يجلس الثلاثة على منضدة تطل على البحر مباشرة. بدأ حازم بالحديث قائلاً بسعادة: "واخيرا اتجمعنا.. فكرتونى بأيام الشقاوة." رد عليه يزن بمزاح: "محسسنى أنك كبرت.. لا يا حبيبي لسه أيام الشقاوة مستمرة عندي." تذكر مالك أيام الجامعة وتجمعاتهم. رغم اختلاف كلياتهم، لكن دائماً كان هناك تواصل ومقابلات. لا يمر أسبوع دون الجلوس مع بعضهم في أحد الكافيهات. قال بابتسامة وحنين لذكراهم: "ورجعنا تاني بعد ما الدنيا فرقتنا عن بعض."
أجاب حازم عليه: "الدنيا تلاهي.. مهما اتمسكنا ببعضنا هييجي اليوم والدنيا تفرقنا وده قانون الحياة.. لكن رغم كدة الذكريات هي اللي بتهون علينا أي فراق." أجاب يزن بانزعاج: "لايق عليكم قوي جو الدراما.. الحياة ناخد وندي بشكل ودي." ضحك الاثنان عليه. هتف حازم بمرح: "هتفصل زي ما أنت مش هتتغير." تذكر شيئاً ما، حيث وجه حديثه لحازم: "متعرفش شركات للشحن.. لأن الشركة اللي بنتعامل معاها فصلت معاهم العقد وحصلت مشاكل." أجاب عليه:
"يعني تدور على حد غريب وسايب القريب." عقد حاجبيه بتعجب، بينما قال باستغراب: "قريب إزاي؟ أردف عليه بتوضيح: "يعني بدل ما تدور على شركة بره، شركتي موجودة.. انتوا ناسين إن بابا عنده شركة للاستيراد والتصدير." أجاب مالك بتساؤل: "وانت شغال معاه؟ نفى برأسه مجيباً قائلاً موضحاً: "بابا مبقاش قد الشغل ومشاكله.. فمسكت الإدارة مكانه وبقيت أنا اللي بديرها." أجاب يزن بنبرة هادئة:
"خلاص نتفق على معاد.. محامين يجهزوا العقود ونتفق على يوم للتوقيع.. أنت ريحتني بطريقة، موضوع عامل مشكلة كبيرة.. وفرتلي مجهود كبير." ابتسم قائلاً: "دايماً في الخدمة يا باشا."
قضى الثلاثة اليوم في تذكر الذي مضى وأيام الجامعة. ودائماً ما كانت الفتيات تلتف حولهم بسبب عيون يزن ومالك التي كانت تخطف الأنفاس، وحازم بسبب جسده الضخم المليء بالعضلات. كانت الفتيات تحجج بأي شيء للنظر لعين يزن الزرقاء، لكن مالك مهما طلبت الفتيات منه أي شيء لرؤيته، لكن دائماً كان قلبه هائماً بشخص آخر لا يرى سواه. *** **شركة الاستيراد والتصدير**
كان يترأس الاجتماع، يمسك بقلمه. وضع توقيعه على الأوراق وأخذها الآخر ووقع أيضاً. انتهوا من الأوراق والتوقيع اللازم. نهض المحامون ولم يتبق إلا الثلاثة. أردف حازم بابتسامة: "مبروك يا شباب." تمم مالك بمزاح: "مكنتش أتخيل إنك تكبر وتمسك شركة كبيرة." رفع حاجبه باستنكار: "ليه شايفني عيل صغير ولا إيه؟ أجاب باستفزاز له: "لا عيل في كي جي ون." أردف الآخر بهدوء: "بطلوا خناق زي العيال الصغيرة." سأله حازم قائلاً: "هتروح فين؟
رفع كتفيه ثم أردف: "يعني هروح فين.. هروح على البيت.. أجهز أكل أو أطلب دليفري.. وأدرس ملفات في المستشفى وأنام." رجع جسده للخلف بينما قال بتساؤل: "هتفضل كده كتير.. مش نفرح بيك ونجوزك؟ أجاب عليه بقله حيلة متعباً من كثرة الحديث في هذا الموضوع: "قوله عشان أنا تعبت معاه.. هيفضل قاعد لوحده لحد امتى." تأفف يزن بنفاذ صبر مجيباً: "خلصت من زنته.. عشان يجيلي زنك." قال حازم:
"بنتكلم بجد.. أنت لحد دلوقتي ولا ارتبطت.. ولا اتعرفت على بنات حتى.. يعني الحاجات اللي بتتعمل معملتهاش." أجابه بملاعبة: "ومعملتش انت كمان ليه؟ رفع حاجبه قائلاً: "بتقلب عليا ترابيزة يعني.. أنا غيرك وأختلف عنك.. أنا في أختي وبابا وماما.. يعني مش قاعد لوحدي عكسك.. بعدين لسه مجاش النصيب." أنهى هذا الحديث الذي يمقت منه متحدثاً: "اديك قولت لسه مجاش.. لما يجي نبقى نشوف." نهض حيث أقفل زرار بدلته. أخذ معه الهاتف بينما تحدث:
"همشي.. سلام." خرج يزن وأقفل الباب خلفه. زفر مالك بضيق: "مش عارف هيفضل كده لإمتى." أجاب عليه: "سيبه متضغطش عليه." رد عليه: "أنا عايز مصلحته." أردف موضحاً: "وهو كبير مش صغير.. وعارف مصلحته فين." نهض مالك بجسده قائلاً: "وأنا كمان أروح عشان اتغدى في البيت.. سلام يا زوما." أجاب حازم بابتسامة: "سلام." خرج الآخر، أما هو ظل شارداً في نقطة وهمية حتى نهض هو الآخر وصار خارج الشركة. *** **في الشقة**
فتح الباب ودخل بعد قفله. وضع المفاتيح على المنضدة الصغيرة. صعد على الدرج حتى وصل أمام غرفته. **في الغرفة** خلع الجاكت ورماه على الفراش، يليه القميص حتى ظل عاري الجذع. دخل غرفة الملابس واتجه ناحية الحمام ليزيل همومه وإرهاقه. بعد مدة، خرج مرتدياً بنطال قطني خفيف. وقف أمام المرآة حتى أمسك الفرشاة ومشط شعره للخلف بعدما جففه من المياه. خرج من الغرفة.
نزل من الدرج اتجه ناحية السماعات وأشغلها على موسيقاه المفضل. صار للمطبخ المفتوح على الصالة. وقف ليحضر طعاماً له. كان يقطع الخضراوات بسرعة ودقة. كان يذهب هنا وهناك حتى انتهى من إعداده. وبدأ في الطعام. خرج من المطبخ ومعه كوب من النسكافيه الساخن. جلس على الأريكة وبدأ في مراجعة الملفات. *** **يوم جديد بأحداث جديدة** **في القصر.. على السفرة** كان الجميع يتناول فطاره حتى أردفت بعدما ارتشفَت من العصير:
"اعزم يزن ييجي يتغدى معانا.. بقالي كتير مشوفناهوش.. كلمة ييجي وحشني." أومأ برأسه قائلاً: "حاضر هكلمه وأنا في العربية." التفت لها متمماً بابتسامة: "خلصتي؟ هزت رأسها بإيجاب. نهضت ومعها حقيبتها قالت: "سلام." تحدثت بابتسامة: "مع السلامة يا حبيبتي." خرج الاثنان، ركبا السيارة. أوصلها للجاليري وذهب متجهًا لشركته. *** **في الشركة**
كان يسير بينما الجميع يحييه باحترام. ركب المصعد وصل لطابقه. خرج منه وهو يسير بخطوات هادئة واثقة. فتح الباب وخلفه السكرتيرة. خلع جاكته وعلقه وجلس على المقعد. وضعت أمامه بعض الأوراق. وقفت أمامه ومعها الحاسوب. أردف بصوت رخيم: "جدول أعمال." تممت باحترام وصوت هادئ: "حضرتك ده ورق المناقصة الجديدة.. وفي اجتماع بعد ساعتين مع الموظفين عشان المناقصة.. وفي اجتماع بعده بساعتين لتوقيع العقد مع الشركة اللي هتتعامل معانا."
أجاب بجدية: "ماشي.. تقدري تمشي." خرجت بعدما أغلقت الباب. أمسك هاتفه بحث عنه حتى وضعه على أذنه. *** **في المستشفى.. في المكتب** كان هاتفه يرن. فتح الباب بعدما مر على جميع مرضاه واطمأن عليهم وعلى سير المستشفى وأدائها. كان مازال يرن. صار حتى أخذه من على المكتب. وضعه على أذنه هاتفا بابتسامة: "إيه مكالمة اللي على الصبح دي.. لو خطيبتك مش هتتصل دلوقتي." ضحك بصوت عالٍ على الناحية الأخرى واردف: "وانت تطول تكون مرتبط بيا."
