دخل أدهم قاعة المحاضرات وفتح باب مكتبه. كان كل ما يشغل تفكيره هو أنه يحتاج لقضاء آخر النهار مع آية. كان يسأل نفسه عن سبب النوبة التي أتتها، ولماذا لا تريد أن تحكي له عنها. قرر أن يجرب سؤالها مرة أخرى. بطبعه، كان فضوليًا دائمًا ويحب حل الألغاز، وآية بالنسبة له كانت أكبر لغز يريد حله.
سمع صوت باب القاعة يُغلق وهو في مكتبه. عرف أنها قد وصلت. لمحها وهي تذهب إلى مكتبها. رن موبايلها برسالة. نظرت إليه وابتسمت وردت على الرسالة. خرج أدهم من مكتبه واتجه نحوها. أدهم بابتسامة: "لو في حاجة بتضحك، ضحكيني معاكي؟ آية وقفت بجانب مكتبها وهي تنظر إلى هاتفها مبتسمة. رفعت رأسها لأدهم وهي ما تزال مبتسمة. آية:
"دي أروى، مصممة إني لازم أروح لها يوم عيد ميلادها وأبات معاها. دي حتى أخذت قرارها من نفسها، ما استنتش رأيي. وقالت لي كمان إنها هتشوف لي شوية لبس عندها أخده ليا يعني." أدهم باستفسار: "هو عيد ميلادها إمتى؟ آية: "بعد حوالي كام أسبوع من دلوقتي تقريبًا. بس مش عارفة أبات فعلاً معاها ولا لأ، مش برتاح هناك. استنى كده." آية نظرت إلى هاتفها مرة أخرى وضحكت. آية بقهقهة: "اسمع دي، بتقول إنها جايبالي عريس لُقطة ما يترفضش."
قلب أدهم انقبض من مجرد فكرة أن يأتي لها عريس وتضيع منه. للحظة، كان متأكدًا أن العريس هو يحيى. فاق من تفكيره على صوت آية. آية: "عن إذنك، هروح أمسح السبورة." حست آية بأدهم وهو يتحرك نحوها وهي تمسح السبورة ووقف بجانبها. أدهم: "قوليلي يلا." حاولت تمالك نفسها من الضحك، وصممت ألا تقول له، لكن لم يكن بإمكانها الكذب عليه. آية بابتسامة: "في حاجات ماينفعش تتحكى، صح ولا إيه؟ أدهم ابتسم لها ودخل مكتبه.
باقي اليوم مر بشكل طبيعي. آية اشتغلت على عدة أشياء كان أدهم قد قال لها عليها، وأدهم كان يعطي محاضراته. عندما كان يكون فاضيًا، كان "يرخم" عليها في موضوع نوبة الفزع. في نهاية اليوم... كان أدهم يقفل باب مكتبه ويتجه نحو آية. أدهم: "جاهزة؟ آية وهي تنظر إلى هاتفها وتبعت رسالة لأروى: "أيوه، خلاص خلصت." أدهم: "تمام، يلا بينا." خرج أدهم وآية من الكلية وفضلوا ماشيين حتى وصلوا إلى الرصيف ناحية المتوسيكل الخاص به. أدهم
بهزار وهو يعطيها الخوذة: "تعرفي أنا عمري ما هفهم البنات دول أبداً. نفسي أعرف أنتم بترغوا في إيه، أنا اللي أعرفه إن إحنا كرجالة آخرنا كلمتين لما بنتكلم مع بعض، ده لو اتكلمنا حتى." أدهم لبس الجاكت الخاص به ولبس خوذة أخرى كانت موجودة على الموتوسيكل. آية كانت واقفة مستغربة. أدهم باستفسار: "مالك ساكتة ليه؟ آية بتعجب: "المرة دي خوذتين؟! أدهم بهمهمة: "المرة دي عامل حسابك، فجبت معايا واحدة زيادة." آية بامتنان:
"شكرًا يا أدهم." أدهم بابتسامة: "العفو." ركبا الموتوسيكل، وكالعادة، آية كانت متمسكة به وتحاول أن تحافظ على مسافتها منه. أخيراً وصلوا إلى البيت. انتظروا حتى توقف الموتوسيكل. تركت أدهم ونزلت، وخلعت الخوذة ووضعتها على الموتوسيكل بعد أن نزل أدهم هو الآخر وخلع الجاكت ووضعه هو والخوذة الخاصة به على الموتوسيكل أيضاً. ظل في مكانه.
