تحميل رواية «انما للورد عشاق» PDF
بقلم ماهي عاطف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انتفضت من سباتها ترتجف بذعر، متوجسة من الأحلام البشعة التي تراودها. شهقت عدة مرات متتالية لتهدئة ضربات قلبها التي تقرع كالطبول. سحبت نفسًا عميقًا محاولة إدخاله عنوة إلى رئتيها. استحوذ عليها فجأة الشعور بالاختناق، وكأن روحها تسلب منها دون إرادة. شحب وجهها، وصار جسدها يرتجف كورقة خريفية وحيدة فوق غصن شجرة في مهب الريح؛ لكن ليس ارتجاف ألم، إنما بسبب الرجفة الحادة من فرط الوجع الذي يضرب بجسدها. أغمضت جفونها تعتصرهم بقوة؛ فلم تعد تشعر بالاطمئنان بتاتًا، خاصة في الآونة الأخيرة. يظل "فريد" ابن عمها يقت...
رواية انما للورد عشاق الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ماهي عاطف
وصلت بسرعة فائقة نحو منزل عمها، ثم صعدت الدرج بعدما وجدت فقاعة السكون تسود في الأسفل. بدون سابق إنذار دخلت غرفته دون طرق الباب فوجدته يزحزح فراشه ليضعه في مكانه الصحيح.
أطلق شهقة فزع وجحظت عيناه بتوتر من تواجدها هنا ورؤيتها له وهو بتلك الغرفة المظلمة التي تقبع أسفل فراشه.
"أنتِ اتجننتِ إزاي تدخلي كده؟"
تجاهلت نبرته الغاضبة وما يفعله، مُعقبة باحتدام يتخلله بحة خفيفة: "سؤال واحد، أنت كنت تعرف إن حمزة متجوز؟"
زفر بعمق ثم قال بصوت رجولي خشن: "أيوة كنت عارف بس مش هاقول لك حاجة تخص الموضوع ده علشان خاص بيني وبينه."
تلألأ بؤبؤا عيناها بالعبرات ولمعت هاتفة بصوت يكاد لا يخرج يغلبه البكاء: "حرام عليك، أنت مبترحمش ولا بتخلي رحمة ربنا تنزل ليه؟ مش كفاية كسرت قلبي وحسيت نفسي رخيصة معاك، ليه بتحب تتفرج عليا وأنا بتعلق في حبل النجاة لحد ما وقعت على جذور رقبتي؟"
اقترب منها بحذر ثم أمسك وجهها بين كفيه مردفًا بشفقة: "أنا آسف يا فرح، حقك عليا، سامحيني."
ضاقت أنفاسها من الألم لكنها استجمعت شجاعتها ودفعته ثم أشارت بإصبعها قائلة بقوة: "بجح وواطي، أسامحك على إيه؟ أنا بكرهك أصلًا."
تابعت باحتقار جلي فوق قسماتها: "بكره نفسي وقلبي علشان حبيتك، لو رجع بيا الزمن مش هابص في وشك يا حقير."
بصقت عليه ثم هرولت نحو الأسفل ولم تنتظر شيئًا من حديثه، بينما هو رمق طيفها بأعين منبعثة منها شرارات الغضب ثم مسح على وجهه مستطردًا بعصبية مفرطة: "والله لهوريكي على لسانك الطويل ده."
****
بنظراتٍ تائهة، راقبت قطرات الماء وهي تتدلى من خصلاته السوداء على وجهه، ذقنه النامية والتي زادت من وسامته. اقترب منها وعلى وجهه ابتسامة هادئة جعلت نبضات قلبها تتسارع وطرقت الطبول حتى كاد أن يسمعها.
تبادلا النظرات للحظاتٍ كانت كالدهر لكليهما، قبل أن يردف مشاكسًا إياها: "شكلي حلو، صح؟"
شق ثغرها ابتسامة صغيرة قائلة بنبرةٍ هادئة لكنها جعلته هائمًا أكثر بها: "طبعًا، جوزي أحلى واحد في الدنيا."
مد أصابع يده ليزيل خصلة شعرها المتمردة، مرر إبهامه فوق وجنتيها بحنو، مغمغمًا بصوت رجولي جذاب: "جوزك محظوظ علشان بقيتي جزء من حياته، ربنا يبارك لي فيكِ يا ورد."
"ويخليك ليا يا ربّ، عايزة أقول حاجة ممكن؟"
أومأ لها ثم طبع قبلة فوق وجنتها، مسترسلة بملل: "حاسة إني عايزة أسيب الشغل، مش عايزة أكمل. هو الحمد لله كنت محتاجاه في فترة معينة علشان أنسى كل حاجة، بس خلاص كده."
