كان سايق العربية عمال يغني بفرحة وحماس، وكأني ببادله نفس شعور الفرحة ده. كان بيتحرك بالعربية يمين وشمال بجنون وحماس غريب. باين الفرحة أوي على ملامحه، مفيش ذرة حزن أو حتى اعتذار عن خيانته ليا. مش فاهمة إزاي قادر يتخطى الموقف وكأنه مفيش حاجة حصلت! وكأني مشوفتهوش في بيت صاحبتي وفي أوضتها.
إزاي قادر يتخطى الموقف بالسهولة دي، إلا لو كان مجنون أو فاقد الذاكرة، أو عنده انفصام مثلاً وبيظهر بشخصيتين، شخصيته الحقيقية وشخصية مؤيد أخوه التوأم. ده كان أقرب احتمال لعقلي وأنا ببص لملامحه اللي سكنت نهائياً وهو سايق العربية، بيبص قدامه بملامح خالية من أي تعبير. اتنهدت وأنا بحاول أخرج صوتي طبيعي ومبينش إني خايفة. "محمد لو سمحت وقف العربية وخلينا نتفاهم." ضحك ضحكة كلها سخرية وهو بيقولي بتهكم.
"وإنتي أبوكي خلي فيها تفاهم؟ انسي يا عائشة، انسي إني أسيبك. مش بعد كل اللي مرينا بيه أسيبك. مش أنا اللي أسيب حاجة تخصني." وبعدها لف وهو بيبص في عيوني بقوة. "وخاصة لو الحاجة دي تعبت عشان أوصلها زييك." قال جملته ولف كمل سواقة. ميعرفش نظرته عملت فيا إيه؟! خلت كل ذرة فيا تتنفض، خلت قلبي يصرخ في عقلي ويقوله: انسى كل اللي حصل، كلنا بشر وبنغلط. الدموع لمعت في عيني وأنا بفتكر كل حاجة مرينا بيها عشان نكون سوا.
بفتكر دموعي اللي مكانتش بتجف يومياً وأنا بدعي بابا يوافق على محمد. بفتكر رفض بابا ليه لأكثر من خمس مرات بحجة إني لسه بتعلم. كنت عارفة إنه رافض جوازي من محمد عشان هو في نظره مش مناسب، معندوش مستقبل، لسه مش بيشتغل، مفيش عنده شقة كويسة، ولا عنده أي حاجة. أب ومن حقه يخاف على بنته ومستقبلها. مكنتش قادرة ألوم بابا، ولو إن حبه ليا ورفضه لمحمد دمرني آذاني بكل المقاييس.
لكن في النهاية هو أب، وفي النهاية عايز بنته تعيش في مستوى أحسن، مش حاببني أعيش المعاناة اللي عاشها هو وماما بسبب قلة الفلوس. افتكر قد إيه كنت بشتاق لمحمد. افتكر مرة كلمته وبابا عرف، وقتها سحب مني التليفون وحبسني أكتر من أسبوع في البيت. قد إيه عيشت أيام كلها تعب ووجع، أيام بدعي فيها ربنا يريح قلبي. اشتياقي كان بيزيد يوم عن التاني، وخاصة بعد ما اختفى ومبقاش يحاول مرة تانية.
عرفت وقتها إنه استسلم للأمر الواقع، عرفت إنه اتخلى عني. مكنتش قادرة أزعل منه أو ألوم عليه، لأنه حاول بكل طاقته فعلاً، بس بابا هو اللي كان رافض ده، مش ذنبه. مفيش شخص يقبل على كرامته إنه يترفض من حد مرة واحدة، ما بال خمس مرات اترفض فيهم، طبيعي يبطل محاولات، طبيعي يدوس على قلبه عشان يحافظ على الباقي من كرامته! وفي يوم كنت قاعدة في أوضتي مكتئبة شارده كالعادة، بفتكره وبفتكر ملامحه، لحد ما دخلت ماما عليا.
