في صغري كانت أحلامي جميلة. كنت وحيدة، ومع هذه الوحدة كنت أكثر سعادة من الآن. كنت أرتكب الأخطاء كثيراً، ولكن لم أشعر أن عقابي سيكون هكذا. حين أكبر وتكبر همومي، أوضحت لي أنني لم أكن أرتكب كل هذه السيئات لأمر بهذه كله.
سن المراهقة أخذ مني وقت حتى فهمت أنه ليس السن الذي سأقول فيه مستقبلاً: "يا ليتني أرجع إليه". إنه ليس السن الذي حلمت به أن أكون مضيفة طائرة وأحلق في السماء العالية مع الطيور الجميلة. إنه ليس السن الذي حلمت فيه أن ألبس الأبيض، وقصد بالبياض الكفن.
نحن جيل عشقنا الموت في سن المراهقة. عشقنا اللون الأسود حتى صارت حياتنا مثله. عشقنا الوحدة، عشقنا البكاء. جرحنا الأصدقاء، وخنا الحب، وظلمنا الزمن. ولم يستمع لنا الأهل، ولم يعطف علينا. القبور حين أخذت أغلى الغالي. وفي النهاية تكون النهاية عبارة عن أحلام تحطمت، وحب غاب، وصديق خان. وأب وأم لم يرو دموع طفلتهما حين كانت تمسك الوسائد غارقة في دموعها وتقول: "يا ليتني لم أكبر". ***
بعد مرور خمسة أيام على دخول حور العناية، وبسبب الإرهاق كانت بحاجة إلى الراحة. كان الوضع في حالة توتر شديد. من جهة، معرفة الكل أن عشق تريد الطلاق ورد فعل محمد غير المهتم جعل الجميع يشعر أن هناك شخصاً آخر في حياته. ومن جهة أخرى، توتر حمزة على حور وعشق وكيف صار حال حياتهم هكذا. وأخيراً، مالك وقلقه الذي جعل الجميع يتأكد أنه يحب حور وبشدة أيضاً.
أمام المستشفى كانت عشق تجلس في صمت. هادئة، ولكن داخلها عاصفة. رآها حمزة وذهب إليها وجلس بجانبها. وظل الاثنان في حالة صمت حتى تكلمت عشق وهي لا تزال تنظر إلى الأم التي تمسك بابنها وابنتها وتقوم بإطعامهما. عشق: تفتكر إننا لو كنا عرفنا إن كل ده هيحصل كنا رجعنا مصر؟ ينظر لها حمزة بقلق على حال أخته. حمزة: قصدك إيه؟ عشق لا تزال تنظر إلى المرأة.
عشق: قصدي إننا كنا عايشين كويس قبل ما نعرف الماضي بتاعنا. تصدق إني باتمنى إني كنت موت قبل ما أعرف الحقيقة دي. شعر حمزة بقليل من الغضب ونظر لها نظرة لوم وعتاب. حمزة: إنتي مكنتيش عايزة تبقي جمب حور؟ تنظر وتضحك ضحكة سخرية وتنظر إليه وتبتسم.
عشق: حور ههههه. تعرف إني صدقت مقولة إن التوأم لازم حد فيهم يكون محظوظ والتاني لأ. حور اتربت مع عمها وأنا اتربيت مع ناس غريبة. هي كملت تعلمها وأنا ههه نص نص. هي عاشت باسمي وخدت مكاني. كان المفروض أكون مكانها في كل حاجة. لو كانت الست اللي بيقولوا عليها أمنا دي كانت خلتني أنا مع عمي ياسر، كان زماني...
محمد بيحبني أنا. وكان زمان سليم خدني أنا وكنت مكانها والكل مهتم بيا كده. ده حتى مالك حبها من أول نظرة. أما أنا مليش لازمة. كل يوم، كل يوم الكل يسألني: "حور نامت كويس؟ حور أكلت؟ حور عاملة إيه دلوقتي؟ يا ترى أكلت كويس؟ " خلاص. مش قادرة. حور، حور، حور. زهقت. ظلت تبكي بحرقة. وشعر حمزة أن قلبه يتحطم. كيف لم يشعر أن أخته تعاني بهذه الشكل؟ ولكن شعر بغضب كبير بسبب أنها على وشك أن تكره أختها.
حاول التحكم في أعصابه والتكلم بهدوء وذكاء. حمزة: بسيطة. تحبي تشوفي موتها؟ نظرت إلى حمزة بصدمة وكأنه طعنها بسكين. عشق: إنت بتقول إيه؟ إنت مجنون؟ شعر بقليل من الراحة لأنه يخاف على أخته. ثم نظر لها بجدية.