جلس بجوارها فوق الفراش معقبًا بنبرةٍ تعقلية: "ورد، مينفعش بعد ما خلاص عملتي لنفسك كارير ومهتمة بحياتك بدل الفراغ، تستسلمي لليأس كده، كملي وبطلي هرتلة فارغة."
رمقته بانزعاج فبتر حدتها معه بقهقة صخب جعلتها تبتلع لعابها وتبقى صامتة ترتشف من ملامحه، أرسل لها غمزة عابثة مستكملًا بتعالٍ: "هتحسد على فكرة بنظراتك ليا."
قذفته بالوسادة التي بجوارها ثم ضمها بقوة، احتضنها بين ذراعيه يبث بداخلها الطمأنينة التي انتزعتها منها الحياة والأمان المفقود قبل مجيئه.
ابتعدت عنه ثم وجهت له مستفهمةً: "أنت بتعمل معايا ليه كده؟ ليه بتخليني أحبك وأحب طيبتك يا ماجد؟"
"علشان عايز أعوضك يا ورد عن الحزن اللي شوفتيه معانا، عن ندالة أخويا والكره اللي من ناحية أمي ليكِ مش عارف سببه، عن كل حاجة."
ابتسمت له بحبور مستطردة بفضول: "ممكن أسألك سؤال؟"
"أخير والله."
قهقه لتدخلها فيما لا يعنيها، لكن هذا الأمر بات محببًا بالنسبة له فتحدث بصبر: "اتفضلي يا ستي، اسألي براحتك."
"أنت ليه كانت علاقتك بفريد مش إخوات، يعني ليه كنتوا بعيد عن بعض أوي؟"
وثب واقفًا مبتعدًا عنها، فقال بوجع مبتلعًا غصة تشكلت في حلقه تحمل الكثير بين طياته: "ببساطة علشان أنا اللي عايز كده يا ورد، بكرة العنصرية والتفرقة بسبب حب ماما ليه، دايمًا واقفة في صفه وسيباني، بمعنى أصح كانت بتكره حتى تحضني، تخيلي؟!!"
ليتابع بمرارة وتحشرج حزين: "كان بالنسبة لها إني بتدلع ومينفعش، لكن عند فريد حبيب ماما تحضنه وتبوسه عادي جدًا، مش بغير والله لكن أنا خلاص اتعلمت أكون لوحدي، حتى لو نزلت القاهرة وقعدت عندهم بقعد في أوضتي."
مستكملًا بهيام وعيناه تشع وميض العشق نحوها: "لحد ما أنتِ جيتي يا ورد وبقيتي بتحضنيني عادي بدون ما أطلب حتى، فعلشان كده بحبك وبحب حنانك."
ابتسمت له ثم فتحت ذراعيها له، معانقة إياه بكل قوة، شاعرةً بالشفقة نحوه والوحدة التي استحوذت على حياته، لكنها وعدت ذاتها بأنها ستبقى معه ولن تتخلى عنه مهما حدث.
****
صعد الدرج بخطى سريعة غاضبة يرغب في الفتك بها مما فعلته، ولمعرفة "فرح" بأنه رجل متزوج، فقد أخبرها منذ مجيئها إلى هنا بأنه لا يجب أن تفشي هذا السر لأحد، والآن حبيبته علمت بذلك!!
ركل الباب بقدمه ينفث غضبه، تقبع أمامه فتاةً في التاسع عشر من عمرها فوق الأريكة منكمشة على ذاتها، ملامحها باهتة، عيناها تحاوطها هالات سوداء كحياتها البائسة، ترتدي جلبابًا أبيض بأكمام طويلة، تاركة العنان لخصلاتها تتدلى بحرية عكس صاحبته.
بنظرات متوجسة راقبت اقترابه منها، نازعًا إياها من فوق الأريكة لتقف على قدميها، شاعرة بارتجافة شديدة في جسدها تملكت بها وقبل أن يفتك بها، أسرعت بقولها المتلعثم:
"متزعقليش، أنا كنت بطمن عليك مش أكتر."
زفر بعصبية مشددًا على خصلاته بقوة قبل أن يهدر بها: "مكالمتك دي ضيعت أهم لحظة في حياتي."
تجمعت الدموع في مقلتيها ثم قالت بنبرةٍ خافتة: "أنا آسفة، متزعلش مني."
"عايزة إيه مني يعني، بترني ليه؟"
شعرت بالإهانة من صياحته غير المبرر لها، فتحدثت بهدوء عكس ما بداخلها: "مش عايزة حاجة، تصبح على خير."
غضب من ذاته لفظته في الحديث معها، فلا يد لها بما حدث، لكن ما يحدث رغمًا عن إرادة الجميع.
