الفصل 29 | من 31 فصل

رواية انجذاب الروح الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم زينب خالد

المشاهدات
24
كلمة
1,968
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

لم تصدق أنها تقف أمامه، تقف أمام أخيها الذي غاب عن البيت ورحلت الروح معه. اندفعت تحضنه بقوة لدرجة بأنه تراجع للخلف قليلًا نتيجة قوة دفعها. ابتسم حازم بحنين يضم رهف قويًّا بينما يزن يبتسم على هيئتهم حتى هتف بمشاكسة: طب أي مش هنفضل نحضن على الباب كده؟ أنا عايز أدخل وأقعد، بعدين كملوا أحضان عادي. ابتعدت رهف عنه سريعًا وعلى وجهها ابتسامة عريضة، حيث أخذت كف حازم وسحبته معها للداخل حيث مكان جلوس والديهما.

لم تصدق حنان عندما رأت حازم أمامها، ظلت تكذب نفسها عندما استمعت لصوته. تجمعت الدموع بمقلتيها سريعًا، تمعن النظر بعينيه تتأكد من وجوده أمامه. اتجه حازم بجسده ناحيتها وعينه تغيم بالعاطفة. وقف أمامها حتى ارتمت حنان فجأة لحضنه حيث كانت الكارت الأخضر لذرف دموعها المحبوسة. ظلت تبكي على صدره بحرقة بينما رهف بكت هي الأخرى لم تتحمل منظر والدتها حتى بكت. انتبه يزن لها ودموعها التي تهطل بغزارة. يعرف عاطفتها الزائدة التي لا تتحمل أي شيء أمامها. حاول أن يتحدث ليقطع هذا الجو قائلًا:

أي يا حنون خلاص؟ الراجل جه وشرف البيت أهو، كفاية دموع مش كفاية اللي فات. ثم أكمل حديثه بمكر لسليمان قائلًا: بعدين أي يا حج مش مسيطر ولا أي سايبه يحضنها كده وأنت ملكش أي كلمة كده؟ ارتسمت ابتسامة بسيطة لسليمان بينما تحدث حازم بحزن زائف: كفاية بقى، أزعل كده بعدين مش بعد كل ده هنفضل قاعدين نعيط، أمال لو اتحبست هتعملي أي؟ خرجت شهقة من فمها، حيث ضربت صدره بقبضتها ضربة بقوة جعلته يتأوه، قائلة حنان بغضب مستعر:

ملافظ السعد، أي اللي بتقوله ده؟ ضحك يزن عليها وعلى عبوسها ثم اتجه ناحية سليمان الذي لم يبدِ أي ردة فعل منذ دلوفه. احتضنه حازم بقوة بينما ربط على ظهره يشد من أزره. ابتسم حازم وشعور الراحة دلف تدريجيًّا لرئتيه. جلس الجميع بينما حنان ورهف لم يبارحا قط من جانب حازم حتى هتف بمشاكسة: لازقين فيا كده ليه؟ طب حتى استنوا لما أستحمى الأول، مستحملني إزاي كده بالمنظر ده؟ هتفت حنان باعتراض ظاهر على ملامحها قائلة:

ملكش دعوة، ما صدقت رجعت لحضني تاني. ربنا يخليك ليا ولا يحرم طلتك عليا أبدًا. بس أنت خرجت إزاي؟ قص عليهم ما حدث حتى تحدثت رهف بغضب: منه لله، بقى فيه ناس تفكر بالشكل ده؟ أجابها سليمان بنبرة هادئة: الدنيا بقت صعبة والناس بقت بتجري على الفلوس عشان تعرف تعيش، محدش مرتاح في حياته. ثم وجه حديثه لحازم مردفًا: وأنت يا حازم تساعد عيلته مهما كان، مراته وولاده ملهمش ذنب. هز رأسه حازم بإيجاب قائلًا: متقلقش متكفل بيهم.

تحدث يزن حتى يزيل هذه الكآبة عن الأجواء: طب أي يلا بقى عشان ناكل ولا مش عايزين تغدوني قولوا صارحوني؟ نفت حنان باعتراض قائلة: أبدًا ساعة ويكون الأكل جاهز. نهض حازم لغرفته ليزيل ملابسه بينما حنان اتجهت للمطبخ للإشراف على الطعام، وتبقى سليمان ويزن ورهف الذي عرض على رهف بوجوب أخذ يزن والسير معه قليلًا في الحديقة. نهضت رهف تابعها يزن للخارج للتحدث قليلًا. في الحديقة.. كانت رهف تسير بجانب يزن والصمت حليفهم

