تحميل رواية «انما للورد عشاق» PDF
بقلم ماهي عاطف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انتفضت من سباتها ترتجف بذعر، متوجسة من الأحلام البشعة التي تراودها. شهقت عدة مرات متتالية لتهدئة ضربات قلبها التي تقرع كالطبول. سحبت نفسًا عميقًا محاولة إدخاله عنوة إلى رئتيها. استحوذ عليها فجأة الشعور بالاختناق، وكأن روحها تسلب منها دون إرادة. شحب وجهها، وصار جسدها يرتجف كورقة خريفية وحيدة فوق غصن شجرة في مهب الريح؛ لكن ليس ارتجاف ألم، إنما بسبب الرجفة الحادة من فرط الوجع الذي يضرب بجسدها. أغمضت جفونها تعتصرهم بقوة؛ فلم تعد تشعر بالاطمئنان بتاتًا، خاصة في الآونة الأخيرة. يظل "فريد" ابن عمها يقت...
رواية انما للورد عشاق الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ماهي عاطف
يستند إلى الحائط لعلّه يحمل ثقلًا من أثقالٍ قد هزت في روحه ما هزت، ينظر في الفراغ شاردًا في الضجيج الذي تقيمه رأسه كل ليلة كحفلةٍ صاخبة، يُفكر في جميع الأشخاص الذين مروا على حياته بنصولٍ باردة؛ فخلّفوا في قلبه جروحًا لا زالت تقطر حزنًا، يشعر وكأن أحدهم طرقه بسياجٍ حديدي من لهيب جهنم.
لحظاتٍ مرت عليه وهو يجلس هكذا دون أن يغمض له جفن.
لا يعلم ما عليه فعله بعدما عَلِمَ بأن حبيبتهُ لم تَعُد له.
ضرب بقبضته فوق قلبه لعشقها النازف الذي يقطرُ حزنًا لفقدانها وكأن قلبه اكتوي ألمًا ووجعًا كلما تذكر دموعها في المقابر حينما فقدت "فريد".
أراد ضمها بكل قوةٍ حتى يشبع روحيهما معًا وتكن له؛ لكنه لعن تفكيره وذاته مُدركًا بأن هذا لا يصح فهي تعتبر غريبة عنه.
زفر بضيقٍ ثم وقف في موضعه عازمًا على فعل الكثير لتعود له حتىٰ لو كلفه الأمر فقدان حياته هو الآخر.
بعد ساعةٍ ونصف توجه نحو منزل عمها كي يُعاود امتلاكها بعد مُغادرة نجله.
ترجل من سيارته غير عابئ بنظرات الجميع المصوبة نحوه طرق الباب؛ لينفتح بعد ثوانٍ استقبلته "كوثر" بإبتسامةٍ تكلف.
أذنت له بالدخول كي تُنادي لابنة خالتِه لكنه رفض ذلك مُتعللًا بأنه يريد التحدُث معها لا سواها.
دُهشت خاصةً لا يوجد حديثٍ يجمعهما سويًا لكن أرادت التريُث ومعرفة مايرغب بهِ.
تنفس بعمقٍ مُحاولًا إخراج نبرةٍ هادئة بعض الشيء:
أنا حابب اتكلم مع حضرتك يامدام كوثر في موضوع مهم.
أومأت له بعينيها ليُتابع بجمود عكس ما بداخله من بركان جحيمي:
أنا عارف إنه مش وقته، بس أنا لو ما تكلمتش دلوقتي مش هيبقى في كلام بعدين.
تخلّت عن صمتها لتردف بتساؤل حاد:
عايز إيه ياعاصي؟ وبعدين احنا لا في بينا كلام ولا مواضيع تجمعنا من الأساس.
ارتسم على شفتيه ابتسامة جانبية قبل أن يُعقب على حديثها بمكر:
إزاي بقى الكلام دا؟ عمومًا هدخل في الموضوع على طول علشان الوقت.
تنهد مُضيفًا بنبرةٍ حادة:
أنا عايز اتجوز ورد بدل ابنك ماجد.
اتسعت عيناها من حديثه الصادم لها، كيف يفكر من الأساس بقول هذا ولم يمر علىٰ وفاة نجلها سوىٰ شهر ونصف.
وقفت في موضعها لتُشير نحو الباب قائلة بعصبية مفرطة:
اخرج برا ياعاصي، أنت شكلك اتجننت.
حرك رأسه بنفي، فتحدث بغضب سافر:
مش خارج وأنا مقولتش حاجة عيب ولا حرام، بنت خالتي وعايز اتجوزها بعد ابن عمها ما مات يوم فرحهم، إيه الجنان في كدا؟
بتر حديثها بنبرةٍ حزينة ورجاء في آنٍ واحد:
ارجوكِ ساعديني أنا والله بحبها، لولا ابنك كان زماني متجوزها، علشان خاطري ارجعي عن رأيك في موضوع جوازها من ابنك التاني.
تساقطت عبراتها بغزارةٍ فوق وجنتيها من حديثه، حركت رأسها برفض قاطع، مُرتمية فوق المقعد، بنحيب أجابت:
مش هينفع ياعاصي، والله يابني ماينفع تتجوزها.
استرسلت حديثها بإصرار وعزم شديدين:
لازم ورد تتجوز من ماجد، لازم.
اصطكّ أسنانه ببعض، احتدت ملامحه قائلًا بعدوانية:
اشمعنا هو مش أنا.
ردت بعصبية وقوة فلم تعُد لديها قدرة على تحمُل حديثه المرجو والغاضب لها في ذات الوقت:
علشان ورد حامل في ابن فريد، افهم بقى علشان كده هجوزها لأخوه.
شحب وجهه من حديثها الصادم، بينما هي طأطأت رأسها أرضًا.
لتستطرد بمرارة:
فهمت بقى أنا مش عايزة اجوزها ليك ياعاصي.
أطلقت قذيفتها التي اخترقت جسده كالرصاص، تحطمت أحلامه مرةً أخرى كقلاع واهية من الرمال.
منذ سويعات كان يحلق في الفضاء والآن سقط بقوةٍ علىٰ أرض قاحلة قاسية.
حديثها أوقف دقات الساعة عند هذه اللحظة اللعينة.
أطرقت رأسها كي تخفى دموعها التي تسيل كالشلال، تهمس بتشنج يحتوى علىٰ رجفة وصوت متقطع:
ورد حامل في الشهر التاني من فريد، ولازم تتجوز ماجد أخوه علشان الفضيحة.
" لأ لأ مش ممكن ورد تعمل حاجة زي كدا، دي خاتمة القرآن وبتصلي، مستحيل تعمل حاجة تغضّب ربنا، أكيد اللي حصل ده غصب عنها."
عقله يتلاعب بهِ، جن جنونه من مجرد التفكير بهذا الشيء الشنيع، لم تفعل شيءٌ بغيض هكذا لم تفعل.
ظل يخبر ذاته بهذا الحديث رافضًا الاستعاب بما وقع علىٰ مسامعه للتو من حديثٍ قاسي كالسُم اخترق قلبه.
بينما الأخرى تخلّت عن صمتها، متوجسةٍ من ردة فعله الغير متوقّعة نهائيًا، تنفست بعمق ثم غمغمت بثلاثةِ كلمات جعلته يفقد صوابه نحوها:
ما هو غصب عنها فعلًا.
ركل المقعد الذي بجواره ليسقط على الأرضية بقوةٍ وفوقه كوب زجاج تناثر لأشلاء كقلبه، رغمًا عنه تساقطت دمعة حارة من عيناه، مُشفقًا نحو تلك "الورد"، زهرته الرقيقة، حبييته.
اقترب منها بخطواتٍ متأنية، يحدجها بنظرات نارية كالأسد المنقض علىٰ فريسته، ليغمغم امام وجهها بشراسة:
كله كوم واللي ابنك عمله فيها كوم تاني، اقسم بربي ما هاتدوقوا طعم الحلو في حياتكم ياكوثر.
ثم صاح هادرًا بقوة غير عابئًا بتوجسها نحوه ونبرته المتعالية:
ورد.
استجابت لنداءه فهي استمعت إلى الحديث الذي دار بينهم، هبطت الدرج سريعًا ترمق هيئته بدهشة، شهقت حينما وجدت الزجاج متحطمًا، زوجة عمها تنحب في صمت تام غير قادرة على النظر نحوها حتى.
بتر تساؤلها بنبرةٍ حادة مريبة:
اطلعي هاتي كل حاجة تخصك، علشان نمشي.
حدجته بطرف عيناها في استنكار، محاولة كبح دموعها فاقتربت منه، غمغمت بخفوت حزين:
هتفضح ياعاصي، خليني محبوسة هنا أفضل، مش عايزة كلام من الناس.
اشتدت الحرب، أزدادت أشتعالًا حتىٰ وصلت إلى أكثر نقطة مثيرة وهو همسه الغير مبالى الذي يعبر عن نفس غاضبة:
لا عاش ولا كان اللي يفضحك، يلا ياورد بقول لك، اسمعي كلامي.
هزت رأسها بنفي، غامت عيناها بالعبرات لتجلس فوق الأريكة هاتفة باكية بحرقة:
مش هقدر اخرج، مش هستحمل نظرات من حد، نظرة خالتي ليا، كلام سم يخليني اموت مقهورة، مش هقدر امشي صدقني، مش هقدر ياعاصي، والله ما هقدر.
ظلت تهذّى بهذا الحديث، تضم قدميها إلى صدرها محتضنة إياها ليجلس بجوارها، يربت فوق كتفها بحنان، ثم تحدث هامسًا لها:
خلي بالك من نفسك، خليكِ قوية ياورد، أنتِ اتولدتي علشان الفرح مش علشان تعيطي.
يتابع مازحًا إياها:
الورد بتاعنا دبل عاجبك كده؟
ابتسمت على حديثه الأخير الفكاهي، تؤمى له بعينيها، بينما هو وقف ينظر نحو "كوثر" بأعين نارية متواعدًا لها ثم غادر في صمت بعدما اطمئن علىٰ حبيبته.
وقفت في شرفتها تدندن مع كوكب الشرق التي تخرج مع حروفها سيمفونية رائعة لم تستمع إليها طيلة سنوات عمرها المنصرمة البائسة، حينما لمحته يترجل من سيارته اغلقت الموسيقى سريعًا ثم هرولت للأسفل حيثما تجلس والدته.
وقفت امام غرفة المعيشة بإرتعاب خوفًا من رؤية أحد لها بهذا الوضع، اطلقت شهقة ذعر حينما استمعت لصوت "عاصي" المحتدم نحو والدته:
بقول لك مش هينفع تيجي، خلاص ياماما ورد اتكتب عليها تعيش وتموت في بيت عمها.
"يعني إيه الكلام ده؟ هو دا اللي محضره بقالك شهر علشان تروح عندها وتيجي تقوله لي؟ يافرحتي، طب اسمع بقى ياتروح تجيب ورد يا اقسم بالله ما هاتعرف لي طريق ياعاصي."
اتسعت عيناه من حديثها القوي؛ ليتنهد واضعًا رأسه بين كفيه فتحدث بتحشرج حزين:
ورد هتتجوز من ماجد ياماما، مش هينفع تيجي تعيش معانا.
رفعت حاجبيها بدهشة، ثم احتدت ملامحها؛ لتشير بسبابتها مُعنفة إياه:
بطل وهم ليا وكدب، ورد مش طايقة حد منهم فإزاي هتعيد تجربة الجواز من عندهم؟
"هو دا اللي هيحصل، بس مش هقول لك سبب الجواز."
تحدث بهذا الحديث ثم تحرك ينوى المغادرة فاسرعت تجذبه من رسغه هادرة به:
اقف هنا كلمني، وضح لي كلامك، مش دي اللي كنت هتموت عليها وعايز تتجوزها، إيه اللي غيره بقى؟
تحدث بنبرةٍ جامدة عكس ما يشعر به:
كنت ياماما، كنت بحبها.
حرر يده من قبضتها ثم غادر نحو أعلى تاركًا شخصٌ يقفز من فرط السعادة التي استحوذت عليه، اقسمت بأنها فقدت عقلها من هذا الخبر الذي وقع على مسامعها، هرولت نحو غرفتها كي تتجرع كوب من الخمر احتفالًا بما استمعت إليه للتو.
وضعت هاتفها فوق الأريكة ثم اتجهت نحو الخزانة تجلب صندوق خشبي كبير يلمع بشدة، احتضنته بقوة لثقل حجمه ثم وضعته بجوار قدميها علىٰ الأرضية بصعوبةٍ، اخرجت قارورة من الخمر وكيس يحتوى على السعادة نحو قلبها.
امسكت بالكوب المخبأة بالكومود ثم وضعت به الخمر، وضعت سبابتها بداخل الكوب ثم وضعته بفمها بتلذذ.
تركته فوق المنضدة بجوارها لترتشف من الزجاجة كميّة كبيرة، امسكت بالكيس تسكب محتواه فوق ظهر كفها؛ فقربته من أنفها تستنشقه بإنتعاش شديد وسعادة غير مبررة.
"حلو الدقيق مش كده؟"
فرت الدماء من وجهها وتغلغل الرعب داخل اوصالها، نظرت نحو مصدر الصوت لتجده يجلس بجوار الباب علىٰ الأرضية، انقبض قلبها بخوف واعتدلت في جلستها بذعر من تواجده الآن داخل غرفتها فتحدثت بتلعثم:
عـ عاصي.
وثب واقفًا، شبك كفيه ببعض خلف ظهره، مقتربًا منها بتأني، قائلًا بهدوء ما يسبق العاصفة:
أيوة عاصي، إيه فاكرة إن حوار المندوب دخل عليا؟
ابتلعت ريقها تحاول إيجاد حديثٍ مراوغ لكنها فشلت.
مُعقبة بتوجسٍ من هدوءه:
عاصي أنا.
تفاجأت حينما هوى بصفعة قوية فوق وجنتها اليمنى كأنها بمثابة الضوء كي تصمت، استشاط غيظًا من وقاحتها اللا منتهية والبحث عن حديثٍ كاذب لإرضائه.
جذبها من خصلاتها المتمردة بعنف، صائحًا بها:
أنتِ إيه؟ بقى بتشمي هروين وكمان مخبية ازايز خمرة في بيتي؟ طب ماتجيبي راقصات ونقلب البيت دعارة أحسن.
صرخت بهِ أن يتركها؛ لكنه رفض فهدرت به:
اوعى كده ملكش دعوه بيا.
يضحك بتهكم مُجيبًا بنبرةٍ ساخرة:
مليش دعوة؟ لأ ما هو من هنا ورايح ليا يافروحة.
" ابعد عني يازبالة."
انهال عليها بالصفعات فجعلها تصرخ بإنهيار، ابتعد عنها فجأة ثم قبض على خصلات شعرها بعنف مرةً أخرى، صرخت ببكاء مرير وهي ترجو منه أن يتركها؛ لكن لا جدوى.
فتحدث بفحيح:
أنا هوريكي الزبالة دا هيعمل إيه؟
فتح باب غرفتها تاركًا إياها غير قادرة على التحرك من موضعها من شدة الألم والتوجس نحو القادم، بينما هو وقف أعلى الدرج صائحًا بنبرةٍ قوية:
مـــامـــا.
أغمضت جفونها جاهلة ماينتظرها من طوفان عاتي لحديثه الغامض المريب لها.
رغم الألم المبرح التي تشعر بهِ إلاّ إنها سارت بصعوبةٍ نحوه، جذبته من يده بإصرار عجيب ثم دلفا مرة أخرى، اسند بظهره خلف الباب بينما هي تقف امامه تكاد أن يتلاصق جسدها به من قربها.
التزمت الصمت مطرقة رأسها في خزى، تلهث مما في صدرها من الألم والحزن لمعاملته القاسية لها، تارةٍ تجده هادئ وتارةٍ أخرى غاضب، لقد سئمت حقًا.
تسألت إلى أي مدى ستظل الأوضاع بينهم متذبذبة هكذا؟
جعلها تقف في ارتيعاب حينما صاح بقوة:
ابعدي عني دلوقتي أحسن لك.
تخلّت عن توجسها نحوه لتقول برجاء وهي تحتضن كفيه بين راحتها:
بلاش تقول حاجة لروزا بالله عليك، مش هشرب ولا هَشم تاني، خلاص والله.
" ابعدي عني بقول لك."
بتر حديثهما طرق الباب لتشهق "فرح" حينما دفعها للخلف كي يفتح؛ فوجدها والدته التي نظرت إليهم بعدم فهم، ليقطع السكون وتبادل النظرات بقوله الحاد:
نعم ياماما.
" عاصي كويس إنك لسه موجود، في خبر حلو ياحبيبي."
حمحم بصوته الرجولي لينظف حنجرته مُعقبًا بتساؤل:
خير؟
بمكر ونظرات تفحص لكلاهما أجابت:
ابن خالة عثمان شاف فرح في الخطوبة وعجبته، فكان عايز ميعاد منك علشان يتقدم يعني، إيه ده فرح مين عمل فيكِ كده؟
تجاهل حديثها الأخير، فأردف بنبرةٍ حادة مريبة جعلتها تنتفض في وقفتها:
ارفضي ياماما، مفيش حد هيتجوز فرح غيري.
" أنت بتقول إيه ياعاصي؟ إزاي يعني."
جذب يد تلك التي تحاول السيطرة على ذاتها من شدة الصدمة التي اخذتها للتو، فاستطرد بنفاذ صبر:
اللي سمعتيه، بعد إذنك علشان عايز فرح في كلمتين.
تحرك بها نحو غرفته، اغلق الباب بعنف جعلها ترتجف فتحدث بغضب عارم وهو يقترب منها:
أنا مش هتجوزك حبًا فيكِ، لأ ياحلوة دا علشان اروق لك وتتعالجي غصب عنك، بمجرد ماتنتهى فترة علاجك هنتطلق، فاهمة؟
نظرت له بأعين زائغة، هيئة لا حياة فيها ولم تُجب فزفر بعمق مستطردًا بإيجاز:
عارفة أنا كنت شاكك فيكِ بقالي شهر بس كدبت نفسي، دخلت من وراكِ لقيت كمية هروين مش طبيعية، بس للأسف بدلتها لك بدقيق يعني أنتِ واهمة نفسك إنك مدمنة بقالك أسبوعين.
دُهشت فتحدثت أخيرًا بعد صمت دام لعدة دقائق:
وما قولتش لية لمّا عرفت؟
ابتسم ساخرًا ليعقب بإزدراء:
مجيش مناسبة، آه صح ابقى رني على فخري بتاع مزاجك اطمني عليه، اصله بقاله يومين محجوز في المستشفى بين الحياة والموت.
استكمل حديثه مازحًا إياها لهيئتها الشاحبة تلك نحو حديثه:
حد طلب منه كمية فرفض يجيب له علشان السوق واقف زي ما كان بيقول لك فعملوه بطاطس مهروسة، يلا ربنا يكمل شفاه على خير أو يريحه أيهما أقرب يعني.
ثم قهقه بصخب جاذبًا خصلاتها في يده، ارتدت للخلف من شدة دفعه لها، رمقها باشمئزاز ثم صفق الباب بوجهها بقوة تاركًا إياها تنحب بشدة، تجر خيبة أملها من الوصول نحو قلبه.
كانت ترغب أن يبادلها الحب الكامن له؛ لكنها صُعقت لمعرفة ما تخفيه منذ فترةٍ والآن اتضح له كل شيء، باتت شخصٌ ينفر من وجوده.
لا أريد شيء سوى وجودك معي؛ لتروية قلبي الملتاع العاشق لك ياعزيزي.
اقسمت بأنها ستتغير لأجله، لأجل عشقها له، لعله يشعر بها وينقلب الشعور نحوها من النفور والاشمئزاز إلى حبٌ مهلك لكلاهما.
جلس فوق مقعده ينظر لطاولة الطعام والمقاعد الشاغرة بابتسامة وجع ارتسمت على محياه، متسائلًا من أين ستأتي الشهية وقد رحل العزيز وصارت الطاولة فارغة؟
منذ وفاة نجله يشعر بالوحدة تكاد تقتله ببطء، اشتاق له بشدة، دومًا يقف معه امام صمود زوجته وعجرفتها في الحديث معه، يفعل الكثير لأجله، لأجل سعادته وطيبة قلبه التي تشعُره بتقليل ذاته كما تخبره تلك الشمطاء.
لا يملك من القوة كافيًا كي يقف امامها، لم تترك وقتٍ سوى الشعور نحوه بالغضب والحديث اللاذع المُهين له، دومًا ينصت جيدًا لحديثها ويبادلها الصمت دون جلب حقه؛ مما جعلها تفعل ما ترغب به دون اللجوء لأحد.
هبطت الدرج بتعالٍ ثم اقتربت منه ترمقه بغيظ مكتوم؛ لجلوسه الدائم امام عيناها فاستطردت بمكر أنثوي:
عايزين نفكر في طريقة علشان نقنع ماجد ينزل القاهرة، نحدد كتب كتابه على ورد.
" أنتِ اتجننتي ياولية أنتِ؟ ابنك ميت بقاله شهر ونص."
مصمصت شفتيها لتقول بعتاب وهمي:
اتجننت علشان عايزة استر على بنت أخوك يا راجل؟
ضرب فوق المنضدة بقبضته، فتحدث بشراسة:
قطع لسانك، مالها بنت اخويا.
ضحكت بغنج ثم اقتربت منه بدلال فقالت بإعجاب:
دا حلو أوي اللي بسمعه دا، ما أنت طلعت بتزعق وصوتك عالي اهو، أومال كنت بتخرس ليه ياحبيبي دايمًا؟
نفض يدها ثم تحدث بفحيح:
بلاش كلام ستات فاضية، قولي لي ورد مالها؟
طأطأت رأسها أرضًا مستطردة بآسف وهمي:
ابنك فريد للأسف الله يرحمه ضحك عليها وسابها حامل منه، تخيل.
اتسعت عيناه من هول ما وقع علىٰ مسامعه، فأجاب بتلعثم:
إ إزاي؟ قولي إنك بتكدبي ياكوثر؟
"دي الحقيقة ياحبيبي، علشان كده لازم في اسرع وقت تتجوز، غلطت أنا بقى لمّا قُلت إن ابنك التاني يتجوزها؟"
بتر حديثها واقفًا في موضعه ثم تحرك نحو غرفة المكتب.
ما زالت الصدمة مستحوذة عليه؛ ليتذكر نبرتها الواهية، عبراتها الغزيرة، نظراتها الحزينة، انطفاء وجهها البشوش، تذكّر أيضًا يوم تجمعهم هُنا، كانت هيئتها لا حياة فيها، الصمت متملك بها، كل شيء كان يدل أن هناك فجيعة حدثت؛ لكنه كالعادة أحمق لا يعلم ما يخفونه عنه.