دخلت البيت وجهزت كل شيء لبدء الزراعة. خرجت بهم وطلبت من أدهم أن يحفر في أماكن معينة. وبالفعل نفذ كلامها، لكنه قبل ذلك خلع قميصه كي لا يتسخ من التراب. كانت واقفة مذهولة من جسمه المليء بالعضلات، لكنها تحرجت وحاولت ألا تركز، وبدأت الزراعة. أدهم كان يتابعها ويتفرج عليها ويسمع شرحها، وبدأ يساعدها. فضلوا يعملون في صمت قبل أن يقاطع هذا الصمت صوت أدهم. أدهم باستفسار: "احكيلي بقى يا آية، أنا معرفش حاجة عنك." آية:
"بالعكس، إنت تعرف عني حاجات كتير مافيش حد غيرك يعرفها يا أدهم. وأنا من عادتي إني ما بحكيش حاجة عني لأي حد، بس مستغربة نفسي، أنا إزاي صريحة معاك كده." أدهم بغرور: "عشان أنا مش أي حد." آية: "دمك خفيف على فكرة." أدهم: "بس إنتِ ما قلتليش برده... آية لفت لأدهم بضيق: "مش هقولك." أدهم بضحك:
"اهدأ، اهدأ. أنا ما قصدتش على النوبة. إنتِ وضحتِ وقلتِ إنك مش هتحكي خلاص. أنا اللي أقصدة إنك ما قلتليش إنتي رأيك إيه فيا قبل ما الطلبة يدخلوا القاعة يومها." آية: "آه، آسفة. اعذرني." أدهم: "ولا يهمك. يلا قولي." آية لفت وكملت زراعة. آية: "يعني شايفة إنك شخص محترم وكويس وجدع يعني، وتستحق إني أثق فيك. وبعدين إنت أقرب حد ليا، مش برتاح في الكلام غير معاك." آية بصت له بطرف عينها، وجدته يبتسم لها وينتظرها أن تكمل كلامها.
آية: "وإني حاسة إني في أمان وأنا معاك. بس أكيد يعني كل ده عشان إحنا أصحاب وبنشتغل مع بعض، ولا إيه؟ أدهم ابتسم وينتظرها أن تكمل. آية: "يعني في حاجات كتير حاسة بيها أو شايفاها فيك، حاجات مش عارفة أشرحها، متلخبطة، صدقني." أدهم: "زي إيه؟ آية بصت لأدهم بإحراج ووشها احمر. أدهم بابتسامة وهو يلاحظ إحراجها: "صدقيني، مش هفهمك غلط." آية: "زي ما أنا قلت لك حاجات كتير، زي مثلاً... مش عارفة، حاسة إن في حاجة بتشدني ناحيتك...
آية بصت في الأرض ووشها احمر أكتر. آية بتوتر: "حاسة إني محتاجاك في حياتي. بص، أنا محتارة... *سكتت شوية وبعدها اتكلمت* "بقولك إيه، أنا هروح أجيب مياه عشان أسقي البذور دي."
أحتاجت أن تهرب منه. دخلت البيت بسرعة من غير ما تسمع رده. راحت عند الحوض وغسلت وشها بمياه باردة لتهدأ، وأخذت نفسًا عميقًا لأن دقات قلبها كانت تزيد بجنون وهي تتكلم معه. بدأت تملأ الجركن. بصت لأدهم من داخل البيت، كان يزرع آخر كمية من البذور. بعدها انتهى ورجع للخلف. خرجت من البيت وفي يدها الجركن. أدهم أخذه منها وبدأ يسقي البذور. أدهم بانشغال: "كنتِ قلتي لي بقى إن كان في حد بيضرب نار في أول يوم ليكي هنا، صح؟ آية: "أكيد."