إلا أن تحدثت رهف برقة: ينفع تحكيلي على نفسك شوية؟ ابتسم يزن ثم أردف قائلًا بغرابة قليلًا: معتقدش أن فيه حاجة متعرفهاش، كل حاجة تقريبًا تعرفيها. نظرت له رهف ثم أجابت مفسرة: لا طبعًا أكيد بيبقى فيه حاجات مستخبية كده مش أي حد يعرفها. يعني مثلًا أي الحاجات اللي بتحبها أو بتكرها أو فيه حاجات تانية مش فاكراها دلوقتي. أختتمت حديثها بضحكة بسيطة ناظرة له. رفع كتفيه بجهل مجيبًا: منا مش عارف أقول أي.

وقفت رهف فجأة ثم التفت جسدها له بينما وقف يزن أمامها. ارتسمت رهف بملامح متألمة ثم حاولت التحدث بنبرة طبيعية وألا تسيطر عليها نبرة البكاء حيث تحدثت بنبرة جاهدت لتظهر طبيعية: ينفع أفهم لغاية أمتى هتفضل كده؟

شرد يزن في ملامح رهف الرقيقة التي اكتسبت جمال هادئ ممزوج ببراءة لم يراه من قبل. ظلت تنظر رهف لعينيه محاولة فهم دواخله لكن لم تجد شيء سوى زرقة عينيه المتوهجة من أشعة الشمس. ظل كل منهم شاردًا في ملامح الآخر دون حديث، لكل منهم حديث مختلف لكن يزن لا يريد أن يجرحها. هل سيقول لها أنه حتى الآن لم يتقبل كونها خطيبته؟!

بل يعتبرها صديقته. يحاول جاهدًا أن يتخطى هذه الحالة لكن لا يريد، داخله لا يستجيب. في بعض الأحيان يلمح نظرات إعجاب ممتزج بحب وهو ليس بالغبى حتى لا يفهمه لكن لا يعلم ما يفعله. لا يريد أن يظلمها معه، ظل صامتًا لم يجيب عليها بينما رهف تفهمت صمته وأنه لا يعتبرها إلا صديقته لكن لا تعلم لما هل بقى شيء آخر حتى لا ينظر لها كحبيبته؟ هل بها شيء ناقص لا تعلمه؟ وحتى لو الذي تفهمته صحيح لما تقدم على خطبتها من الأساس؟

كلها أسئلة لا تعلم إجابتها تضع أمامها فقط علامة استفهام. تألمت رهف بداخلها وعلى حالها رغم أنها لم تشعر بهذه الشعور من قبل إلا معه ولكن ما جربته منه ليس سوى الألم الذي كلما تقدم الوقت كلما زاد أكثر رغم أنه لم يقصد إيلامها لكن صمته وعدم استجابته هي خير دليل لما يدور بعقلها.

ظلت تنظر له لبعض من الوقت حتى قررت أن تبتعد عنه لأنها لو ظلت هكذا ستعترف بكل شيء حتمًا. وفي حالة رفضه لمشاعرها أو قبوله فهي بكل الأحوال تتألم. تركته قبل أن تبكي أمامه. قطعت تواصلهم البصري وابتعدت عنه بحالة باهتة متألمة بينما مقلتيها تجمعت بها الدموع وهي تسير للداخل. أما هو نظر لها بقلة حيلة وهي تسير للداخل. أخذ نفس عميق يملأ به رئتيه بقوة ثم زفره مرة واحدة. لا يعرف ما يفعله، يقف مكتوف الأيدي وليس بيديه شيء يقدمه لها. يعلم بأنه مخطئ لكنه يحاول جاهدًا حتى لا يؤلمها لكن دون قصد يؤلمها أكثر. نظر على أثرها الذي تركت عبيرها في الهواء يحاول التوصل لحل لكن عقله لا يسعفه بينما قلبه لأول مرة يتألم لحالتها التي توصلت بها بسببه.

بعد ثلاثة أيام.. في الكافيه.. دلفت روضة تلتفت بعينيها يمينًا ويسارًا تبحث عنه حتى وجدته يجلس على الطاولة التي تطل على الخارج من خلال الزجاج المكشوف. اتجهت بخطوات بسيطة تجاهه حتى وصلت وجلست أمامه. رفع وجهه لها بابتسامة هادئة حتى تحدث يزن قائلًا: صباح الخير. تحبي تشربي أي؟ أجابته روضة بنبرة خافتة: أي حاجة، مش فارقة.