هتف باستنكار مقلداً لسيدة كبيرة ساخطة: "على أي يا خويا.. واخده الأمل يعني." ضحك بشدة على تقليده. قال بعدما هدأ: "متشكرين يا رئيس.. بعدين عزمتك النهاردة على الغداء." ابتسم يزن قائلاً: "ليه دابحين على شرفي." حازم مجيباً: "ظريف أوي.. لا يا سيدي الهانم والباشا طالبين يشوفوك النهاردة." أجاب بصدق: "تصدق وحشوني.. خلاص هخلص وأعدي عليكم." أجاب عليه: "ماشي.. متتأخرش.. ويلا كفاية عليك كده.. سلام." قال يزن: "سلام."
أنهى معه المكالمة. فتح الباب بقوة كاد أن يلتفت ليرى من القادر على فعل هذا. حتى هتفت بصوت متقطع وأنفاس متسارعة دليل على ركضها الطويل. قالت: "الحقنا يا دكتور.. في شاب عمل حادثة كبيرة قوي ومحتاجينك في العمليات." هتف سريعاً: "طيب روحي.. وأنا جاي بسرعة." ترك هاتفه وجرى سريعاً ناحية العمليات لتلبية نداءهم. *** **عند الرابعة مساء**
وقفت سيارة في داخل القصر. نزل منها ومعه باقة كبيرة من الورود الزاهية ذات الرائحة المنعشة. وضع يده على الجرس حتى علا صوته في الأرجاء. تقدمت الخادمة حتى فتحت الباب. هتفت الخادمة باحترام: "مين حضرتك؟ تحدث بابتسامة لبقة وهدوء: "يزن الجبالي." أفسحت له المجال للدخول محدثة: "اتفضل." دخل يمسك بالبوكيه. أخذته منه الخادمة في نفس الوقت. كانت رهف تنزل على الدرج قابلته بابتسامة ساحرة. نزلت حتى وقفت أمامه ماددة يديها له: "إزيك؟
رفع يديه ووضعها في راحتها: "الحمد لله.. أنت عاملة إيه؟ أجاب بابتسامة بسيطة: "الحمد لله." سحبت يديها قائلة: "تعالى.. ماما مستنياك على نار." ابتسم بخفة حتى صار الاثنان للصالون، حيث وجد أن الجميع جالس. وقفت وعلى وجهها ابتسامة متسعة. أمسك يديها وقبلها برقة شديدة متحدثاً: "أنا قولتلك نتجوز.. وسيبك منه." احتضنها بحنان بالغ. دائماً ما كانت تعامله كما تعامل حازم وأكثر. قالت باشتياق: "وحشتيني قوي.. كل دي غيبة علينا."
تنهد تنهيدة طويلة قائلاً بابتسامة: "حصل كتير قوي." هتف بغيرة: "هتفضل كتير في حضنها.. مش بتوزع أحضان." خرج من حضنها ضاحكاً بشدة. وضع يديه على ذراعها يضمها له: "أنا وهي أحرار.. بعدين دي خطيبتي." أمسك الخدية التي بجانبه. وحدفها حتى أطاحتها. ضحك الجميع على غيرته. حتى ذهب واحتضنه رغم مناغشتهم الكثيرة، ولكن يعزه كوالده تماماً. دائماً ما يفتقدهم ويفقد حنانهم. قال حازم متأثراً:
"أنا بقيت شاكك فيك.. شوية تحضن في ماما وشوية في بابا.. أنت مش مظبوط." ضحكت رهف بشدة. ابتعد عنه حتى ضم قبضته: "تحب أوريك مش مظبوط إزاي." ابتعد بخوف مصطنع: "وعلى أي.. الطيب أحسن." جلس الجميع. هتفت بحنان: "كل دي غيبة علينا." أرجع شعره للخلف متمماً بلباقة:
"حصل معايا كتير وكل الأحداث جت وراء بعضها.. بعد ما جاتلي المنحة وسافرت برة.. عملت ماجستير ودكتوراه واشتغلت في مستشفى في لندن.. وحمد لله كان اسمي معروف.. وكنت من الدكاترة المشهورة فيها.. بس قررت إني مأسيبش بابا أكتر من كده.. وأنزل وكفاية قعدته لوحده.. قدمت استقالتي.. نزلت هنا وفتحت مستشفى خاصة بيا.. لكن بعديها بسنة.. بابا اتوفى.. وكان مالك الوحيد اللي جنبي.. لحد لما وقفت تاني على رجلي.. مسكت الشركة الأدوية ومالك أصلاً كان شغال مع بابا.. وبقيت يومي مقسم نص في المستشفى ونص في الشركة.. ولو ساعات مروحتش مالك بيسد مكاني.. حاولت أدور على حازم بس من مشاكل ومشاغل الدنيا اتوشوشت."
