استيقظت وألم رهيب يكاد يفتك برأسها. في البداية انزعجت من الضوء الشديد حتى اعتادته عيناها واستيقظت بشكل كامل. ميرا بتعب: أنا.. أنا فين؟ والدتها: أخيرا فوقتي يا حبيبتى، كنت هموت من القلق عليكِ. ميرا بصوت مبحوح: ه..و هو ايه اللي حصل؟ خالتها وهي تمسك بيدها: وأنتِ نازلة جري عربية خبطتك وجبناكِ هنا على المستشفى. ميرا بلهفة وقد تذكرت: بابا! بابا كويس؟ والدتها بحنان: هو كويس الحمد لله. ميرا بتلهف: طب هو فين؟
صمتت والدتها وتبادلت النظرات مع خالتها. ميرا بغصة: مش عايز يشوفني صح؟ معاه حق، أنا لو منه كنت تبرأت مني. والدتها بحزن: متقوليش كده وارتاحي دلوقتي. حاولت النهوض لم تستطع: هو أنا مش عارفة أقوم ليه ومس حاسة برجلي. خالتها: علشان العربية ضربتك جامد وأثرت عليكِ وده سبب شلل مؤقت. والدتها بسرعة: إن شاء الله هتقومي على رجليكِ قريب، متزعليش، ده ابتلاء من عند ربنا وإحنا مؤمنين وهنستحمل إن شاء الله.
دمعت عيناها: أنا أستاهل ده ولو ده عقابي في الدنيا، أنا موافقة بس ربنا يسامحني وبابا كمان يسامحني. وبدأت تبكي فاحتضنتها والدتها بحزن على حالها ونظرت لها خالتها بشفقة. مرت بعدها عدة أيام عليها في المستشفى ومع وجود والدها طوال الوقت، إلا أنه كلما يدخل ليراها وهي مستيقظة أبداً، ولكن والدتها تخبرها أنه دائماً يدخل بعد ما تنام ليطمئن عليها. حاصرها الشعور بالندم، ولكن لم تتمكن أبداً من الاجتماع بوالدها للاعتذار له.
في يوم طرق الباب ليدخل منه الشاب الذي دافع عنها. بإرتباك مدت يدها لتتأكد من وجود حجابها مكانه. الشاب: السلام عليكم، حمداً لله على السلامة يا آنسة ميرا. ولكن قبل أن ترد تكلم أسر: ممكن أعرف حضرتك مين؟ الشاب: أنا أمجد، دكتور آنسة ميرا في الجامعة، فلما عرفت ياللي حصل جيت أطمن عليها وأطمنها أنه مش هيفوتها أي حاجة. والدتها: ربنا يبارك لك يا بني، اتفضل اقعد. كانت ميرا تحدق به بذهول، كيف كذب بسهولة ولماذا أتى أصلاً!
تحدق قليلاً مع والدتها وخالتها وأسر قبل أن يستأذن للذهاب. أمجد بتهذيب: المهم حمداً لله على سلامتك ومتشليش هم المحاضرات ولا أي حاجة هتفوتك. بعد ذهابه وجدت ثلاثة أزواج من العيون تحدق بها بخبث. ميرا بخوف: إيه مالكم بتبصولي كده ليه؟ أسر بمكر: ولا حاجة، بس مقولتيش عن الدكتور ده يعني؟ ميرا بضجر: وأنا أحكي عنه ليه أصلاً، كان من بقية العيلة وأنا عايزة أنام. اليوم التالي كان في انتظارها مفاجأة. ميرا بدهشة: ملك! أنتِ هنا؟
ملك بهدوء: مقدرتش أعرف أنه أنتِ تعبانة ومجيش. ميرا بدموع: كتر خيرك، ملك أنا بجد آسفة أوي، سامحيني والله كنت معمية. ملك بإبتسامة: قصدك أسامحك أنه بكل برود بعدتي يعني ونهيتي صداقة استمرت سنين، وقبلها فضلتِ تعايريني بشغل بابايا وأنه مستوايا أقل منك سيكا؟ ميرا بندم وبكاء: أنا آسفة والله. ملك: أنا سامحتك خلاص، بس كان نفسي تفوقي وتعرفي غلطك قبل ما يفوت الأوان. ميرا: وحشتيني أوي يا ملك، بالله عليكِ سامحيني وارجعي.
