التفتت لي وهي تنظر بهدوء. لكن لمن؟ أنا أعرفها أكثر من نفسها. زعلانة لكن لا تريد أن تظهر ذلك، أو لا تحب ذلك. لا أعرف، لكنني زودتها قليلاً. أحم، لا، قليلاً كثيراً بصراحة. تحدثت وأنا ما زلت واقفًا مكاني وهي تنظر إلي من مكانها. "قربي" توترت قليلاً، لكنها قربت. وطنط أم طه سابتنا ودخلت. جاءت عليّ حتى وقفت أمامي. نزلت بمستواي قليلاً لأنها قصيرة. رأسها عند صدري. تحدثت وأنا أبتسم ببرود لأفك تلك التكشيرة.
"أنتي قصيرة أوي يا مريم." ردت وهي ترد نفس الابتسامة من تحت نقابها ببرود: "أنا قصيرة عشان الورد مبيطولش." تحدثت بهيام وأنا أنظر في عينيها: "يحق لكِ يا وردتي والله." سكتت قليلاً ثم بكت وهي تضع يديها على وجهها حتى لا يخرج صوتها. سألتها وأنا لا أستوعب لماذا تبكي، كنا نتجادل قبل قليل. "فيه إيه يا مريم؟ بتبكي ليه؟ سكتت دقيقة ثم ردت بهمس وهي ترفع عينيها بألم: "كان نفسي بابا وماما يكونوا معايا النهاردة. أنا...
أنا حاسة إني لوحدي أوي." لم أنتظر أن تكمل كلامها، كنت قد خطفتها في حضني بعنف لتخرج حزنها فيه بدون أن يقاطعها أحد. تحدثت وأنا أربت عليها وأبوس رأسها بحنية: "خليني أنا أهلك. ده أنتي كل أهلي يا مريم، أنتي أمي وأختي وبنتي وصاحبتي وحبيبتي." خجلت فتحدثت وهي تفرك يديها بتوتر: "ك.. كنت بتنادي لي؟ مسكت يديها وأنا أبوس رأسها. "متزعليش." ردت وهي ترفع رأسها وتنظر إلي برجاء: "يعني أنت مش زعلان مني؟
"إني أراضيكي في اليوم ده بالذات حاجة، واللي بينا واللي عملتيه حاجة تانية خالص. وبلاش ندخل الاتنين في بعض." ردت مرة أخرى وهي تعبس وتعود لزعلها: "تمام يا يوسف." "مريم، أنا عايزك تنسي أي حاجة بينا النهاردة. أي زعل. وبعد كده هنكد عليكي تاني والله متقلقيش، بس افرحي النهاردة." "مم.. مانا مش هعرف أفرح وأنت زعلان مني. يوسف والله أنا آسفة أنا... قاطعتها وأنا أضغط على يديها بالراحة:
"مريم مش هنتكلم في ده دلوقتي. لا ده المكان ولا الوقت المناسبين. نبقى نتكلم بعدين، ماشي؟ "ماشي يا يوسف." "أنا هصلي العشاء وأجي آخدك، تمام؟ "تمام." تحدثت بهمس خافت في أذنها بعد أن قربت عليها: "ومتحطيش ميكب كتير، أنا بحب ملامحك." ردت بتوهان وهي تنظر إلي بتفاجيء من ردي: "ها؟ ضحكت على شكل عينيها المتفاجئة وأنا أرد: "ها إيه بس؟ يلا يا حبيبتي. ولو حصل حاجة كلميني." "أحم، تمام. خلي بالك من نفسك." "حاضر."
استنيتها حتى دخلت المحل واختفت من أمامي، وأنا أخذت الشباب لأروح المشوار اللي بقالي فترة بظبطه. وكان معنا أحمد بحكم أني كلمته عشان نتقابل. طبعًا المواصلات كانت بعيدة جدًا وصعبة. فيدوب خلصنا هناك وعمّا جينا كانت العشاء أذنت. صلينا ولبسنا وأخذنا العربيات عشان نروح لمريم. وصلنا وأنا نزلت عشان أجيبها. دخلت لقيتها مدية ظهري. وقفتها متوترة. طنط أم طه قربت عليا وهي تبارك لي، بس مين قال إني كنت مركز معاها أصلاً؟
مين قال إني مركز مع أي حد غيرها أصلاً. بدون ما أشوفها خطفتني. مجرد وقفتها خطفت روحي قبل قلبي. اتحركت ليها وأنا مسلوب الإرادة والانفاس ودقات القلب. خدتهم ليها لوحدها بدون أي رحمة منها. وصلت لحد ما بقيت وراها وهي مدية ظهري رافضة تبص لي. فضلت شوية خجلانة إني أبص لها لحد ما رحمت قلبي وبصت فعلاً. بس هو مين قال إنها بشر زينا؟
دي هاربة من حور العين. يا فرحة قلبي بيها وبروحها. يا فرحة قلبي إن الجمال ده كله متعانلي أنا بس. هعرف أكمل خصامي ليها إزاي بس وأنا شايفها قدامي بالشكل اللي يخطف الروح ده؟ جمالها مش مصطنع. عملت زي ما طلبت ومحطتش ميكب كتير، مع فستانها اللي اخترته ليها بنفسي بدون ما هي تشوفه. مين قال إن الفستان حلّاها؟
أقسم بربي هي اللي حلّته. هي اللي حلّت المكان كله. جميلة، جميلة زي نجمة بتلمع في السما، زي بدر رمضان، زي سما صافية بيحلق فيها عصافير جميلة، زي بحر إسكندرية وهو فاضي، زي شمس متوسطة السما لحظة الغروب، زي عينيها، زي روحها وملامحها. جميلة زي أجمل حاجة ممكن تشوفها عينك. قربت عليها وأنا بخطفها لحضني عشان تطمن دقات قلبي اللي مهديتش دقيقة من ساعة ما شفتها، عشان أطمن روحها إنها جمبي ومعايا.
