعد شره عنك ويحميكِ أنتِ ويوسف يا حبيبتي. شكرتها واستندت بظهرها للخلف وهي تقول إلى عزة: -شيلي الأكل من فضلك وهاتي لي الدوا يا عزة. نظرت عصمت إلى الطعام لتنطق باستهجان:

-الأكل زي ما هو يا إيثار، لازم تاكلي علشان الأدوية. -مش قادرة يا دكتورة. قالتها وهي تنظر للطعام باشمئزاز لتكمل بإيضاح: -معدتي وجعاني ومش قادرة آكل أي حاجة. تعجبت وهي تنظر إلى فريال التي وضعت حبة من ثمار التفاح داخل صحن ومعها سكين صغير وتحركت إليها لتجلس على الحافة وبدأت بتقطيع الثمرة قائلة: -كلي تفاحة خفيفة مش هتتعب لك معدتك.

تطلعت عصمت باستحسان لتصرفات ابنتها التي تنم عن أصلها الطيب وطمأنتها بأن تربيتها لم تذهب هباءً، وقفت لتنطق قاصدة عزة: -نيمي يوسف جنب مامته يا عزة ونزلي الصينية للمطبخ، ونبهي عليهم يعملوا أي حاجة خفيفة لعشا إيثار. ثم تطلعت على فريال لتتابع: -أكلي مرات أخوكِ التفاحة وخليها تشرب كباية العصير كلها. لتسترسل قاصدة إيثار: -مينفعش تاخدي الأدوية من غير ما تكوني واكلة كويس.

نطقت كلماتها بتلقائية ولم يأتِ بخيالها كم التأثر والسعادة التي سكنت روح تلك العطشى للحنان من مجرد استماعها لكلمات والدة زوجها الراقية، لقد عاشت حياتها محرومة من الحنان الأسري، أدنى حقوقها الآدمية لم تحصل عليها وسط عائلتها المفككة التي أشرفت على تربيتهم أم تفتقر لقواعد الأمومة الأساسية، فقلبها لم يحمل ذرة واحدة من الحنان تجاه معدومة الحظ هذه، في الطبيعي تتنعم الفتاة داخل أحضان والدتها الحنون وتتدلل، أما هي فقد تجرعت على يديها كؤوس العذاب بألوانه المتنوعة، شعرت بروحها تهيم من شدة حبورها لتنطق بعينين ممتنتين جعلت من قلب

عصمت يرق لها أكثر وأكثر: -حاضر. اقتربت عليها عصمت لتربت على كفها بحنان مع شمولها بابتسامة حنون لتقول قبل أن تنسحب: -حمدالله على سلامتك يا حبيبتي. انسحبَا كلًا من عصمت وعزة لتتركاها بصحبة فريال حيث تحدثت وهي تناولها الصحن بعدما قطعت الثمرة وقامت بتنظيفها: -يلا كلي التفاحة. بعينين شاكرتين تحدثت بامتنان: -متشكرة يا فريال، متشكرة بجد. تبسمت لتصمت لعدة ثوانٍ قبل أن تقول باستحياء:

-هو أنا لو قولت لك آسفة على سوء ظني فيكِ، هتقبلي؟ تنهدت بقوة وهي تشملها بابتسامة جذابة قبل أن تتحدث بصدق وصل لقلب الأخرى مباشرة: -أنتِ أخت الراجل اللي شملني أنا وابني بحبه ورعايته، الراجل اللي وقف جنبي في الوقت اللي اتخلى عن حتى اللي من دمي. لتتابع بتأثر ظهر بعينيها: -علشان خاطر عيونه أتحمل أي حاجة، وأنتِ مش بس أخته، أنتِ أقرب حد لقلبه. زفرت فريال ثم طالعتها لتهتف بصوت حماسي: -بصراحة كنت فاكراكِ طمعانة في فلوس فؤاد.

قطبت إيثار جبينها لتنطق باستياء: -فؤاد أنضف راجل أنا شفته في حياتي كلها. لتتابع عاتبة: -وميستاهلش منك أبدًا إنك تحصريه في دايرة الطمع في فلوسه، لأن الطمع الأكبر في رجولته وأخلاقه واحترامه لذاته وللغير. تنهدت فريال براحة لتقف لجلب الأدوية لها. *******

وصل فؤاد لمقر الشرطة، وجد نصر ونجلاه بانتظاره، جلس بمكتب الضابط وبعث الضابط لجلب عمرو الذي ولج مقيدًا بالأصفاد الحديدية بصحبة العسكري وما أن رآه نصر حتى اشتعل داخله، ود لو بيده الأمر لانقض عليه وقام بصفعه وركله كي يشفي غليله منه، فهو بغبائه جعل منه وجبة دسمة قدمت بكل سهولة لذاك الداهي أكلها ساخنة باستمتاع وتلذذ وكانت النتيجة تقديم الصغير على طبق من ذهب إلى ابنة غانم، رمقه فؤاد الجالس بكل فخر مستندًا بظهره للخلف واضعًا ساقًا فوق الأخرى، ليستشيط داخل ذاك الأرعن الذي هتف وهو ينظر