أدهم: "حسيتي إزاي بقى إنه مش هيأذيكي؟ يعني إيه اللي خلاكي واثقة من كده؟ آية ارتاحت لأنه غير الموضوع وما حبش يحرجها أكتر من كده. آية: "مش عارفة، أكيد لو فعلاً حب يأذيني كان أذاني، ولا إيه؟ وبعدين إمبارح كان في حاجة غريبة، مع إني حاسة إنهم نفس الشخص." أدهم باستغراب: "إمبارح؟ إزاي مش فاهم؟ آية أشارت لأدهم أن ييجي وراها جوه البيت عشان يشربوا. آية:
"يعني تقريبًا نفس الشخص بتاع أول يوم ده جه هنا إمبارح، بس حاجة غريبة كده. أول يوم افتكرت إنه إنت.." أدهم شرق وهو يشرب وبدأ يكح. آية خبطت على ظهره تلقائيًا. شاور لها بإيده إنه سيكون بخير وبدأ يتكلم بصعوبة. أدهم: "افتكرتِ إنه أنا؟! آية: "مش عارفة الصراحة، بس افتكرت فعلاً إنه إنت. بس حسيت إني بتخيل، لإني إمبارح حاولت أتأكد، معرفتش أشوفه. بس أنا مش عارفة هو بييجي هنا ليه على طول، حقيقي مستغربة. إنت شايف إيه؟
أدهم لم يكن يتوقع أن آية ستراه، خاصة أنه لم يكن هناك رد فعل من ناحيتها في اليوم الذي تلا ضرب النار. حاول أن يتصرف طبيعيًا. أدهم: "هو أكيد مش أنا. ممكن يكون حد عايش قريب من المنطقة دي وبيمشي فيها على طول، بيحرسها مثلاً."
اقتنعت بكلام أدهم ورأت فيه تفسيرًا معقولًا لكل التساؤلات التي في بالها. شربت آخر رشفة من الكوباية التي في يدها ورجعوا للحديقة بتاعة البيت عشان يكملوا. وأثناء شغلهم، أدهم فضل يتكلم عن المحاضرة بتاعة النهاردة وقد إيه هو مبهور بمعلوماتها وفاهمة كل حاجة. فضلوا كده لحد ما وقت الغروب دخل عليهم. آية بامتنان وابتسامة: "شكرًا يا أدهم. أنا آسفة لو إنت حسيت بملل معايا." أدهم:
"ما تقوليش كده. أنا بالعكس استمتعت جداً بالوقت ده واتعلمت حاجات جديدة، وبعدين إنتِ بتشرحي حلو. إنتي هتكملي الباقي بكرة صح؟ آية: "أكيد." أدهم بغمزة: "خلاص، أنا هجيب الخوذة التانية تاني معايا لو إنتي حابة إني أجي أكمل معاكي." قلب آية دق كثيرًا من فكرة أنها ستركب وراه تاني على الموتوسيكل وستقضي معه اليوم كله مرة أخرى. آية: "هو أنت معندكش حاجة تانية تعملها غير إنك توسخ هدومك معايا هنا؟ أدهم بابتسامة: "في الحقيقة، لا."
راح ناحية الموتوسيكل ولبس قميصه والجاكت بتاعه، وبعد كده لف لآية. أدهم: "أنا حابب أعرف عنك أكتر وعندي فضول كبير إني أعرف أكتر عن تجارة والدك. أنا سافرت كتير ودورت ورا تجار الآثار بحكم شغلي والدراسات اللي بعملها، لكن إني أقرب من حدود والدك دي صعبة شوية. وحاجة حلوة إني أسمع منك عن كل حاجة إنتي تعرفيها. بس الأكيد، أو السبب الأساسي، هو إني بحب أقضي وقت كبير معاكي."
توترت بسبب ابتسامته لها لأنها كانت ساحرة. الاثنين كانوا يبصون في عيون بعض، وأدهم لم يحس بنفسه إلا وهو يمسك يدها جامد وتكلم بهيام: أدهم: "تصبحى على خير يا آيه. أشوفك بكرة." تحرك بالموتوسيكل بتاعه. وهي كانت واقفة مذهولة من الحركة دي وقلبها كان يدق جامد لحد ما هدت ودخلت البيت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!