بعد ثوانٍ هدأ قليلًا من روعته، مستغفراً ربه، ثم صاح مُناديًا على المساعدة الخاصة بها لتلبي النداء في الحال بخضوع: "كانت بترن عليا ليه يا حنان؟"
بتوتر ونبرة خافتة أجابت: "بصراحة يا أستاذ حمزة، أنا اللي رنيت."
رمقها بدهشة ثم قال باستخفاف: "أيوة، عايزة إيه بقى؟ نسيتي تقولي نوع الشوكولاتة اللي عايزاه؟"
كبحت ضحكتها على حديثه رغمًا عنها، معقبة بتوجس من معرفته بالأمر: "مدام نورهان كانت هاتنتحر للمرة التانية، فعلشان كده كلمت حضرتك."
أراح ظهره فوق الأريكة مغمضًا جفونه ثم استطرد بيأس: "أنا تعبت منها، مافيش أي استجابة للعلاج، وحقيقي فقدت الأمل في معالجتها."
غادرت "حنان" نحو غرفتها شاعرةً بالشفقة تجاه كلاهما، بينما هو تحرك من موضعه نحو غرفتها، طرق الباب وحينما أذنت له بالدخول، دلف ووجد عينيها مليئتين بالدموع، فتنهد متجهًا نحوها، ربت فوق ذراعها بحنو ثم أردف بتأني: "طب بتعيطي ليه دلوقتي؟"
مسحت عبراتها بظهر كفها ثم هتفت بنبرةٍ طفولية غاضبة: "علشان أنت عمال تزعق وصوتك وحش."
قهقه بخفة مستطردًا بدعابة: "معلش أنا آسف، المرة الجاية هاجيب عمرو دياب يزعق مكاني."
ضحكت حتى بانت نواجزها فقال بامتعاض: "اضحكي اضحكي، رغم إني زعلان منك أصلًا."
"لأ متزعلش مني، أنا آسفة."
بنظرة نارية متوحشة وهدوء يسبق العاصفة أجاب: "عايزة تنتحري ليه يا نورهان؟"
ترقرقت العبرات في مقلتيها مرة أخرى ثم أردفت بوجع مستحوذًا عليها طوال الوقت: "علشان أنا مش معايا حد، طول الوقت قاعدة لوحدي وأنا بخاف أقعد لوحدي يا حمزة."
هز رأسه بنفي ماسحًا عبراتها بإبهامه وأردف بأسف: "حقك عليا بس غصب عني والله."
ابتسمت له كأن لم يحدث شيء، تذكرت صراخه قبل قليل بالخارج فتسألت: "ولا يهمك، بس أنت ليه زعلان وكنت هتعيط قدام حنان برا؟"
اشتدت الحرب وازدادت اشتعالًا حتى وصلت إلى أكثر نقطة مثيرة وهو همسه غير المبالي الذي يعبر عن نفس غاضبة: "علشان حبيبتي اللي حكيت لك عنها عرفت إني متجوز وسابتني."
بحثت ضحكتها من التباين، معقبة بتبرير: "بصراحة، من كتر الرن عليك تقريبًا هي اتخنقت وردت على حنان، ولما عرفت إنك متجوز فضلت ساكتة."
ليتها لم تخبره بما حدث فقد زاد الاشتعال بداخله، تحدث بغيظ مكتوم: "أعمل فيكِ إيه دلوقتي؟"
أجشهت في البكاء وهي تقبض فوق ذراعه، تقول راجية: "لأ، لأ، متضربنيش زي بابا، عمل لي تعويرة في جسمي ولسه مش عايزة تخف."
أسرع بقوله المتلهف نافيًا: "لأ، مش همد إيدي عليكِ متخافيش، أنا عمري ضربتك يا نور؟"
هتفت على عجالة رافضة تأييد حديثه: "لأ، أنت طيب مش زيه."
قهقه ثم قال وهو يتحرك إلى غرفته: "طب كويس، يلا بقى غيري هدومك دي وتعالي نتعشى علشان مكلتش كويس، بوظتي لي اليوم يا فقرية."
ضحكت بصخب، راقبت طيفه حتى اختفى، فرفعت يدها لأعلى قائلة: "ياربّ، اسعده وخلي السعادة ترجع حياته."
****
أصبحت الهزيمة في حياتها لا مفر منها، بات الخذلان كظلها، لم تعد تحتمل ما تمر به من وجع محطّم قلبها إلى أشلاء، التاع القلب من كثرة الحب المهترئ كأنها زرعت نفسها في أرض جرداء فذبلت!
ربما الابتعاد قاتل، لكنه أفضل من القرب بلا تقدير؛ كي لا ترسم في مخيلته بأنك لا تستطيع الاستغناء عنه.