إلى أبيه يشتكي كالأطفال: -شوفت اللي عملوه فيا يا بابا؟ أشار نصر بحدة لينطق بصرامة وعينين تحملان بداخلهما نارًا مشتعلة: -أنت تخرس خالص وتقعد زيك زي الكرسي ده، وتنفذ اللي هيتقال لك بالحرف الواحد. اشتعل داخله بنار مستعرة سرت بجميع جسده لينظر إلى عدوه اللدود وجده يبتسم ساخرًا من تقليل والده لشأنه بتلك الطريقة المهينة، هتف طلعت بحدة وهو يشير لشقيقه: -اقعد يا عمرو. كاد أن يجلس ليهتف فؤاد بقوة موجهًا حديثه اللاذع للضابط:

-من إمتى المجرمين بيقعدوا ويتضايفوا يا حضرة الضابط؟ ابتلع الضابط لعابه لينطق سريعًا: -خليك واقف يا متهم. إنه لشعور مرير أصاب ذاك النصر المغرور، فهو دائمًا من يظلم ويفرض سيطرته على الآخرين ويسحق كرامتهم تحت حذائه والآن تبدلت الأدوار لتُهرس كرامته وكرامة نجله تحت حذاء ذاك الداهي، مال ببصره لعدم قدرته النظر بأعين أنجاله الثلاث لينطق بصوت ذليل: -خلينا ندخل في الموضوع على طول يا باشا علشان منضيعش وقت سعادتك.

أشار فؤاد إلى رجل أتى بصحبته ليضع العقد فوق الطاولة الجالس أمامها نصر، رفعها وتحدث إلى عمرو بنبرة حادة: -خد العقد ده إمضيه. قطب جبينه قبل أن يسأل والده مستفسرًا: -عقد إيه ده؟ تطوع فؤاد وهو يقول بتشفٍ ظهر بعينيه ومن خلال صوته الشامت: -عقد تنازل منك عن حضانة يوسف لأمه. صرخ بصوت معترض: -نعم، ده بعينك أنت وهي، عاوزني أتنازل لكم عن ابني علشان تعيش متهني وبالك رايق أنت وبنت غانم.

دق الضابط فوق مكتبه بقوة ليصيح بصرامة موبخًا إياه: -اخرس يلا وبطل دوشة وإلا هرجعك الحجز وأخلي الصيع يتسلوا عليك في السهرة. جحظت عينيه ليسأل والده: -أنت ساكت ليه يا بابا، أنت موافق إنهم ياخدوا ابني مني؟ -امضِ يا عمرو. قالها نصر بصوت مختنق مجبرًا على التخلي عن حفيده الغالي ليتابع حديثه بإيضاح: -ورقة التنازل قصاد خروجك من هنا. خرج صوت فؤاد القوي ليكمل على حديث نصر:

-وقصاد كرسي البرلمان بتاع والدك اللي لو اتحكم عليك بمؤبد هيودعه للأبد. هز عمرو رأسه لينطق بقهر: -أنا لا يمكن أعمل كده، لا يمكن أتنازل عن ابني وأخلي بنت غانم تعيش مرتاحة ومتهنية معاك. هتف نصر من بين أسنانه بغيظ بعدما فقد السيطرة على حاله من أفعال هذا الأرعن المصر على إسقاطه من رأس الهرم إلى أسفله بأفعاله الهوجاء:

-هتمضي ورجلك فوق رقبتك، الموضوع مبقاش بمزاجك، ده غصب عنك علشان تتنيل تطلع من المصيبة اللي ورطت نفسك فيها وورطنا معاك. أمسك طلعت الورقة وبدأ بقرائتها مستمتعًا بما قرأ ليناولها لشقيقه وهو يحثه على التوقيع: -امضِ يا عمرو خلينا نخلص قبل ما سيادة المستشار يرجع في كلامه، الخيبة اللي أنت عملتها متصورة صوت وصورة، يعني أنت لابس لابس. تطلع لشقيقه بحيرة قبل أن يأخذ نفسًا ويهز رأسه بموافقة بعدما حسم أمره بالخروج من هذا المأزق،

تحدث الضابط للعسكري: -فك له يا ابني الكلبشات علشان يعرف يمضي. أمسك العقد وبدأ بقرائته ليحترق داخله مع كل كلمة، بدأ يحرك عينيه على فحوى العقد. "أقر وأنا بكامل الأهلية العقلية وبملء إرادتي ودون إكراه أو تدليس أو تغرير من أحد، بالتنازل عن حقي الكامل في حضانة طفلي "يوسف عمرو نصر طلعت" إلى والدته السيدة "إيثار غانم محمد الجوهري" بشكل نهائي لا رجعة فيه، إلى آخره...