ربت على ظهره بحنان. بينما أمسكت بيدها الأخرى يده. تمتمت بحنان بالغ: "أنت ابني زي حازم وأكتر.. في أي وقت إحنا موجودين." ابتسم لحنانها قائلاً: "عارف." كانت رهف متأثرة بما سمعت منه حتى تجمعت الدموع في عينيها. التفت حازم حتى رآها. شهق باصطناع: "منك لله خليت البنت تعيط." نظر الجميع لها حتى مسحت الدموع المتجمعة بكف يديها وحاولت رسم ابتسامة مجيبة: "لا مفيش.. اتأثرت بس." نظر له نظرة وهي تزيل دموعها نظرة غير مألوفة.
بينما أردف حازم: "دي بتتأثر بسرعة." هتف بدراما: "يا ختااااااي دي مبدللاني." ضربته على ذراعه بقبضتها بشدة. ولكن لم تؤثر فيه. هتفت بغيظ: "محدش طلب رأيك. بعدين دي حاجة طارت في عيني." هز رأسه مجيباً: "أيوه صح.. أنا عارف." هتف بعتاب لهم: "خلاص بقى يا ولاد." أتت خادمة هتف باحترام: "الغداء جاهز يا فندم." أجاب سليمان بعدما نهض: "طب يلا." **على السفرة**
جلس على مقدمة السفرة على يمينه زوجته وابنته وعلى يساره حازم ويزن. وشرعوا في تناول الطعام. قضى اليوم معهم كاملاً بين مزاح الثلاثة. بعض الذكريات عن الماضي. وارتاحت رهف ليزن وظلت تمازحه حتى نهض يزن ورحل. وصعد كل واحد منهم لغرفته. *** **يوم الجمعة**
كان نائماً على بطنه وشعره المتناثر على وجهه. فتح عينيه وأغمضها مرة أخرى. دقائق حتى مد يديه وهو يعبث عن هاتفه على الكومدينو. عثر عليه وأخذه. نظر على الساعة ووضعه مرة أخرى. تقلب على ظهره. نهض وسند على ظهر الفراش. ظل مغمض عينيه بعض الوقت حتى نهض من الفراش واتجه ناحية الحمام. خرج من الحمام بعدما ارتدى تي شيرت أبيض وبنطال أسود. بدأ صوت الشيخ يعلو وهو يخطب صلاة الجمعة. خرج من غرفته. أخذ مفاتيحه وخرج ليلحق الخطبة.
**بعد صلاة الجمعة.. في الشقة** فتح الباب بمفاتيحه. سمع صوت هاتفه وهو يرن. صار حتى أخذه ووجد مالك من يتصل به. وضع الهاتف على أذنه بعدما فتحه. قال مالك: "صباح الخير." أجاب عليه: "صباح النور." أجاب بتساؤل: "إيه يابني عمال أرن عليك." تحدث بتوضيح: "لسه راجع من الصلاة.. وكنت سايبه في البيت." اقترح عليه فكرة حيث تحدث: "فكرت نغير جو.. نروح النادي شوية." أردف موافقاً: "مفيش مشكلة." أجاب مالك: "طب خلاص هنفطر وننزل."
أجاب ينهي الحديث: "ماشي.. أشوفك هناك." أغلق الاثنان واتجه يزن للمطبخ لتحضير الفطور. *** **عند مالك** كانت تضع روضة أطباق الفطور على السفرة. بينما وضع الهاتف على الأريكة. اتجه للسفرة حتى جلس على مقعد. انتهت من وضع الطعام وجلست. بدأ مالك في تناول الطعام. تحدث بعدما مضغ أول لقمة: "اتصلت بـ يزن اتفقت نروح النادي نغير جو." ابتسمت بسعادة متحدثة: "فكرة حلوة.. كان نفسي أخرج.. بدل قعدة البيت لوحدي."