جلست شاردة منذ مجيئها من منزل عمها، روحها تتمزق مسلوبة منها دون إرادة، لا تعلم ماذا تفعل في حياتها فيما بعد، لكن أطرق بمخيلتها شيء واحد فقط وهو الرحيل إلى الخارج.
أدركت أن العمل والمغادرة عليها فعلهما منذ فترةٍ؛ لكن لا بأس، فالإنسان حينما يقف أمامه الحب عائقًا يتناسى ذاته.
تفكر دومًا بقلبها، لكنها ستتوقف عن التفكير به منذ الآن كي تعيش سعيدة ولو لمرة واحدة.
تنفست بعمق ثم وثبت واقفة كي تستعد للرحيل كما أخبرها عقلها، لكن طرق الباب جعلها تترك كل شيء بيدها وتذهب لترى من الطارق. ازدادت ذروة الغضب بداخلها حينما رأت وجهه البغيض أمامها.
جاءت كي تغلق الباب في وجهه، لكنه دفعها للداخل فارتدت بقوة إلى الخلف فأطلقت شهقة فزع، توجست من قسمات وجهه التي انبعث منها شرارة الغضب نحوها، تراجعت بجسدها إلى الخزانة محاولةً استمداد القوة والأمان من جديد.
بتر فقاعة الغضب والخوف مناطحًا إياها بقوله: "مش بتردي عليا ليه؟"
يا للسخرية حقًا!!!
يغرسون في حنجرتك غصة مريرة ثم يسألونك لماذا لا تتحدث؟
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه لتعقب بإزدراء: "غيرت الخط، ولو سمحت اتفضل بره علشان مينفعش نبقى لوحدنا."
لاح بنظره صوب الحقيبة الموضوعة بجوارها على الأرضية فقال مستفهمًا: "أنتِ رايحة فين بالشنطة دي؟"
"مسافرة."
كلمة واحدة جعلته يرغب في الفتك بها وجذبها إليه كي يفرغ ما بداخله من غضب سافر نحو أفعالها الطائشة، أجاب باستهزاء بعدما استوعب ما وقع على مسامعه: "جات خبط لازق كده فكرة السفر؟"
تجاهلت نبرته فتحدثت بنبرة جامدة: "أيوة هاسافر."
لتتحرك نحو الباب مشيرة بإصبعها: "اتفضل اخرج علشان ميعاد الطيارة قرب."
تحرك بتأني ثم أمسك بحقيبتها ملقيًا إياها من الشرفة لتتسع عيناها، فصاحت به: "أنت إزاي تعمل كده؟ أنت اتجننت!"
كمم شفتيها بكفه كي تصمت عن هرتلتها، ثم أخذها عنوةً وجلسا سويًا فوق الأريكة. بعدما هدأ قليلًا من ذاته، تحدث بإيجاز مُسردًا عليها ما حدث معه: "اللي متجوزها دي بنت خالي، بيكره البنات أوي، بيتهيأ له إنه لما بيضرب أي بنت وخصوصًا هي، يبقى كده بيستلذ بتعذيبها."
مستكملًا بهدوء محاولًا التريث أكثر: "ماما اقنعتني أتجوزها وفي نفس الوقت أعالجها علشان بقي تفكير الانتحار والاكتئاب مسيطر عليها طول الوقت. أنا مش متجوز غير بالاسم بس يا فرح، لكن صدقيني في نفس الوقت مش هينفع أسيبها لوحدها. أنا كده يبقى معنديش دم. أنا بحبك وكل حاجة بس مش هينفع أسيبها. نورهان من غيري تموت."
جحظت عيناها بشدة ثم انفرجت ضاحكة بهستيرية جعلته مندهشًا من فعلتها، تجمعت الدموع في مقلتيها ثم قالت بنبرةٍ موجعة: "يعني إيه؟ يعني أنا طول حياتي مش هعرف أفرح؟ مش هحس إني بقي حد يبادلني الحب؟ ليه الدنيا مستكترة عليا الحب والسعادة؟ كأنها بتقول لي إلهي ما تشوفي غير الحزن بس."
تابعت باكية بحرقة: "أنا تعبانة يا حمزة، كنت فاكرة إني اتعالجت وخفيت بس قلبي رجع يوجعني تاني."
أخذها في عناقٍ طويل فتعالت شهقاتها بنشيج جعلته رغمًا عنه تفر دمعة من عينيه مشفقًا على الجميع حتى ذاته!!
رواية انما للورد عشاق الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ماهي عاطف
صعد الطابق الذي يمكث فيه بعد عناء من عمله الشاق.
دُهش حينما استمع لصوت ضحكات صاخبة بالداخل.
فترك حقيبته ثم توجه نحو غرفة المعيشة ليرى من بها.