" ليشتعل داخله وهو يتطلع لذاك الجالس بكبرياء، أمسك القلم وقام بالتوقيع مجبرًا لينظر متوعدًا إلى فؤاد. تنازل فؤاد أيضًا عن المحضر المقدم منه ليتحدث نصر بتملق: -مرضي يا باشا. رمقه فؤاد بنظرة تقليل قبل أن ينطق بتحذير صارم: -ياريت تخلي بالك من تصرفات التافه ابنك وتخلي عينك عليه، المرة دي كان عنده الغالي اللي أساومه عليه. ليتابع بنبرة شرسة وهو يرمق ذاك الحقير بنظرات لو خرجت لحولته إلى قطعة نار متوهجة:

-المرة الجاية أقسم بربي لو فكر مجرد تفكير يبص من بعيد على مراتي، ما فيه مخلوق هيعرف يخلصه من إيدي. واستطرد بنار مستعرة لو خرجت لحولت المكان بأكمله لكتلة من التوهج: -وأحمد ربنا إن يوسف كان طرف في الموضوع، وإلا كان زمانك واقف بتاخد عزا ابنك. كان يستمع له وداخله مشتعل كاد أن يرد أوقفه نصر بنظراته المحذرة لينطق بصوت جاهد بقوة ليخرجه ثابتًا: -أوعدك إنه هيبعد خالص عن طريق الهانم يا باشا. أخذ فؤاد العقد وقام بطيه واحتفظ به

داخل جيب حلته ليقول بحدة: -ده لمصلحته ومصلحتك. تحدث الضابط إلى العسكري: -خد المتهم على الحجز يا عسكري. جحظت أعين نصر وأولاده ليصرخ عمرو معترضًا: -حجز إيه اللي هترجعني فيه؟! تطلع نصر إلى فؤاد ليسأله بذهول واستغراب: -يا باشا هو مش مضى على العقد خلاص. رفع كتفيه لينطق بلامبالاة مصطنعة: -أنا لحد هنا وخلصت مهمتي، الباقي بقى بتاع الشرطة.

حول نصر بصره إلى الضابط الذي تحدث بنبرة جادة متفق عليها مسبقًا مع فؤاد بناءً على اتفاق بين النائب العام مع قيادات من الشرطة: -الأوامر اللي عندي إن المتهم مش هيخرج قبل أسبوع. -ليه يا باشا؟ صاح بها نصر ليجيبه فؤاد ببرود كالثلج: -تأديب يا سيادة النائب، مش بيقولوا السجن تأديب وتهذيب وإصلاح. ليسترسل متهكمًا: -وبصراحة كده، ابنك ناقصه تأديب وتربية.

نطق كلماته وانطلق بقوة للخارج دون أن يعير أحدًا أدنى اهتمام تاركًا خلفه قلوبًا تحترق نارًا من شدة غلها وحقدها عليه. _داخل قسم الشرطة، بعد خروج فؤاد ومغادرته للقسم وقف عمرو يتطلع إلى أبيه بعينين متوسلة بألا يتركه بهذا المكان المستوحش، فأكثر ما يفقده اتزانه ويشعره بالجنون هو وجوده بين جدران تلك الحجرة الملعونة المسماة بحجرة الحجز وهؤلاء المجرمون المتواجدون بداخلها، نطق بصوت عالٍ متذمر كعادته:

-اتصرف يا بابا بأي طريقة وخرجني من هنا. واستطرد بصراخ يوحي لمدى فقدانه للسيطرة على حاله: -أنا مش هقعد هنا يوم واحد، مش ابن الـ... خد اللي هو عاوزه، خرجوني بقى. صاح ضابط الشرطة بصوت مرعب هادرًا بصرامة: -احترم نفسك يا بني آدم ومتنساش إن اللي بتتكلم عنه ده يبقى رئيس نيابة. واسترسل مهددًا: -ولا تحب أعمل لك محضر سب وقذف يضاف لبلاويك؟ ارتعب نصر من تحول ملامح ضابط الشرطة فبادر سريعًا بالحديث ليهم قائلًا:

-حقك عليا يا باشا، هو مايقصدش، ده بيتكلم بس من غلبه وصدمته من اللي حصل. قاطعه الرجل لائمًا بحدة: -الأستاذ ناسي إنه في قسم شرطة يا سيادة النائب وبيشتم على رئيس نيابة؟ -أنا بتأسف لك بالنيابة عنه. نطقها مجبرًا مرغمًا ليتابع مترجيًا: -وبعد إذنك يا باشا ياريت تسيبنا مع عمرو خمس دقايق بس، هنتكلم معاه كلمتين وهنمشي طوالي. تنفس مطولًا ليتطلع عليهم قبل أن ينسحب هو والعسكري وقبل أن ينطق عمرو باعتراض هتف نصر بحدة وهو يشير

بسبابته في وجه ذاك الحانق: -قولتها لك قبل كده وهفضل أقولها، نهاية كل اللي عملته في حياتي هتبقى على إيديك. -اهدى يا حاج وبراحة عليه، كفاية اللي هو فيه. قالها حسين متأثرًا وهو ينظر بأسى لعينين شقيقه المنتفخة والدماء الجافة السائلة من جانب فمه، ناهيك عن تلك الكدمات المنتشرة بجميع وجهه نتيجة تعرضه للضرب المبرح على يد فؤاد، ليسترسل بنبرة حزينة: -مش شايف شكله عامل إزاي. هتف من بين أسنانه بطريقة عنيفة أظهرت كم غيظه:

-محدش يقولي اهدى، أنا عمر ما حد قلل من احترامه معايا قبل كده، كنت بدوس على أجدعها شنب بجزمتي ولا حد يقدر يتنفس معايا. تهدلت أكتافه للأسفل لينطق بحسرة تكونت بصدره: -مشفتش التهزيق وقلة القيمة غير على إيديه. كل شوية يجي لي بمصيبة أنقح من اللي قبلها، وأنا أجري وأتوسل لده ولده علشان أطلعه منها، وآخرتها رايح يخطف لي مرات رئيس نيابة، وأدي النتيجة. قال الأخيرة بإشارة من كفيه ليتابع بغصة مرة وقفت بحلقه وكادت أن تودي بروحه وهو

يدق بقبضته فوق صدره بقوة: -بسببه اتنازلت النهاردة عن حتة من قلبي، يوسف اللي كنت بستنى رجوعه لحضني بفارغ الصبر علشان أعلمه وأكبره على إيديا ويبقى امتداد لنصر البنهاوي، قدمته بكل ذل لبنت غانم.

رمقه طلعت بحدة وقلب شامت، فطالما رفع ذاك الصغير على الجميع وبالغ بتدليله هو ووالدتهم ومن شدة عشقهما له لم يري غيره من صغار المنزل حتى خلقا الضغينة بين الأشقاء بعضهم البعض، فبات هو يبغض عمرو وصغيره ولو بيده الأمر لتخلص من كلاهما نهائيًا، لكن جبروت والديه هو من منعه فقط لا غير، أما عمرو فنطق بسخط يرجع لعدم تقبله المكوث بذاك المكان البغيض:

-اللي حصل حصل خلاص، المهم الوقت تخرجني من هنا، ويوسف أنا هعرف إزاي أرجعهولك تاني، وبالتهديد والحيلة زي ما الـ... عمل بالضبط. أشار نصر بكفيه لينطق بحدة وهو يتبادل النظر بين نجليه وقد أوشك للإصابة بذبحة صدرية على يد نجله الأرعن: -اسمعوا وشوفوا الخيبة القوية اللي أنا فيها، الباشا مش مكفيه المصيبة اللي حطها فوق دماغنا ولسه مخرجناش منها وبيدبر للي بعدها. هتف طلعت بكلمات أراد بها صب المزيد من الوقود فوق نار نصر

المشتعلة ليزيد من توهجها: -ما تبطل غباء يلا، وتفوق لنفسك كده واتظبط، يظهر إن عيارك فلت من كتر ما بنسكت لك ونعدي البلاوي اللي كل يوم والتاني تعملها، وكل ده بسبب دلع ستهم فيك، الله يسامحها خلقت منك عيل تافه عديم الكرامة والمسؤولية، واحدة ورفضاك يا جدع، داير وراها وذالل نفسك وذاللنا معاك ليه؟ واستطرد ليشعل النار أكثر بعدما رأى تجهم ملامح نصر باتجاه شقيقه: -طب أبوك ذنبه إيه في قلة كرامتك دي؟

تمرمطه معاك وتخلي واحد زي المستشار يقل بيه قدامنا وقدام الظابط ليه؟! احتدم نصر غيظًا ليهتف بنبرة حادة قبل أن يفقد توازنه وينقض عليه ليوسعه ضربًا: -تترمى مكانك وتبطل نواح النسوان بتاعك لحد ما أشوف لك حد يطلعك من المصيبة دي. ليستطرد موبخًا إياه بتوعد: -وحسابي معاك بعدين، وحياة أمك ماهفوتها لك المرة دي يا عمرو.

بعد قليل، ولج إلى حجرة الحجز ليدفعه العسكري بقوة كادت أن توقعه ليستند على الحائط بتخبط، في الزاوية يقف رجل قصير القامة أشار بعينيه للجميع ليفهموا أن تعيس الحظ هذا هو من تم التوصية عليه من قِبل الضابط، فهز رجل رأسه بإيجاب قبل أن يهتف ساخرًا منه: -اسم الله عليك يا صغنن، مش تحاسب لتتكعبل. قهقه السجناء بقوة ليتابع أحدهم متهكمًا: -هاتوا لسيد أمه طاسة الخضة يا رجالة.

تطلع عليهم ففهم المغزى من تهكماتهم، فضل الصمت وانسحب ليختلي بحاله جانبًا، بالكاد لمس جسده الأرض ليقبل عليه شخص بجسد عملاق ويبدو على وجهه الإجرام ليركله بإحدى ساقيه وهو يزمجر بصوت غليظ مخيف: -ده مكاني يا حيلتها، شوف لك غيره. انتقل للجوار ليتحرك نفس الرجل معه ليكرر جملته: -وده كمان تبعي. -والمطلوب؟! قالها عمرو باستسلام ليشير الرجل بعينيه لمكان بآخر الحجز يوجد به وعاء يقضون المحتجزون به حاجتهم الإنسانية

ليشمئز وهو ينطق باستهجان: -نعم، عاوزني أنا، عمرو ابن سيادة النائب نصر البنهاوي أنام جنب جردل الـ صمت لبرهة ليكمل بازدراء: -القرف ده؟! نطق الرجل ببرود وملامح وجه مبهمة: -هو كده بالضبط، ولو ما قومتش بالذوق هخلي صبياني يودوك غصب عنك، بس ساعتها مش هتجاور الجردل بس، ده هيبقى عشاك النهاردة.