دمعت عينا ملك، ثم ذهبت إليها وعانقتها واجهشتا بالبكاء معاً. ملك: و..وأنتِ كمان وحشتيني أوي، هونت عليكِ؟ ميرا بصوت متقطع: متزعليش مني. بعد قليل ابتعدا وكل منهما تمسح دموعها. ملك بإبتسامة: أقولك حاجة حلوة؟ هزت رأسها إيجابياً. ملك بخجل: أسر اتقدم لي. ميرا بفرح: بجد! ده أحلى خبر أسمعه، مبارك يا حبيبتي، ربنا يتمم بخير. وعانقتها مجدداً.
عادت إلى بيتها وقد تحسنت حالتها قليلاً وأغلب أمورها، ولكن تبقى العائق الأكبر هو والدها الذي لم يحادثها وكان يتجاهل وجودها طوال الوقت. في يوم سألت والدتها صراحة عن مكان عمل والدها، فأعطتها العنوان لتذهب. وقفت وهى تشاهد والدها يعمل بجد تحت الشمس الحارقة. وقفت أمامه: بابا. رفع نظره إليها ثم اخفضه مجدداً وهو يكمل عمله وينظف الأرض.
ميرا بدموع: سامحني يا بابا، أنا كنت بنت طايشة ومش فاهمة حاجة ولا عارفة قيمتكم، مش عارفة أقولك إيه بس أنا آسفة. نظر لها والدها بدموع وحسرة: تفتكري كان إيه إحساسي لما بنتي حبيبتي اللي عمري ما رفضت لها طلب وتعبت السنين دي كلها عشان راحتها تيجي تقولي بمنتهى القسوة أني مشرفاهاش؟ بكت بندم: حقك عليا والله، حقك عليا.
ثم ذهبت له وهي تقبل يدها، ولكنه سحبها وهو يربت على خدها، فحَضنتها بشدة وهي تبكي في حضنه وقد سقطت دموعه وهو يبادلها العناق. نظرت إلى والدها بإبتسامة واستدارت لتجد أمجد يحدق بها بإبتسامة. ميرا بإرتباك: حضرتك بتعمل إيه هنا وعرفت أني هنا إزاي؟ والدها: إزيك يا دكتور أمجد، أنا شوفتك لما جيت المستشفى لميرا. حيا والدها بهدوء ثم نظر لميرا.
أمجد بهدوء: مش مهم عرفت إزاي وفين، المهم أنا مبسوط أوي أنك اتغيرتي، دلوقتي أقدر أقولك وأنا مطمن، تقبلي تتجوزيني؟ ميرا بصدمة وقد بدأ قلبها يدق بقوة: نعم؟ إزاي؟ أمجد بضحك: إزاي إيه؟ بقولك نتجوز، موافقة؟ ميرا بجدية: حضرتك عارف أنه والدي عامل نظافة؟
أمجد: لما نتخطب هبقى آخدك أوريكي المكان اللي عشت فيه زمان، أنا بابا كان بيشتغل في شركة بيقدم القهوة والشاي قبل ما أوصل للي وصلته ده، الشغل مش عيب طالما فلوسه حلال والإنسان بيسعد، دايماً لازم تفتكري بنفسك وأصلك وباباكي. ميرا بخجل: طب بابا عند حضرتك اه، تقدر تكلمه. والدها بمزاح: يعني موافقة يا ميرا؟
ابتسمت بخجل وهي تخبئ وجهها في كتف والدها، وأمجد يبتسم بسعادة وبدأ يتفق مع والدها على تحديد معاد لمقابلة الأهل ومناقشة أمر الخطوبة. بعد فترة تمت خطبتهما، وأيضاً ملك وأسر، وقد سمعت أن ماجد ترك نيرة بعد أن تم القبض على والدها بتهمة الاختلاس، وهذا ما كان يقصده أمجد عندما تكلم، لأنه في ذلك الوقت كان هناك إشاعات وهو يعرف والدها جيداً، لم تحزن ولم تفرح، بل حمدت الله لأنها أفاقت في الوقت المناسب ولم تنجرف وراء أولئك الأشخاص.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!