اقترب من فراشها يهزها بعنف، فشهقت بقوة متألمة من قبضته، اعتدلت في جلستها لترى من فعل هذا، اتسعت عيناها حينما وجدته عاقدًا ساعديه امام صدرهُ متفوهًا بإستخفافٍ:
هنفضل نايمين والا إيه؟
استلقت مرةً أخرى بلا مبالة ولم تُجب، فاصطكّ أسنانه ببعض من تجاهلها نحوه؛ فلمع المكر بعيناه عندما وجد كوب من المياه بجواره، امسكه وقام بسكبه فوق وجهها؛ ارتجف جسدها بشدة كورقة خريفية، ثم وقفت في موضعها مسرعة تهندم ثيابها المُبللة.
شعر بالشفقة نحوها لكنه لم يظهّر هذا، تحدث بغضب عارم لترتجف من نبرته:
مفيش حد في البيت وعايز افطر، قومي يلا اعملي لي فطار.
طفح الكيل من حالاته المزاجية المتغيرة هذه فهي ليست مرغوبة على تحمُل ذلك؛ لتصيح به في اندفاع:
وأنا مالي، كنت الشغالة اللي جابوها لك؟
تجمد في مكانه ولاح الغضب على وجه من صوتها المرتفع، فدنى منها متشدقًا بصوت ساخر مُهين لكبريائها:
لأ ما هو تدريب ليكِ قبل الجواز ياحبيبي، علشان اشوف مراتي فالحة في المطبخ زي تظبيط دماغها والا لأ.
صاحت به بهيستيريا كي يصمت عن هرتلته:
مش هتجوزك ياعاصي، أعلى ما في خيلك اركبه.
قبض على ذقنها، فاستطرد بعصبية فارطة:
مدمنة زيك تتكلم معايا وتعلى صوتها عليا؟ أنتِ فاكرة نفسك ليكِ قيمة أصلًا علشان تتعوجي كده؟
ردت عليه بغضب يكاد أن يطيح بالأخضر واليابس:
غصب عنك ليا قيمة، أنا مش عليا حاجة الحمدلله علشان تكسر عيني وتقلل منى أبدًا، فوق ياعاصي، فوق ياحبيبي.
اعتصر ذقنها بين يديه وهو يهمس بهسيسٍ مُرعب:
بجاحتك دي ما شوفتش زيها، بس اوعدك هقطع لسانك دا ياحثالة.
توسعت عينيها مع إكماله كلماته القاسية متابعًا حديثه بجنون:
واحدة زيك تكلمني كده وتقلل مني، لأ أنتِ شكلك وحشك قلم زي امبارح وهاحقق طلبك حالًا.
صرخت بهلع حينما رآت ذلك البريق المُخيف بعينيه واقترابه نحوها؛ لتهرول نحو الخارج بعدما دفعته بعيدًا عنها، ركضت بأقصى سرعة لديها؛ كي لا يلحق بها ويلقنها درس صعب نسيانه.
ظلت تركض لا تعلم وجهتها تقودها إلى أين؛ لكنها وجدت ابنة عمها امامها بالحديقة تسير مع "عثمان" الذي شعر بالاحراج من وجوده بينهم فاستأذن من حبيبته ورحل، امسكت "عنان" بيدها عنوةٍ تجذبها خلفها غير عابئة بالنظرات الجحيمية التي ترمقها فجعلت الذعر ينشب مخالبها.
فكرت بيأس لو تظاهرت بفقدانها للوعي الآن هل ستتمكن من إنهاء هذا اللقاء أم لا.
رواية انما للورد عشاق الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ماهي عاطف
في ليلة باردة غطت السماء بالسحب المملوءة بالمطر فتحول لونها كما باذنجانة ناضجة، كانت صفحات النهر تعكس ضوء النهار بخجل واضح، يتلاشى تدريجيًا تاركًا مكانه للنجوم التي بدت علىٰ إستحياء من خلف السحب، الهواء البارد يضرب حنايا المدينة.
كانت كامنة في مضجعها تضم ساقيها إلىٰ صدرها تحملق أمامها في اللاشيء بشرود. تحاوطها الذكريات المؤلمة من جميع الجهات وتتناثر في الهواء كتراب هبت عاصفة قوية فقربته نحوها.
أطبقت على جفنيها من ذبذبات حديثه التي اخترقت قلبها، ارتسمت على شفتيها ابتسامة وجع كلما تذكّرت ضربه المبرح لها، حديثه الذي يُشعرها بالخزى نحو ذاتها، امتعاض وجهه لرؤيتها؛ حتىٰ والدته لم تتسأل عن الكدمات الزرقاء البادئة فوق قسماتها بتاتًا.
حقًا لم تجد ما يُسعفها من حديثٍ نحوهم سوى الخذلان.
رمقت وجهها المتورم بفعلته في المرآة التي امامها، وجنتيها التي أصبحت مليئة بالكدمات الحمراء تندرج إلىٰ اللون القرمزيّ القاني من شدة الصفعات التي نالتها.
ابتسمت بمرارة ثم امسكت بكوب المياه ترتشف منه القليل كي تبتلع الغصّة المريرة التي باتت تشعر بها دومًا.
تنفست بعمق ثم التقطت هاتفها عازمة على الهبوط لأسفل بعدما صدع رسالة منه يُخبرها بتناول العشاء سويًا.
فتحت الخزانة تلتقط كنزة سوداء ذات أكمام شتوية وبنطال أسود، عكصت شعرها على هيئة كعكة يتدلى منها بعض الخصلات ثم تحركت نحو أسفل بعدوانية كعاصفة هوجاء قادمة نحوهم.
جلست فوق مقعدها دون توجيه حديثٍ لأحد فقط تتناول طعامها في صمت دام لدقائق؛ فبادر "عاصي" بقوله الرزين نحو والدته:
ماما بقول لك إيه، عايز اسافر أنا وفرح نكتب الكتاب برا علشان هسافر الفترة الجاية وقت طويل فبالمرة يعني.
_" نعم؟ إيه الجنان ده لأ طبعًا، مش هاسمح بكدا أنت أول فرحتي لازم حفلة كبيرة ومعازيم."
زفر بحنق ثم وضع عيناه في الطبق متناولًا طعامه بإمتعاض؛ لتخترق فقاعة الصمت مرة أخرى "عنان" قائلة بنبرةٍ حماسية:
عاصي كنت عايزة اقول لك إن عثمان عايز يحدد ميعاد الفرح.
رمقها بدهشة عاقدًا حاجبيه فتحدث بإقتضاب:
فرح إيه ياعنان دلوقتي؟ أنتوا لسه مخطوبين ياحبيبتي، هو سلق بيض؟
طأطأت رأسها أرضًا ثم أردفت بخفوت كابحة دموعها:
اللي تشوفه ياعاصي، بعد إذنكم.
تحدثت بهذا الحديث ثم هرولت نحو غرفتها، تتساقط عبراتها بغزارة فشقيقها اصبح متغيرًا لم يكن هكذا من قبل، لقد تواعد معها بأنه سينصت لأي حديثٍ ترغب فيه والآن شعرت بالخزى نحوه من جديد.
ضربت "فيروز" بقبضتها فوق المنضدة تناطحه بقولها الحاد:
مش ملاحظ إنك بقيت أناني ومش بتسمع لحد غير نفسك؟
_" ماما بقول لك إيه طلعيني من دماغك، فكك مني دلوقتي."
اشاحت بوجهها بعيدًا عنه وهي تضغط على كفها بقوة مغتاظة من وقاحته ثم غادرت دون قول شيء آخر.
رفعت عيناها نحوه بعدما انتهت من طعامها، رمقته بنفور شعرت بهِ نحوه لأول مرة فلم يُعجبها ما قاله فاستطردت بإستحقار جليٍ:
عاصي بالله عليك اتربي، مش هينفع نعيش كدا بعدين مع بعض.
اعتقل خصرها بين ذراعيه مكبلًا حركتها، يضغط على كل حرف يخرج منه مما جعلها ترتجف داخليًا من القادم فأجابها وأنفاسه تلفح بشرتها:
حاضر، هربيكي يا بيبي الأول وبعدين اشوف الموضوع ده.
نزعت يده بعنف تشير بسبابتها، فردت بشراسة:
اوعي إيدك دي، إياك تلمسني تاني كدا.
فاستكملت بخفوت حزين حينما شعرت بارتجافة جسدها:
عـ عاصي بالله عليك اديني كيس واحد بس، مش قادرة والله هموت من امبارح.
شعر بالشفقة وهو يرآها ترجو منه استنشاق ذلك الشيء البشع، فلم يعلم ما يفعله نحوها كي تهدئ لكنه تحدث بحدة:
مافيش أكياس يافرح، انسي إنك تكلميني في الموضوع دا بعد كدا لحد ما نروح المصحة تتعالجي.
جثت علىٰ ركبتيها عند قدمه تمسك يده لعله يشعر بها، لكنه ابتعد عنها مسرعًا فقالت بنحيب:
هموت ياعاصي مش قادرة، بالله عليك ساعدني.
زفر انفاسه بضيق ثم هتف بإنفعال لم يستطع كبحه:
بطلي وهم، قومي من مكانك يافرح.
ثم تحرك للمغادرة غير عابئًا بما تفعله كي لا يشعر بالوهن نحوها من جديد فبترت ذهابه ببكاء مرير وصراخ:
ما تمشيش وتسيبني.
تنفس بعمق ثم استدار نحوها، هيئتها وصوت بكائها مزقت نياط قلبه فاقترب منها يُعانقها بحنو أخوي مربتًا فوق ظهرها برقة ثم تحدث بنبرةٍ قوية:
اجمدي زي ما أنا متعود عليكِ يافرح، ماتخليش حاجة تهزمك أبدًا، أنتِ أقوى من كدا صدقيني.
بادلته العناق بقوة لتتحدث بإبتسامة باهتة بعدما جففت عبراتها قليلًا:
أنا بعلن انهزامي للحياة خلاص، ما بقاش في حاجة اعيش علشانها، عايزة احقق حاجة واحدة بس في حياتي وبعدين امشي، حاجة واحدة بس نفسي انولها ياعاصي.
" متقوليش كدا بطلي عبط، قولي يلا إيه اللي عايزة تحققيه وأنا معاكِ أهو هساعدك."
تهللت أساريرها كطفلة صغيرة ووثبت واقفة بحماس شديد، دققت النظر في عيناه مما جعله يرى وميض الحب يلمع كالنجم وسط السماء فهتفت بحبور:
عايزاك تحبني، تحنن قلبك عليا، تعاملني بلطف، ساعتها هكون ملكت الدنيا ومش عايزة حاجة تاني بجد.
لتتابع بوجع مطأطأة رأسها:
بس مش عارفة ليه دايمًا بتزعق لي وبتتعصب عليا بسرعة.
شعر بقبضةٍ تعتصر صدره وهو يُراقب اهتزاز عينيها بما تعانيه من عذاب صامت يفترسها وكلمات مُخباه داخلها فقال بكل هدوء لا يُقارن بما داخله:
فرح، أنا لازم اخد وقت احدد مشاعري ونسياني لورد، عايز بس شوية وقت مش أكتر، ممكن؟
ابتسامة باهتة ارتسمت فوق شفتيها فقالت بتحشرج حزين:
حاضر ياعاصي هستناك، هستناك عمري كله.
تعلم أن حبها من طرف واحد ولن يشتركا بهِ بتاتًا، لكن يكفيها أن تعيش هذه اللحظة بقربه، أن يحتضنها ويضمها إلى صدره وأن كان ذلك بدافع شفقته نحوها؛ فلا يهم فهي قابلة بكل شيء مقابل أن تكون معه وبجواره دومًا.
استيقظت من النوم، وجدت الطيور تحّلق في السماء، أوراق الأشجار تتراقص علىٰ ألحانها، كانت نسمات الهواء باردة مُحمّلة برائحة المطر، رمقت الفراشات التي حولها بإبتسامة هادئة؛ فتمنت بداخلها ألّا يشعر أحد بثقلها عليه كأجنحة الطير أو أخفّ ثُقلًا.
جلست في الشرفة تغمض جفونها لعدة دقائق، تستمد القوة والصمود نحوها من جديد، عدم التفكير في شيء يجعلها تعود لنقطة الصفر، تود أن تكون بهيئة قوية تقوى علىٰ حملها.
لم يَعُد هناك عائق بينها وبين ما ترغب به من أحلامها الضائعة، فقد اكتفت وهي ترى أحلامها تتخبر كالريح، تذهب لأشخاصٌ أخرى، يكفي الشعور باليأس والتحلى بالصبر والتفاؤل بدافع الاستمرار.
اتجهت نحو المرحاض كي تغتسل وتؤدي فريضتها، بعد دقائق وقفت تدعو ربها بأن القادم يحمل معه السعادة لقلبها كي يحيا من جديد.
انتهت ثم وقفت امام خزانتها تنتقي ملابسها بعناية فابتسمت بحماس ثم اخذت بذلة نسائية ذات لون أسود قد وقعت عيناها عليها واخرجت قميص أبيض لترتديه ثم التقطت هاتفها وهبطت لأسفل.
وجدت عمها يتناول طعامه فذهبت تضع قبلة فوق رأسه ليبتسم لها بحبور ثم جلست بجانبه فتحدثت بنبرةٍ خافتة مليئة بالحماس:
شكرًا أوي ياعمو بجد شكرًا، مش عارفة اقول لك إيه، لولاك ماكنتش هاخد الخطوة دي.
ليبادلها حماسها هذا بروح معنوية قائلًا بنبرةٍ هادئة:
مفيش شكر بين أب وبنته ياورد، الشغل هيخليكِ حد تاني، حد واثق في نفسه يقدر يتحدى أي حد يقلل منه، ربنا معاكِ ياحبيبتي.
ابتسمت له بإمتنان فلولا حديثه المحفز هذا؛ لم تُجني العزيمة والإصرار نحو ذاتها، فقد وجد لها وظيفة شاغرة بمقر عمل رفيقه كي تبتعد عن الهموم قليلًا وأمام إلحاحه الشديد أذعنت بقرارها المحتوم بالموافقة.
خرجت "كوثر" من المطبخ بيدها زجاجة عصير وطبق يحتوى على قطع طماطم صغيرة، فرمقت ملابسها بدهشة رافعة حاجبيها نحو زوجها الذي قابلها ببرود فتحدثت بتساؤل:
رايحة فين ياورد على الصبح كده، رايحة للدكتور؟
هزت كتفها بلا مبالة فأجابت بحنق وغيظ مكتوم في آنٍ واحد:
رايحة الشغل يامرات عمي.
_" شغل؟ شغل إيه ياحبيبتي، قومي بس استهدي بالله واطلعي غيري هدومك دي وتعالي اعملي لك شغلانة في البيت بدل ما أنتِ محدش مستنفع منك بحاجة."
بتر حديث "ورد" عمها بقوله الحاد الذي جعلها تصمت:
اطفحي يا كوثر وعدي يومك اللي لسه ما بدأش ده.
أومأت له على مضض ثم جلست تتناول طعامها وسط انتصار "ورد" وكبح قهقهتها على غيظ "كوثر" المكبوت نحوها.
جلس يتابع عمله باهتمام شديد خاصةً بأنه قد تركه لفترة طويلة، دلك عنقه ليشعر بالراحة ويزيل عنه الألم، تصبب العرق من جبهته مقاومًا ليأخذ أنفاسه بصعوبة من شدة الأرهاق، اغلق جفونه كي يستريح قليلًا، فصدح هاتفه في الأرجاء لينتشله من الخلوة مع ذاته فزفر بحنق مجيبًا بضيق:
خير ياماما؟
_" مش هتنزل والا إيه؟"
تنفس يهدئ من زروة غضبه التي تزداد من تدخُلها فيما لا يُعنيها:
في حاجة يعني؟
زفرت بضيق ثم تحدثت بإنفعال:
في إنك نايم على ودنك هناك ياحبيبي وسايب أمك هتموت مقهورة.
_" في إيه طيب؟"
تنهدت بيأس مُعقبة بإيجاز وعيناه تلمع بالحقد والكره الشديد:
ورد ياماجد قال إيه لابسة ومتشيكة ورايحة الشغل، ابوك المعدول بقاله كام يوم بيزعق لي، داخل خارج من عندها دا ناقص يبات في حضنها.
ابتسم حينما استمع لحديثها هذا فتحدث بفخر وإعجاب مما تفعله لتقوية ذاتها:
طب والله جدعة ياورد، فيها إيه ياماما لما تشتغل وتعمل لنفسها كارير.
فغرت شفتيها في صدمة ثم استوعبت ما قاله فتحدثت بغيظ مكتوم:
بقول لك إيه أنت هتخرس والا أقفل في وشك؟
_" ياريت والله."
هدرت بقوة جعلته يستفيق:
نعم؟ بتقول حاجة؟
حمحم لينظف حنجرته مُجيبًا بتلعثم:
أقصد يعني أنا قُلت إيه يعني علشان تتضايقي كده؟
_" بلا قُلت بلا ماقُلتش، خلاصة الكلام الأسبوع الجاي تنزل القاهرة عايزاك."
بنبرةٍ باردة كالثلج أجاب:
مش فاضي والله.
صاحت به بعدوانية وشراسة:
يعني إيه؟ امك بتقول لك انزل تقول مش فاضي؟
تنهد قبل أن يعقب بإزدراء:
أصل كلامك دايمًا بيكون فاضي ياماما وأنا مش هنزل علشان كدا يعني.
اغلقت جفونها تصطكّ أسنانها ببعض هاتفة بغموض:
هتنزل يعني هتنزل يا ماجد، عايزاك في موضوع مهم، عايزة احط النقط على الحروف.
قال بنبرةٍ تحذيرية تحمل التهديد:
خلاص هنزل بس صدقيني لو الموضوع تافه والله ما هتلمحي طيفي عندك، سلام.
رواية انما للورد عشاق الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ماهي عاطف
جلس في غرفة المعيشة ينفث دخان سيجارته بشرود استحوذ عليه منذ مجيئه، وكان عقله في دوامة من التفكير العميق، غير واعٍ لنظرات والدته المصوبة نحوه وهي تهبط الدرج.
تحركت نحو المطبخ وخرجت بعد دقائق تحمل بين يديها طبقًا مليئًا بحبات العنب المجمدة، توجهت نحوه ومدت يدها به ليأخذه منها على مضض ثم تحدث بنبرة ساخرة:
"أنتِ منزلاني القاهرة علشان أكل عنب متلج؟"
تجاهلت حديثه معقبة بحدة:
"منزلاك علشان لازم نتكلم."
أمسك بحبة العنب يمضغها بتلذذ ثم رمقها بتساؤل يحثها على استكمال حديثها، فتابعت بمكر أنثوي:
"طبعًا أنت عارف إن في طراطيش كلام كدا مننا إنك لازم تتجوز ورد علشان اللي في بطنها، صح؟"
نظر لها بدهشة قبل أن يعقب بنبرة ساخرة وتعجب:
"اتجوز ورد إزاي؟ هي علشان خلصت من فريد هتلبسيها فيا؟"
"يا حبيبي افهم، أنت كدا كدا مش بتخلف يعني محدش هيرضي بيك أصلًا ولو حصل هتتطلق منك، وبعدين ورد بنت عمك واللي في بطنها ابن أخوك."
كلماتها كانت كافية لتولّد جراحًا قد التئمت والآن عادت تنزف من جديد !!
ابتلع غصّة مريرة تشكلت في حلقه قائلًا بمرارة:
"أنتِ بتعايريني يا ماما؟"
تنهدت بيأس ثم تحدثت بنفاذ صبر:
"مش القصد يا ماجد، أنا بقول لك اللي المفروض تعمله."
رمقها شزرًا فقال بنبرة قوية:
"عارفة أنا هوافق أتجوزها علشان حاجة واحدة بس."
أرسلت له نظرة استفهام متوجسة؛ ليناطحها بقوله الصارم:
"علشان أعوضها على اللي عمله فيها وتصرفاتك معاها اللي محسساها إنها متسواش، بس ليا شرط."
"قول عايز إيه."
تنفس بعمق مستطردًا بجدية شديدة:
"أول ما نكتب الكتاب هخدها وننزل بنى سويف، مش هنقعد هنا ولا هنيجي القاهرة تاني."
بشراسة ودموع وهمية أجابت:
"أنت بتلوى دراعي يعني؟ طب أنا وابوك مافكرتش فينا؟"
زفر بعصبية مردفًا بعدوانية:
"ماما بقول لك إيه، اطلعي من دماغي، أنا سايب شغلي وحالي، فماتخلينيش أندم إني جيت."
قللت من حدتها معه ثم تنهدت قائلة بإمتعاض:
"خلاص، اعمل اللي تعمله بس المهم اخلص من كل دا، وتكون كل حاجة في إيدينا."
صوب نحوها نظرات نارية من حديثها الغامض فصاح بها:
"قصدك إيه بكل حاجة في إيدينا؟"
"اللي بتفكري فيه مستحيل يحصل يا كوثر، عارفة ليه؟ علشان كل حاجة دلوقتي بقت بإسم ورد."
نظر بعضهم نحو الصوت ليجد "محمود" عاقدًا ذراعيه ببرود فوق صدره؛ لتتسع عينا "كوثر" من هول ما وقع على مسامعها من حديثٍ جعلها تصمت نهائيًا كأنها أُصيبت بالشلل النصفي !!
تجاهل صدمتها تلك موجهًا حديثه نحو ابنه المبتسم بتشفٍ:
"ماجد، تعال ورايا عايزك."
أومأ له بعينيه ثم تحرك خلفه نحو غرفة المكتب، جلس "محمود" فوق المقعد الأمامي يستند بذراعيه فوق سطح المكتب بتنهيدة عميقة وحيرة شديدة، ثم بتر فقاعة الصمت بحديثه الذي يحمل الرجاء:
"ليا عندك طلب وبتمنى تحققه لي."
بدون تفكير تحدث بلهفة:
"أكيد يا حبيبي، لو في إيدي مش هتأخر."
"لو كوثر مكانتش طلبت منك تتجوز ورد، كنت هقول لك تعمل كدا، إنما طلبي هو إنك تكون سند ليها وتعوضها عن كل حزن شافته، لو ليا خاطر عندك."
تنهد مجيبًا بحزن يحمله بين طياته نحوها:
"من غير ما تطلب يا بابا، كنت هعمل كده، دي مهما كانت بنت عمي الله يرحمه."
ابتسم بارتياح قائلًا بإشادة:
"ربنا يبارك فيك يا حبيبي ياربّ ويسعد قلبك."