"انتي لسه صاحية يا عائشة." رفعت راسي من على المكتب بتاعي وأنا ببصلها بتعب. "أيوه يا ماما، في حاجة." قربت مني وشدتني من إيدي برفق، وهي بتروح ناحية السرير وبتقعد على طرفه، وبتقعدني قدامها وسط ذهولي. "في إيه يا ماما." لقيتها ابتسمت ودموع الفرحة بتلمع في عينيها. "متقدملك عريس." ضربات قلبي زادت وأنا ببصلها وبقول بصوت بيترعش. "ع عريس." هزت راسها وهي على وشها نفس الابتسامة. "جاي بكرة هو وأهله."
حاولت أكتم دموعي وأنا بهز راسي بهدوء واستسلام. "ماشي." بصيتلي وهي بتسألني بمكر. "مش هتسألي مين هو العريس؟! بصيتلها بجمود. "مش فارقة، كله محصل بعضه." "حتى لو قولتلك إنه محمد حبيبك." عيوني لمعت وأنا ببصلها بلهفة، وشي رجعت فيه النضارة بعد ما كان مطفي ودبلان، وأنا بقول بنبرة كلها دموع. "م محمد." مسكت إيدي وهي بتهز راسها.
"دلوقتي بس اتأكدت إني هسيبك مع شخص بيحبك. محمد في المرة الأخيرة عطى وعد لوالدك إنه يشتغل ويبذل جهده عشان تكوني ليه. قاله في خلال خمس شهور هجيب شقة وهكون في وظيفة كويسة عشان هو بيحبك. قاله هعمل كل حاجة عشان عائشة تكون ليا." "باباكي مكانش مقتنع، بس أنا اللي أقنعته وقولتله إنه بيحبك، وإن لو مكانش بيحبك مكانش ضحى بكرامته بالشكل ده، لحد ما وافق. وامبارح محمد وفى بعهده لينا، وجه اتقدم وهو معاه شقته وشغال في شركة كبيرة."
عيطت وضحكت وقومت أنطط، كنت بعمل حاجات كتير أوي عكس بعض، مكنتش قادرة أستوعب اللي حصل، مكنتش قادرة أستوعب إن بعد خمس شهور بدعي فيهم نكون سوا، دعائي يتحقق. فقت من ذكرياتي على صوته وهو بيقول بصوت هادي. "وصلنا." كان ركن عربيته ولف جسمه يبصلي بنظراته اللي كلها حب كالعادة، اللي مهما مرت الأيام أو الشهور مش بتختلف، بل بالعكس بحسها بتزيد عشق. فاتت لحظة من الصمت واحنا بنبص لبعض بدون كلام، كان كل واحد بيتكلم بعينه.
أنا كنت بعاتبه وهو كان بيسألني بحيرة: ليه سبته؟ "ليه." نطقناها احنا الاتنين واحنا لسه بنبص لبعض. فبصيتله وأنا بسأله بسخرية. "هو انت اللي بتسأل؟ "بتسأل ليه خونتني ومع مين؟ مع صديقة عمري." غمضت عيني وأنا بمنع نفسي أقول لفظ مش كويس، ودموعي نزلت غصب عني. اخدت نفس طويل وأنا بفتحها مرة تانية وبقول بهدوء. "إذا سمحت يا محمد، كفاية أوي لحد كده. أنا مش هقدر أكمل معاك خلاص. اللي بينا انتهى، اتقفل بالضبة والمفتاح."
"لو سمحت خليني أنزل من العربية وأمشي." اتنهد وهو بيقولي بذهول. "أنا إزاي عملت كده." بصيتله باستغراب وأنا بمسح دموعي وبسأله. "عملت إيه؟! مسك راسه بإيديه وهو بيقول بذهول أكبر. "إزاي؟ إزاي اتجوزتها؟ أنا مين؟ أنا مش فاهم حاجة. أنا إيه اللي بيحصلي؟ بصيتله وأنا بتنفس بسرعة. "ا ا اتجوزت مين؟ بصلي وهو بيقول بشرود. "أماني. افتكرت إني اتجوزتها، بس مش عارف إمتى وإزاي!!!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!