فوجد زوجته تقبع فوق الأريكة وبجوارها شاب في أواخر العشرينات.
حينما أقبل "ماجد" عليه، هرول نحوه ليعانقه.
فبادله العناق بهدوء عكس ما بداخله.
جاء ليجلس بجوار "ورد" مرة أخرى.
فأسرع بالجلوس في موضعه مما جعل الآخر يشعر بالخجل قليلًا.
تحدث "ماجد" بنبرةٍ قوية تحمل الكثير بين طياتها:
نزلت امتى مصر؟ وبعدين مكلمتنيش ليه قبل ما تيجي هنا يا جمال؟
شعرت "ورد" بتوتر الأجواء فاستأذنت ثم ولجت نحو المطبخ تُعد لهم القهوة.
بينما في الخارج، أردف "جمال" بدعابة محاولًا التقليل من شعور التوتر الذي استحوذ عليه:
حبيت أعملها مفاجأة ليك يا ابن عمي، بس بذمتك مش مفاجأة حلوة؟
تخلّى عن وقاحته معه مبتسمًا قبل أن يُعقب بنبرةٍ تحذيرية:
متعملهاش تاني علشان متزعلش من رد فعلي.
قهقه بصخب مغمغمًا بتعالٍ:
براحتي واعمل إللى عايزاه.
صمت بضع ثوانٍ متابعًا بجدية شديدة:
أنا محتاج منك خدمة أنت وورد.
ولجت "ورد" في هذه اللحظة عقب ذُكر اسمها فجلست والفضول ينهش بداخلها.
استرسل بخفوت مراقبًا قسمات وجههم بتمعنٍ:
أنا اتجوزت من سنتين وخلفت بس مراتي ماتت بعد ما ولدت شعيب ابني بشهرين.
فلما نزلت جبته معايا هنا علشان مش هسيبه هناك لوحده.
أنا جالي فرصة شغل كنت مستنيها علشان استقر هنا.
ابتلع لُعابه بصعوبة مجيبًا بتلعثم:
أنا عرفت من مرات عمي إنك يعني.. يعني أنت عندك مشكلة في الانجاب.
_" فعلشان كده بقى أنت قررت إنك هتسيبه هنا، صح؟ "
تشنجت ملامح "جمال" جراء جمود الأخر معه، مستكملًا بتعقُل:
خمس شهور والله لحد ما الأمور تتظبط.
أنا والله كنت هسيبه في ألمانيا مع خالته بس خايف بعدين يتعلق بيها.
وجه حديثه نحو "ورد" التي اشاحت بعينيها بعيدًا عنه كي لا يرى وميض عيناها التي تلمع من شدة السعادة:
أنا عارف إنك هاتتعاملي معاه زي ابنك وأكتر يا ورد، صح؟
لم تجب عليه فهي تنتظر حديثٍ من زوجها بسلاسة قبل أن تخضع لحديث "جمال".
دب اليأس داخله من جديد التقط أشيائه وجاء ليغادر.
فقاطعه" ماجد" بإمتعاض:
أنا بنام بدري على فكرة، لو هاتجيبه النهارده يعني.
ابتسم بتهلل ثم اقترب منه وعانقه من جديد بحبور مردفًا بإشادة:
شكرًا يا ماجد، بجد شكرًا مش عارف اقول لك إيه.
_" ابقي اسأل عليه بس، متبقاش واطي معاه زي ما أنت واطي مع ابن عمك كده. "
قهقه عاليًا ثم غادر بعدما أخبره بأنه سيأتي به هذا المساء.
ذهب نحو غرفته كي يبدل ثيابه دون أن ينبث بكلمةٍ معها، فبخطواتٍ متأنية ذهبت خلفه.
وجدته مستلقيًا فوق الفراش.
لاح نحوها بنظراتٍ انبعث منها شرارة الغضب.
فابتلعت لُعابها بصعوبة متوجسة خيفةً من نظراته المصوبة بتركيز عليها.
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة بلهاء، فعقبت بتنهيدة حارة بعدما أصبح الصمت سيد الموقف:
أنا عارفة إنك متعصب علشان جيه من غير علمك، بس مكنتش أعرف أعمل معاه إيه، متزعلش مني.
زفر بعمق مُجيبًا بنبرةٍ تحذيرية:
آخر مرة تحصل يا ورد، لو في حاجة زي كده حصلت تكلميني على طول، سامعة؟
أومأت له بلهفة ثم أسرعت مهرولةً نحوه تعانقه مما جعله يقهقه عاليًا لأفعالها البلهاء المحببة له.
***
بات الأمر بالنسبة لها واقعًا لا تستطيع فعل شيء سوى الرضوخ لقلبها كالمعتاد، بعدما أذعنت لحديثه المعسول عن حبهما والتفكير في حل لهذه المعضلة التي واجهتها في منتصف الطريق نحو قلبه.