***
لم يشعرَا بأنهما وسط الراقصين، ظلا دقائق محدقين في عيني بعضهما، يتمايلان في عالم غريب نسج خيوطه الفضية حولهما؛ بل هو مَن نسج خيوطًا سحرية حولها، جعلها تعشق قربه المهلك، وتكره بُعده عنها ولو لحظاتٍ؛ فقد اعتادت على وجوده بجوارها في الآونة الأخيرة، بينما هو متواعد نحو ذاته بنسيان حبه تلك الورد.
اصطبغ وجهها بحمرة خفيفة من هذا القرب، نبرته الهادئة التي تحتضنها بقوة، يُتقن جيدًا التحول من غضبه العارم إلى طبيعته الساكنة المحببة لها.
لا يمكنها القول سوىٰ إنه جذاب لجعل أي فتاة تُفتن به من أول وهلة !!
استفاقت من شرودها وتمعّنها به على يده التي احتضنت خاصتها متحركًا بها نحو الطاولة.
جلست فوق مقعدها ترتشف عصير الفراولة بتلذذ، فقال بتساؤل مفاجئ:
"أنتِ مدمنة من أمتى يا فرح؟"
لا يأتي في مخيلتها من قبل تساؤله هذا، مما جعلها تبتلع الغصّة المريرة التي في حلقها بصعوبة، فأجابت بنبرة هادئة:
"من سبع شهور."
"بدأتي إزاي يعني في الموضوع دا، أو بمعنى أصح مين اللي خلاكِ تدمني هيروين؟"
أغلقت جفونها لتهدئة ذاتها كي لا تتشاجر معه بعدما أصبحت المناقشة الهادئة تحل محل الحدة بينهم.
ضغطت على كفها بقوة مغتاظة ثم تحدثت بإمتعاض:
"كان ليا صحبتي اسمها فريدة خلتني أجرب، وصلتني بفخري، بقى هو اللي بيجيب لي الحاجات دي لما هي سافرت."
أومأ لها بعينيه، عاقدًا حاجبيه بدهشة ليعقب مستفهمًا:
"سافرت فين وامتي؟"
"عاصي من فضلك، مش حابة أتكلم في الموضوع دا، وبعدين مش علشان أنت دكتور نفسي يبقى هتسوق فيها وتفضل تسحب مني الكلام، والله هسيبك وأمشي."
قهقه عاليًا، ثم همت أن تنهض للمغادرة فقبض على ذراعها قائلًا بدعابة:
"لأ خلاص، وحياة سيدك اللبلوبي ما أنتِ متحركة من مكانك، هسكت مش هسأل تاني."
ابتسمت له، لفت انتباهها شخصٌ يجثو على ركبتيه يعطي لفتاةٍ شبيهة بعمرها باقة من الورود الحمراء، تجمعت الدموع بمقلتيها، تتمنى أن يعافر شخصٌ لأجلها ولو لمرة، أن يركض خلفها ليحصل على حبها كشيء صعب المنال، أن يفعل الكثير لها دون إخباره بما تريد؛ لكن كل شيء أصبح كالحلم الضائع !!
استأذن "عاصي" ثم وثب واقفًا وسط دهشتها وهي تراه يغادر المطعم!
جلست نصف ساعة تنتظره ولم يتجلى بعد؛ فأطلقت تنهيدة عميقة بتبرم وتأفف، ثم أمسكت حقيبتها وتحركت نحو الباب بنزق ليصطدم جسدها بصدره العريض، طوقت يداه خصرها وبتلقائية أسندت يدها الصغيرة على صدره، لفحت أنفاسه الساخنة وجهها، نظرت لعينيه كي تستمتع بتلك اللحظة النادرة بينهم ..
تلاقت الأعين طويلًا، توقفت عقارب الساعة، تسارعت الأنفاس ببطء بعدما كانت محبوسة، الأعين والنظرات فقط تتحدث، انسجام كامل بينهم كأن لا أحد معهم !!
فكان هو أول من قطع سحر النظرات هامسًا في بحة رجولية:
"رايحة فين؟"
ابتعدت عنه بصعوبة، تتمالك ذاتها من شدة الخجل، فقالت بتلعثم:
"كـ كنت هروح."
"وتسيبيني أروح لوحدي؟"
ربـــاه !!!!! كيف يكون لطيفًا هكذا؟ نبرته الخافتة جعلت القشعريرة تدب في جسدها، لكزها بخفة كي تستفيق، فدبت رعشة قوية بها أخرجتها من شرودها حينما وجدته يحمل باقة كبيرة مليئة بالزهور الحمراء يضعها في يدها.
فقال بنبرةٍ جمعت بين اللطف والجدية:
"فرح، مش عايزك زعلانة ولا تحسي إنك عبء على حد مهما كان. مش عايزك تتعاملي كشخص غريب بينا علشان بتضايق منك قوي."
يتابع بحزم وإصرار تام في حديثه:
"أنا هحدد ميعاد لكتب الكتاب ومش عايز اعتراض. لازم كل حاجة تتم علشان الاتفاق وتظبيط المواعيد في المصحة قرب، أنا كلمت دكتور صاحبي واتفقت معاه. مش عايزك تخافي من حاجة، أنا هاكون سند ليكِ وأخوكِ حتى لو مفيش جواز تم، مافيش مشاعر متبادلة آه، بس كله هيجي مع الوقت."
"أنت إزاي كدا؟ مرة بتقسى عليا ومرة بتحسسني إني جميلة واستاهل الصبر؟"
تنفس بعمق، يحتضن يدها بين راحتيه قائلًا بنبرةٍ قوية:
"علشان شايفك زي عنان طايشة. كل ما بتغلط، كل ما يكون رد الفعل صعب عليها ومش بعرف أسيطر على نفسي وقتها. فلما باجي عليكِ، دا علشان خوف مش أكتر."
فاستكمل بدعابة ومشاكسة:
"فاوعي تستني مني كلمة آسف. حقك عليا لأنهم مش في قاموسي، فاهمة؟"
قهقهت بصخب ثم هزت رأسها بيأس وتحركت معه للخارج بسعادة غمرت كلاهما ...
****
بعد شهر، أصبح كل ما يدور في ذهنها هو العمل الذي منحها منظورًا مختلفًا نحو الحياة، افتقدته نتيجة تقيدها الدائم في المنزل.
لا تعرف عن الحرية شيئًا، فقد سُلب منها كل ما تمنت أن تفعله، كابتسامتها البشوشة، وعينيها البندقيتين اللتين أصبحتا هالتين سوداويتين.
كل شيء افتقدته حتى الشعور بالأمان !!
حينما أصبح تحقق الحلم على مشارف اجتيازه، تلاشت سعادتها وباتت تُعيقها عن تحقيق أهدافها التي تصبو إليها من حين لآخر !!
استفاقت من شرودها على طرقات الباب، فحمحمت لتأذن للطارق بالدخول.
دلف شخص في أوائل الثلاثينيات بوجه بشوش مُعقبًا بحبور:
"مبسوط جدًا بشغلك يا ورد، حقيقي يعني ما خيبتيش ظني فيكِ ولا ظن عمك."
تنفست بإرتياح قائلة بنبرةٍ هادئة:
"الحمد لله، دايمًا يا فندم."
"أنا جيت دلوقتي علشان أبلغك بقرار مهم."
توجست خيفة محاولةً أن تبدو طبيعية، فتابع بمشاكسة:
"متخافيش أوي كدا، دا أنا لسه بمدح فيكِ!"
ابتسمت بتوتر، ثم وثب واقفًا يتفحصها بإعجاب، فاستطرد بتفهم:
"ورد، أنتِ طلعتي من ضمن الموظفين اللي هيتنقلوا للفرع التاني."
تلألأ بؤبؤا عينيها بالعبرات ولمعت هاتفة بصوت يكاد لا يخرج يغلبه البكاء:
"ليه يا فندم، هو أنا صدر مني حاجة مش كويسة؟"
بادلها نظرة يملؤها الدفء وهو يهمس بشيء من المرح:
"لأ يا ستي، بس كل الحكاية دي حاجة دايمًا بعملها مع الموظفين الجدد، وبعدين متقلقيش خالص، الفرع التاني مش وحش أوي كدا."
تنفست الصعداء ثم أردفت بتساؤل:
"طب هو فين الفرع التاني؟"
"بني سويف."
مطت شفتيها المضمومتين بعدم حيلة من أمرها ثم قالت:
"مش عارفة يافندم، هقول لعمي وأبلغ حضرتك بعد بكرة بإذن الله."
****
بعد خمس ساعات، هبطت الدرج بتوتر تبحث عن عمها كي تخبره بما ترغب في الحديث عنه، حديثٍ جعلها شاردة طوال اليوم.
فهي لم تذهب هناك من قبل، فكيف ستتمكن من العيش بمفردها إذًا؟
خرجت إلى الحديقة لتجد زوجة عمها جالسة تغمض جفونها وبيدها كوب قهوة، فذهبت نحوها لتجلس قبالتها.
شعرت بها، ففتحت عينيها ترمقها بسخط، ثم أردفت بنبرة ساخرة:
"أهلًا وسهلًا، أخيرًا السنيورة حنت علينا وجاية تقعد معايا."
"بدور على عمي، مش جاية اشاهد جمالك يعني."
ارتجفت قليلًا من نبرتها الحادة ثم قالت بتلعثم مشيرة نحو غرفتها:
"فـ فوق في أوضته."
رمقتها بإشمئزاز ثم تحركت إلى الداخل مرةً أخرى كي تصعد إليه.
بعد دقائق، جلست أمامه تفرك يديها بتوتر كأنها تخشى رفضه، فبتر شرودها بقوله الهادئ:
"طب ما تسافري يا حبيبتي، طالما شغلك طلب ده يبقى لازم تسافري."
"يا عمي افهمني، الموضوع مش بالبساطة دي."
ربت فوق ذراعها بحنو مسترسلًا برزانة:
"أنتِ بتصعبيها على نفسك ليه بس، مش كان نفسك تخرجي وتروحي وتيجي، أهي الفرصة جت."
تنهد بحزن ثم قالت بنبرةٍ خافتة:
"مش عارفة بصراحة، حاسه بصراع جوايا."
تفهم ما تمر به جيدًا فعقب بصبر:
"طب نتكلم بالعقل شوية؟"
أومأت له بعينيها تحثه على التحدث، فقال بإيجاز:
"أنا عايز جوازك أنتِ وماجد يتم في أسرع وقت و..."
شعرت بإرتجافة جسدها فبترت حديثه بعجالة:
"عمي بصراحة أنا فكرت في الموضوع ده وكنت عايزة أفاتحك فيه."
رمقها بتساؤل، فتنفست بعمق مُجيبة بإزدراء:
"أنا مش عايزة اتجوز ماجد، يعني ليه يشيل حاجة غيره السبب كان فيها وكمان هو مش مجبور يوقف حياته علشاني."
انبعثت شرارة الغضب من عينيه ليعقب بنبرةٍ غاضبة:
"اسكتي يا ورد ماتكمليش، اللي السبب فيه يبقى أخوه الله يرحمه وأنتِ ملكيش دعوة ياحبيبتي، ثم إن ماجد ما ترددش ثانية واحدة في التفكير في الموضوع ده فليه أنتِ متضايقة؟"
طأطأت رأسها أرضًا بوجع، وتجمعت الدموع في مقلتيها. ليزفر بعمق قائلًا بتريث:
"هوني على نفسك يا حبيبتي، الدنيا بتمشي. قلت لك سيبك من التفكير شوية وركزي في حياتك وشغلك. وبعدين ماجد طلب لما تتجوزوا إنكم تقعدوا في بني سويف، فالحمد لله اتحلت اهي."
رمقته بدهشة جلية فوق قسماتها لتتحدث باستفهام حاد:
"بني سويف؟ طب يا عمي، بعد إذنك، ولما ماجد يجي ياريت تبلغه إننا لازم نتكلم شوية."
****
ما زالت الصدمة حليفتها منذ مجيئه قبل قليل وإخباره إياها بأنه يرغب في عقد قرانهما اليوم، فقد جاء رفيقه أمس من الخارج، لذا أراد التعجل في الأمر.
وثبت واقفة ساعة ونصف في الشرفة بهيئة غاضبة، فقد أصبح رأيه أمرًا واقعًا ولم تجلب شيئًا كي ترتديه اليوم!
يوم باتت تحلم به كشيء صعب المنال، والآن تبخر كل شيء أرادت فعله.
صدع هاتفها برسالة جعلتها تقفز من فرط السعادة، تحتوي على:
"على فكرة، فستانك في الأوضة عندك، مفيش داعي إنك تقلبي وشك في يوم بتحلم بيه كل بنت."
ركضت تبحث عنه بلهفة، شعرت بالسعادة تحل محل الضيق حينما وجدت شيئًا مغلفًا أسفل السرير.
جثت بركبتها تلتقطه ثم وضعت يدها فوق ثغرها بدهشة، فقد جعلت رؤيتها للفستان الدموع تتجمع في مقلتيها.
كان الفستان باللون الأبيض ضيقًا من الصدر، مطرزًا بفصوص فضية، ويتسع من الخصر، جميلًا للغاية.
"عندنا عروسة قمر هنا."
ابتسمت بحبور نحو "عنان" التي جاءت للتو كي تراها، لاحت نظرات الإعجاب نحو الفستان التي تحمله لتقول بحماس جلي في نبرتها:
"تحفة فنية بجد، هيكون عليكِ جميل، يلا بسرعة علشان أحط لك الميكب وبعدين ألبسيه."
أومأت لها بلهفة ثم جلست أمامها على المقعد كي تبدأ في وضع مستحضرات التجميل.
بعد ثلاث ساعات، وقفت تنظر نحو هيئتها بصدمة من شدة إعجابها بذاتها، فكيف سيكون رد فعله إذن؟
تنفست بعمق شديد ثم تحركت نحو الخارج مع "فرح" التي أصرّت على اصطحابها لأسفل كي ترى ما سيقوله نحو هيئتها الفاتنة تلك.
هبطت الدرج بخطواتٍ متأنية، مرتجفة من النظرات المصوبة نحوها بتمعن شديد. لم تهتم بأحد سواه، فكيف تنظر في جهة أخرى وهو أمامها ومعها؟
طأطات رأسها أرضًا بخجل من هذا الوضع فقد اقترب منها حتى تلفحت أنفسهم، أغمضت جفونها كي تستمتع بتلك اللحظة فها هو يقبلها فوق جبهتها بنعومة.
أمسك كفيها يجذبها لتتراقص معه على الموسيقى الهادئة، حاوطت عنقه تتحرك معه، واضعة رأسها على نبضات قلبه مُغمضة جفونها تتمنى ألا تستفيق على كابوس.
شعر بإرتعاشة يدها فوق كتفه، لم تكن تلامسه بتاتًا، كانت لمسة خفيفة، ربما خوف وتردد من هذا القرب الحميم !!
على الجهة الأخرى، وقف بوجه عبوس لم ترتسم البسمة على شفتيه منذ مجيئه. فهو أراد الزواج من شقيقته، وكلما تحدث معه يغير مجرى الحديث تمامًا، مما جعله يصمت ويكف عن التحدث بهذا الموضوع.
اقتربت منه "عنان" كابحةً قهقهتها على هيئته الطفولية كطفل صغير:
"مالك بس يا عثمان، زعلان ليه؟"
زفر بضيق معقبًا بغيظ مكتوم:
"اسكتي يا عنان، ما تضيقينيش أكتر، يعني أخوكي فتح موضوع جوازه بقاله أسبوع بس ودلوقتي هيكتب الكتاب؟ دا أنا لو مطلع كيس بانية من الفريزر اقسم بالله ما كان لحق يفك."
"سوري يا عثمان مش قادرة، ممكن اضحك؟"
رمقها بغضب، لاعنًا إياها بداخله، ثم قال باستخفاف:
"اضحكي ياختي، اضحكي، منكم لله والله على اللي عملينه فيا دا."
رواية انما للورد عشاق الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ماهي عاطف
جلس ينتظرها بتبرم من تأخرها في العمل، أمسك هاتفه يتصل بشخص ما لكنه لم يجد إجابة. لمح في الظلام شيئًا يتحرك نحوه، فاتضح له من قريب هيئتها. زفر بارتياح صامتًا كي تستريح قليلًا من عناء اليوم في عملها الشاق، بينما أغمضت جفونها ثم فتحتهما بعد ثوانٍ، ترمقه بصمت، فبتر فقاعة السكون بحديثه الممتعض:
"أنتِ بتتأخري دايمًا كدا يا ورد في شغلك؟"
ابتعلت لُعابها بتوتر، ثم قالت بتلعثم:
"مـ مش دايمًا يعني، على حسب."
تنهد ثم أراح ظهره مُعقبًا بنبرةٍ هادئة:
"بابا قال لي إنك عايزة تتكلمي معايا."
"آه، كنت عايزة أتكلم يعني في موضوع، يعني ..."
بتر حديثها المرتبك بقوله الرزين محمسًا إياها:
"اتكلمي براحتك، مافيش داعي إنك تتوتري، قولي اللي عايزاه، أنا سامعك."
زفرت بعمق محاولةً إخراج نبرةٍ هادئة بعض الشيء:
"كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع جوازنا."
فتابعت بخفوت حزين:
"ماجد، أنت زي أخويا، وأنا مش عايزة أخسرك، كل حاجة متلعبكة وأنت ملكش ذنب في اللي حصل، ومش لازم تتحمل نتيجة شخص تاني."
أشار بيده أن تصمت عن هرتلتها، فرد بتريث شديد:
"ورد، أنا مش مجبور، ولا حد قال لي أعمل كده، أنا اللي مصمم على الجواز، إلا إذا كنتِ أنتِ بقى اللي رافضة، فدي حاجة تاني."
حركت رأسها بنفي، فقالت بعجالة:
"لأ، مش ممانعة من ناحيتي بس يعني..."
عضت على شفتيها باستحياء مستكملةً بنبرة خافتة:
"بس يعني ياريت لو يتم في أسرع وقت علشان بطني قربت تبان ومنظري هيكون وحش بين زمايلي في الشغل."
قهقه بصخب مما جعل الحمرة تسري في وجنتيها، وتوقف عن الضحك، بمشاكسة أجاب:
"لأ، أهم حاجة البرستيج بين زمايلك، فعلشان كده نكتب الكتاب بعد أربع أيام، إيه رأيك؟"
أومأت له بعينيها، فما زال الخجل مستحوذًا عليها، بينما هو كبح ضحكته على هيئتها تلك ..
هناك أعين بالأعلى ترمقهما بغضب شديد، فلم يعجبها بتاتًا ما يحدث من زواج نجلها من تلك الفتاة !!
استفاقت من شرودها وتفكيرها على صوت ساخر بجوارها جعلها تستشيط غيظًا:
"الناس بتعمل حاجة حلوة علشان أخرتها وأنتِ هنا بتفكري إزاي تبوظي الجوازة، بس دا بُعدك يا كوثر."
فجذبها من رسغها بقوة صائحًا بها:
"اقسم بالله لو عملتي حاجة، حاولتي بس تفركشي الموضوع هوديكي عند ابنك فريد."
ثم دفعها بعيدًا عنه وغادر، بينما هي وضعت يدها حول عنقها بتوجسٍ شديد نحو القادم ..
****
ابتسمت بإشراق هادئ يزين قسمات وجهها، ملامحها الصغيرة تتأمله بتمعن شديد. دققت النظر نحوه حتى أصبح وميض الحب يلمع في عينيها كالنجم وسط السماء. تسارعت نبضات قلبها واطرقت الطبول حتىٰ كاد أن يسمعها، تغلغلت بروحها السعادة جعلتها كفراشة خفيفة الظل تتحرك بسرعة بين الزهور لوجوده بجوارها وعدم التفكير في التخلي عنها بتاتًا.
رفع حاجبيه لها بتساؤل من شرودها، فاقتلعها حينما لوح بيده أمام وجهها كي تستفيق:
"روحتي فين بكلمك بقالي عشر دقايق."
حمحمت لتنظف حنجرتها قائلة بتلعثم:
"مـ مافيش حاجة، الدكتور قال لك إيه؟"
تنفس بعمق، مريحًا ظهره فوق المقعد، ثم قال بنبرة مطمئنة:
"متقلقيش هيوصل كمان ربع ساعة."
تأففت من الانتظار حتى وجدت "عاصي" وثب واقفًا يبتسم بحبور نحو شخص قادم نحوهما، فعلمت بأنه المختص بعلاج الإدمان الذي ينتظرونه.
تقدم نحوها بوجه بشوش فابتسمت له بارتباك جلي فوق قسماتها، مد يده نحوها كي يصافحها فبادلته التحية ثم قال بنبرة هادئة:
"أهلًا بيكِ، هاخد منك بس عاصي عشر دقايق وهيجي تاني."
أومأت له بعينيها، ثم لاحت منها نحو الآخر نظرات متوجسة فربت فوق ذراعها كي تطمئن قليلًا ..
في الداخل، جلس يفرك يده بتوتر شديد منتظرًا حديث رفيقه "حمزة" الذي عاد من الخارج بعد مناقشة رجائية، فأخبره "عاصي" بأنه لا يستطيع أن يكون طبيبها النفسي، فقد أدرك بأنه سيضعف أمامها ولم يعمل بجدية، سيرق قلبه نحوها من هيئتها الضعيفة المزرية لكل من يراها، لذا أراد رفيقه أن يعالجها ..
تحدث أخيرًا بعد ثوانٍ من الصمت قائلًا بإطمئنان:
"الموضوع صعب شوية يا عاصي في البداية، بس مش عايزك تقلق."
بتوجسٍ شديدٍ وانقباضِ قلبٍ تسائل:
"يعني ياحمزة هاتفضل طول الوقت يجي على بالها وتطلب هروين؟"
حرك رأسه بنفي ثم أردف بإيجاز جعله يهدأ من هذا الشعور المخيف الذي استحوذ عليه:
"لأيا عم، مش للدرجة دي. هي أعراض الانسحاب بتكون بين أسبوع وكام يوم بس، وبعدين هتبدأ تتعود على عدم وجوده. هي هتفضل تتألم وحاسة بضعف، فدورك أنت بقى تقويها."
نظر أمامه بوجع فاستطرد بخفوت، لكنه وصل لمسامعه:
"أكيد طبعًا هفضل جنبها، دي مراتي."
رمقه بدهشة، فطالما كان يكره الفتيات حتى علم رفقائه بأنه من المستحيل الزواج.
تحدث "حمزة" بسعادة مداعبًا إياه:
"إيه ده بجد؟ مبروك مكنتش أعرف، طب الحمد لله إنك قلت لي قبل ما أطلبها منك."