كاد أن يتقيأ ما بمعدته بمجرد تلفظ الرجل بتلك الكلمات البذيئة ليهب واقفًا وبصمت مخزي تحرك ليجلس بالمكان الذي خصصه له لينظر الرجال بعضهم إلى بعض ويبتسمون لينتقلون للفقرة التالية من الحفلة. ******** داخل السيارة الخاصة بنصر ونجلاه، استقل مقعده المجاور لطلعت ليمسك هاتفه ويضغط زر الاتصال بالشخص السادس على التوالي متأملًا أن يقدم له المساعدة ولا يتخلى عنه كـالخمس الذين سبقوه، هتف بنبرة متحمسة: -شوقي باشا، إزي جناب معاليك؟

الطرف الآخر: -أهلًا يا نصر، عاش من سمع صوتك. قص عليه نصر ما حدث وطلب منه المساعدة لإخراج نجله من الحجز بما للرجل من سلطة لينطق الرجل بعقل متزن: -للأسف يا نصر، لا أنا ولا غيري هنعرف نخدمك في الموضوع ده. واسترسل بإبانة: -أنت واقع مع حوت كبير من حيتان القضاء، علام زين الدين راجل ليه وزنه وثقله في البلد وبكلمة منه يشيل ناس من مناصبها، وابنه خليفته، برغم صغر سنه إلا إن ملفه مليان بالإنجازات اللي تُحسب له. ليتابع لائمًا

باستهجان: -إنتوا إيه بس اللي وقعكم مع الناس دي؟! تنهد بثقل لينطق باستسلام مخزي: -نصيبنا يا باشا. تحدث الرجل بنصح صادق: -أنا من رأيي ما تحاولش تتحداهم وتخرج ابنك قبل الأسبوع ما يعدي، طاطي للريح علشان تعدي يا نصر، بلاش تستفزهم علشان هيحطوك في دماغهم أكثر، وبدل ما ابنك يخرج بعد أسبوع زي ما هما قرروا مدة عقابه، تلاقيه لابس في قضية تقعده جوه السجن سنين. ليسترسل بجدية:

-الناس دي ما بتهزرش يا نصر، علام زين الدين مش مجرد عضو بارز في المحكمة الدستورية وبس، ده يمتلك أصول وشركات هو وعيلته مقومة جزء كبير من اقتصاد البلد، وده اللي معزز مكانته. أغلق الهاتف ليستند للخلف مغمضًا عينيه باستسلام بعدما اقتنع بحديث ذلك المسؤول، سأله حسين متأثرًا لأجل شقيقه: -هتسيبه خلاص يا حاج؟

زفر بألم يعتصر قلبه، لم يكن الأمر بالهين عليه بأن يترك فلذة كبده حبيسًا بين أربع حوائط وسط مجموعة من الخارجين عن القانون، نعم غاضب منه وبقوة بسبب تصرفاته الرعناء لكنه يظل الأقرب لقلبه، نطق بصوت أظهر ضعفه وقلة حيلته: -وأنا في إيدي إيه أعمله وما عملتوش يا ابني؟ ما على إيدك أنت وأخوك، كلمت واتذللت لـ طوب الأرض، الكل خايف يقرب لـ تصيبه لعنة علام زين الدين.

صمت حسين والحزن خيم على قلبه وهو يتطلع إلى والده ويراه للمرة الأولى مهزومًا حزينًا، الحزن تملك منهما عدا ذاك الشامت حيث ابتسم بجانب فمه ليتطلع على هذا الجبل الشامخ وهو ينهار. *********

كان يقود سيارته بقلب مستكين إلى حد ما، فقد وفى اليوم بوعده الذي قطعه لحبيبته، وها هو الآن يعود إليها بورقة الحصان الرابح، فابتدأً من اليوم لن يستطيع مخلوق على وجه الأرض إزعاجها بشأن الاحتفاظ بصغيرها الغالي، لذا ستسير حياتهما بهدوء من اليوم وطالع، التفت حوله بتمعن قبل أن يصف سيارته جانبًا أمام أحد المتاجر المتخصصة ببيع ألعاب الأطفال بعد أن قرر أن يبتاع بعض الألعاب لإدخال السرور على قلب الصغير، فقد أخذ عهدًا على حاله

أن يعامله معاملة حسنة ويتخذ منه ولدًا عوضًا عن أبيه ذاك الأمعة الذي لا يفكر سوى بحاله وفقط، إلى الآن لم يستوعب كيف لقلب أب أن يعرض صغيره لحالة من الرعب نتيجة خطته الفاشلة للخطف، ابتاع مجموعة من الألعاب للصغير ونجلي شقيقته وتحرك بطريقه للمنزل بعدما جلب بطريقه أحد أروع باقات الزهور وعُلبة من أفخر أنواع الشوكولاتة ليهديهما لحبيبته بتلك المناسبة السعيدة، وأيضًا جلب كعكة شوكولاتة كبيرة للاحتفال مع العائلة بضم الصغير

لوالدته بشكل نهائي، صعد للأعلى وبيده صناديق الألعاب الخاصة بالصغير وعلبة الشوكولاتة وباقة الورد بعدما أهدى أنجال شقيقته هداياهما.