لاحظ شرودها منذ مجيئهم في اللاشيء، عقلها في دوامة من التفكير العميق.
فطرق بسبابته فوق الطاولة كي تنظر نحوه.
تنهدت قائلةً بحديث ذات مغزى:
أنا عايزة أقول لك حاجة نسيت أقولها امبارح.
عقد حاجبيه مستفهمًا بتساؤل:
حاجة إيه؟
_" أنا لما روحت عند عاصي البيت لاقيته بيعمل حاجة غريبة تحت السرير."
اقترب أكثر منها مغمغمًا بنفاد صبر:
حاجة زي إيه؟، ما توضحي يا فرح.
زفرت بضيق مردفةً بإيجاز سلس:
السرير يتحرك من مكانه، وكان هناك سلالم لمحتها قبل أن يتفزع ويرجع كل شيء لمكانه.
ليهتف بجبين مقطب:
غريبة، هايكون وراه إيه يا ترى؟
_" أنا حاسة وراه حاجة وكبيرة كمان يا حمزة، أنا عايزاك تيجي معايا البيت نكتشف ده بنفسنا. "
قهقه عاليًا ثم تحدث بإستخفاف:
فرح يا حبيبتي خيالك راح لبعيد خالص، هايكون وراه إيه يعني؟
تجاهلت نبرته المستهزئة قبل أن تعقب بنبرةٍ تحذيرية غاضبة:
حمزة متستقلش بكلامي، بتكلم جد عايزة اروح اشوف في إيه، وبيعمل إيه في غياب مرات عمي وعنان.
رفع يده باستسلام ثم قال بيأس من رأسها اليابسة:
ماشي يا ستي، هانروح وامري لله.
أراحت جسدها على الأريكة محاولًة إخفاء سعادتها.
بنظرة نارية متوحشة وهدوء يسبق العاصفة أجابت:
بكرة الجمعة بيروح يقضيه في دهب عند صاحبه أكرم.
ابتسم عكس ما بداخله مستطردًا بغمزةٍ عابثة:
ما شاء الله، دا أنتِ عارفة عنه كل حاجة.
_" بجد آه، روزا نفسها متعرفهاش."
***
عقب مجيء "شعيب"، لم تتحرك "ورد" من جواره أنش واحد وكأنها تناست كل شيء بوجود هذا الصغير.
حينما أقبل عليها، شعرت بسعادة غمرتها لم تشعر بها من قبل.
ارتجف جسدها عندما عانقته، لكنها شعرت أيضًا بالشفقة نحوه بسبب حياته البائسة.
بينما الجالس أمامها اعتصر قبضته بقوة مُحاولًا استمداد القوة لرؤية حبيبته بهذه السعادة التي لم يرَها من قبل، حتى عندما تزوج بها!
تمنى بداخله لو يستطيع رسم هذه البسمة على وجهها، لكن لا يد له فيما يمر به من عوائق الإنجاب.
استفاق من شروده على صوتها المتلهف المليء بالحماس:
اللهم بارك، شكله عسل أوي يا ماجد، بص خدوده!
ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة، ومدّ يده يمسح فوق شعره قبل أن يُعقب بخفوت:
ربنا يحميه يا ربّ.
تمعن في النظر نحو عينيها مُردفًا بنبرةٍ حزينة:
أنا آسف يا ورد، مش هقدر أخليكِ تحسي باللحظة دي.
رمقته بغضب ليصمت عن هرتلته تلك، فقالت بامتعاض:
اسكت بقى وبطل كلام، تعالى يلا شيله شوية.
عانقه بحنو غير راغب في تركه بتاتًا كأنه اعتاد على وجوده معه!
فتحدث مستفهمًا بعد صمت دام لثوانٍ:
ياترى لو كنت بخلف يا ورد كنا هانجيب ولد ولا بنت؟
_"هانجيب توأم علشان محدش يزعل."
قهقه عاليًا على مزحتها ثم استطرد بحماس عكس ما بداخله:
هروح أعمل كنافة بالمانجا وأجي لك فورًا.
تركت "شعيب" فوق الفراش ثم وثبت واقفة قائلة:
طب اقعد وأنا أعمل لك!
حرك رأسه بنفي، فأردف بحزم:
لأ، عايز أدوقك حلوياتي.
أومات له، فدعابةً أجابت:
ماشي يا عم الشيف، بس متتأخرش علينا!
تحرك للخارج نحو المطبخ، تاركًا العنان لدموعه التي حاول بالداخل السيطرة على ذاته كي لا تشعر بحزنه، النقص الذي يشعر به كلما وجد شعور الحماس نحو الأطفال يزداد في عينيها.