انبعثت من عينيه نظرات نارية كادت أن تحرقه، فتحدث باحتدام:
"عدي يومك ماشي!"
قهقه الآخر بصخب غير مصدق حديثه، ثم استأذن وخرج نحو تلك التي ترقرقت العبرات في مقلتيها حين أقبل عليها.
تنهد ثم احتضن وجهها بين كفيه، معقبًا بدعابة:
"إزاي اسمك فرح وطول الوقت بتعيطي، فهميني؟"
تساقطت عبراتها بغزارة ثم تحدثت بنبرة انهزامية:
"كنت فاكرة إني بعاقب قلبي علشان حبك، طلعت بعاقب نفسي واللي حواليا."
قالت آخر حديثها ثم انخرطت في موجة بكاء عنيفة. كلماتها صوبت نحو قلبه مزقته أربًا. شعر بقلبه ينسحق تحت الشجن والآسى، فهمس بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا:
"مش عيب ولا غلط الإنسان يعاقب نفسه. الغلط إنك تعملي حاجة فاكرة إنها هتمحي أي لحظة سيئة في حياتك. خليكي فاكرة إنك دلوقتي مراتي وعمري ما هسيبك تتألمي يا فرح مهما حصل."
انعقدت الألسن وسبحت الأفكار في محيط لا نهاية له، أطرقت رأسها كي تخفي دموعها التي تسيل كالشلال، بينما هو وضع إصبعي السبابة والإبهام أسفل ذقنها فجعلها تنظر نحو عينيه، بادلها نظرة يملؤها الدفء وهو يهمس بشيء من المرح:
"المفروض إن احنا خارجين نقضي يوم لطيف مع بعض ،بس أنتِ نكد بقى نعمل إيه؟"
رفعت حاجبها الأيسر لتناطحه بقولها الحاد:
"بقى أنا نكد يا أستاذ عاصي؟"
ابتسم حينما علم بتأثيره في الحديث عليها حتى غيرت مجراه، فتحدث بتأكيد:
"أيوة نكد، وشكلي كدا هادور على عروسة تانية."
استدار نحو الخارج بخطواتٍ مهرولة، بينما هي نظرت نحوه بعدوانية شديدة ثم هرولت خلفه، متوعدة له بسبب حديثه الأبله هذا ..
***
توقف عن الحديث وأبت باقي كلماته أن تخرج امتثالًا لتلك اللحظة، ابتلع لُعابه الذي سال عندما وقعت عيناه علىٰ تلك الجالسة تطأطئ رأسها أرضًا تكاد تموت خجلًا من هول الموقف.
فمنذ عقد قرانهما، لم تتحدث ولو بكلمة. شعور مخيف استحوذ عليها، فلم تعتد عليه من قبل سوى أنه ابن عمها وشقيقها الأكبر. تُكن نحوه مشاعر أخوية فقط، فكيف ستتعايش معه كزوجها؟
تنهد بعمق قبل أن يعقب بتساؤل نحوها جعلها ترتجف:
"جهزتي حاجتك يا ورد علشان نتحرك؟"
"لسه بدري يا بني، خليكم شوية."
كان هذا حديث والده، فهذه أول مرة تنتقل فيها بعيدًا عنهم، ولم يختبر من قبل هذا الشعور. فدومًا يعاملها بحنو كابنته التي افتقدها في حادث سير منذ خمسة أعوام، حينما توفي شقيقه وزوجته، اعتبرها كابنته تمامًا، حتى إنه لم يعاملها بقسوة ذات يوم كابنه "فريد" ..
رد "ماجد" بتأففٍ وبنفاد صبر:
"مش هينفع يا بابا، لازم أنزل بني سويف عندي شغل متعطل، كمان علشان مدير ورد استعجل بنزولها امبارح."
أومأ له بحزن ثم اقترب من "ورد" رابتًا فوق ذراعها، ثم أخذها في عناق دام لعدة دقائق. أمسك بوجهها بين كفيه قائلًا بنبرةٍ قوية:
"عايزك ترفعي رأسك لفوق، أنتِ دلوقتي مرات ماجد محمود وشايلة ابنه. أوعي في يوم تزعلي ولا تعيطي علشان حاجة، ماجد أنا متأكد أنه هيعوضك عن كل الحزن اللي شوفتيه، بس الصبر يا حبيبتي."
ليتابع باحتدام مداعبًا ابنه:
"زعلها بس وأنا هاجي لك أوريك."
رفع يده باستسلام ثم أجاب بمشاكسة:
"لأ متقلقش، قبل ما أعمل كده هفكر في نظراتك دي."
قهقه "محمود" على دعابة ابنه، فبتر المرح الذي امتلأ به الجلسة بصوتٍ حاقد مقتضب:
"مش هنخلص من تقل الدم ده بقى وكل واحد يقوم يشوف شغله؟ هنفضل نقول يعاملها حلو وما يعملهاش؟ ما ياما الستات بتضرب ومحدش بيتكلم من أهلها."
جاء زوجها يرد عليها بزمجرة، فبترت حديثه "ورد" الذي ناطحتها بقولها الصادم:
"مش ذنبنا يا مرات عمي إن أهلك متعودين على قلة القيمة لنفسهم، أنا وعمي متأكدين إن ماجد مش هيعمل كدا علشان تربية عمي مش واحدة ست."
نظرات إعجاب توجهت نحوها من ثقتها، وأخذ حقها غير عابئة بمن تتحدث معه ..
وثب "ماجد" واقفًا يبتسم نحوها ثم أردف بنبرةٍ هادئة:
"يلا بينا يا ورد."
أومأت له بعينيها ثم التقطت حقيبتها وخرجت معه نحو السيارة. صعدت وجلست في المقعد الأمامي بجواره بتوتر شديد جلي فوق قسماتها. اطمأنت قليلًا حينما صدح صوت القرآن مما جعلها تغلق جفونها، تتنفس ببطء من شعورها بالخشوع، تدعو الله أن يمر هذا الوقت مرور الكرام وألا يحدث شيء يجعل الحزن يتملكها من جديد.
أما هو، عندما شعر بخجلها وتوجسها من القادم، قام بتشغيل الكاسيت لعلها تهدأ قليلًا، متواعدًا نحوها بأن السعادة ستعود لديها ولا مكان للحزن بينهما. سيفعل ما بوسعه كي تتعايش معه وتعتاد علىٰ وجوده كزوج لها وليس كشقيق.
****
انسدلت دموعها بشدة فوق وجنتيها، ضمت ساقيها إلى صدرها، تتجول في غرفتها المظلمة بعينيها الباكية، مطبقة جفونها لتعتصر عينيها بألم من حديث خطيبها الذي شطر قلبها لنصفين. مُخبرًا إياها أمس أنه إذا لم يحدد موعد الزفاف، فسينهي كل شيء ويتركها !!
انفرجت باكية كأنها فقدت عزيزًا للتو، فلمَ لا، فشقيقها أصبح يهتم بزوجته تاركًا إياها وحيدة. علمت الآن بأنها فقدت الجميع وليس والدها فقط!
استمعت لصوت طرقات الباب جيدًا ولم تهتم، فدخل الطارق وكانت والدتها التي رمقتها بشفقة، فهي حبيسة في غرفتها منذ أمس ولم تتناول شيئًا من شدة حزنها.
جلست بجوارها على الأرضية، مسدت فوق خصلاتها السوداء بصمت ولم تتحدث، فقط تهدأ من روعتها. فبترت فقاعة الصمت بحديثٍ متحشرج حزين:
"أنا مش عارفة أكره عاصي يا ماما ولا عارفة أتعامل مع موت بابا. حاسة إني وحيدة بلا أب وبلا أخ كمان."
لتستكمل بنبرةٍ ضعيفة واهية:
"عمري ما كرهت ليه إنه يكون سعيد، حتىٰ فرح بنت عمي عمري ما بصيت في حياتها ولا كرهتها، بس أنا زعلانة علشان حاسة إني مليش حد، مليش سند."
ثم ضحكت بوجع قائلة بمرارة:
"رغم إنه موجود بس مش معايا ولا بيسأل عليا."
"هو عاصي ليه لازمة من غيرك يا عنان؟ ده أنتِ قبل ما تكوني توأمي أنتِ بنتي."
نظر بعضهم نحو الصوت ليجد "عاصي" يستند إلىٰ الباب يرمقها بعتاب، وبجواره "فرح" التي شعرت بالأنانية نحو ذاتها لاستيلائها عليه طوال الوقت.
اقترب من مجلسها ورفع وجهها كي تنظر نحوه بعدما طأطأت رأسها أرضًا بخذلان لذاتها من تفكيرها المخزي نحوه، لكن لم يكن بيدها شيء لتفعله، فهو بات بعيدًا عنها ولم يهتم بشأنها كزوجته.
تحدث بصوت يملؤه العتاب والغضب:
"نفسي تبطلي تعميق المواضيع السطحية وتفتحي دماغك شوية بدل التفكير العبيط ده."
مستكملًا بنبرة عقلانية كي تفهم ما يخفيه عنها:
"أنا مش بعيد عنك ولا قريب يا عنان، أنا بحاول أرتب أموري وحياتي. دلوقتي أنا بقيت متزوج ومشغول في حاجة مش هينفع أقولها لك علشان ما تخصنيش لوحدي. أنتِ بنتي وأختي الصغيرة."
رمقته بغيظ مكتوم فقهقه بقوة ثم أجاب بدعابة:
"أيوة، الخمس دقايق بيفرقوا."
تابع بجدية واحتدام:
"فأحب أقول لك إن تفكيرك غلط لما تلاقي قلة اهتمام ناحيتك، يبقى تيجي تعاتبيني وتقولي على اللي مضايقك."
ثم وثب متحركًا نحو زوجته يمسكها من رسغها بقوة صائحًا بها:
"لو جيتي لفرح وشاركتيها حزنك وفرحك، هتبقى وحيدة برضو؟"
"عاصي، سيب إيدي، دراعي بيوجعني."
لم يعِرْها أدنى اهتمام، فهدر بفحيح مكملًا:
"ردي عليا، هتبقى وحيدة؟"
نفضت يدها عنوة ثم دفعته بقوة، فسقط فوق الفراش، مما جعل أعين والدته وشقيقته تتسع من هول فعلتها الصادمة لهم.
فاستطردت بقوة:
"أنا تعبت من يوم ما جيت هنا وأنا بتألم، طلقني وخليني أخرج من البيت ده."
اقتربت منها زوجة عمها بعد صمت دام لثوانٍ قائلةً بتمهلٍ:
"اهدي يا فرح، طلاق إيه بس يا حبيبتي، دا أنتِ مكملتيش يوم ونص متجوزة، دا كيس المانجا اللي طلعته من الفريزر ملحقش يفك."
قهقهت "عنان" بقوة حينما استمعت لحديث والدتها الأخير، فقد تذكرت حديث "عثمان" المتشابه في دعابة والدتها.
لاحت نحوها نظرات التعجب ممّا جعلها تحمم علىٰ استحياء قائلةً بخفوت خجلٍ:
"آسفة يا عاصي، متزعلش مني، أنا حسيت بعدم اهتمام، علشان كدا حبيت أفضفض لماما، وبالصدفة أنت سمعتني."
لكزها بخفة ثم حمحم لينظف حنجرته مردفًا بحنو أخوي:
"مش زعلان، وعارف إني غلطان ومقصر معاكِ، بس استحملي الفترة دي يا عنان."
ثم استطرد بنبرة ماكرة جعلتها تطلق شهقة من الصدمة:
"وبلغي عثمان يجي بكرة علشان نحدد ميعاد كتب الكتاب."
صرخت بحماس ثم ركضت نحوه تعانقه بشدة، فقهقه علىٰ مرحها وجنونها، شاعرًا بالرضا جراء ما حدث وعودة البسمة إليها مرةً أخرى ..
بعد بضعة سويعات ، صعد كلاهما نحو غرفة عاصي بعد أن أصرت والدته علىٰ الإقامة معًا كي يعتادا علىٰ بعضهما. فأمس، أصرت "فرح" علىٰ النوم في غرفتها ورفضت رفضًا قاطعًا أن تمكث معه في ذات الغرفة.
جلست فوق الفراش في صمتٍ مريب، لم تنطق بحرف، تراقب دخوله إلىٰ الحمام بارتباك شديد. ثم وقفت ترتدي منامتها الحريرية ذات اللون الأحمر القاتم، ثم مشطت شعرها الحريري واستلقت سريعًا قبل خروجه والمناقشة معها في شيءٍ ما.
فما زال الخجل مستحوذًا عليها، لا تعلم كيف ستتحدث معه بعد الآن وتلتقي به وجهًا لوجه في الصباح ..
أما هو، فقد ظل واقفًا بعد الاستحمام يزفر بعمق، محاولًا تهدئة ذاته وأنفاسه التي تزداد سرعة. لأول وهلة، يختبر هذا الشعور، وما زال غير مصدق ما حدث، لا يصدق أنه أصبح متزوجًا من فتاةٍ كان يخبرها دومًا بأنها مثل شقيقته !!
يا للسخرية حقًا !!
فبات الأمر واقعًا بالنسبة له حتى تتعافى كليًا من تلك العقاقير ثم يتحرر من هذا الزواج المقيد لحياته.
أومأ لحديثه بالإيجاب ثم التقط المنشفة ليجفف بها شعره، ثم ارتدى بنطاله وخرج عاري الصدر.
تنفس الصعداء حينما وجدها غارقة في سبات عميق، فليس لديه ما يقوله من حديثٍ معها. انتهى مما يفعله ثم تنهد بيأس واستلقى بجوارها ببطء كي لا تستيقظ وتبدأ في المشاجرة والمناقشة الحادة التي لا تنتهي بتاتًا .
رواية انما للورد عشاق الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ماهي عاطف
أصبحت المعاني غير معبرة واختفت الكلمات، لكنها بحثت عن حديث تعبر به عن شعورها، فلم تجد شيئًا!
شعورها غير قابل للوصف، فبداخلها حزن، وجع، وجرح أصابها ومازال يقطر.
تتسع الفجوة ولن تنغلق سوى بفتح صفحة جديدة لاستقبال حياتها الزوجية مع شخص كان يعتبر شقيقًا لها!
فعلت أمس كل المحاولات كي تغفو سريعًا قبل مجيئه من العمل متأخرًا، بعدما أوصلها إلى منزله، مع قليل من الحديث المرح الذي أعاد ابتسامتها، لكن بشكل بسيط.
أطلقت شهقة حينما وجدت مديرها في العمل يقبع فوق المقعد أمامها يراقب ملامحها البريئة بتمعن، مما أخجلها بشدة، فتحدثت بتلعثم:
حـ حضرتك هنا من بدري؟
حرك رأسه بنفي ثم وثب واقفًا يضع يده في جيب بنطاله ردًا بدعابة:
لأ، مش من بدري بس بقالي عشر دقايق منتظر ملف مهم منك وماحبتش أقطع لحظات الشرود والتأمل.
طأطأت رأسها أرضًا على استحياء قائلة بخفوت خجل:
آسفة بجد بس كنت بفكر في حاجة جت على بالي.
ثم استطردت بعملية وجدية:
بالنسبة للملف فأنا بعته لأستاذ بهاء يراجعه وهابعته لحضرتك على طول.
أومأ بعينيه ثم جلس مرةً أخرى، أثار استغرابها، وفاجأها حينما أقبل عليها بتساؤله:
أنتِ جاية لوحدك بني سويف ولا معاكِ حد يا ورد؟
تلعثمت محاولةً إخراج نبرة هادئة بعض الشيء:
لأ، جاية مع ابن عمي علشان ما ينفعش أقعد لوحدي هنا.
هذه الفتاة تدهشه كل يوم بحديثها التلقائي وخجلها الذي يعطيها لمحة من الجمال، فتابع بمشاكسة:
طب، ومش ناوية تعزميني على الغداء في يوم، ولا أنتوا بخلا؟
جحظت عيناها من حديثه الذي جعلها تلعنه في داخلها، فالأمر يزداد سوءًا من وجهة نظرها. حقًا لا تحتمل مطلقًا وقاحته، فأردفت بجدية:
لأ، طبعًا يا فندم تنورنا، إيه رأيك في يوم الجمعة؟ يعني نكون اجازة وأعمل الأكل بنفسي.
"مافيش مشكلة، طالما أنتِ اللي هاتطبخي ياورد يبقى أي وقت يناسبك."
بعد بضعة ساعات، عادت إلى المنزل مسرعة، فأخبرها "ماجد" بصوت قلق منذ قليل بأنه يريد التحدث معها في أمر هام، وعليها المجيء فورًا.
صعدت نحو غرفته ثم طرقت الباب ففتح، ثم شهقت بفزع حينما أمسك برسغها مردفًا بحماس شديد:
ورد، تعالي وشك حلو عليا جدًا النهاردة جالي مشروع من أكبر المشاريع اللي عملتها ولسه هاعملها.
ابتسمت بصفاء معقبة بإشادة:
مبروك يا ماجد، أنت تستاهل كل خير.
بادلها الابتسامة قبل أن يجيب بامتنان:
ربنا يخليكِ يا ورد، أنتِ كمان جميلة وتستاهلي كل الحلو اللي في الدنيا.
أبعدت يدها عن قبضته بلطف، ثم حمحمت لتنظف حنجرتها قائلةً بنبرةٍ خافتة:
كنت حابة أطلب طلب، لو رافض مافيش مشكلة.
دون تفكير أسرع بقوله المتلهف:
قولي اللي عايزاه طبعًا.
تنفست بعمق ثم تحدثت شارحة له ما حدث في المكتب، وتراقب علامات وجهه التي رسمت الغموض، بينما هو استطرد بقبول عكس ما بداخله:
مفيش مشكلة يا ورد، خلي يجي.
شعرت بعدم راحته نحو ما أخبرته به، فقالت بإيجاز:
صدقني مكنتش هعمل حاجة زي دي ولا هعزمه أصلًا، بس هو احرجني وماعرفتش أقول إيه، لو سمحت ماتضيقش.
"أنا مش متضايق خالص وربنا ما يجيب زعل بينا، هو أنا مستغرب، بس تمام خلي يجي لما نشوف آخره إيه."
ثم استكمل بنبرةٍ هادئة:
في دكتورة قريبة من هنا، هاخدك بكرة ليها بإذن الله ونتابع معاها، تمام!
أومأت له بعينيها ثم استأذنت وذهبت كي تُعد العشاء في صمت.
بعد مدة من مكوثها داخل حوض الاستحمام، شعرت باكتفائها بهذا القدر ثم وقفت كي تنساب المياه فوق جسدها من شوائب الصابون.
التقطت المنشفة لتجفف بها جسدها البض الرطب وأخرى لتجفف بها خصلاتها المبتلة، ثم أخذت فستانها الأزرق الذي يصل لأسفل ركبتها بقليل وبه بعض من الورود البيضاء لترتديه.
خرجت بعد ثوانٍ ترمق ذاتها بإعجاب شديد لهيئتها تلك، ثم أمسكت بملمع شفاه ووضعته فوق ثغرها الشهي فأصبحت جميلة للغاية.
فعلت هذا تحت مراقبة ذلك الراقد مغمض الجفون بغفوة واهية.
تنفس بعمق حينما خرجت وأغلقت الباب خلفها ببطء كي لا يستيقظ.
وثب في موضعه بنعاس ثم دلف إلى المرحاض كي يستحم.
هبطت الدرج متحركة نحو زوجة عمها التي رمقتها بسعادة حينما أقبلت عليها، لكنها تأوّهت عندما لكزتها بقوة في ذراعها، مصطكةً أسنانها ببعض من أفعالها قائلةً بغيظ:
من هنا ورايح ماتقوليش أي حاجة تخص علاقتي بعاصي، مش فاهمة بجد يعني إيه نامي في أوضته علشان تتعودوا على بعض، ما هو كده كده ابن عمي مش غريب عني.
انبعثت من عينيها شرارة من حديثها المعتوه هذا، فقالت بعدوانية:
والله هاموت منك، والله هاموت.
لتتابع بحنق ويأس من رأسها اليابسة:
يا بنتي، افهمي، كنت أقصد بكلامي أنكم تتعودوا على بعض علشان بقيتوا متجوزين، مش علشان ابن عمك وابن خالك. ركزي، أبوس إيدك.
أومأت لها بلا مبالاة فأجابت ببرود:
عادي، مش فارقة، كده كده عايشين زي الأخوات.
شهقت "فيروز" ثم ضربت فوق صدرها، مما استمعت إليه، شعرت بفقدان النطق كأنها أُصيبت بالشلل النصفي جراء ما استمعت له.
فاستكملت "فرح" باحتدام وغضب عارم:
وبعدين إيه حكاية إن لبسي كله يبقى ألوان ابنك اللي بيحبها ده؟ بذمتك في حد عاقل يحب لون أصفر كناري؟
قهقهت بصخب على حديثها، فهي محقة. لا تعلم هل هو مختل عقليًا أم ماذا كي يختار هذه الألوان العقيمة.
توقفت كلاهما عن الحديث حينما أتى "عاصي" بجمود، ولم يلقي التحية ولم يتحدث من الأساس.
جلس يتناول طعامه في صمت، ثم ارتشف العصير ولم ينطق بحرف أيضًا.
حمحمت والدته موزعةً نظراتها بينه وبين زوجته قبل أن تعقب بنبرةٍ خافتة مليئة بالحماس:
عاصي أهل عثمان كلموني وحابين نطلع الغردقة سوا، إيه رأيك؟
صوب نظره نحوها بضيق جلي فوق قسماته ثم رد بقوة:
ارفضي، أنا مش بحب الحال المايل ده. يعني إيه نطلع مع بعض؟ دي مجرد خطوبة يعني يا حصل نصيب يا لأ. اعقلي يا ماما.
"وإيه لازمتها ماما بقى؟"
تجاهل سخريتها ثم وجه حديثه نحو شقيقته التي طأطات رأسها أرضًا من جديد بحزن كأن حديثه لها أمس تبخر ولم يعد له أثر!
زفر بحنق من دلالها وحزنها الدائم من أقل الأشياء فقال بحدة:
عنان، فكي وشك ده شوية، مش هانقضيها زعل وقمص على طول.
تنهد بيأس مستكملًا بنبرةٍ خالية من أي شيء:
اتفقتي مع عثمان إن النهاردة هانحدد كتب الكتاب؟
أومأت له دون النظر في وجهه، ثم أشاح ببصره نحو تلك التي تبتلع لُعابها بصعوبة من الحملقة بها منذ جلوسه.