شاور يزن للنادل حتى أتى دون طلبه وسار ليلبي طلبه بينما التف يزن يراقب شحوب وجهها والهالات السوداء التي التفت حول عينها بكثرة وجسدها الذي نحف قليلًا نتيجة لقلة الطعام. تحدث يزن بحنان قائلًا: مالك؟ ينفع اللي بيحصل بينك وبينه ده؟ أنا جيت من غير ما يعرف عشان أشوف للي وصلته ليه ده. تجمعت الدموع بمقلتيها سريعًا حتى بدأت بالبكاء كعادتها منذ تركه لها. تركها يزن تخرج كل ما بداخلها حتى هدأت قليلًا حيث تحدثت بنبرة متحشرجة

من البكاء خافتة تكاد تظهر: هونت عليه للدرجادي يسيبني كل ده من غير ما يسأل عليا ولا حتى يطمن؟ مالك مبقاش مهتم بيا. نظر لها يزن ثم أردف حديثه بجدية: روضة أنت غلطانة ومش عايزة تعترفي بغلطك. حدقت به بحدة حيث تحدثت بنبرة غاضبة: أنا غلطت في أي؟ أنا اللي سابته لوحده من غير ما يسأل عليا ولا حتى يعبرني؟ أنت واقف معاه عشان صاحبك ولو هو فاكر عشان مليش حد ف خلاص بقى يعمل ما بداله. أجابها يزن بضيق شديد مردفًا:

أولًا زي ما هو صاحبي أنت زي أختي، ثانيًا أنا واقف مع الحق لا معاكي ولا معاه. واه أنت غلطانة يا روضة. أنت مش قادرة تتقبلي الموضوع وواخداه بحساسية زيادة. جاءت أن تهم لتجيب عليه حتى قاطعها بإشارة منه مردفًا حديثه:

روضة من غير مجادلة اللي أنت بتعمليه ده بتضيعي مالك من إيدك، أنت من بعد الحادثة وأنت مش متقبلة أي حاجة. الراجل بيبقى محتاج مراته معاه دايمًا ومتواجدة قدامه لكن أنت معاه ومش معاه. عارف أن الموضوع صعب لكن دي إرادة ربنا ومحدش عارف حكمته أي. أنت حواليكي حاجات كتيرة المفروض تحمدي ربك عليها أولًا بيتك ومالك اللي ربنا كرمك بيه ومش أي حد زيه وده مش انحياز بس فعلًا مالك راجل بمعنى الكلمة، كفاية أنه شايل من عليا هم الشركة عليه. هو موجوع زيك ونفسه أنه يخلف زيك ويمكن أكتر لكن بيحاول يتقبل ويتمشى مع الحياة لكن أنت واقفة في نفس النقطة مش بتتخطيها.

بدأت روضة باستيعاب حديث يزن وداخلها بدأ يتألم لما فعلته لكنها تكابر حتى أردفت بحزن قائلة: يزن الموضوع صعب عليا بحاول أتخطى مش عارفة. منكرش أن مالك وقف جمبي الفترة اللي فاتت لكن قلبي بيوجعني لما أشوف أي أم في الشارع. أجاب عليها يزن برزانة: حقك وأنا مقدرش ألومك عليه بس برضه مالك مفيش حاجة في إيده واللي قدر يعمله عمله. روضة أنت كده بتهدي بيتك لازم تتخطي لو معملتيش ده مالك هيضيع منك ومش هترجعيه تاني.

لم تتحمل روضة حديثه ثم بكت فجأة بحرقة وشهقاتها بدأت ترتفع حتى التفت الناس لها. نظر لها يزن بأسف ثم قال بينما لاحظ تحديق الجميع بهم حيث هتف بمزاح ليجعلها تبتسم: يخربيتك لميتي علينا الناس، هيقولوا عليا أي بعذبك في وش الناس عيني عينك. أهدي خلاص هتوديني في الداهية.

التفتت بعينها حولها حتى لاحظت نظرات الناس بهم. خجلت مما فعلته وظلت تزيل دموعها سريعًا. مد يده يعطيها منديل كي تمسح وجهها. نظر لها يزن بأسف وعلامات الحزن ترتسم على وجهه بما يحدث لهم حيث تحدث بينما يفكر لمحاولة حل هذه المعضلة: بصي مش هنام النهاردة غير لما أصلحكم على بعض. حدقت روضة به باهتمام شديد مجيبة: إزاي؟ فكر يزن قليلًا ثم أردف حديثه: مش مهم إزاي. أنا عليا أن أجبهولك البيت وأنت عليكي الباقي.