رواية انما للورد عشاق الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ماهي عاطف
كانت الساعة قد تخطت الثانية عشرة مساءً.
قاد السيارة بحذر تام، تطلع نحو الطريق بترقب شديد من بين مشاحات المطر التي أدارها لإزالة تجمع المياه عن زجاج السيارة لرؤية الطريق بوضوح.
ظل على هذا الحال حتى وصلا إلى المنزل الذي كانت تقطن به، وهو منزل عمها.
ترجلت ثم تنهدت بعمق قبل أن تلتفت نحو "حمزة" الذي رمقها بصمت دون أن ينبس بكلمة.
فتحت المظلة سريعًا ثم رفعتها كي تحتمي أسفلها من سقوط الأمطار الغزيرة.
هرولا سويًا باتجاه البناية ليستقبلها الحارس معقبًا باحترام شديد، فهو يعلم جيدًا من تكون:
"أهلًا يا ست فرح، نورتي، بس للأسف أستاذ عاصي مش موجود."
هتفت بنبرةٍ يتخللها بحة خفيفة تظهر شعورها بالصقيع:
"عارفة يا حمدان، أنا جاية أخد حاجة مهمة نسيتها وهمشي على طول."
أفسح لها المجال تاركًا إياها تتحرك نحو الداخل وبجوارها "حمزة" غير راضٍ تمامًا عما تفعله من تجاوزها للأمر وتدخلها فيما لا يعنيها.
صعدت الدرج مهرولةً قبل مجيء "عاصي"، جسدها يرتجف لكن عليها التريث وفعل ما جاءت لأجله فقط.
زحزحت الفراش بمعاونة حبيبها الذي ظهرت الدهشة فوق قسمات وجهه، بينما ابتسامة انتصار اعتلت ثغرها لمعرفتها بأن هناك شيئًا مخفيًا عن الجميع وبكل سهولة ستعلمه الآن.
هبطت الدرج الصغير فوجدت المكان مظلمًا للغاية، لكنها أشعلت مصباح الهاتف.
تحركت ببطء شديد نحو المنضدة التي اصطدم بها "حمزة".
جحظت عينيها حينما وقع بصرها على العديد من الصور للجميع.
لم تجد شخصًا مجهولًا بالنسبة لها، لكن شيء واحد لفت انتباهها جيدًا، وهي صورة "فريد" وبجواره ورقة صغيرة مدونًا عليها بعض الكلمات جعلتها تطلق شهقة من صدمتها:
"تم التخلص منه بنجاح."
ابتلعت لُعابها بصعوبة وباتت الدموع تتساقط من مقلتيها بغزارة، ثم وجهت حديثها نحو "حمزة" المصدوم أيضًا:
"يعني إيه؟ يعني ابن عمي طلع قتال قُتلة؟! مش مصدقة، لأ، أكيد في حاجة غلط."
بعدما استفاق من صدمته، حمحم لينظف حنجرته محاولًا إخراج نبرةٍ طبيعية كي تهدأ قليلًا:
"اهدي يا فرح، خلينا نكمل تدوير وبعدين كل حاجة هتبان."
بترت حديثها نحوه عندما رمقت صورة "ماجد" فوجدت سهمًا لونه أحمر مدونًا أيضًا أسفله ببعض الكلمات:
"الدور عليك يا عريس."
تراجعت للخلف ثم هرولت للخارج عندما استحوذ عليها الشعور بالغثيان، هرول "حمزة" خلفها كي لا تفعل شيئًا بشعًا بذاتها.
بعد ثوانٍ، قامت بوضع كل شيء في موضعه كي لا تثير الشك نحو ذلك البغيض، هبطت الدرج بصعوبة حتى خرجت من البناية، تنفست بعمق ثم صعدت السيارة في صمت مريب.
أراد "حمزة" التحدث إليها كي يطمئن بأنها بخير، فعقب بخفوت:
"لازم نلحق ماجد ونبلغه بكل ده قبل ما يحصل له حاجة، بس مش عارف هنوصل له إزاي."
بصوت لا حياة فيه أردفت:
"أنا عارفه هنوصل له إزاي."
حارة شعبية تعج بالضجيج في كل مكان، فالنجار يصدر من ورشته صوت نشارة الخشب، والميكانيكي يبحث عن أدواته حتى يصلح تلك السيارة التي تقبع أمام محله.
وسط هذه الأصوات المتداخلة ببعضها، تقف سيدة في منتصف الثلاثينات تدعى "مريم"، تأففت وهي تنظر إلى المارين والجميع بضجر؛ فهي لا تحب هذا التشويش العشوائي والتلوث الضوضائي إطلاقًا.