فأشار لها أن تتبعه نحو سيارته، فشعرت بإرتجافة جسدها عندما وجدته يتحرك من موضعه للخارج.
نظرت نحو زوجة عمها بتوجس، فربتت فوق كتفها باطمئنان.
تنفست عدة مراتٍ متتاليةً لتهدئةِ ضرباتِ قلبها التي تقرع كالطبول، سحبت نفسًا عميقًا محاولةً إدخاله عنوةً إلى رئتيها.
انتظرت حتى استعادت السيطرة على جسدها، ثم تحركت خلفه.
اقتربت من وقفته، ترمقه باستفهام عن تواجدها هُنا، فبتر علامات التساؤل التي وجهتها له بنبرة قوية:
فين تليفونك؟
رفعته أمام عينيه فأخذه ثم أخرج آخر من جيب بنطاله وأعطاه لها قائلًا بحدة:
ده هايكون تليفونك الجديد، مش عليه غير رقمي أنا وماما وعنان بس، مش عايز اختلاط بحد.
قاطعته بغضب عارم من أفعاله المجهولة لها:
يعني إيه؟ لو سمحت هات الموبايل بتاعي. وبعدين اختلاط إيه، هو احنا في مدرسة؟
كبح قهقهته بصعوبة ثم هدر بها بعنف واهي:
عدي يومك يا فرح، أنا متعصب لوحدي، فتلاشيني أحسن.
رمقته شزرًا، وبلحظةٍ انتشلت هاتفها من يده عنوةً وهرولت نحو الداخل وسط تعجبه، ثم انفجر ضاحكًا على هيئتها وفرارها منه كاللص!
فتذكر ما أخبره به شخص قبل قليل من زواج "ورد" من ابن عمها، ثم تنهد بوجع وصعد سيارته متجهًا نحو وجهته.
اصطحبها إلى الطبيب كي يطمئن على الجنين.
شعرت بنغزة في قلبها تكاد تقتلها، ولا تعلم سببه.
رمقها بتساؤل من هيئتها الخائفة تلك، لكنه جعلها تطمئن بنظراته الحنونة.
صعدا سويًا الدرج ثم دلفا إلى غرفة الفحص بصحبة المساعدة الخاصة بالطبيبة.
انتهت من فحصها، وتركت الجهاز ثم نظرت نحوهم نظرة لا تبشر بالخير.
انتهت "ورد" من هندمة ثيابها وجلست بجوار "ماجد" على الأريكة.
جلسوا ينتظرون حديثها بضربات قلب سريعة، فبعد ثوانٍ طأطأت رأسها أرضًا مردفةً بآسفٍ:
مش عارفة أقول إيه، بس الجنين متوفي بقاله أسبوع يا مدام ورد ومحتاجة منك تقومي معايا نعمل اللازم قبل ما يحصل ليكِ حاجة، لقدر الله.
تلألأ بؤبؤا عينيها بالعبرات ولمعت هاتفتها بصوت يكاد لا يخرج يغلبه البكاء:
إزاي؟ لأ ما تقوليش كده بالله عليكِ.
صر على أسنانه متشدقًا بخفوت حزين، متجاهلًا صياح الأخرى:
ياربّ ألهمنا الصبر من عندك.
بعد يوم طويل مليء بالإرهاق، عادوا إلى المنزل بوجه مكفهر، خاصةً هي شاحبة كشحوب الأموات.
كانت لا ترغب في وجوده من الأساس، لكن حينما أصبح الأمر واقعًا بالنسبة لها، شعرت بغليان وإصابة قلبها بالحزن لفقدان نجلها.
جاء بطريقةٍ خاطئة، لكنها كانت توده بشدة. ستمنحه الدلال المفرط الذي كان من المفترض الحصول عليه لولا فقدانها لوالديها الراحلين.
استفاقت من شرودها وعقلها اللاواعي لما يحدث معها من افتقادها لكل شيء حلمت به، حتى حياة هانئة لم تحصل عليها!
أغلقت جفونها بوجع عندما استمعت لصياحه الذي لأول وهلة يتحدث به معها:
بقالك قد إيه ما كشفتيش؟ ردي عليا.
بنبرةٍ ضعيفة واهية أجابت:
من أسبوعين.
جن جنونه ضاربًا المنضدة بيده بقوة، خشيت إلقاء اللوم عليها فبترت ما يفعله بتحشرج حزين:
مليش ذنب في قتله والله، أنا بقالي شهر بشتغل ليل نهار مافيش راحة ليا، حتى لما ضهري وجعني ماعرفتش أكشف علشان كنت مشغولة.
لتتابع بانكسار وعينيها امتلأتا بالدموع:
مش هاكدب عليك وأقول ليك إني كنت هابقى مبسوطة باللي حصل بس طلعت غلطانة، أنا قلبي مش حاسّة بيه من كتر الوجع، فماتجيش عليا زيهم بالله عليك.
تلاقت أعينهما سريعًا فشرد للحظاتٍ يتأمل حدقتيها، لكن ذهب شروده إلى أمواج البحر الذي غُدر به قبل الوصول لشاطئه.
فأشاح بوجهه بعيدًا عنها باقتضاب معقبًا بنفاذ صبر:
روحي نامي يا ورد، أنتِ تعبانه.
أومأت له بألم ثم اتجهت نحو غرفتها بخطواتٍ متأنية في صمت ولم تنبث بكلمة معه، بينما هو نظر نحو طيفها بحزن لهيئتها ولحديثها، شاعرًا بألمٍ مفرط اجتاح كل خلية بجسده، روحه تتمزق، عبراتها أمامه تحولت إلى قطع زجاج تشحذ صدره لكنه مكبل الأيادي لا يعلم ما يفعله سوى التريث.
تنهد ثم اتجه نحو الأريكة وأمسك بهاتفه كي يخبر والده بما حدث اليوم!
رواية انما للورد عشاق الفصل السادس عشر 16 - بقلم ماهي عاطف
ثلاثة أيام، حبيسةً في غرفتها رافضةً الخروج من تلك الهدنة التي أخذتها لذاتها منذ وفاة جنينها الذي لم يكتمل بعد.
ترفض الذهاب إلى عملها، حتى مديرها في العمل قام بالاتصال بها ولم تُجب، فما زالت تشعر بالذنب القاتل تجاه إهمالها.
لم ترغب في اللقاء مع "ماجد" طوال تلك الأيام، شاعرة بالخزي نحو كل شيء، وتحمل ذاتها اللؤم من حين لآخر لما حدث.
لقد أسقطها القدر في بئر مظلم لا نجاة منه، وهي مكبلة الأيادي لا تعي شيئًا سوى أنها باتت وحيدة، موجوعة.
حتى وجعها لن تقوى على إخفائه أكثر من ذلك، فقد صار ملموسًا، مسموعًا كانكسار المكان المدوي.
طرقٌ بسيطةٌ على الباب جعلتها تستفيق من حالة الانهيار التي استحوذت عليها.
فبترها دخوله المفاجئ، ورمقها بدهشة من هيئتها الحزينة، وعينيها اللتين أصبحتا هالتين سوداويتين.
اقترب من فراشها رابتًا فوق ذراعها بحنو ثم تحدث بنبرةٍ هادئة:
اللي حصل حصل يا ورد، ماتزعليش، بإذن الله ربنا هيرزقك غيره.
ارتسمت بسمة ساخرة على شفتيها قبل أن تُعقب بخفوت متحشرج نتج عن البكاء:
الحمدلله يا ماجد على كل حال، أنا بس زعلانة على الحزن اللي بقي مالي حياتي. حاسة خلاص إني مش هاضحك ولا حاجة هاتفرحني تاني.
بتر حديثها بغيظ وغضب عارم:
هانكفر ولا إيه؟ هوني على نفسك شوية وقومي يلا اتوضي وتعالي نصلي العصر سوا.
أومأت له بعينيها دون حديث، مع نظرة مليئة بالامتنان لتهدئتها والتريث الذي اعتاد أن يجعلها تشعر به منذ مجيئهما إلى هنا.
وقفا يؤديان الفريضة بخشوع تام مع بكاء حار انخرطت به، جعل صوتها يرتفع قليلًا.
بعد قليل، جلسا أمام التلفاز يتناولان الطعام الذي قام "ماجد" بإعداده بعد مناقشة عنيدة منهما، وبالنهاية ولج إلى المطبخ يُعد الغداء بمهارة فائقة اعتاد عليها نتيجة مكوثه وحده في الشقة.
حدجها بطرف عينه ثم نظر مرةً أخرى نحو طبقه فتحدث بهدوء وهو يضع ملعقة مليئة بالأرز في فمه:
مديرك جاي بكرة خلاص؟
مش عارفة، بقالي تلات أيام قافلة موبايلي، هاكلمه أشوفه.
أمسكت بهاتفها وقامت بالاتصال به، فجاءها الرد على حين غرة بلهفة:
ورد، قلقتيني عليكِ، أنتِ كويسة؟
نظرت نحو "ماجد" فوجدته رافعًا حاجبيه نحو حديث هذا الشخص القلق بشأنها، فحمحمت قائلة بتلعثم:
آه، الحمد لله، كنت بكلم حضرتك علشان اعتذر عن غيابي المفاجئ، وأأكد عليك العزومة بتاعت بكرة.
تمام جدًا مافيش مشكلة، بإذن الله هاكلمك قبل ما أجي بربع ساعة، متشوق جدًا أدوق أكلك.
أغلقت معه ثم أسرعت بتناول الطعام كي لا تجيب عن نظراته المتسائلة، بينما هو تنهد مكملًا طعامه بضيق لا يعلم سببه.
***
جلست بجوار والدته في الحديقة بتوتر جلي فوق قسماتها، تفرك يديها معًا في ارتباك ملحوظ جعل "فيروز" ترمقها بدهشة من أفعالها المجهولة لها.
فنفضت التساؤل الموجه إليها، ثم وثبت واقفة تتحرك نحو المطبخ كي تجلب شيئًا.
ثم عادت بعد خمس دقائق بيدها كوبين بهما عصير ليمون بالنعناع، وضعت الصينية فوق المنضدة وأمسكت بكوب تمده نحو "عنان" الشاردة قائلة باستخفاف:
اشربي العصير ده هايهديكِ شوية بدل الخوف ده.
أخذته وارتشفت القليل منه ثم وضعته في موضعه مرةً أخرى فزفرت بضيق حينما تحدثت "فيروز" بنبرةٍ مقتضبة وعينيها تتفحص هيئتها من أعلى لأخمص قدميها:
أنتِ مش بتلبسي ليه غير بيجامات يا فرح يا حبيبتي؟
اصطكّت أسنانها ببعض ثم قالت بغيظ:
بقول لك إيه يا روزا، سيبيني دلوقتي في حالي.
بلا حالك بلا هبل، مش جوزك اللي قاعد فوق ده؟ سيباه ليه وقاعدة معايا؟ هو أنا وحشاكي للدرجة دي؟
تنهدت مجيبة بإزدراء غير عابئة بغضبها:
هو اللي عنده توحد وبيحب يقعد لوحده، مايخصنيش بقى.
رفعت حاجبيها بدهشة من تغيرها المفاجئ نحوه، فأردفت بتساؤل:
أنتوا متخانقين؟
حركت رأسها بنفي، ثم صاحت هادرة بها:
أومال إيه؟ مش عاصي ده إللي كنتي هاتموتي عليه وعايزة تتجوزيه؟ فين نظرة الحب إللي كانت في عينك ناحيته؟
نظرت أمامها بشرود ثم عقبت بنبرةٍ باردة لا حياة فيها:
مش فارقة يا روزا، خلاص مش هاعافر علشان حد تاني، مش هانضحك على بعض عاصي عمره ما حبني ولا هايحبني، قلبي وعينه فضحوه، مش محتاجة كدب ولا تبرير.
تجمعت الدموع في مقلتيها ثم استكملت بخفوت حزين:
حب ورد معشش جواه، مش قادرة أنسى نظرته ليا وسكوته لما عرف إنها اتجوزت من ابن عمها التاني. مش قادرة أتحكم في قلبي وأكرهه، مش قادرة يا مرات عمي.
تحدثت بهذا الحديث ثم انفجرت في بكاء مرير، فلم تعد تحتمل شيئًا ولا التعايش مع الوهم أكثر من ذلك. تلعنه وتلعن قلبها العاشق له رغم إهانتها المتكررة على يده، لكنها لا تدرك شعور الكره نحوه بتاتًا!
ربتت فوق ذراعها بشفقة، كابحة دمعة على وشك أن تفر من عينها كي لا تضعف وتصبح أكثر هشاشة.
ابتعدت عنها، تمسد فوق خصلاتها بحنية ثم تحدثت بتهديد:
والله ليقول حقي برقبتي، بس استني عليا.
التقطت هاتفها ثم دلفت إلى الداخل تفكر في فعل شيءٍ ما كي تمر هذه الزيجة مرور الكرام وأن تفعل شيئًا يجعل السعادة تعود لديها من جديد.
"بتعيطي ليه؟"
كان هذا صوت "عاصي" الذي رمقها بتعجب حينما رأى تساقط عبراتها بغزارة فاشاحت وجهها بعيدًا عن مرمى وجوده، ردت باقتضاب وهي تمسح وجهها بظهر كفها:
مافيش حاجة.
اقترب منها ثم جلس بجوارها فابتعدت أنش واحد مما زاده رغبة في العبث معها مردفًا بوقاحة:
هانفضل نبعد عن بعض كده كتير؟ عايز نقرب بقي.
همت أن تنهض مبتعدة عنه، فقبض على ذراعها على عجالة، وجن جنونه من عدم إهتمامها له، فقال حانقًا بحدة:
بقول لك عايز نقرب، بتبعدي عني؟
زفرت بحنق مُبدية اعتراضها، محاولة الفكاك من قبضته:
وأنا مش عايزة أقرب منك ولا أتكلم معاك، هو بالعافية!
ظل يقترب ببطء شديد منها، ولا يزحزح عينيه عنها، فصرخت بحماقة وتهور قائلة:
إياك تقترب مني، والله هاصوت!
بدون تفكير، اعتقل خصرها بين ذراعيه مكبلًا حركتها، مما جعل عينيها تتسعان، وتفغرت شفتيها بأنفاسٍ تخرج ثقيلة من هول ما فعله وشعرت به في حضرته، ذراعه الفولاذية تحيط خصرها، عيناه تراقبان ارتجافة شفتيها المغرية باللون النبيذي القاتم برغبة اجتاحته لأول وهلة.
تفحص جسدها البض الطري بأعين زائغة جعلتها تبتلع لُعابها بصعوبة وأيضًا أنفاسها التي ازدادت سرعة من نظراته الجائعة الراغبة بها كطعام مطهو شهي!
مرر إبهامه فوق شفتيها السفلية برقة جعلتها تذوب كقطعة ثلج، فاستطرد دون وعي:
أنتِ حلوة أوي يا فرح، تجنني.
لفحت أنفاسه بشرتها كعاصفة هوائية هبت. حدق بها مطولًا قبل أن يقترب أكثر من شفتيها، يباغتها بقبلة مميتة، قبلة عنيفة يعبر فيها عن لهفته لتجربته معها للمرة الثالثة!
حاولت التملص من قبضته التي يحاوط خصرها بها، أمتعض وجهها بألم، تتلوى نتيجة الإمساك بوجهها كي تثبت أكثر.
ازداد انهمار دموعها الصامتة من بين جفنيها المطبقين بشدة لشعورها بالوجع والخذلان!
لم تستطع التريث، فدفعته بعيدًا عنها، ترمقه شزرًا، ثم بصقت عليه وجاءت لتهرول إلى الداخل.
فأسرع يمسكها من رسغها بقوة ألمتها، مستطردًا بغضب عارم:
دا حقي ومش هاستني علشان أنول أذن سيادتك.
ما تنساش الاتفاق اللي بينا، مجرد ما أخلص مرحلة العلاج هانتطلق، ياريت قبل ما تقرب مني، تفكر كويس في رد فعلي علشان بقرف.
لاحت نظرات مشمئزة نحوه قبل أن تغادر المكان، بينما هو توعد لها بالكثير نحو معاملتها الفظة معه المثيرة للغضب.
***
استيقظت في الصباح الباكر لتنظف الشقة بأكملها قبل أن يأتي "ماجد" من الخارج بصحبة المشتريات التي أخبرته بها.
انتهت من التنظيف ثم ذهبت نحو الشرفة لاستنشاق الهواء النقي.
استندت بيدها على سور الشرفة الحديدي السميك، وصوت زقزقة العصافير لفت انتباهها، فنظرت بجانبها لتجد الكثير من العصافير بشرفتها باحثة عن الطعام والشراب.
فابتسمت بسعادة ثم أخذت القليل من المياه وضعتها في القفص، ثم تلاشت بسمتها وحل محلها الحزن حينما تذكرت كيف كانت مقيدة ولا تعرف عن الحرية شيئًا مثلهم!
تنهدت قبل أن تخرج إلى غرفة المعيشة عندما استمعت لصوته بالخارج مناديًا باسمها.
أسرعت نحوه تلتقط المشتريات من يده ثم وضعتها في المطبخ وجاءت حاملة عصير فراولة طازج، فابتسم لها بحبور قائلًا بامتنان:
تسلم إيدك، كلمتي المدير؟
آه، كلمته من ربع ساعة وقال إنه جاي في الطريق.
بعد نصف ساعة، استمع لصوت طرقات الباب. فهندم ثيابه وعدل خصلات شعره، ثم فتحه. وجد شخصًا وسيمًا مرتديًا بنطال جينز وقميصًا باللون الأزرق، يرتدي نظارة لضعف نظره.
فوجه له ابتسامةً متكلفة، ثم أذن له بالدخول.
خرجت من غرفتها مرتدية فستانًا أخضر اللون يصل إلى كاحلها مع أكمام واسعة، وحزام يعانق خصرها مما أبرز جمال قوامها الممشوق، وخصلاتها تتطاير على ظهرها تاركة لها العنان.
انعقد لسان كل منهما، وعيناهما لمعتا بوميض غريب حينما أقبلت عليهما بتلك الهيئة الفاتنة.
شعرت بالخجل من نظراتهم المحدقة بها بشدة، فتمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها.
حمحم "ماجد" منظفًا حنجرته قبل أن يعقب بنبرة حادة مقتضبة عندما وجد نظرات الافتتان نحوها:
هاتفضلي واقفة ولا إيه؟ تعالي اقعدي.
بخطواتٍ متأنية، تحركت نحوه وطأطأت رأسها أرضًا على استحياء قائلة بخفوت:
نورت يا فندم.
بهيام ونظرات عاشقة، أجاب:
بنورك يا ورد، طمنيني عنك.
الحمد لله بخير، بعد إذنك.
تحدثت بهذا الحديث ثم تحركت نحو المطبخ محاولةً التهدئة وإدخال نفسٍ عميق عنوةً إلى رئتيها، استعادت السيطرة على جسدها ثم أسرعت بإعداد الطعام كي تقدمه إليهم.
قامت بتحضير الطاولة ثم نادت "ماجد" وأخبرت مديرها بالتقدم نحو الطعام.
جلسوا في صمت مريب، فقط تصدر أصوات الملاعق والأطباق، فبتر فقاعة السكون "منير" الذي تحدث بإعجاب وتلذذ:
تحفة بجد يا ورد، أول مرة أدوق مكرونة بشاميل بالجمال ده، تسلم إيدك حقيقي.
بالهناء يا فندم، اتفضل بقى دوق ورق العنب وقول رأيك.
كل هذا يحدث تحت نظراته المشتعلة من الاهتمام المبالغ فيه نحوه، مما جعله يتمادى ويقول بعدم تقدير:
كلي يا ورد بقى، أنتِ مكالتيش حاجة من ساعة ما قعدنا.
أومأت له بعينيها دون أن تنبس بكلمة، بينما "منير" رمقه بضيق من حديثه غير المبال بوجوده!
بعد قليل، جلبت الحلوى التي أحضرها "ماجد"، ثم جلست بخجل شعرت به منذ مجيئه لنظراته الهائمة بها والتي أخجلتها بشدة.
تحدث أخيرًا بنبرةٍ يملؤها الرجاء:
عايز أقول حاجة كنت مأجل شوية إني أكلم أستاذ محمود فيها، بس بما إنك ابنه حابب أتكلم معاك.
رفع حاجبيه بفضول، فأومأ له بتكملة حديثه الذي امتلأ بالسكون نتيجة لذلك.
أغلق جفونه معادًا فتحها فتحدث على عجالة:
أنا عايز أتجوز ورد.
صمت استحوذ على الجميع كأنهم فقدوا النطق!
لولا النظرات التي تتحدث، فأقسم بأنه كاد أن يموت بالغليان الذي شعر به نحو "ماجد" الذي قبض بقوة على كفه حتى برزت عروقه من قوة الضغط عليها!
وثب واقفًا في موضعه مشيرًا نحو تلك الورد التي صمتت من الصدمة، واستطرد بحدة:
وأنت ماتعرفش إن ورد تبقى مراتي! من بجاحتك جاي تطلبها مني؟
نـــعـــم، مراتك إزاي؟ اللي أعرفه إنها حتى مش مخطوبة أصلًا.
قهقه بسخرية ثم حدجها بنظرات نارية تكاد أن تحرقها:
هي مدام ورد مش معرفاك ولا إيه؟
حرك رأسه نافيًا مردفًا بوجع وخذلان:
لأ، لما أستاذ محمود كلم بابا علشان الشغل قال إنها مش مخطوبة ومافيش عائق يخليها تاخد إجازة حتى، ولما سألتها جاية مع مين هنا، قالت مع ابن عمي بس ماوضحتش أي ارتباط بينكم!
لم يتحمل الحديث، فروحه تتمزق، قلبه تحول إلى قطع زجاج تشحذ صدره، فأسرع بمغادرة المكان تحت نظراتهم.
لم يهتم "ماجد" بحديثه بتاتًا، فكل ما يجول بخاطره الآن كلماته الأخيرة:
لما سألتها جاية مع مين، قالت مع ابن عمي بس موضحتش أي ارتباط بينكم!
أمسك برسغها جاذبًا إياها لتصطدم بصدره، جعلها تنظر إلى عينيه بخوف وتلعثم، فأول مرة تراه بتلك الهيئة الغاضبة عكس التريث الذي يتمتع به معها.
تحدث بفحيح ضاغطًا على يدها بقوة ألمتها:
قلة قيمة بستحمل واسكت، لكن لحد هنا ونقف. ابن عمك إزاي؟ هي الهانم مش معتبرة إني جوزها والا إيه؟
لم تجب، فصاح بفحيح:
ردي عليا، مش معتبرة إني جوزك؟
نزعت يدها بصعوبة من قبضته القوية قائلة بنبرةٍ جامدة:
لأ، مش معتبراك يا ماجد جوزي. أنا عايزة أعيش سني وحياتي، مش عايزة أرتبط بحد مجرد إنه اتجوزني لسبب. اللي كان بيربط وجودنا مات، فدلوقتي مافيش سبب ولا عائق إننا نكمل مع بعض.