هز رأسها بإيجاب ثم نظرت له بامتنان جلي فهمه يزن، حيث ابتسم لها وظل يحدثها في كيفية مصالحة مالك ومصارحته بما يجول بخاطرها، حتى يتصافى كل منهم تجاه الآخر. وذهب كل منهم باتجاه، ويزن داخله عزم وإصرار ينفذ الخطة التي وضعها حتى يجتمع العاشقان مرة أخرى. *** في الشقة.. فتح الباب وطلّ منه مالك يبحث بجنون عن روضة. لم يعِ ما قاله يزن عندما هاتفه في الهاتف يخبره قائلًا:

مالك لازم تروح البيت. روضة تعبت جدًّا وكلمتني في التليفون صوتها مجهد. روح البيت واطمن عليها أنت عارف لما بتزعل بتعد من غير ما تأكل، بس الحقها. بث الرعب بداخله وذهب سريعًا حتى يطمئن عليها، ضاربًا أي شيء آخر عرض الحائط، الأهم هو الذهاب إليها. ظل يبحث عنها بعينه حتى نادى عليها بنبرة عالية متوترة: روضة يا روضة.

طلت عليه روضة من غرفتهم مرتدية فستانًا قصيرًا يصل لمنتصف فخذها، ملتصقًا بجسدها بحمالات رفيعة، بينما صففت شعرها تاركة له بحرية على ظهرها ووجهها الذي أخفت شحوبه بالمستحضرات التجميل. حدق بها مالك بعدم تصديق لما يراه أمامه، كانت هيئتها كعروس البحر التي تسبح بحرية. اقتربت منه روضة بخطوات هادئة بينما عينها لم تبارح عينيه قط حتى وقفت أمامه. تحدثت روضة بنبرة رقيقة:

وحشتني. أنا عارفة أني جيت عليك واستحملت مني كتير ومقدرتش ده بس آسفة.. آسفة على كل مرة وجعتك فيها بغبائي. أدخلها في حضنه يحتضنها بقوة حتى كادت أن تختنق من قوة عناقه لها، لكنها لفت ذراعيها حول خصره بقوة تشتم رائحته التي اشتاقت لها بجنون. ظلوا هكذا لبعض الوقت حتى ابتعدت منه تنظر لعينه التي اشتاقت لها بجنون ونظرة عينيه الحنونة التي يغدقها بها. تحدث مالك بنبرة أجش قائلًا بعاطفة مقربًا وجهه من وجهها:

تعرفي أنك بتجنني جدًّا. اشتعلت وجنتيها من الخجل بسبب إطلالته ثم أردف حديثه قائلًا بنبرة حنونة يحتضن ذراعيها بين يديه: عارف أنه صعب عليكي بس لازم نتعامل ونتعايش، كل ما تفكري في الموضوع وتتشبثي بيه أكتر كل ما هتتألمي وأنا بتوجع على وجعك. مش عايزك تزعلي مني بس أنا باعمل كدة لمصلحتك.

اجتمعت الدموع بعينها حتى بكت بشدة داخل صدره. ظل يهمس بكلمات حنونة حتى هدأ جسدها. نظرت له وعيناها بها عاطفة جياشة تكاد تغرقهم، استجاب لندائها له حيث أقرب بشفتيه لشفتيها حتى أخذهما برحلة عميقة مليئة بالاشتياق والرغبة التي طالت غيابها. ظل يرتوي من رحيق شفتيها حتى ابتعد عنها نتيجة لقلة تنفسها، كانت أنفاسهم اللاهثة هي المسموعة، ظلت تأخذ نفس وتزفره مجددًا. أقرب بشفتيه من أذنيها ثم همس بكلمات عاشقة لعشقه الذي كلما مر بهم كلما ازداد كأنه يجري مع دمائه حتى امتلأ جسديهما بهذا العشق الذي لا يخرج إلا بالموت أردف

بنبرة أجش مليئة بالعاطفة: إلى عشقي الأوحد، من يسير عشقها بدمائي.. عشقك أصبح كالسم الذي انتشر بجسدي ولم أستطع التخلص منه.. النظر لعينيكي كالغريق في البحر.. أحببتك فوق حبي لكِ، عينيكي متوهجة كقرص الشمس.. بينما شفتاكِ كالترياق الذي يسحبني لكي أذوقه.. سأظل معكِ دائمًا لا يفرقنا شيء إلى الموت.. أعشقك يا من اخترقتِ قلبي بسهام العشق.

أنهى حديثه بقبلة أذابتها كليًّا، حملها بين ذراعيه ليروي عطشه منها بعد فراق طال لكن رغم ذلك يبتدأ من جديد وكأنه لم ينتهِ بل مستمر بينما أنفاسهما تلهث في هذه الحياة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...