حمزة: أنا مقدرش أشوف أختي اللي اتربيت معاها حزينة. وبصراحة كده، إنتي عندي أحسن من حور. ولما تموت الكل يفتكر إنها سليمة. وساعتها نقول إننا مش هنقدر نعيش من غير حور والجو ده. وبس نرجع تاني بيتنا ونعيش في سلام ولا وجع القلب ده. نظرت إلى عشق بنظرة أخاف منها كثير لأنها نظرة اقتناع. ولكن تنفست حين انهارت في البكاء وظلت تضرب فيه. عشق: إنت مجنون؟ دي أختنا. إنت إزاي بقيت كده؟
لو حصل و حد لمس شعرة واحدة بس من حور، ورحمة أمي لأخليه يتمناه الموت ألف مرة. إنت فاهم؟ امشي. مش عايزة أشوف وشك تاني. ابتسم لها حمزة وأمسك يدها ثم شدها إلى صدره بحب وظل يردد.
حمزة: هششش. آسف. آسف. أنا كان قصدي خليكي تشوفي قد إيه حور مهمة في حياتك. بس يا عشق يا حبيبتي، محدش بياخد رزق حد. ربنا خلقك في الدنيا وهو عارف نصيبك فين. ممكن يطلع محمد مش نصيبك. ومش معناه إننا أول ما لقينا حد نحبه يبقى ده اللي ربنا كتبه لينا. مش كل حاجة سهلة ومش كل حاجة صح. لازم الإنسان يمر عليه الصح والغلط. وأحياناً بيكون الغلط أكتر من الصح. بس ده عشان إحنا في اختبار. الدنيا عبارة عن اختبار، وإنتي اللي تختاري الدرجة بتاعتك.
عشق وهي لا تزال في حضن حمزة تبكي بسبب أنها غبية. كيف تتكلم هكذا على أختها اللي تعشقها حتى الموت. عشق: أنا آسفة يا حمزة. مش عارفة اتكلمت كدا إزاي. بس لما سمعت محمد بيقول... حمزة: بيقول إيه؟ ظلت تبكي عشق بحزن شديد. عشق: محمد وهو نايم بيقول اسم حور.
شد حمزة إلى حضنه من جديد وهو يشعر بغضب شديد، ولكن أيضاً يشعر بحزن أخته ويعرف جيداً أنها تمر بأصعب لحظات حياتها. أن تعرف أن من تحبه وتترك حياتك له لا يهتم بأمرك، بل الأسوأ يحب أختك. أسوأ شعور. كانت مرفت تراقب من بعيد، ولكن ليس بعيد جداً لأنه كانت تسمع حوار حمزة وعشق وتبكي بشدة لأنه كانت تفرق بين الاثنين دون أن تعرف. وظلت تتذكر ياسر. مرفت: مش عارفة اتصرف يا ياسر. الحمل بقى تقيل عليا أوي. يا ريت كنت معايا دلوقتي.
نروح لي حور اللي لسه في حلمها الجميل. اللي دخلت فيه من يوم ما أغمي عليها. واللي هو عبارة عن بيت صغير على البحر كله ورد وحديقة جميلة جداً. بيلعب فيها أسيف وسليم وهي واقفة تضحك عليهم. وسليم عمال يجري وراه أسيف بمنظر جميل جداً. تبتسم كل ما رأت ضحكة أسيف وسليم.
وفجأة يتحول الحلم الجميل إلى كابوس مخيف. أسيف نائم وسط بحر من الدماء، وسليم يجلس في هدوء وينظر إلى جثة أسيف بهدوء. ثم يوجه السلاح إلى رأسه وينظر إلى حور بنظرة عتاب وخوف وحزن. ثم يقول: "بحبك" ويطلق على نفسه. وفي الواقع، ينطلق جهاز توقف القلب. وخارج الغرفة كان مالك وسيف ومحمد وجميلة وأمه ينتظرون صحيان حور. ولكن يسيطر الخوف والقلق حين انطلق عدد كبير من الأطباء تجاه غرفة حور. تحرك الجميع إلى الزجاج الذي يطل على غرفة حور.
سيف بهستيريا ويوجه كلامه إلى الأطباء وهم يدخلون ويخرجون بخوف. سيف: في إيه؟ في إيه؟ حد يرد. ومالك لا يقل خوفاً عن الجميع. ثم رأى صديقه يجري في الممر بسرعة. سيف: أحمد، في إيه؟ أحمد بتوتر يلاحظه الجميع. أحمد: حور قلبها وقف. نزل الخبر مثل الصاعقة، ولكن أشد. صرخ سيف بقوة باسم حور. على دخول عشق وحمزة ومرفت بخوف. عشق بقلق: إيه؟ في إيه؟ لم يرد أحد. ولكن ظل الجميع يبكي. وجميلة وأمه يدعون. شعرت مرفت أن قلبها على وشك التوقف.
مرفت بخوف: حور مالها؟ حمزة بغضب: ما تتكلمواااااااا إيه! محمد وهو في حالة صدمة: حور قلبها وقف. عشق بهستيريا: لا لا لااااا. أكيد لأ. إنتو كدابين. لأ. حمزة بنفس الهستيريا: مستحيل. لأ. مرفت تقع على الأرض وتصرخ بشدة. مرفت: بنتييييييييييييييا! أحمد من الداخل: جهزوا جهاز الانتعاش. أحمد: اعملي ٢٠٠. الممرضة: مفيش نبض. أحمد بقلق: ٣٠٠. الممرضة: دكتور. أحمد بخوف: مستحيل...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!