بنظرة نارية متوحشة وهدوء يسبق العاصفة أجاب:
قصدك نتطلق؟
أشاحت بوجهها بعيدًا متوجسة من نظراته، فزفرت بعمق قبل أن تعقب بجدية:
آه نتطلق يا ماجد، نكون ولاد عم وبس.
اشتدت الحرب وأزدادت اشتعالًا حتى وصلت إلى أكثر نقطة مثيرة، وهو همس الغير مبالي الذي يعبر عن نفس غاضبة:
كلام جميل والله، بس مش هايحصل يا ورد.
حدقته بطرف عينيها في استنكار قائلة ببرود:
ليه إن شاء الله مش هايحصل؟ عمومًا لو خايف على سُمعتي فهي كده كده بايظة من يوم ما فريد أخوك بوظ لي حياتي، فماتقلقش يعني.
رمقها شزرًا متحكمًا في أعصابه، ثم التقط هاتفه والمفاتيح وغادر دون حديث آخر، بينما هي رغمًا عنها فرت دمعة حارة من مقلتيها بوجع، شاعرة بالصراع مع ذاتها، تمنت أن تغادر كل شيء ولا يعلم أحد أين تمكث حتى؟
رواية انما للورد عشاق الفصل السابع عشر 17 - بقلم ماهي عاطف
استقامت من موضعها تتحرك نحو تلك التي تجثو على الأرض بتوجس شديد يغزو أوصالها من نظرات الأخرى التي تسحق قلبها خوفًا.
اتخذت خطوة مرتجفة إلى الخلف عندما لاحظت شمّار جلبابها إلى نصف ذراعها؛ فبات لديها رغبة في البكاء لرؤيتها تلك الشمطاء تقترب منها.
انكمشت على ذاتها أكثر عندما دنت منها صائحة:
"يعني فكرك لما تهربي مني مش هاعرف أجيبك يا بت!"
انتفضت فجأة من مكانها حينما سمعت صوتها الهادر ينادي باسمها:
"ما تردي عليا يا سعاد"
قالت بصوتٍ ضعيف وتحسرٍ على ما وصلت إليه في حياتها البائسة:
"نعم يا ست كوثر"
"عايزة أعرف إيه اللي كان بينك وبين ورد قبل موت فريد"
شهقت ذعرًا لعلمها بهذا الموضوع بالأخص، فصمتت كي تبحث عن حديث مراوغ تخبرها به.
أجابت متلعثمة:
"مافيش حاجة، دي كانت بتديني حسنة لنور ابني"
أطلقت ضحكة رنانة ساخرة قبل أن تعقب بمكر أنثوي:
"يعني مش هي السبب في موت فريد بتخطيط منك!"
لتتابع بنبرةٍ قوية يملؤها التحذير:
"انطقي بدل ما ألبسك قضية موته"
أزدرد لُعابها ثم طأطأت رأسها أرضًا فقالت بخفوت متوجس من القادم:
"كانت بتفكر في قتله لكن أستاذ فريد مات بسبب سكتة قلبية زي ما الدكتور قال"
لتلتهب نيران الغضب من حديثها هذا، كانت تعلم أن هناك ما يخفونه عنها من أفعالٍ وحديثٍ غامض يجمعهم سويًا؛ لكنها سعدت في داخلها، فهكذا ستستطيع بكل بساطة أن تجعل ابنها يترك "ورد" ويعود تحت جناحيها من جديد !!
مع هدوء المكان الخالي من حولها، سكن جسدها المرهق أخيرًا بعد بكاء مرير. وقد ساهمت برودة الطقس الطفيفة مع الهواء الذي كان يداعب خصلاتها المتطايرة في سيمفونية بديعة ما بين نسمات عليلة وتراقص أوراق الشجر أمامها.
تنهدت كي تخمد نيران القهر بداخلها ولو قليلًا، وتصفي ذهنها المستنفد من أفكارها المشتتة، شاعرةً براحة تتخلل روحها المنهمكة، لتستكين مستسلمةً لسحر اللحظة.
إلا إذا بتر فقاعة الصمت والسكون السائد دخول "ماجد" بغضب شديد قائلًا باقتضاب:
"حضر لي العشا يا ورد"
لم ينتظر إجابة منها فتحرك نحو غرفته. رمقت طيفه بدهشة من معاملته الجافة معها منذ ذهاب مديرها أمس، ولم ينبس ولو بكلمة معها، مما جعلها تصمت وتتراجع عن الحديث في أمر الانفصال كي لا تثير غضبه أكثر، ومحاولةً التقرب منه لتشاركه أحاديثه الغامضة المجهولة التي جعلت هيئته تتغير مائة وثمانين درجة!
هزت رأسها بيأس ثم دخلت المطبخ لتُعد الطعام له، ثم فتحت المبرد وأخرجت طبقًا به حلوى "كنافة بالمانجو"، فهي تعلم أنها حلوته المفضلة.
استجمعت شجاعتها ثم اتجهت نحو غرفته تطرق بابه بخفة، فُتح بعد ثوانٍ سامحًا لها بالدخول.
وضعت الصينية فوق الطاولة ثم التفتت له مطأطئة رأسها على استحياء، مردفة بخفوت:
"عملت كنافة بالمانجا علشان عارفة إنك بتحبها"
عجز لسانه عن مدحها لاهتمامها بطعامه، وملابسه، ونظافة المنزل، كل شيء، فتراجع مستطردًا بجمود:
"شكرًا، اقعدي علشان عايز اتكلم معاكِ"
أومات له بفضول أثار حافظها، ثم جلست فوق المقعد تنظر أمامها رافضةً النظر نحوه كي لا تلتقي بعينَيْه التي ينبعث منهما شرر غضب لا تعلم سببه!
بعد نصف ساعة، جلست أمامه بعدما أشار لها بالاقتراب، وما زال الجمود يحتل قسمات وجهه. ارتبكت أكثر في جلستها حينما وجدته يقبض على كفيه بقوة، وازداد احمرار وجهه من شدة الضغط.
حمحم لينظف حنجرته محاولًا السيطرة على ذاته وإخراج نبرة تحمل التريث:
"بخصوص موضوع الطلاق إللى اتفتح امبارح ، ياريت يتقفل يا ورد علشان لا بابا ولا أنا هانسمح بكده، ومديرك في الشغل عايز حدود أكتر في التعامل، ياريت ما يكونش في معاملة أحسن"
ليستكمل بنبرةٍ جامدة جعلتها تجحظ عينيها من الدهشة:
"ومن النهارده هاتنامي معايا في أوضتي ، مافيش أوضتي وأوضتك، سامعة؟"
"مش هاينفع طبعًا كلامك ده، أنا لسه ماتعودتش على وجودك أصلًا."
دنى منها يرمقها باستشاطة مغتاظ من حديثها، مردفًا بلا مبالاة:
"التعود هايجي واحدة واحدة بس أنتِ ماتقفليش دماغك دي وتجادلي، اتفضلي يلا نامي ومن بكرة تجيبي هدومك وحاجتك هنا."
زفرت بعصبية ثم دبت بأرجلها في الأرض من شدة الغيظ، فكم كرهت ولعنت ذاتها على تسمُرها كالصنم أمام حديثه التحذيري لها.
بعدما راقبت دخوله الحمام، أسرعت بالاستلقاء على الفراش تتصنع النوم كي لا ينبس بكلمة معها بعدما رأت الوجوم يحتل وجهه، بينما هو خرج بعد ثوانٍ تفحص وجهها بتمعن ليجد أهدابها تتحرك فعلم بأنها ترفض المواجهة والحديث معه.
استند بظهره إلى الفراش متنهدًا بعمق يحمل في طياته الكثير، ثم نظر نحو تلك التي غفت في ثوانٍ حينما شعر بانتظام أنفاسها، فعلم بأنها غطت في نومٍ عميق.
غارق في مشاعر مشتتة لا يستطيع فك شفراتها، لكنها جديدة عليه ومؤثرة بشكل يخشاه قلبه الجريح. هو ليس شخصًا سيئًا كما يبدو، ربما يندفع بغلاظة دفاعية نحوها، لا تعلم سببها، لكنه حنون بشكل يجعلها تتأمل فيه ويُحرك شيء بداخلها.
لم يشعر يومًا بهذا القدر من الزخم العاطفي حتى مع زوجته الأولى!
تذكر مهاتفة والدته في الصباح، مرسلة له مسجل صوتي بحديثٍ وقع على أذنيه جعله يشعر بالتحطم من ثقته بأقرب الأشخاص !!
حتى الفتاة الحنونة البريئة التي شعر بالشفقة نحوها مما حدث معها طيلة حياتها، غدرت به وكانت ترغب في قتل شقيقه !!
لا يصدق هذا بتاتًا، لا يصدق.
لقد ذاقت المرارة في منزلهم ولم تشعر بالسعادة في حياتها، فأصبح التفكير بالتخلص من سجينها أمرًا واقعًا أرادته هي، ولم تسنح لها الفرصة لقتله فتوفاه الله كي يجعلها تشعر بالراحة لعدم فعلتها لهذا، إلا إذا كان قد حدث وباتت العوائق وخيمة!
مد يده يتحسس نعومة وجهها بطرف أصابعه بشغف لم يعي بما أصاب جسده من قشعريرة هزت كيانه لمجرد لمسها.
فتنهد مستطردًا بحزم وعزيمة:
"كل حاجة هاتتصلح يا ورد، ومهما حصل مش هاسيبك. أنا لما صدقت لاقيتك علشان تفوقيني من القوقعة اللي أنا فيها. عارف إني ماستهلش إني أخليكي جنبي، بس هاسيب الدنيا تحدد مصيرنا."
ارتفع ضوء الشمس الدافئة في السماء، ومعه فتحت جفونها ببطء لتقابل وجهه أمامها، تأملت محياه بعشق وتمعن شديدين، أرادت أن تلمس لحيته الكثيفة وتغلغل يدها بين خصلاته السوداء؛ لكنها ترددت في أن تفعل هذا وتراجعت عن تفكيرها، ولعنت ذاتها على رغبتها في لمسه، فبالنهاية حسمت أمرها بالذهاب نحو الحمام قبل استيقاظه، ويحدث ما لا يخطر على بالها من وقاحته اللا منتهية معها!
بخطواتٍ متأنية، استقامت متحركةً لتغتسل، ثم ترتدي ثيابها، والهبوط كي تجلس مع زوجة عمها تعطي إياها بعض النصائح من أجل التعامل مع ابنها الغليظ الذي بات قلبه كالحجر، لا يعلم معنى الحب والعشق سوى نحو ابنة عمه التي تركته وتزوجت بابن عمها لسببٍ مجهول رفض "عاصي" الإفصاح عنه !!
بعد قليل، هبطت الدرج بوجه مكفهر، مما جعل عيني "عنان" و"فيروز" ترمقانها بدهشة، فهي أصبحت في الآونة الأخيرة غاضبة يائسة، حتى وجهها لم يعد مشرقًا كما كان، فقط الحزن يتملك قلبها منذ زواجها.
ليتها تحاول تغيير مصيره وقلبه الذي تمنت أن يحفر اسمها بداخله لكن لا جدوى من فعلتها!
تنهدت ثم جلست فوق المقعد تتناول طعامها في صمت مريب، فلم تسنح لأحد بالحديث معها منذ هبوطها، لكن "فيروز" لم تصمت ولن تجعل الوجع يستحوذ عليها مرةً أخرى، فأردفت بدعابة:
"بذمتك، ده منظر واحدة رايحة الغردقة مع جوزها تقضي شهر العسل!"
بسخرية جلي فوق قسماتها مجيبة بإزدراء:
"هاقوم ارقص يعني والا إيه؟ ما أنا كويسة أهو"
"فرح فكي كده يا حبيبتي أخويا مش بيحب النكد خلى بالك"
زفرت بعصبية ثم جاءت لتغادر، لكنها عاودت الجلوس حينما أقبل "عاصي" عليهم ملقيًا التحية. ثم جلس بجوارها يتناول طعامه.
بمكر أنثوي ونبرة خبيثة، عقبت والدته:
"جبت لك شنطة فيها حاجة هاتعجبك أوي يا فرح لما توصلي، ابقي افتحيها"
أومات لها بعينيها، بينما "عاصي" وثب واقفًا مستطردًا بجدية نحوها:
"يلا نتحرك قبل الزحمة يا فرح"
رمشت بأهدابها ثم وثبت أيضًا. وجه نظره نحو شقيقته بحنان مردفًا بنبرة تحمل السعادة لأجلها:
"بإذن الله هاننزل قبل كتب الكتاب بيومين، ماينفعش أسيب بنتي في يوم زي ده"
بامتنان تفحصت وجهها. ثم أمسك بيد "فرح" التي تأملت علاقتهم بغصة مريرة تشكلت في حلقها، شعر بها هو ليحتوي كفها بحنو افتقدته.
خرج نحو السيارة ثم صعد مقعده قائلًا بنبرة هادئة تبث الأمان بداخلها:
"فرح، ماتقلقيش، العلاج هايبدأ من بكرة، ومش عايزك تقلقي خالص، بإذن الله هاتتعالجي وتبقي أقوى من كده، تمام!"
أومات له دون حديث، كابحة دموعها التي أصبحت على مشارف السقوط بغزارة، بداخلها خائفة من مغادرة هذه الحياة قبل أن تبتسم لها، متوجسة من ترك حبيبها لها، لا ترغب في التعافي كي لا ينفصل عنها وتعود وحيدة مرة أخرى بعدما وجدت الأمان والاحتواء معه !!
انتظرها بتأفف من تأخرها الدائم الذي جعله يرفض التواجد معها بسببه، لكنه يحبها وملزم بانتظارها مهما حدث!
أقبلت عليه بتهلل وابتسامتها التي يعشقها منذ معرفته بها، وثب يلتقط كفها ليصافحها ثم وضع قبلة صغيرة على ظهر يدها.
فابتسمت بحبور ثم جلست فوق مقعدها الذي سحبه لها بحركة رجولية أعجبت بها، فتحدثت بثناء:
"تسلم لي يا عثمان"
"بحبك بس بزعل من تأخيرك عليا أوي، بحس إنك مش بتدي مواعيدنا اهتمام"
على عجالة، تحدثت محركة رأسها بنفي:
"لأ والله مش كده، دا عاصي مسافر مع مراته لشهر العسل، فكنت مستنية يمشي علشان أجي"
حرك رأسه بتفهم، مردفًا بهيام وعيناه تشعان الحب لها:
"ربنا يخليكم لبعض ويخليكِ لي"
رددت الدعوة خلفه ثم قالت بغيظ مكتوم:
"وبعدين حضرتك متضايق علشان اتأخرت عليك، وأنت أصلًا هاتسيبني بعد نص ساعة علشان تروح المطار توصل ابن خالتك!"
قهقه بصخب على غضبها الطفولي الذي زادها جمالًا فوق جمالها الطاغي، فأسرع بقوله المتلهف:
"لأ، مش كده والله، أنتِ عارفة إنه أكتر من أخويا ومش هاينفع موصلهوش!"
"هو أصلًا جيه في إيه ومشي في إيه؟"
أراح ظهره متنهدًا بيأس من تفكير الآخر، معقبًا بإيجاز:
"هو كان جاي مصر يستقر ويتجوز بس ما حصلش نصيب"
تفهمت حديثه المشير نحو "فرح"، فأجابت بنبرةٍ تعقلية:
"طب ليه ما تقدمش لحد تاني يعني ليه ما دورش؟"
"هو بيحب يجرب الحاجة مرة واحدة، قبلت بيه خير وبركة لحد ما يفكر بعد سنة في تكرار التجربة"
قهقهت بخفة فتحدثت بمشاكسة:
"زيك كده يعني؟"
رفع يده مستسلمًا فقال بدعابة:
"لأ، أنا واقع أوي والتأخير من عندكم مليش علاقة، بقالي سنة بقنعك أكلم عاصي وأنتِ رافضة"
تلاشت الضحكة من وجهها ليحل محلها الحزن ثم أجابت بخفوت حزين:
"كنت خايفة منه يا عثمان"
لتستكمل بمرارة ووجع حينما رأت شقيقها يغدق اهتمامه بشخص آخر:
"وبعدين هو مبقاش فاضي لي أصلًا ولا كان قبل مهتم بيا"
"علشان فرح؟"
صمتت مطأطئة رأسها ولم تجب عليه، فوضع أصبعي السبابة والإبهام يرفعان رأسها كي تلتقي بعينيه ثم استطرَد بحزم وجدية:
"عنان، قُلت لك ملكيش دعوة بفرح، طلعيها من دماغك. ليه مُصرة إنك تخلقي حواجز وخناقات ملهاش داعي أساسًا؟ حرام تبصي لها في حتة الاهتمام من أخوكي، يعني على حسب كلامك إنها اتحرمت منه ومن أهلها، فماتجيش عليها أنتِ كمان!"
ابتلعت غصة مريرة تشكلت في حلقها بصعوبة، وأغرورقت عيناها بالدموع ثم قالت بآسي:
"غصب عني يا عثمان، صدقني غصب عني"
"طب بصي، ممكن تعتبريني عاصي أخوكي وتتعاملي على الأساس ده معايا وتنسي إني خطيبك تمامًا؟"
تنهدت مجيبة بابتسامة باهتة تخفي الكثير من الآلام:
"اتفقنا يا عثمان"
رواية انما للورد عشاق الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ماهي عاطف
خمس أيام مرت على "فرح" كربيع حل فجأة على لياليها الشتوية القارصة، ليجعلها باهتة كورقة خريفية سقطت أرضًا كما لم تكن بتلك الهيئة من قبل.
أصبحت تمكث في غرفة لونها أزرق لدعم الاسترخاء والراحة النفسية لديها؛ لكنها لم تشعر بذلك بتاتًا عكس المتوقع.
حالتها باتت سيئة منذ مكوثها في المشفى، وترك "عاصي" لها شاعرةً بالوحدة، ولم يُوفَ بوعده الداعم لها!
اعتادت على العزلة حتى إنها راضية تمامًا، فهذا يكفي عن الاعتياد على البشر والخزي من القريب كابن عمها.. كزوجها!
لم تعُد تبحث عن أحد يجفف دموعها.. في الحقيقة قد لا تحتاج الدموع إلا نادرًا!
مسحت عبراتها التي هبطت منذ استيقاظها في الصباح تاركة القلم والكراسة فوق الطاولة، فصار لديها عادة التدوين أمرًا هامًا كل يوم.
تدون أحزانها، وسعادتها التي لم تدُم كثيرًا، وحبها الذي بات ضائعًا يستحيل البحث والرجوع إليه مرةً أخرى، تأنيب الذات!
تحركت نحو الشرفة كي تبتعد عن التفكير قليلاً، جاء في مخيلتها قبل يومين إلقاء ذاتها، لكن نفضت فكرها الأحمق هذا.
يكفي تكوين ذنوب والشعور بالنفور نحو ذاتها!
صوت طرقات استمعت له جيدًا لكنها لم تبالِ، لكن الطارق امتثل لأمر الصمت ودلف دون استئذان مهرولًا نحوها، فبات الجميع قلقين بشأن صمتها المريب مما جعل التفكير الخاطئ يأخذ مجراه نحو أفعالها..
تنفس "حمزة" الصعداء عندما رآها تقف مغمضة جفونها، خصلاتها تتطاير فوق ظهرها بحرية.
رمقها بإعجاب شديد لائمًا رفيقه لابتعاده عن تلك الفاتنة، اقترب منها بتأني عاقدًا ذراعه فوق الآخر قائلًا بحذر:
فرح!
فتحت عينيها بضيق ثم نظرت نحوه مجيبة باقتضاب:
نعم يا حمزة.
أنتِ كويسة؟
أومأت له دون حديث، فقال بنبرة تعقلية:
مش اتفقنا نبقى أصحاب وما نخبيش حاجة عن بعض؟ ليه حاطة حاجز بينا؟
تنهدت بيأس مرتسمة فوق شفتيها ابتسامة وجع معقبة بخذلان:
إزاي بتطلب مني كده وأنا اتخذلت من عائلتي نفسها، أنا مكسورة من حبيبي نفسه، وعدني أنه هايفضل جنبي لحد ما أكون كويسة بس سابني لوحدي، ماعرفش حد ولا ليا حد، بابا وماما ماتوا وسابوني مع عاصي وأمه.
قهقهت بصخب، ضاربة كفًا فوق الآخر، مردفة بصوت لا حياة فيه:
حتى دول هما كمان سابوني، تخيل!؟
ثم أشارت نحو قلبها المحطم قائلة بمرارة:
قلبي بيوجعني أوي يا حمزة، أوي.
لا يعلم لماذا شعر بالشفقة نحوها؟!
هيئتها الحزينة تجعل أي شخص يلين نحوها، فماذا عن قلب رفيقه؟
لم ينبس بكلمة معها، فتحرك نحو الخارج بغضب سافر، مخرجًا هاتفه من جيب البنطال كي يتعامل مع هذا الأحمق الذي يمتلك جوهرة لا يعلم قيمتها..
***
صعد الدرج متجهًا نحو مكتبها الذي يقبع في الطابق الثاني، وقف يلتقط أنفاسه بتوتر، لا يعلم سبب مجيئه؛ لكنه أراد الخروج سويًا كي تعتاد على وجوده كما يخبرها كل يوم.
بات ينعم بالجنة لتواجدها معه وأمامه، حتى في المساء، على الرغم من العناء الذي يشعر به نحو عمله المرهق؛ لكنه يتفرغ لمراقبتها في صمت دون أن يرمش له جفنٌ!
فكيف تكون بجواره وينظر لشيءٍ آخر؟
وجدها تتحدث إلى شخص ما، مقتربًا منهما وعيناه تتأججان بنيران الغيرة.
استمع للحديث الذي دار بينهم محاولًا الاختباء وراء العمود كي لا تراه.
بينما "ورد" تحدثت مستفهمة وهي تشير بإصبعها إلى غرفة شاغرة:
بقول لك يا وليد، بقالي أسبوع مش بشوف أستاذ منير، في حاجة والا إيه؟
إزاي ما تعرفيش؟ أستاذ منير بلغ الكل أنه هاينزل الفرع اللي في القاهرة وهايسيب الفرع ده لأستاذ أيمن.