ابتسم لها مالك بحنان مجيباً: "حسيت إنك نفسك تخرجي.. فقلت نغير جو.. أهم حاجة راحتك عندي." تمتمت بابتسامة: "ربنا يخليك ليا." أجاب عليها بحب: "ويديمك ليا." *** **عند الساعة الثانية ظهراً** أوصل يزن بسيارته أمام باب النادي. بينما الناس تسير داخل النادي وخارجه. أقفل السيارة إلكترونياً. أخرج هاتفه ورن على مالك. بعد دقائق حتى رد عليه. تحدث: "أنت فين؟ رد مركزاً على السيارة وحركة السير قائلاً: "خلاص خمس دقائق وآجي عليك."
**بعد خمس دقائق** وقفت السيارة أمام يزن. نزلت منها روضة حتى تحرك للامام. استقبلها بابتسامة معهودة. تحدث: "صباح الخير على ملكة جمال مصر." ضحكت بخفة وردت: "صباح النور." وضع يديه في جيوبه مجيباً: "مبسوطة عشان خرجتي طبعاً." أجابت والسعادة تفط من عينيها: "أكيد طبعاً.. قعدة البيت مملة." أتى مالك في هذه اللحظة. حضنوا الاثنان بعضهم. هتف يزن: "يلا عشان ندخل."
دخل الثلاثة إلى النادي يمزحون بين بعضهم. بينما الفتيات كانت مشغولة للنظر لهم. خاصة يزن بطوله الفارغ وعضلات يديه وصدره القوي. أما عينيه، كانت الفتيات تكاد تقلب عينيهم لقلوب بسبب توهج زرقتها في الشمس. جلسوا في مكانهم المعتاد. أخرجت روضة من حقيبة يديها سماعة الأذن. ثم وقفت قائلة: "هروح أتمشى شوية." أجاب عليها: "لسه داخلين شوية.. ونتمشى أنا وإنتي." هزت رأسها نافية مجيبة: "لا خليك.. عايزة أتمشى لوحدي في الشمس."
تحدث بنفاذ صبر: "أنا قولت كلمة.. خليكي." رد الآخر مهدئاً للجو المشحون: "ما تسبها براحتها.. روحي أنت وخذي بالك من نفسك." مشت سريعاً قبل أن يعترض مرة أخرى. أجاب بمرح بعدما ذهبت من أمامهم: "سيبها براحتها.. تحس إنك كنت حابسها في سجن.. أكيد بتعذبها." أجاب: "لا أنا مش شرير كده." ابتسم الاثنان حتى همت الفتيات من حولهم بشدة. تحدث بينما ينظر للفتيات التي لم تزيل أعينهم من عليهم: "يا بني نقيلك واحدة كويسة.. بدل قعدتك لوحدك."
تحدث نافياً رأسه معترضاً: "لا أنا كده كويس.. بعدين دول بنات فافي خالص أهم حاجة فسحات ونوادي وبنك مركزي." ضحك مالك عليه وقال: "مش هتبطل أبداً.. يابني عايز أخلص منك." يزن بانزعاج: "مش لازم دلوقتي جو بتاع مامي.. خليك في حالك بس." على بعد منهم كان يقف شابان يراقبان روضة منذ دخولها. هتف وعيونه تلمع برغبة شديدة بمصاحبتها. رد صاحبه وهم يراقبونها. حتى نهضت وصارت لتتمشى قليلاً. تحدث بابتسامة راغبة:
"إيه الشمس اللي هلت علينا مرة واحدة." عليه وعينيه مازالت تفحصها: "جمال إيه بس.. دي فرسة." تحدث الآخر: "أنت شفتها هنا قبل كده.. أصل أول مرة أشوفها قمر ماشي." تحدث صديقه: "آه.. ساعات كده كل فترة بتيجي مع واحد من اللي هناك أو الاتنين بيجوا معاه." تحدث الآخر وعينه تتطلع عليها برغبة: "طب إيه مش نرحب ونعمل الواجب." تحدث بابتسامة ماكرة متسعة: "أكيد طبعاً." ضحك الآخر مجيباً: "عارفك كريم أوي في الحاجات دي."