حمل جميع الأغراض ورفض على الإطلاق مساعدة العاملات اللواتي عرضن عليه حملهن، لكنه أبى، ولج بهدوء ليجد الظلام الدامس يجتاح الجناح، تحرك ببصيرته ليضع الأشياء برفق فوق المنضدة ثم ذهب إلى زر الإضاءة الخافتة وأشعله ليرى خليلة الروح تغط في سبات عميق حاضنة ملاكها الصغير حيث غفى بجوارها ولم يفق للآن لذا تركهما الجميع لعدم إزعاجهما، ابتسم وانشرح قلبه وهو يراهما، لقد كان مظهرهما رائعًا، للحظة تخيل حاله الوالد الحقيقي لذاك الملاك

فانتابته قشعريرة لذيذة سرت بجميع جسده، أخرج من جيبه عقد التنازل ليضعه بدرج الكومود ثم تحرك سريعًا إلى الحمام ليبدل ثيابه ببيجامة خفيفة وبعد قليل كان يتمدد خلفها ليضم خصرها بذراعه ويدفن رأسها من الخلف بين ثنايا عنقه، قرب أنفه من شعرها ليستنشق عبيره باستمتاع، شعرت به لتهمس وهي تستدير بخفة لتتطلع

على رجلها وفارسها المغوار: -جيت إمتى يا حبيبي؟ -لسه داخل حالًا... همس بها لكي لا يزعج الصغير فهمست من جديد وهي تحاول النهوض خشية إزعاجه من وجود ملاكها: -هتصل بعزة تيجي تنقل يوسف لأوضته. جذبها برفق يعيدها لأحضانه من جديد قبل أن يهمس بجانب أذنها: -سيبي الولد علشان ما تزعجهوش. واسترسل بإبانة: -الساعة سبعة المغرب وكلها ساعة وهنصحى كلنا علشان نتعشى.

لم يكن هذا روتين يومهم الطبيعي لكن اليوم مختلف، فقد هزل جسدها واستسلم للنوم لما تعرضت له من خلال تلك التجربة البشعة، وهو أيضًا فقد خارت قوته وهزل جسده لما حدث، بجانب عدم استطاعته النوم ليلة أمس لترقبه وانشغاله بما سيحدث، أما الصغير فقد استسلم للنوم بهناء بعد أن شعر بحنان والدته ودفء حضنها، همست تسأله بعدم وعي كامل يرجع للمخدر الموجود بالدواء لتسكين الألم: -عملت إيه مع نصر؟

-كل حاجة تمت بفضل ربنا وتوفيقه، زي ما رتبت لها بالضبط... قالها بهدوء ليتابع بابتسامة حنون: -عقد التنازل في درج الكومود اللي جنبك، لما تقومي شيليه في خزنة مجوهراتك. برغم عدم وعيها بشكل كامل إلا أن سعادتها تخطت عنان السماء وهمست وهي تحتضن كفه برعاية: -ربنا يخليك لي وميحرمنيش منك يا فؤاد. رفعت كفه إلى فمها لتطبع عليه قبلة بثت له من خلالها كم العشق الذي تحمله داخل قلبها المغروم لينطق هو بمشاكسة:

-حبيبة حبيبها تؤمر، والتنفيذ عليه. ابتسمت بخفوت لتسحبها الغفوة بداخلها من جديد، تبسم وشدد من احتضانه لها ليلحق بها سريعًا وينجرف داخل سبات عميق. ******** داخل منزل نصر البنهاوي، وصل بصحبة نجليه ليجد زوجته بانتظاره وعلى وجهها غضب عارم فتيقن أن ليلته لن تمر بسلام، هتفت سريعًا عند رؤياهم دون مدللها: -فين عمرو؟ مجاش معاكم ليه؟!

لم يعر لسؤالها اهتمام وتابع المضي بطريقه ليرتمي بإهمال فوق أول مقعد قابله بطريقه لتعيد عليه سؤالها ولكن بطريقة أعنف تلك المرة: -إنتوا ما بتردوش علي ليه؟! وتبادلت النظرات بين نجليها المطأطأين لرأسيهما لتصيح هادرة بحدة: -ما تنطق منك ليه؟! هتف طلعت وكأنه يريد التشفي برد فعلها الأول على خبر احتجاز صغيرها المدلل: -عمرو خد حبس أسبوع يا ستهم. جحظت عينيها بقوة ليتابع بما أكمل على ما تبقى من صبرها:

-واتنازل لإيثار عن حضانة يوسف بعقد موثق قصاد خروجه من قضية خطفها. لم تدر بحالها، فقد اشتعلت النار بجسدها لتصرخ موبخة إياه وهي تنظر إليه بكراهية بالغة: -أنت بتخرف وبتقول إيه يا بغل أنت؟! يوسف مين اللي نتنازل عنه؟ صمت تام عم على المكان بأكمله لتحول بصرها إلى ذاك الجالس باستسلام وتسأله بهدوء ما قبل العاصفة: -الكلام اللي طلعت بيقوله ده حصل يا نصر؟ أخذ نفسًا عميقًا وظل صامتًا لتصرخ بصوت هز أركان المكان ودب الرعب

بقلوب جميع ساكني المنزل: -ما ترد علي، ولا مش لاقي كلام تقوله لي يا خايب الرجا؟ -إجلال... قالها بصياح وعينين مشتعلتين ليتابع بحدة أرعبت الجميع: -احترمي نفسك وأنت بتتكلمي معي. صرخت بعزم صوتها توبخه وهي ترمقه باشمئزاز وتقليل من شأنه: -مش لما تكون محترم ومالي مكانك أبقى أحترمك. ضيعت الواد اللي حيلتنا وسلمته لبنت غانم بضعفك وخيبتك؟! دارت حول نفسها بجنون لتسترسل باستعلاء وعدم استيعاب لما حدث:

-خليت بنت غانم الجعان تنتصر على ستهم اللي رجالة بشنبات بتقف لي تعظيم سلام لما بمشي بعربيتي في البلد. هب واقفًا ليهتف باعتراض على تحميلها لجميع أخطاء نجلها الأرعن: -الحيوان ابنك هو السبب في كل ده، لولا تصرفاته الغبية ما كناش وصلنا لكده. صرخت وهي تلقي باللوم عليه: -مهو لو لقاك فالح وبتتحرك صح في الموضوع ما كانش اتصرف من وراء ظهرك وحاول يرجع ابنه بطريقته. -أنت لسه بتدافعي عنه بعد كل المصايب اللي وقعنا فيها... نطقها

باستغراب لتصيح بعلو صوتها: -كل المصايب اللي إحنا فيها بسببك يا سيادة النايب. جحظت عينيه ليلقي عليها اللوم كاملًا: -قصدك بسبب دلعك الماسخ لـ دلوع عين أمه لحد ما حولتيه لواحد تافه. -لا يا سيادة النايب، اللي إحنا فيه كله بسبب فشلك وضعفك... قالتها بحدة لتتابع وهي ترمقه بنظرات تقليلية:

-أنا لما اخترتك علشان تبقى نايب عن الدائرة وكلمت إخواتي وولاد عمي علشان يقفوا معاك ويخلوا كل قرايبنا ومعارفنا يدواك أصواتهم، عملت كده علشان تحمي مالنا وتكبره وتحمي لي عيالي. بس أنت فاشل يا نصر، لا عرفت تعمل علاقات مع ناس كبيرة تنفعك لما نقع في مصيبة، ولا أنت اللي حميت عيالي، وفي الآخر خليت بغبائك حتة عيلة زي بنت نصر تنتصر على ستهم. لتسترسل بهسيس خرج من بين أسنانها ليعبر عن نارها المستعرة:

-لو كنت سمعت كلامي من الأول وجبتها من بيت أبوها بعد ما حاولت تنتحر، كان زمانها مرمية تحت رجلي بتخدمني زي أقل خدامة. اشتعلت عيونه بشرارات الغضب ليهتف بحدة هادرًا باعتراض بعدما فاض به الكيل: -كفاية بقى، أنت كل ما تتزنقي تعايريني بإخواتك وعيلتك اللي دعموني. ليتابع رافعًا رأسه للأعلى بكبرياء أراد به حفظ ماء الوجه أمام نجليه الواقفان يتابعان ما يجرى بصمت مخزي، فمن سيتجرأ ويتدخل ليطاله غضب تلك المرأة الجبروت، فالجميع

يهابها ويخشى غضبها المدمر: -لعلمك، أنا بعد ما بقيت نايب الدائرة بقيت أعلى من الكل، وبقيت أكبر من أهلك وعيلتك كلهم. -طول عمرك وأنت ناكر للجميل وقلة الأصل مش جديدة عليك،... قالتها لتتابع وهي تذكره بماضيه وفقره: -لولا أبويا الحاج ناصف كان زمانك حتة موظف كحيان في الحكومة وبتقبض ملاليم بالعافية تأكلك عيش حاف، أبويا اللي عمل منك بني آدم ودخلك لعبة الآثار، وقف جنبك لحد ما بقيت من أكبر تجار الآثار في كفر الشيخ كلها.