أومأت له على مضض، بالرغم من أنه شخص ذو احترام ولديه فضل كبير عليها في العمل، إلا أنها شعرت بالارتياح حينما علمت بمغادرته، فهكذا ستستطيع التحرك كيفما شاءت بعدما كان الخجل مستحوذًا عليها من طريقتها المهينة له تلك المرة أمام "ماجد".
لاحظت طيف أحد بالقرب منها، فتحركت متأنية لترى ظل المختبئ، لكنها أطلقت شهقة حينما أقبل عليها بهيئته.
زفرت بضيق، فأقسمت بأنها ستموت رعبًا من فعلته البلهاء، لكنها تريثت في قولها النافذ للصبر:
بتعمل إيه هنا يا ماجد؟
تلعثم، فلم يتمكن من الرد في حضرتها، لكنه ضغط على كف يده بقوة محاولًا التماسك بإخراج نبرة هادئة دون توتر:
خلصت شغل فحبيت نتعشى برا، لو خلصتي شغلك أنتِ كمان.
تمام جدًا، هاجيب شنطتي وأجي.
أقسم بأنه وجد اللهفة نحو حديثها، وجد عينيها تبتسمان وتلمعان بوميض غريب لا يعلمه، لكن لا يهم، فهو سيظل يعافر إلى أن يحصل على حبها. فهي شيء غريب لذيذ وصعب المنال، لكنه سيحصل عليها مهما صار...
***
بعدما هاتفه "حمزة" ترك كل شيء بيده وذهب بلهفة ليعرف ما حدث لزوجته!
زوجته؟!! أي زوجة؟ تلك التي شعرت بالنقص تجاه حبها الذي أعطيته إياه وبادلها حديثًا وهميًا دون مراعاة لمشاعرها؟
تلك التي توقفت عن كل شيء لأجله، الذي وعدها بأنه سيظل بجوارها مهما حدث، وتركها بمفردها في مكان لا تعلم به أحد سوى رفيق زوجها!!
يخبر ذاته من حين إلى حين بأنها عاشقة له، وهي من فعلت بنفسها هذا، وليس لديه يد فيما حدث بتاتًا، هي من تناولت تلك العقاقير بإرادتها.
لمَ الجميع يلقي عليه اللوم؟
وجد صديقه في الممر يتحدث مع شخص ما، لكنه توقف عن الحديث عندما رآه، مشيرًا له باقتضاب أن يدلف نحو مكتبه كي ينتظره.
فأومى له بلا مبالاة كالعادة، لكن بداخله فضول لمعرفة ما يخفيه عنه من حديثٍ..
بعد دقائق، دلف إليه يرمقه بنظرات نارية، اصطكّ أسنانه ببعض من كتلة البرود التي أمامه فتحدث بتساؤل عكس بداخله:
قول لي يا عاصي، إيه أكتر حاجة فرح بتحبها؟
بتعالٍ وثقة أجاب:
أنا.
لأ والله مش ناقصة نرجسية، بتكلم بجد.
قهقه عاليًا ثم صمت معقبًا بجدية:
والله مش بهزر، فرح بتحبني وبتتمنى أبادلها الحب ده جدًا.
استفزه حديثه فتساءل بنبرةٍ غاضبة:
يعني أنت بتعمل كل ده معاها ومش بتحبها؟
تنهد بسأم مردفًا بنبرةٍ قوية لا تحمل النقاش في هذا الموضوع بالأخص:
مش لازم أكون بحبها علشان أساعدها، دي مهما كانت بنت عمي ومراتي.
طفح الكيل من بروده، فاستقام من مقعده يضرب فوق سطح المكتب الحديديّ بيده مستطردًا بعصبية مفرطة:
يعني إيه؟ طالما مش بتحبها ولا بتبادلها الشعور، متجوزها ليه؟
علشان وعدتها إني هافضل جنبها لحد ما تتعافي.
عجز لسانه عن استيعاب ما أخبره به، فعقب بحروف مثقلة خرجت بصعوبة:
وهاتطلقها؟!
ابتلع ريقه متنهدًا بوجع لكنه تحدث بإيجاز:
أيوة يا حمزة، لازم ده يحصل علشان تشوف حياتها.
حياتها؟! أنت عارف كويس بناءًا على كلامك إن أنت حياتها، إزاي قادر تتخلى عنها وتطلقها؟ جربت تحبها؟ جربت ولو مرة تعبر لها بكلمة حلوة؟
لا يمكنه قول شيء، فأصبح الصمت سيد الموقف. فارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه "حمزة"، قائلًا بجدية شديدة:
تمام يا عاصي، طالما أول ما تتعافي هاتطلقها من دلوقتي مش عايزك تيجي هنا تاني ولا تسأل عنها. هي مراتك آه، بس خليها تتعافي وتبدأ حياة جديدة تستقبل بها شخص يبادلها الحب ده.
أشار بإصبعه أن يصمت، فقال باحتدام:
وها تلاقيه فين الشخص ده وأنا رافض خروجها من هنا أساسًا.
أنا الشخص ده يا عاصي.
ركل المقعد بعصبية ثم تحدث بنبرة تحذيرية:
الزم حدودك يا حمزة معايا.
رمق أعلاه لأخمص قدمه بتقزز ثم تحرك للمغادرة، لكن قبل أن يسير خطوة واحدة، التفت له مجيبًا باستخفاف:
شيلت الحدود خلاص، بحطها مع اللي يسوي بس.
ثم خرج متحركًا نحو غرفتها من جديد كي يتحدث معها ويكتشف أمورًا جديدة في حياتها، غافلًا عن الذي رمق طيفه بجنون غير مصدق حديثه الذي أخبره به!
***
تلاقت الأعين طويلًا، توقفت عقارب الساعة، تسارعت الأنفاس ببطء، وضربات قلبها تقرع كالطبول. ابتلعت لعابها بصعوبة حينما وجدت عينيه ترتشفان ملامحها بنظرات متفحصة لها لأول وهلة!
مدَّ أصابع يده ليزيل خصلة شعرها المتمردة، يمرر إبهامه فوق وجنتيها بحنو مغمغمًا بصوت رجولي جذاب:
ورد، أنا عارف إن كل حاجة متلغبطة، بس أنا في نفس الوقت حاسس إني ابتديت أحبك، مش عارف إزاي وماتسألنيش.
ليتابع بنبرةٍ حزينة يملؤها اليأس:
بس عارف إن وجودك معايا هايظلمك أكتر علشان مش بخلف، وأكيد أنتِ نفسك تكوني أم، فمش هاينفع نكون سوا.
أشفقت عليه لشعوره بالعجز، هيئته المزرية المذلة. لأول مرة تتجرأ على فعل شيء نحوه، فببطء حركت يدها تحتضن كفه شاعرة ببرودة جسدهما معًا، لكنها نفضت هذا الإحساس. نظرت نحو عينيه من جديد قائلةً باطمئنان:
مش علشان عيب بسيط زي كده أسيبك يا ماجد، مش هانعترض على إرادة ربنا. الحمد لله إنك كويس، ما تخليش حاجة تكرهك في نفسك مهما كانت.
التقط كفها بسعادة من حديثها الذي شعره بامتلاك كل شيء في الحياة. طبع قبلة خفيفة فوق يدها ثم عقب بنبرةٍ هائمة عشقًا:
ربنا يخليكِ ليا يا ورد، بإذن الله أقدر أعوضك عن حاجات تانية، بس أنتِ اسمحي لي، ممكن نقرب شوية من بعض؟
اصطبغ وجهها بحمرة خفيفة، يخدش حياءها بحديثه المعسول ونبرته الهادئة التي تحتضنها كزهرة.
فبدون تفكيرٍ كثير أومأت له على استحياء، مما جعله يحتضنها في عناقٍ دام لثوانٍ، ثم ابتعدت عنه راكضةً نحو الحمام بخجلٍ وسط ضحكاته الصاخبة التي امتلأت بها الغرفة..
رواية انما للورد عشاق الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ماهي عاطف
باتت صامتة كالعادة، لكن بهيئة قوية جديدة تستطيع الآن أن تجعل جروحها تندمل بسهولة على فراقه.
فراق رجلٍ!
اعتادت على الصمود والقوة التي انتابتها جراء معاونة طبيبها النفسي "حمزة"، الذي تواعد نحو ذاته بإخراجها من حالة اليأس والاكتئاب نتيجة ما حدث لها.
وقفت أمام المرآة تتأمل الفستان الذي ابتاعته عبر الإنترنت، بعيون لامعة واثقة وأيضًا ماكرة لعلمها بأنها أصبحت فاتنة، صارخة الإعجاب لكل من يراها.
حتى هو!!
اكتسبت الثقة بالنفس كي تقف من جديد على قدميها، فلا وقت للانهيار مرة أخرى.
يكفي تقليل من شأنها كي يبادلها شعور مراوغ!
تنفست عدة مرات متخلية عن توترها، ابتسمت بإشراق هادئ يزين ملامحها بعدما انتهت من لمساتها الأخيرة.
تغلغلت بروحها السعادة، جعلتها كفراشة خفيفة الظل تتحرك بسرعة بين الزهور لإتمام علاجها والتعافي كليًا من تلك العقاقير المؤذية لجسدها!
ذهبت نحو الباب لتفتحه بعدما استمعت لطرقاته التي تدل على صاحبه.
ابتسمت باستحياء حينما لاحظت نظرات "حمزة" المصوبة نحوها بتمعن كأنه يريد أن يحفر كل إنش بها بداخله!
شعرت بأنها تبادله ولو جزءًا بسيطًا من مشاعره التي شعرت بها، لكنها أرادت عدم إظهار تلك العواطف الجياشة كونها لرجلٍ سواه.
لرفيقه!!
تنهد مستجمعًا نبرة هادئة كي تخرج دون توتر:
جاهزة؟
أومأت له بعينيها التي جذبته إليها دون عناء، فحمحم قائلًا بخفوت مشيحًا بنظره عنها كي لا ينهزم أمامها:
هاترْجعي الفندق هنا تاني ولا هاتستقري خلاص في بيت عمك؟
صمتت لا تعلم ماذا تقول من حديث.
هل تبقى أم تمكث هناك في منزل شخص لم يملك ذرة من الرجولة كما ادعت هي!
بحيرة وتوهان أجابت:
مش عارفة بس متأكدة إني مش عايزة أرجع هناك تاني.
ابتسم لها بسعادة بعدما تأكد من قوتها ونسيان حبها الذي بات كالسم الذي انتشر في روحها وقلبها اللعين الذي اختاره، وتلك المشاعر نحوه التي أدركت أنها مراوغة كأفعاله هو!!
أفسح لها المجال لتخطو للأمام، ثم يليها هو بحركة رجولية أثارتها كأفعاله الباقية.
****
عقب استراحتها من عناء السفر، استقامت لتغتسل كي ترتدي ثيابها بعدما هاتفت "ماجد" ليصعد يبدل ثيابه هو الآخر لحضور عقد قِران ابنة خالتها "عنان" وشقيقتها الصغرى.
رمقت الصورة المعلقة على الحائط التي تجمعها به بهيام، فصارت تحمل نحوه مشاعر مختبئة لا يمكنها الإفصاح عنها بتاتًا كونها ما زالت تخجل منه، من تواجده الدائم معها!!
حتى أنه أصرّ على السفر معها تاركًا عمله الشاق من أجلها، يفعل ما بوسعه كي يكون لها عائلتها التي افتقدتها، يغدقها بحنو لم تعتاد عليه من أحد طوال أعوامها المنصهرة البائسة؛ مما جعلها تشعر بشيء غريب نحوه كإعجاب ثم يليه حب!!
شعورٌ مختلف كليًا لم تعتاده مع أحد سواه، أن تبقى مع شخص حنون يكفي أن تطلب المزيد.
دلف دون أن يطرق الباب، فأراد العبث معها قليلًا، بات يعشق خجلها واحمرار وجنتيها الذي استحوذ عليه التهامهم!
اقترب من وقفتها أمام المرآة ثم تجرأ كأيامه السابقة ووضع يده حول خصرها من الخلف، يحيطها بأنامله الخبيرة كرجلٍ، مستنشقًا رائحتها التي تغلغلت بين ثناياه ليجعلها تنهار في وقفتها.
جعلها تستدير له، فطأطأت رأسها أرضًا رافضةً النظر نحو عينيه التي تلتهم جسدها البض بنهم شديد كأنه في صحراء جرداء خالية من الطعام والشراب، حتى رآها وقد حصل على كل شيء.
قبل أن يقترب بشفتيه منها، دفعته بصعوبة، محاولةً استنشاق الهواء بعدما كان شبه منعدم لقربه المهلك.
تحدثت بعد عناء بنبرةٍ مرتبكة، مشيرةً فوق الفراش بسبابتها نحو حلته السوداء التي اختارتها بعناية:
جهزت لك البدلة، خد شاور بسرعة، عقبال ما ألبس.
قهقه على هيئتها المتوترة ثم اقترب منها مشاكسًا إياها:
من عيوني، يا زوجتي الجميلة.
ثم أرسل لها غمزة عابثة وغادر نحو الحمام كي يرتدي ثيابه على الفور ويعود إليها متلهفًا.
لم تستطع أن تكبح قهقهتها على مزاحه وحديثه المشاكس لها من حين إلى حين.
فوضعت يدها فوق ضربات قلبها التي تتزايد ثم قالت مفصحة عن مشاعرها المخبأة بكلمة واحدة:
بحبك يا ماجد.
****
ارتدى حلته الزرقاء ثم هبط الدرج بخطوات واثقة وثابتة نحو والدته التي كانت تقف مع مصممي الديكور.
استدارت له حينما لمحت طيفه، وابتسمت له بحنان، ربتت فوق ذراعه، تعلقت به ثم اصطحبته نحو الخارج كي يتعرف على أصدقائها.
بعد نصف ساعة شعر بالملل فاستأذن ثم جاء ليصعد نحو غرفة شقيقته لكنه لمح فتاةً مقبلة عليه وبجوارها شاب وسيم.
دقق النظر فاجتاحت عيناه الصدمة حينما علم بأنها "فرح" والمجاور لها رفيقه!
تطلع نحوهم بدهشة جلية فوق قسماته، والأكثر دهشة عندما وقفت أمامه ترمقه بإستخفاف قائلة بنبرةٍ ساخرة:
أهلًا يا عاصي، بقالي كتير ما شوفتكش، عمومًا فرصة سعيدة.
استأذن "حمزة" الذهاب إلى الحمام، فجذبها الآخر من رسغها بقوة فاصطدمت بصدره القوي مردفًا بفحيح:
جاية مع حمزة ليه يا فرح، في إيه بينك وبينه؟
نفضت يدها عنوة ثم دفعته للخلف مما جعله يتأوه عندما اصطدم بالحائط، لكنها لم تبالِ واقتربت أكثر حتى لافحت أنفاسهم سويًا، فقالت بدلال أنثوي:
الدكتور بتاعي وجينا سوا علشان رايحين نفس المكان.
ثم تابعت باحتدام وعدوانية شديدة:
وماتدخلش في حاجة ما تخصكش، روح نام زي ما كنت نايم قبل كده وملكش دعوة بيا يا عاصي، تمام!
لم تنتظر إجابته، فأسرعت في خطواتها نحو "فيروز" التي استقبلتها بحفاوة وسعادة بالغة من عودتها بعدما أخبرهم "عاصي" بسفرها نحو الخارج كي تستريح قليلًا والعودة يوم عقد قِران شقيقته.
****
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير"
عقب إتمام عقد القِران والموافقة بين الطرفين، توالت عليهما التهاني والدعوات بحياة هنيئة لهما.
عانق "عاصي" شقيقته بسعادة، فقد كان الأخ والداعم لها منذ وفاة والده، لكن بالنسبة لها لم تشعر بهذه القرابة بتاتًا، فدومًا تخبر ذاتها بأنه شخص أناني المشاعر يتجاهل الآخرين ومشاعرهم، يضع رغباته واحتياجاته في المرتبة الأولى.
ابتسمت لـ"عثمان" على استحياء حينما طلب منها أن يضع قبلة خفيفة فوق جبهتها، فأومأت له ثم وضعها، تلاها ضحكته الصاخبة لاحمرار وجهها جراء فعلته.
في زاوية بعيدة عن الجميع، وقفت تتأبط ذراع زوجها الذي يهمس لها بحديثٍ جعل عينيها تجحظان من فرط الخجل الذي استحوذ عليها بسببه.
لكزته أن يصمت، فلم يهتم بفعلتها، فعاودت لكزه مرةً أخرى بغضب حينما لمحت خالتها تغمز لها بطرف عينيها.
وقفت أمامه ترمقه بغيظ مكتوم قائلة باحتدام:
خالتي شافتك ما تتلم بقي يا ماجد.
رفع يده باستسلام ثم أخرج جيبه الشاغر من الأموال مردفًا بلا مبالاة:
ماحدش ليه حاجة عندنا يا حبيبتي ولا فلوسهم حتى في جيبي بصي.
كبحت ضحكتها على فعلته، واضعةً يدها فوق فمها تمنع ابتسامتها من التباين، ثم قالت بنفاذ صبر:
ولو، مينفعش كده لما نروح بيتنا، عيب كده.
"يعني أدوس براحتي في بيتنا؟"
وضعت يدها فوق فمه كي يصمت بعدما ارتفع صوته، أجابت بنبرةٍ على وشك البكاء:
اسكت بقي، منظرنا بقى زي الزفت والمعازيم بتبص علينا.
تنهد ثم ابتعد عنها قليلًا شاعرًا بالضيق جراء ما تخبره به، في مخيلته دار حديثٌ عن علاقتهم المحتومة بالفشل من وجهة نظره.
فكلما اقترب منها، ابتعدت عنه!
لقد فعل ما بوسعه لها، وما زالت تشعر بالنفور نحوه!
ماذا يفعل أيضًا كي تبادله مشاعره التي اتضحت للجميع سوى لها؟
على الجانب الآخر، وقفت بجوار "حمزة " تتحدث بعفوية، لم يشعرَا بالوقت والبشر من حولهما.
أقسم بأنه سينهزم أمام عينيها اللتين جعلتاه لا يرى سواها، جسدها البض الفاتن الذي أبرزه فستانها بدقة، شفتيها الذي أخرج تنهيدة عميقة كلما نظر إليها، تمنى لو أخذها في عناقٍ حار يبث به شوقه المتلهف نحوها.
أعين تراقب ما يحدث بحقد وغضبٍ سافر، لم يستطع الصمود أكثر فتوجه نحو زوجته يمسك رسغها بقوة غير عابئ بنداء أحد حتى والدته، فلم يتحمل فكرة أن ينظر إليها أحد بوقاحة كما فعل هذا الأحمق الذي يُدعى رفيقه!
يا للسخرية.. عن أي رفيق يتحدث؟
رفيقه الذي انتشل منه زوجته في لمح البصر غافلاً عن المشاعر التي تحركت ونبض القلب لأجلها!!
صعد بها الدرج متوجهًا نحو غرفته، ركل الباب بقدمه ثم دفعها فوق الفراش محاصرًا إياها بين جسده، لينطق أخيرًا جازًا على أسنانه بقوة:
عاجبك نظراته ليكِ؟ ردي عليا يا هانم.
دفعته بيدها بصعوبة لثقل جسده، مشيرة بسبابتها كتحذير:
ألزم حدودك وملكش دعوة بيا، وبعدين احنا هانطلق، نافش ريشك لية وبتتكلم كأنك غيران مثلًا؟!
" طلاق؟! مين جاب سيرة الطلاق أصلًا؟"
رفعت حاجبيها غير مستوعبة وقاحته اللامنتهية في حديثه، عقبت بعصبية مفرطة:
احنا متفقين بلاش تمثيل، يلا طلقني حالًا، أنا اتعافيت وخلصت مراحل العلاج، يعني بقيت إنسانة طبيعية مش مدمنة.
قالت الكلمة الأخيرة باستهزاء، مُذكرة إياه بقوله حينما علم بإدمانها، معايرًا إياها كأنها لا تعني له شيئًا!
فتابعت بنبرةٍ قوية تحمل السخرية:
الفضل يرجع لحمزة اللي حسسني إني مش معيوبة وكان سند ليا في عز ما تخليت أنت وأهلك عني، طلقني دلوقتي علشان كده كده مش هاقعد هنا تاني، وماتضطرش إني أرفع قضية خلع اللي متأكدة إني هاكسبها في لمح البصر يا عاصي.
بعدم تصديق لحديثها القوي الذي يحمل بين طياته النفور الذي استحوذ عليها منذ مجيئها في الصباح، زفر بسأم ثم تنهد مجيبًا بجمود امتثالًا لحديثها:
أنتِ طالق يا فرح.
لم تحزن ولم تذرف الدموع كما توقع، بل قهقهت بسعادة كأنه كان همًّا وغادر حياتها!
رمقته بإشمئزاز، بينما هو صمت مستديرًا نحو الأسفل حتى تغادر شقيقته مع زوجها فقد رفض "عثمان" رفضًا قاطعًا أن يقيم حفل زفاف، وأراد الذهاب مع حبيبته إلى بيت الله كي يبدأ حياتهما الجديدة سويًا في نعيم بعيدًا عن الضجيج والسيئات الجارية.
****
ساد الصمت في السيارة كالعادة بينهما فمهما حدث يعودان إلى نقطة الصفر وكأن لم يكن شيء!
تنهدت مشيحة بنظرها إلى خارج النافذة رافضةً أن تنبث بكلمة واحدة كي لا تزيد الطين بلة ويعود غاضبًا أكثر، بينما هو شرد يفكر لماذا تقف الحياة دومًا عائقًا أمام سعادته، حتى أنه حينما أراد فتح صفحة جديدة كي يحب، وقع الاختيار خطأ مرةً أخرى، فحقًا الشعور بالعذاب مُرّ المذاق!
بعد نصف ساعة وصلا المنزل ثم دلفوا ليجدوا "كوثر" ترمق "ورد" من أعلاها لأخمص قدمها بكراهية شديدة لا أحد يعلم سببها!
لم تعِ بنظرات زوجها التي تحمل التهديد، مقتربةً منها بغنج قائلة باستخفاف:
شيفاكِ ما شاء الله، خدتي على الوضع بينكم بسرعة ووشك رجع ينور.
أغلقت جفونها مسيطرة على ذاتها، فالوقت لا يسمح بتلك المناقشات السخيفة، ردت بدلال جعلها تود الفكاك بها:
طول عمري وشي منور يا مرات عمي، مش محتاجة كلمتك دي.
حدثت بهذا الحديث ثم جاءت لتصعد مع زوجها، ففاجأتها حينما ناطحتها بقولها الحاد الماكر:
أنا عايزة حفيد.