ضحك الاثنان وظل يبحثون عنها حتى وجدوها تسير وحيدة وفي يديها هاتفها. تضع سماعة الأذن تستمع لأحد الأغاني. كانت تسير وعيونها بها لمعة فرحة وخروجها اليوم من المنزل بعدما تضايقت من كثرة الجلوس بمفردها كثيراً. رغم أن مالك يحاول أن يعوض غيابه طوال اليوم وتحب ذلك كثيراً، ولكن الملل الذي تشعر به يلازمها بعض الوقت. كم تتمنى أن يرزقها بطفل يملأ عليها حياتها ويسد فراغ يومها. وثانياً أن تسعد مالك بأن يصبح أب وهي تعرف كثير المعرفة، أنه سيكون من أفضل الآباء. لكن تعرف أنها إرادة الله عز وجل. وعندما سيحين الوقت سترزق بالطفل الذي تتمناه كثيراً.
ظلت تسير بعض الوقت مستمتعة بجمال الشمس وأشعتها المنيرة ونسائم الهواء الهادئة التي تجعل بعض من خصلاتها تتحرك نتيجة الهواء. لم تنتبه للشابين الذين يلاحقانها منذ أن نهض. الشاب الآخر قائلاً بمكر: "مش إيه يلات." تحدث بتفاخر لذاته: "عيب عليك.. مش هتاخد في إيدي غلوة." الشاب الآخر أجاب بابتسامة قذرة: "أنت هتقول لي ده.. أنت بنات بتترمى تحت رجليك." اقترب الشابان منها حتى وقفا أمامها يقطعان سير طريقها. تحدث بابتسامة لزجة:
"أول مرة أعرف إن القمر بيطلع الصبح." أقفلت الأغاني وتحدثت بغرابة مستنكرة بالذي يقف أمامها. أجابت: "أفندم." الشاب بابتسامة ماكرة: "لقيت القمر ماشي لوحده.. فقلت أونسك." تحدثت باقتضاب تتجنبهم مبتعدة: "عن إذنك." اعترض طريقها في محاولة مسك يديها متحدثاً: "انت مالك قافشة كده ليه.. خليكي ريلكس كده.. هنتعرف بس." سحبت يديها وتحدثت بغضب: "انت إزاي تمد ايدك عليا.. إيه قلة الأدب دي." سحب يديه قائلاً بمكر: "مقبولة منك يا قمر."
اقترب منها مرة أخرى محدثاً بابتسامة ماكرة: "تعالى نشرب حاجة فريش.. تهدى أعصابك كده." تعالى صوتها متحدثة بانفعال شديد: "انت قليل الأدب.. ابعد عني أحسنلك." حاولت أن تذهب من أمامهم ولكن كان يعترض طريقها ويمسك ذراعها بقوة.
كان مالك ويزن يتحدثان ببعض الأمور. حتى سمع صوت روضة وصوتها بدأ يتعالى. في محاولة الاستغاثة بأحدهم. نظر للخلف قليلاً حتى رآها من على بعد وهناك شابان يعترض طريقها. غلت الدماء في عروقه من مشاهدة المنظر حتى نهض بعنف خلفه يزن متجه ناحيتهم يسير بخطوات غاضبة. حاولت سحب يديها لكن لم تعرف. وضع يديه على كتف الشاب. التفت له وتحدث بغرابة من وجوده: "محتاج حاجة." تحدث بابتسامة تحمل في طياتها الكثير: "محتاج كتير."
سحب روضة من يديه وضم قبضته ولكمه على صدغه بقوة شديدة. حتى سقط على الأرض. رأى صديقه وهو يقع حتى ركع يطمئن. أمسكها وتفحصها بعناية وخوف. أما هي فعينيها ترقرت الدموع بها. وجسدها ينتفض من الخوف الشديد. تحدث بغضب شديد ورعب من حالتها: "عملك حاجة." تحدث وبدأ جسدها بالانتفاض أكثر: "حاول يمسك إيدي عشان أمشي معاه." غضب يزن من مجرد مسك الشاب ليديها ومضايقتها. أما مالك فا كان فكه يهتز من الغضب وعروق يديه بدأت في الظهور.
تحدث بصوت ملئ بالغضب: "خليك معاها." التفت له بعدما نهض الشاب يمسح الدماء من شفتيه وتحدث مشتعلاً من الغضب: "انت عارف أنت عملت إيه ولمين." ابتسم ابتسامة غير مطمئنة بالمرة: "لا مش عارف.. وحابب أعرف."