لتسترسل وهي ترمقه مشمئزة: -وأدي آخرتها، بتنكر فضل أبويا وعيلتي عليك. ظل يتبادلان الاتهامات وذكر صفات كل منهما القبيحة وينعتان بعضيهما البعض بأقذر وأبشع الاتهامات على مرأى ومسمع من نجليهما وأهل المنزل الذين يتنصتون لتلك الحرب الكلامية الشرسة. *******

بعد ساعتين، فاق الصغير تبعه الزوجان السعيدان ليستند فؤاد بظهره للخلف فوق التخت بعدما أشعل الضوء بجهاز التحكم عن بعد، تطلع بألم استوطن قلبه حين رأى الكدمات قد ظهرت أكثر على وجه خليلة الروح، جلب الصغير وثبته فوق ساقيه وبدأ بدغدغته تحت قهقهاته وسعادة إيثار التي لا يضاهيها سعادة بعدما استكانت روحها واطمأنت على مستقبل صغيرها الغالي، أشارت بسبابتها لتسأله باستفسار مدلل بعدما لمحت باقة الزهور وعلبة الشوكولاتة:

-مين جايب الورد والشوكولا دول؟ -حبيبك... قالها بغمزة من عينيه جعلت روحها تحوم كفراشة ليتابع قاصدًا الصغير: -وفيه كمان ألعاب حلوة قوي موجودة على الأرض علشان جو باشا. اتسعت عيني الصغير بسعادة ليسأله مستفسرًا وهو يشير بسبابته قاصدًا حاله: -علشاني أنا؟! أومأ له بالإيجاب ليقول بصوت حماسي: -يلا قوم علشان نفتحهم مع بعض.

رفعه في الهواء تحت انطلاق ضحكاته لينزلا من التخت على الأرض ليفترشاها وهما يفتحان صناديق الألعاب بحماس، صرخ الصغير بسعادة وهو يرى لعبة البلاي ستيشن 5، أحدث نسخة نزلت إلى الأسواق وكان الصغير قد استمع عنها من أصدقائه بالمدرسة وتمنى رؤياها واللعب بها: -دي النسخة الجديدة من البلاي ستيشن. التفت إليه ليسأله بعينين متمنيتين: -دي بتاعتي؟! -آه يا حبيبي بتاعتك... هكذا أجابه بهدوء لينطق الصغير بعينين مترجية:

-عمو، أقدر ألعب بيه وقت ما أحب؟! تعجب فؤاد سؤال الصبي ونظراته المترجية ليجيبه على الفور: -طبعًا يا حبيبي، كل الألعاب بتاعتك وقت ما تحب تلعب بيهم العب.

صفق الصغير بسعادة هائلة تحت صرخات قلب إيثار المتألمة من تأذي نفسية صغيرها وتأثره بنظام التشويق وقانون الإخضاع النفسي الذين اتبعوه وقاموا بممارسته عدماء الشرف على ذاك الملاك كي يجعلوه يضغط على والدته لعودتها مرغمة لأبيه ليحصل على كل ما يريد من ألعابه المحببة والعيش داخل حياة الترف الذي يتمناها صغير مثله، مع كل لعبة يقوم فؤاد بفتحها يصيح الصغير مصفقًا بسعادة تدخل على قلب فؤاد تنعشه.

تركه يلهو بألعابه وتحرك ليجاور حبيبته فوق التخت، وضعت كفها تتلمس به ذقنه لتنطق بحنان فائض: -أنا بحبك قوي. -وأنا بعشقك... قالها ليلتفت جانبًا ويجذب أنبوب المرهم الخاص بتخفيف آثار الكدمات ليقوم بفتحه والضغط عليه لسكب البعض منه على أصابعه ليعتدل قبالتها وهو يقول: -تعالي يا بابا أحط لك الكريم. لم تعد الدنيا تسع سعادتها، ماذا ستحتاج أكثر من زوج حنون يخاف الله ويرعاها هي وصغيرها، بدأ بتدليك المرهم برفق لينطق ساخرًا

على حاله: -الكدمات شكلها صعب، كده الليلة انضربت. ابتسمت ليتابع متهكمًا: -قال وأنا اللي جايب ورد وشوكولاتة وطول الطريق بفكر في الغنوة اللي هترقصي لي عليها بالخلخال وبدلة الرقص البينك اللي لسه ما جربناهاش. قهقهت بصوت مرتفع ليسترسل وهو يرمقها بنظرات مغتاظة: -بتضحكي، ماشي يا إيثار. نطقت بنظرات تشع حنانًا: -أيامنا الحلوة لسه هتبدأ يا حبيبي، وعد علي لأخليك أسعد راجل في الدنيا كلها. -أعتبر ده وعد؟ ...

قالها بابتسامة لتهز رأسها بتأكيد وهو يتابع وضع الدهان ليسترسل بإبانة: -لكِ عندي مفاجأة حلوة. هتفت بعينين تقطران سعادة: -أكثر من كده مفاجآت؟ تنفس بهدوء قبل أن يخبرها: -أخذت إجازة أسبوع بحاله، جهزي نفسك بعد بكرة، هنسافر جزر المالديف وهعيشك أحلى Honeymoon في الدنيا كلها، أحلى دلع لحبيبة حبيبها الغالية. كادت أن تبكي من شدة سعادتها ليقطع تواصلهما هاتف الغرفة ليجيب وبعدما أغلق الهاتف قال لها:

-يلا يا حبيبي ننزل علشان نتعشى ونقعد شوية في الجنينة. أومأت له بسعادة ليساعدها على تغيير ثيابها ويصطحبها هي والصغير إلى الأسفل لتجد الجميع بانتظارها، شملوها باهتمامهم البالغ لتشعر ولأول مرة أنها تمتلك عائلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى شامل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...