" هانجيب حفيد إزاي يا ماما وأنا مش بخلف؟"
أصبح الأمر بالنسبة له شيئًا عاديًا كونه اعتاد على حديثها السام، راشقًا في قلبه كالخنجر، لا يهمها نبرته الحزينة فعقبت بإصرار:
مليش دعوة، مش مشكلتي، أنا عايزة حفيد يا ماجد، ما هو مش معقول نخسر واحد وما نجيبش تاني!
صعد نحو غرفته يجر خيبة آماله نحو كل شيء، رغمًا عنه فرت دمعة حارة من عينيه التي طالما كانت تبتسم ولا تعلم عن الحزن شيئًا، لكن ماذا يفعل؟
فهي والدته تلك الشمطاء، لا يهمها ما يشعر به من الآلام بداخله، ولم تعِ بحساسية هذا الموضوع نحوه.
هرولت إلى الدرج كي تطمئن عليه قبل أن يهزمه الحديث من جديد، وجدته يجلس فوق الفراش، عبراته تتساقط بغزارة كطفل صغير.
أشفقت عليه، مقتربة منه بتأني، ثم جلست عند ركبتيه، أمسكت بيده وطبعت قبلة بباطن كفه، ثم قالت بنبرةٍ قوية يملؤها العزيمة:
ماجد، مينفعش نبين ضعفنا لحد مهما كان خليك واثق وعارف إن ربنا مش بيعمل حاجة غلط ودايمًا الخير لينا.
أُمال بتصلي إزاي؟
وثب واقفًا مبتعدًا عنها ثم قال بنبرةٍ لا حياة فيها:
إحنا لازم نتطلق يا ورد، أنا بظلمك معايا.
وضعت يدها فوق فمه تمنعه من تكملة هرتلته ثم عنفته بقوة:
اسكت ما تقولش كده، عايز تسيبني بعد ما لاقيتك! طب ليه علقتني بيك؟ مفيش حاجة اسمها طلاق، سامع؟
أشاح وجهه بعيدًا عنها كي لا يضعف أمام حديثها الذي أشعره ولو بقليل من السعادة:
مش هاينفع يا ورد، أنا بربطك معايا طول عمري، افهمي بقى أنا واحد عقيم مش بيخلف، يعني عمرك ما هاتسمعي كلمة يا ماما.
" أنا راضية والله راضية بس ماتسبنيش بالله عليك، أنا من غيرك ممكن أضيع تاني."
غير مصدقًا حديثها، فاقترب منها يمسك وجهها بين كفيه، متسائلًا بلهفة:
قصدك إنك.
وضعت جبهتها فوق جبهته مغمضة عينيها، ثم أردفت بشغف:
بحبك يا ماجد، بحبك أوي، مش عايزاك تسيبني.
وكأنها أعطته الإجابة كي يمتلكها بكل حنان، أخذها في عناقٍ حار يبث فيه كل ما شعر به في هذه اللحظة، مقبلًا خصلاتها بلهفة، ثم احتضنها بسعادة وظل يدور بها، فامتلأت الغرفة بالضحكات الصاخبة جعلت الأذن التي تستمع إليهم تشعر بالحقد وفشل مخططها مرةً أخرى أمام تلك "الورد".
****
بعدما غادر المدعوون، صعد إلى غرفته يلتفت يمينًا ويسارًا بتوجسٍ من أن يراه أحد.
قام بإغلاق الباب وأوصده جيدًا بالمفتاح، اقترب من الفراش وألقى الوسائد والغطاء الموضوع فوق الأرضية بإهمال، ثم ضغط على عدة أزرار مما جعل السرير يتزحزح من موضعه فابتسم بشيطانية.
ثم هبط الدرج الصغير الذي يقبع أسفله غرفة صغيرة معتمة كحال الليل لكنها نظيفة، جميعها باللون الأسود.
تحرك نحو المكتب وأضاء المصباح لينظر نحو الصور المعلقة أمامه بنفور، ثم أمسك بالقلم واضعًا علامة خطأ على صورة شخص كان يحقد عليه طوال حياته، فأردف بأعين منبعثة منها شرارة غضب:
كنت فاكر بموتك يا فريد كل حاجة هاتتحل، بس أخوك كمل مسيرتك، استناه بقى علشان هايحصلك قريب أوي.
****
صرخة دوت في الأرجاء جعلت الغارق في نومٍ عميق بجوارها يستيقظ مفزوعًا.
فتح المصباح بجواره سريعًا ثم نظر نحوها، فوجدها تلهث بشدة كأنها كانت تركض!
أمسك بالماء كي ترتشف منه القليل لتهدئة ذاتها، ربت فوق ظهرها بحنو محتضنًا إياها، يبث بداخلها الأمان والطمأنينة بوجوده، ثم قال مازحًا إياها:
شوفتي حلمتي إزاي حلم وحش علشان مصلتيش العشا، قومي يلا صليها، عقبال ما أنزل أعمل لك عصير، قومي يلا بلاش كسل.
راقبت طيفه بحزن وأعين دامعة، أجابت بتوجسٍ ونبرة تحمل الرجاء:
ياربّ مش بعد ما تعلق قلبي بحاجة تاخدها مني، ياربّ احفظه ليا.
رواية انما للورد عشاق الفصل العشرون 20 - بقلم ماهي عاطف
كان مستلقيًا فوق فراشه في صمت تام، يعقد كفيه خلف رأسه، جزء من عقله استحوذ عليه الانتقام الشنيع نحو من يقف عائقًا أمامه. قهقه بصخب حينما تذكر كيف تخلص من "فريد" في لمح البصر دون التدخل أو ترك أثر له!
صعد البناية المهترئة حتى وصل إلى الطابق الذي تقطن به "سعاد". طرق الباب بخفة ثلاث مرات ثم انفتح ليقابل بوجهه شخص ذو ملامح رجولية حادة، بأعين بنيّة وشعر أسود كثيف كظلام الليل، وجسده ضخم مفتول العضلات.
رفع حاجبيه حينما لاحظ نظراته المندهشة المصوبة نحوه، فتحدث بصوت رجولي خشن:
عايز مين يا حضرت؟
حمحم لينظف حنجرته ثم قال بنبرةٍ هادئة:
سعاد عبدالرحمن.
سعاد في الشغل دلوقتي، ادخل استناها جوه.
أومأ له بتوتر ثم جلس ينتظرها قرابة ساعة ونصف ولم تأتِ بعد!
زفر بعصبية ثم وثب واقفًا ووجه حديثه نحوه باحتدام:
هاجي وقت تاني تكون موجودة، سلام.
ثم فتح الباب وجاء ليتقدم خطوة فتوقف عندما أقبلت عليه بنظرات متسائلة.
بعد ثوانٍ من النظرات الحادة نحوها، قالت بتلعثم مبتلعة ريقها بتوتر:
اتفضل يا أستاذ.
عاصي، دلف مرةً أخرى جازًا على أسنانه بقوة محاولًا التريث كي ينجز ما جاء من أجله. أخبرها بأنه يريد التحدث معها لا سواه، فأخبرت زوجها بالانتظار بالخارج قليلًا بعد إلحاح منها. انصت لها وتحرك.
فركت يدها بارتباك من تواجده أمامها، لم تتحدث معه من قبل سوى قليلاً، والآن بات لديها فضول لمعرفة ماذا يريد ولماذا جاء إلى منزلها من الأساس؟
بتر الصمت مناطحًا إياها بقوله الصارم:
كتب كتاب فريد وورد بكرة صح؟
أومأت له بدهشة ثم اقترب منها على غفلة هامسًا بأذنيها بفحيح:
عايزها تكون جنازته.
أطلقت شهقة ثم جاءت لتصرخ في وجهه لكنها جحظت عيناها عندما وضع يده فوق فمها يمنعها من الحديث. أردف بعصبية وقوة:
اخرسي، ما تعمليش نفسك رافضة وأنتِ أصلًا وش كده.
دفعته للخلف بصعوبة عنها ثم هدرت به:
دا أنت وبنت خالتك قتالين قتلة على كده.
بنت خالتي مين؟ أنتِ مجنونة؟
تابعت باستخفاف جعله يفقد القدرة على الحديث من شدة الصدمة:
ست ورد طلبت مني نفس الطلب ده من شوية.
بنظرة نارية متوحشة وهدوء يسبق العاصفة، أجاب:
وقلتِ لها إيه؟
انقبض قلبها بخوف واعتدلت في جلستها بذعر من نظراته المنبعثة منها الغضب، فقالت بتوتر جلي فوق قسماتها:
هانفذ.
أراح جسده على الأريكة محاولًا إخفاء سعادته، أخرج مظروفًا مليئًا بالمال ثم وضعه أمامها، جعل لعابها يسيل من شدة الجشع والاحتياج.
تلاشى ابتسامته وحل محلها الوجوم من جديد، ثم استطرد بمكر:
يبقى فل، قدامك مية ألف جنيه، دا طبعًا غير اللي هي ادتهولك، صح؟
أومات له ثم استكملت بنبرةٍ قوية:
تاخديهم وتختفي بعد التنفيذ، أيًا كانت نوع الموتة هابعت لك دكتور تبعي هايقول إنه مات بسكتة قلبية، فاهمة يا سعاد؟ أول ما يحصل ويقع تجري تتصلي بيا من غير ما تستني حد يتصرف.
جعلها تقف في ارتعاب حينما صاح بقوةٍ:
سامعة يا بت؟ وحسك عينك ألمحك بعد ما تنفذي المطلوب.
حركت رأسها بسرعة ثم ابتسم وتحرك للخارج دون أن ينبث بكلمة، بينما هي أخذت الأموال وأسرعت بتخبئتها ثم جلست متوجسة تدعو الله أن تمر فعلتها مرور الكرام.
استفاق من شروده ثم ابتسم بمكر وتحرك نحو الأسفل، دُهش عندما استمع لصوت يعلمه جيدًا حتى في منامه!
تحرك نحو غرفة المعيشة ليجد حبيبته الأولى تجاور والدته محتضنة إياها وعينيها تتساقط منها الدموع بغزارة، مما جعله يتحرك نحوها يجثو على ركبتيه أمامها متسائلًا بلهفة:
مالك يا ورد بتعيطي ليه؟
ليتابع بغضب سافر وغيظ مكتوم:
أكيد بسبب الحيوان ماجد، والله لهوريه.
جاء ليغادر فأسرعت نحوه تمسك يده قبل أن يفعل شيئًا به تندّم عليه فقالت على عجالة:
لأ والله مش ماجد السبب.
أُمال بتعيطي ليه؟ كوثر مروقاكِ؟
تجاهلت نبرته المستهزئة فأجابت بخفوت متحشرج:
افتكرت ماما.
أشفق عليها ثم احتضن وجهها بين كفيه، جعل والدته على وشك البكاء مما يفعله، فاقتربت منه واحتضنتها بدلًا منه، ثم رمقته بغيظ قائلة بعصبية طفيفة:
اختفي حالًا يا عاصي.
تنهد بيأس ثم تحرك نحو الخارج كي يجلس في الحديقة لحين مغادرتها.
كانت نظرته مشتعلة، وعيناه تكادان تخرجان منها النيران، فقد تأججت نيران الغيرة داخله، فعقب بنبرةٍ تهديد:
هأقتلك يا ماجد، بس الصبر.
أما بالداخل، بعدما هدأت قليلًا من روعتها، وربتت فوق ظهرها بحنو، ثم بترت فقاعة السكون بنبرةٍ خافتة تحمل الرجاء لخالتِها:
أنا عرفت من عنان إنك رايحة تعملي عمرة معاها هي وعثمان، فممكن تدعي لي أنا وماجد بالذرية الصالحة، علشان الموضوع ده مأثر عليه أوي.
تلمعت السعادة في عينيها تجاه تقبُلها لأمر زواجها، عانقتها ثم أردفت بتهلل:
من عيني يا بنتي، ربنا يرزقك السعادة يا ربّ دايمًا.
جلست بجواره في السيارة ليعودا نحو عملهما مرةً أخرى، احتضن يدها بين خاصتيه مصوبًا تركيزه نحو الطريق، ليشعر بشرودها. فرفع يدها ووضع قبلة خفيفة في باطن كفها، مما جعل القشعريرة تدب في جسدها فارتجفت كنسيمة هواء عليلة.
ابتسم من جانب فمه لتأثيره عليها، فحمحم لينظف حنجرته قائلًا بدعابة:
هو كل ما أمسك إيدك أبوسها تنتفضي كده ليه؟ والله مش بعض.
تلاشت توجُّسها وتوترها غير المبرر، ثم أردفت بخفوت خجل:
أنت اللي مش بتسيب فرصة غير لما تكسفني فيها.
حقك عليا، بس غصب عني على فكرة، بحبك ومش بقدر أتمالك نفسي.
بلحظةٍ تغير وجهها مئةً وثمانين درجةً ثم رمقته بغيظ مُعنفةً إياه:
ماجد، ركز في الطريق لو سمحت.
رفع حاجبيه من تغيرها ثم رمقها شزرًا، تاركًا يدها وقاد السيارة في صمت، مما جعلها تلعن ذاتها من أفعالها البلهاء.
تجرأت ثم أمسكت كفه تحتويه بين قبضتها الصغيرة فابتسم بعشق نحوها.
بات يختلس النظرات نحوها من حين إلى آخر، مما جعل الحمرة تسري في وجنتيها وكذلك وجهها بالكامل، حتى أنه ابتلع ريقه وأكمل طريقه يدعو ربه أن يمر هذا الطريق الذي شعر بثقله مرور الكرام كي لا يفعل شيئًا لها يعاقب ذاته فيما بعد عليه.
صعد الدرج ممسكًا بخصلاتها بقسوة لتتلوى بألم من قبضته القوية، شعرت بأنه سيقتلع شعرها من جذورها بين يديه.
دفع الباب بقدمه ثم أوصده جيدًا بالمفتاح كي يستطيع قول وفعل ما يرغب به معها بعدما تحمل على ذاته حديثها المهين لنجلها وزوجته بشأن الإنجاب والتدخل فيما لا يعنيها.
دفعها على الأرضية بقوة حتى أنها صرخت بالاستنجاد بأحد، لكنه اقترب منها هاتفًا بغضب عارم:
أنتِ واحدة معندهاش دم ولا إحساس، إزاي يجي لك قلب كل شوية تعايري ابنك بأنه مش بيخلف؟ إزاي بجد؟ حشرية ليه وبتدخلي في كل حاجة ملكيش دعوة بيها؟ ما تردي عليا يا كوثر، ردي، دا أنتِ خنقتيني يا شيخة، منه لله أبويا هو السبب في إن الجوازة النحس دي تكمل.
ابتلعت لعابها بصعوبة ثم أردفت ببكاء واهي بعدما استطاعت الوقوف على قدميها:
الحق عليا يعني إني عايزة أشوف لينا حفيد؟ ليه جاي في صفهم وسايبني أنا؟
إلهي تسيبي على نفسك يا بعيدة، دول ولادي واجي عليكِ وعلى اللي خلفوكِ كمان علشانهم.
ثم تابع بتحذير مشيرًا بإصبعه نحوها:
أقسم بالله لو اتكلمتي في موضوع الخلفة دا تاني معاهم لهكون مطلقك يا كوثر، وخلي مناخيرك دي في حياتك بدل ما أقطعها لك وهي كبيرة وقد وش مرتين، فاهمة؟
أومأت له على عجالة ثم بصق عليها وغادر دون أن ينبث بكلمة، بينما هي ركضت نحو الباب تطرقه بقوة عقب إحكام الغلق عليها، فصاحت بقوة:
افتح يا محمود بالله عليك ما تعملش فيا كده، هاخرس والله مليش دعوة بيهم إن شاء الله حتى يخلفوا قرود، مليش دعوة، افتح بقى يا مــحــمــود.
وقفت تعانقه بسعادة غمرت كليهما بعدما أصر "عثمان" على أن تذهب معه إلى بيت الله لمعرفته بأن هذه إحدى أمنياتها التي ترغب بها بشدة. ابتعدت عنه ثم أخذت بيده وجلسا فوق الأريكة. تنفست بعمق ثم قالت بنبرةٍ تعقلية:
عاصي، ما ينفعش تبقى في مكان وفرح في مكان يعني إيه سافرت خلاص الغردقة هتستقر هناك؟ كلمها خليها ترجع، حاول تهدأ شوية وافصل عن شغلك، ركز في حياتك الشخصية زي العملية كده.
أغمض عينيه ثم تحدث بجمود بعدما اعتصر قبضته بقوة:
أنا كذبت عليكِ يا ماما، فرح مسافرتش تغير جو ولا حاجة أنا طلقتها امبارح يعني خلاص كل واحد شاف حاله.
جحظت عيناها، هوى الخبر فوق قلبها كالصاعقة. كيف يفعل هذا دون الرجوع لها؟
ولمَ حدث من الأساس؟ هي تعلم حبها الشديد القوي نحوه، إذًا لمَ تفرقا؟!
بنبرةٍ مهزوزة وأعين على مشارف الهبوط أجابت:
ليه كده؟ حرام عليك ليه تعمل فيها كده؟ كسرت قلبها مرات كتير رغم إنها بتحبك وأنت عارف، حرام عليك، منك لله يا بني على كسرة قلبها اللي أنت السبب فيها دي، منك لله.
ألقت حديثها مخترقًا قلبه كالسم، أشفقت عليها بشدة حقًا كسرة القلب ورفض المشاعر ما أسوأ ما يشعر به المرء، فكيف ستتعايش "فرح" من وجهة نظرها مع الأمر؟
دلف المطعم ينظر يمينًا ويسارًا، وجدها تجلس مغمضة جفونها وبيدها كوب القهوة تستنشق رائحته اللذيذة. أمامها إحدى الكتب المفضلة لديها.
اقترب بتأني من مقعدها ثم جلس دون أن ينبث بكلمة، فقط يراقبها وينظر بتمعن شديد لملامحها البريئة التي أطاحت النوم عن جفنيه، مما جعله يسرق لحظاتٍ سوية في عقله المشتت نحو علاقتهما التي لم تأخذ مجراها ومسارها الصحيح.
يتساءل هل تشعر بما يشعر به نحوها من عواطف جياشة، أم أن عقله المريض يتلاعب به من حديث مراوغ؟
حمحم بعد ثوانٍ جعلها ترتبك ويهتز الكوب من يدها حتى إنه كان على وشك السقوط لكنه أمسك به قبل وقوعه.
ارتجفت يدها أثر لمساته لها فتركته يضعه فوق الطاولة، ثم قالت بخفوت مرتبك بعدما لاحظت نظراته المصوبة نحوها:
أنت هنا من أمتي؟
بقالي عشر دقايق.
دُهشت من حديثه رافعة حاجبيها له، أردفت بنبرةٍ هادئة:
وما تكلمتش ليه أو قلت حاجة؟
تنفس بعمق، نظر بقوة داخل بندقيتها ثم تحدث بنبرةٍ جعلتها تشعر بالفراشة:
نسيت الكلام لما شُفتك يا فرح.
ربـــاه؟!!!!! وكأن حلمها تحقق من اهتمام وحديثٍ رغبت به منذ زمن.. وكأن الله اختار ما يروق لها من حنان واحتواء من شخصٍ غريب لم تعتد على وجوده من الأساس.
ابتلعت ريقها لاعنة ذاتها على تَسمُرها هكذا أمام حديثه الهائم بها ثم قالت مستفهمة:
أنت خلاص هتسافر؟
لأ، قررت أستقر هنا بس هاعمل خطوة في حياتي وبعدين أسافر.
توجست، شعرت برغبة في البكاء، لم تفهم مقصده. حديثه الغامض جعلها تود المغادرة قبل أن تنهار أمامه. فجاءت تلتقط حقيبتها استعدادًا للمغادرة لكنه امسك بكفها قائلًا بتساؤل:
ماشية لية ملحقناش نقعد.
كبحت دموعها ثم تحدثت بنبرةٍ حزينة:
عايزة أروح، تعبت شوية.
قرر التوقف عن العبث معها فاستطرد بمكر:
طب مش حابة تعرفي إيه الخطوة اللي ناوي أعملها في حياتي قبل ما اسافر؟
حركت رأسها بنفي فعقبت بوجع:
ربنا يحقق لك كل أحلامك يا حمزة.
ياربّ يا فرح، يجعل لك من نصيبي.
رددت الدعوة خلفه بعدم وعي ثم جحظت عينيها بعدما استمعت لقهقهته الصاخبة وتفهمت حديثه، ردت بتلعثم:
قصدك إيه؟
أمسك يدها ثم وضع قبلة في باطن كفها وتحدث بكلمة واحدة:
أنتِ كل دعواتي اللي بتمني إنها تتحقق.
أطلقت شهقة فزع ثم وضعت يدها فوق ثغرها من الصدمة، وبعدما استجمعت شتاتها قالت بسعادة خافية:
بجد يا حمزة؟
أطال النظر في وجهها مبتسمًا من أجل سعادتها ثم أردف بحديثٍ متيم بها عشقًا:
بجد، سبحان الله كنت حاسس من أول يوم إنك هتكوني معايا وتحتلي تفكيري بالشكل ده.
فتابع بنبرةٍ حزينة:
بس بعدين اكتشفت إنه مينفعش نكون سوا علشان متجوزة.
أسرعت بقولها المتلهف قائلة:
أنا وعاصي انفصلنا امبارح.
اتسعت عيناه من هول ما وقع على مسامعه ثم قال بخفوت متسائلًا:
اتطلقوا؟!!!
أومات له مسرعةً ثم وثب واقفًا فقال بتهلل:
هاروح الحمام وأجي لك نتكلم في كل حاجة.
ابتسمت سامحةً له، وضعت يدها فوق قلبها الذي يقرع كالطبول لوجوده، وبعدما باتت المشاعر مشابهة والقلوب متحدة مليئة بالسعادة، مددت سلاسل العشق تقيد روحهما سويًا، تنفست بعمق، فها قد أصبحت أحلامها على مشارف التحقق.
بعد دقائق، خرج من الحمام مرتسمًا ابتسامة على وجهه، وجدها مقبلة عليه وعيناها تتساقط منهما الدموع بغزارة.
وضعت هاتفه أمامه، وعيناه المندهشتان تراقبها بصدمة من تقلباتها المزاجية، فأردفت بنبرة موجعة:
مراتك بتتصل بك يا دكتور حمزة.
ثم هرولت إلى الخارج غير عابئة بندائه.
تلاشت الحياة سعادتها التي لم تكتمل يومًا سوى بصيص في لمح البصر.
فأصبح فقدانها للأمل وتحطم آمالها أمرًا واقعًا اعتادت عليه منذ الصغر.