"قل للمليحة في النقاب الأبيض، ماذا فعلت بناسك متعبد؟ ردت وهي خجلة وما زالت في حضني: "على فكرة هي قل للمليحة في الخمار الأسود." "أنا أغير الدنيا كلها عشانك، مش أغير قصيدة بس." دفنت وشها في صدري وهي تتكلم بهمس: "بحبك يا يوسف." "وأنا بحبك يا عيون يوسف."
سكتت بخجل وأنا نزلت نقابها بالبيشة عشان زينة عينيها وخرجنا. ركبتها في العربية وركبت جنبها وأحمد ساق بينا. وصلنا وأنا إيدي في إيدها مسبتهاش، ولا عايز. مش حابب حد يشوفها بجمالها ده، حتى لو كانوا بنات زيها. وصلنا البيت اللي لقيناه جاهز بأنواره اللي ملت المكان، غير مجلس الرجال اللي المفروض هقعد فيه. والبيت اللي متعلق عليه الأنوار واللي مريم هتقعد فيه. نزلت ونزلته. أول ما نزلت أعمامها قربوا عشان يسلموا عليها. لحد ما جه عمها منصور. أخدها في حضنه وهي تطبطب عليه. ومش هكذب لو قولت إني لمحت دموع اتكونت في عينيه.
اتكلم وهو يطبطب عليها: "مبارك يا بت الغالي، مبارك يا بنتي." ردت بهدوء وأنا حاسس إنه فعلاً الحواجز بينهم اتشالت شوية: "الله يبارك في حضرتك." سابها وسلم عليا أنا كمان وهو بيوصيني عليها. طمنته وبعدين أخدتها عشان أوديها لمكانها. روحت عشان أوصلها للمكان اللي هتبقى فيه. وقبل ما نتحرك مسكت إيديها بعنف وهي تسأل بهدوء مصطنع: "أنت رايح فين؟ "هوديكي المكان اللي هتقعدي فيه." "المكان اللي كله ستات؟
"أيوه أومال هتقعدي في مكان فيه رجالة يعني؟ "وأنت هتدخل كده؟ "أيوه يا مريم فيه إيه مالك؟ "شوف أنت رايح فين يا يوسف، أنا هعرف أوصل لوحدي." "لا إله إلا الله. ومدخلكيش ليه بس؟ "عشان كل اللي جوه بنات. أنت مش شايف نفسك عامل إزاي؟ "عامل إزاي بس يا مريم؟ إيه المشكلة مش فاهم؟ "المشكلة إنك حلو. حلو بزيادة، هي دي المشكلة." "طيب يا حبيبتي هوديكي وأرجع على طول والله."