ضم قبضته وظل يضرب بوجهه ودماءه تفور بمجرد أنه تخيل مسكه لذراع محبوبته. جاء الشاب الآخر محاولاً بضربه ولكن انتبه مالك وظل يبرحهم ضرباً حتى امتلأ وجههم بالدماء. وتجمع الناس من حولهم حتى أتى صاحب النادي وبعض الأمن حتى فصلوهم عنه. أما هي كان يزن يحاول أن يهدئها. ابتعد عنهم أخيراً بعد معاناة. واتجه لها وضمها لصدره محاولاً التحكم بغضبه وغيرته الشديدة عليها. تفحص رئيس النادي منظرهم حتى صدم وهتف بغضب:
"إيه اللي حصل ده.. إحنا في نادي محترم مش في الشارع.. أنتوا عارفين دول ولاد مين." تقدم يزن منه وابتسامة غير مطمئنة بالمرة: "وإنت عارف أنا أبقى مين." تحدث الآخر بغضب: "أكيد واحد جاي يفرد عضلاته." كان مالك يحاول تهدئة روضة ويبث لها بعض الكلمات المطمئنة. بينما يزن فا كان يقف ضاماً قبضته حتى سحب الدماء منها وأبيضت مفاصله. ولكن هتف ببرود منافٍ للبركان الهائج في داخله: "آه أنا فعلاً جاي أفرد عضلاتي."
ضربه بقبضته على عينه ووقع على الأرض. نزل لمستواه هاتفا بجانب أذنه بنبرة تحمل كثير من التهديد: "دي عشان تفكرك أنا مين.. أنا اللي جاي أفرض عضلاته.. يزن الجبالي.. وخليك فاكره." نهض وتغيرت ملامحه في ثوان وارتسمت على وجهه ابتسامة بريئة كأنه لم يلكم أحد. تقدم منهم كان مالك مازال يحاول تهدئتها. هتف بابتسامة مشرقة بمزاح:
"ملكة الجمال لسه زعلانة.. بعدين ده الواد خرشمهم كلهم.. وأنت لسه بتعيطي.. ده أنت تزغرطي.. بقينا بلطجية وهنترمى في الشارع ويفصلونا من النادي.. وأنا بحب النادي ده.. فيه شوية صواريخ يجننوا." كانت تبكي ولكن عندما استمعت لحديثه ضحكت في وسط بكائها. هتف بمزاح: "أيوه يا ستي كده.. ده الوالد لو شوفتيه وهو بيغلي لو حطيت شاي كان هيطلع بخار بسرعة."
ضحكت بصوت عالٍ. بينما مالك تنفس بعمق أن محبوبته بخير. لكن سيعاقبها على ما اقترفته معه ولكن لاحقاً عندما ينقفل عليهما باب واحد. وضع يزن يديه على كتفه وسحبه معه مردفاً: "يلا عشان جعان جداً جداً.. وهاجي على نفسي وأعزمكم." نظر ليديه الموضوعة على كتفه وتحدث بضيق: "لا كتر خيرك.. جاي على نفسك أوي." تحدث يزن باستنكار منه: "تصدق أنا غلطان.. طب أمشي أطلع برة.. وأنا هعزم ملكة جمال وناكل أنا وهي وننبسط."
ضحكت عليهم وعلى مشاغبتهم. قضوا اليوم في سعادة شديدة. رغم ما حدث معها ولكن يزن أخرجها من قلقها وحزنها بمرحه وخفة ظله. **أمام النادي** كان يزن يقف بجانب مالك بعدما صعدت السيارة. تحدث بصوت خافت يسمع فقط لكلامها: "بلاش لما تروح تغلس عليها عشان عارفك." تحدث باقتضاب: "ربنا يسهل." أجاب لتهدئته لأنه يعرف لم يمر هذا الحدث مرور الكرام: "هيسهلها عارفين.. لكن أنا عارفك أكتر.. هتروح وتنكد عليها.. وبلاش تنكد وتقفل اليوم."
مالك باقتضاب: "يلا عشان عايز أروح." مسح وجهه بيده ثم أجاب: "أنا عارف بس خف عليها شوية." لم يستمع منه الرد بل صعد سيارته كأنه لم يتحدث ودار المقود وقاد بسرعة. *** **في المنزل** دخل الاثنان. كانت الابتسامة مرتسمة على ملامحها فرحة بما قضته اليوم. بينما مالك لم يتحدث. جلس على الأريكة. بينما دخلت لغرفة تبدل ملابسها. دقائق وخرجت. نهض من الأريكة. ودخل الغرفة. كل هذا ولم يتحدث بكلمة. جلس الاثنان على الأريكة.