قبل ما ترد عليا برفض برضه كانوا بيستعجلونا عشان ندخل. قبل ما أسيبها بعد ما وصلتها للمكان اللي هتبقى فيه مع الستات همست لها: "النقاب ميتخلعش." "بس إزاي؟ يعني عادي كلهم ستات." "النقاب ميتخلعش يا مريم." "طب إيه اللي خلاني أروح بقا مدام مش هفرح بال أنا عملته؟ "عشانك، أنا خليتك تروحي عشان أنتي عايزة تروحي. إنما أنا بحب ملامحك لوحدها أصلاً." "ي.. يعني أنا شكلي وحش دلوقتي؟ بست إيديها وراسها وأنا أرد
عليها ومازلنا نتكلم بهمس: "أنتي دقيقة عن دقيقة بتزيدي حلاوة، يبقى هتبقى وحشة إزاي بس؟ ده أنا مش عايزك تقلعي النقاب عشان محدش يشوف حلاكي." "تت.. تمام حاضر." "لو احتجتي حاجة ناديني." "حاضر." أنا كمريم، هحب يوسف أكتر من كده إيه؟
أنا يكفيني من حنيته إنه مرضاش يزعلني في يوم زي ده. يكفيني من قربه حضنه اللي خطفني فيه وقت الزعل. يكفيني منه ملامحه، عينيه اللي بتطمني وقت الخوف أو وقت الزعل. أنا يكفيني منه القليل والله، المهم يفضل جنبي بس. وأنا كمريم بقول إني رافضة أي حد يشوفه وهو بالكم الحلاوة دي. أنا عايزة أعرف الست الوالدة كانت بتتوحم فيه على إيه بجد والله. مش معقول يعني الجمدان ده؟
لأ والله زايد جمدان النهارده، أو لأ هو جامد على طول أصلاً. فضلت في الفرح مع البنات، مشغلين أغاني الدفوف وبيرقصوا عليها. وبما إن يوسف باشا أمر إنه النقاب ميتخلعش معرفتش آخد راحتي، خاصة بالفستان. الفستان اللي أول ما شفته اتخطف من جماله. تحفة فنية متجسدة قدامي، وجماله كان في بساطته، أو لأ جماله كان في إن يوسف هو اللي مختاره. ينفع أقول إني كل لحظة بحبه أكتر؟
حتى في زعله عمره ما قسا. عمره ما حسسني إني لوحدي. عمري ما فشل إنه يطمني. عمره ما قسا. بس بعده هو اللي قاسي، قاسي وبيوجع بس حنين. كفاية حضنه اللي خطفني فيه النهاردة مرتين. كفاية غيرته. كفاية إنه طمني من ناحية أعمامي. أعمامي اللي حسيت باللمة وسطهم هما وعيالهم. اللمة اللي حسيتها أول ما يوسف دخل حياتي بس لمة يوسف أحلى طبعاً يعني. يوسف، وآه من يوسف. مهما بحاول أنشغل بتفكيري عنه، بلاقيني راجعاله تاني. مش عارفة بمزاجي ولا غصب عني، بس برجع. ومفيش أحسن من ده رجوع. ومفيش أحسن من التفكير في يوسف وفي كل اللي يخصه. مش عارفة المفروض أشكر عمتي عشان بسببها اتجوزنا، ولا أزعل عشان اللي خلتني أشوفه بمجي هنا. بس وهو أنا شوفت إيه؟
م يوسف هنا، يعني هو اللي بيشيل كل حاجة في الآخر. هو اللي بيطمن ويطبطب ويهون. هو اللي بيحضن ويمسح الحزن. هو الروح والحياة والله. سبتها وخرجت عشان أروح مكان الرجالة. وحقيقي أفراح الصعيد دي أجمل حاجة ممكن الواحد يشوفها. كفاية إنها مش مختلطة ومفيهاش ميوزك. كفاية إنها مفيهاش ذنوب. المفروض عندهم إنه العريس بيرقص على الخيل. ودي طبعًا جت في لعبتي. وللحظ اللي زي القمر لقيتهم داخلين عليا بالحصان اللي كسر ضلعي. اتكلم
محمد وهو ينظر لي بخبث: "شوف بحبك إزاي، جبتلك حبيبك." "ي بني يخربيت كده، أنا عريس ي بني حرام عليك." "لا إله إلا الله. وأنا مالي يا لمبي." "ي شيخ حسبي الله. هات بس."
تقريبًا الحصان كان مترافق بحالتي وإني عريس، فمعملش حاجة وكان كيوت والله. نزلت بعد ما خلصت لقيت الشيخ محمد وعم كامل بيسلموا عليا، بعد ما بعت عربية تجيبهم عشان يبقوا معايا أنا ومريم في يوم زي ده. الفرح خلص وسط فرحتي أنا والشباب. وطلعت عشان أجيب مريم من مكانها. وصلت وخرجنا من البيت وسط استغرابها. متكلمتش وخرجنا ركبنا العربية وسط زهولها. بعد ما سلمنا على أعمامي وأهلهم وودعونا. ركبتها ورجعت سلمت على الشباب واتطمنت على الناس اللي تبعنا وبعدين ركبت جنبها. أحمد أخد عم كامل والشيخ محمد وأم طه يروحوهم في عربيته. ومحمد وحسن ركبوا في العربية قدام وأنا ومريم ركبنا ورا.
همست لي: "يوسف، إحنا رايحين فين؟ "هتعرفي متقلقيش."
سكتت. مسكت إيدها وسندت رأسها على كتفي وفضلت أتكلم مع الشباب طول الطريق، لحد ما وصلنا مكان كنا عايشين أنا وهي. نزلت عشان تتفاجيء بالأنوار اللي مالية الشارع. والعماره بتاعتنا. بس المفاجأة مكانتش هنا. قبل ما نطلع أنا وهي الشباب استأذنوا إنهم يروحوا يباتوا في أي فندق عشان مش هينفع يباتوا في شقتنا أو في شقة مريم. اديتهم مفتاح شقتي اللي كنت عايش فيها قبل كده وكذلك اللوكيشن عشان يفضلوا فيها وبعدين مشيوا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!