تحدث روضة بسعادة: "اليوم كان حلو قوي.. بقالي كتير متبسطتش كده." لم يدر وجه ولم ينطق. تحدثت بغرابة من حالته منذ مجيئهم: "مالك من ساعة لما دخلنا.. متكلمتش وبكلمك مش بترد علي." لم يعرها أي اهتمام إطلاقاً. تقدمت منه. ومدت يديه ودارت وجه لها. أزاح يديها من على وجه. ونهض. نهضت هي الأخرى وتحدث بضيق: "على فكرة بكلمك." أدار جسده ثم نهض متجه لغرفته. نهضت هي الأخرى اعترضت طريقه وتحدثت بغضب طفيف: "كلمني زي ما بكلمك."
تحدث باقتضاب: "وأنا مش عايز أتكلم.. واوعي عشان تعبان ومحتاج أنام." نفخت بضيق وأجابت بنفاذ صبر: "لا مش هتنام غير لما أفهم في إيه." أجاب ببرود: "وأنا مش هقول.. واوعي كده." أزاحها من أمامه بيديه اتجهت له ومسكته من ذراعه: "لا مش هتنام." نفخ بضيق بينما أزاح يديها مجدداً قائلاً بغضب: "طب تمام.. اوعي بقى من وشي.. عشان مش حابب أقعد معاكي.. فيا تدخلي.. يا أدخل أنا." أردفت بصوت عالٍ نسبياً:
"عايزة أفهم في إيه.. اليوم كان حلو ومحصلش حاجة." مسح وجه بيده وتحدث بنفاذ صبر: "فعلاً مفهوش حاجة.. فاوعي من قدامي." ربعت يديها على صدرها: "لا مش همشي غير لما أعرف." فكرت قليلاً وتحدث بغرابة: "أنت مضايق من اللي حصل الصبح.. محصلش حاجة تستاهل كل ده." هز رأسه بضيق متعللاً: "فعلاً محصلش حاجة.. مسك إيدك بس." أجابت بغرابة: "على فكرة موضوع خلص وخلاص." علا صوته عليها وتحدث بعصبية شديدة:
"لو هو خلص.. يبقى بنسبالك.. مش بنسبالي.. عشان تبقي تسمعي كلام تاني.. وتقومي تتمشي لوحدك." رددت بعصبية مماثلة: "وأنا أعرف منين.. إن هيحصل كل ده." أجاب بعصبية وغيره شديدة تكاد تنهش قلبه كلما يتذكر:
"أنا عفاريت الدنيا بتنطط قدامي.. ولو ممشيتيش من قدامي مش هتعرفي إيه اللي هيحصل.. كفاية كل لما افتكر إنه مسك إيدك.. دي لوحدها بتخلي دمي يفور.. يعني إيه يمسك إيدك.. ولا شكلك وأنا بموت عليكي وأنت بتعيطي ومش عارف أعمل إيه ومتلخبط.. الحيوان اتجرأ وعملها.. أكمل بصوت عالٍ كان صداه يصدى في أركان المنزل.. عشان تبطلي متسمعيش كلام.. لما أقولك اقعدي.. وشوية وهنتمشى.. لا عايزة أمشي لوحدي.. وأنا أقولك طب استني شوية.. وقومي لسه جايين.. وأنت برضه مصممة.. عشان أنا عارف الأشكال الزبالة اللي موجودين في النادي.. ودي كانت نتيجة.. وجاية تقولي بعد كل ده كأن مفيش حاجة حصلت.. أنت مش ناسيه منظرك وأنت بتعيطي.. ولا جسمك وهو بيترعش.. ولا نسيتى بسرعة."
تقدم سريعاً وأخذ هاتفه ومفاتيحه وتحدث بانفعال وعروقه رقبته مشدودة: "أنا همشي عشان ما اعملش حاجة أندم عليها." فتح الباب وأغلقه بعنف أدى إلى رجفة الباب بشدة. أما هي جلست على الأريكة وبدأ الدموع في النزول كشلال. لم تعرف كيف توقفها وشعورها بارتكاب ذنب كبير لم تكن تقصد أن تفعله وتأنب نفسها على عدم الانصياع له ولاوامره ولكن قد فات الأوان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!