لوّت شفتيها ورفعت صوتها لتلقي كلمات سامة قاصدة إيصالها إلى مسامع زوجها الذي جاء للتو بعد غياب خمسة أشهرٍ يحمل بيده حقيبة مليئة بالأغراض التي كانت بحوزته.
هرعت نحو الباب ولم تنتظر حتى أن يطرقه، فتحته على غفلة ترمقه باستشاط من أعلاه لأخمص قدميه، بترت حديثه المبرر لها عن غيابه طوال هذه الفترة الماضية بعنف قائلة:
"عايز إيه؟ وجاي ليه من أصله؟"
ابتلع لُعابه بصعوبة محاولًا إخراج نبرةٍ طبيعية:
"جاي علشانك يا مريم وعلشان بنتي نورهان."
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة ساخرة قبل أن تصيح هادرة به:
"بنتك نورهان؟ مش دي اللي كنت بتضربها وتلسعها بالنار؟ إيه حنيت ولا إيه؟"
"بالله عليكِ بلاش كده، أنا عارف إني غلطان وغلطي ما يتغفرش بس غصب عني، أنا طول الخمس شهور دول مكنش ليا لازمة من غيركم ولا عارف أكل ولا أشرب يا مريم، كان لازم أبعد علشان أحس بقيمتكم، أنتوا أهلي وسندي في الدنيا، مليش غيركم."
لوهلة شعرت بالشفقة نحوه، لا تعلم لمَ؟ لكن قلبها هو المسيطر على هذا اللقاء بدلًا من عقلها.
ففي النهاية هي أنثى تحكم دومًا بقلبها، لا محالة عن عقلها الناضج.
رضخت بتبرم سامحةً له بالدخول بعد صراع داخلي استحوذ عليها، جلس فوق الأريكة بينما هي دلفت نحو المطبخ كي تجلب له شيئًا يرتشفه، أتت بعد قليل بكوب عصير مانجو.
فبتر فقاعة الصمت بقوله المترجي:
"هي فين؟ نفسي أشوفها واحضنها، ما تحرمنيش من اللحظة دي، الله يخليكِ."
تنهدت رافعةً راية الاستسلام قائلةً بإيجاز:
"مع حمزة قاعدين في شقة في الشيخ زايد."
أومأ لها بارتياح، راجيًا أن تذهب معه كي يلتقي بها ولو لمرةٍ واحدة، يرتشف من ملامحها المشتاق لها، يعانقها كي يبث لها الأمان من جديد نحوه.
التزمت الصمت وهي مطرقة رأسها في خزي، تلهث مما في صدرها من الألم والحزن، فما زالت الصدمة مستحوذة عليها لمعرفة جرائمه البشعة التي فعلها دون أدنى سبب حتى الآن!
ضمت قدميها إلى صدرها وهي تحدق في الأرضية بشرود، وعيناها تحويان فراغًا صادمًا يتناقض مع الضجة التي تستوحش صدرها.
ابتلعت غصة مؤلمة كالأشواك تمزق حلقها.
كانت صامتة، شاردة، لم تنبس بكلمة واحدة، وكأنها فقدت النطق وأصيب قلبها بذبحة صدرية جراء ما رأته وما علمته أمس!
بعد بضعة سويعات، وقفت أمام منزل "كوثر"، فقد حسمت أمرها كي تلحق بتلك الفجيعة قبل حدوثها، بدون سابق إنذار.
طرقت الباب بعنف عدة مرات ولم تستجب لتهدئة "حمزة" الذي جاء معها بعد مناقشة كلامية حادة بينهم، فانفتح الباب بعد قليل لترمق "كوثر" بإشمئزاز قبل أن تصيح بها:
"فين ماجد؟"
تركت الباب مفتوحًا على مصراعيه ثم تحركت نحو الأريكة قائلة بتعالٍ:
"جاية متأخرة يا فروحة دايمًا كده!"
"قصدك إيه؟"
تنهدت بعمق، مردفة بنبرةٍ ذات مغزى:
"مش بتسألي عليه علشان عرض الجواز اللي كان بينا؟"
زفرت بعصبية ثم أجابت بشيء من الحدة:
"بطلي هرتلة وقولي فين ماجد ضروري يا كوثر."
تجمد "محمود" الذي جاء من الخارج، ولاح الغضب على وجهه من صوتها المرتفع قائلًا:
"بتزعقي ليه كده يا فرح؟ عايزة ماجد ليه يا بنتي؟"
صمتت قليلًا قبل أن تعاود سؤالها بإرتباك جليٍ فوق قسماتها:
"كنت محتاجة مهندس شاطر يا عمو فبصراحة كتير شكر فيه يعني."
رفع حاجبيه لها بشك مستطردًا بإيجاز:
"ماجد وورد مراته في بني سويف بقالهم فترة."
أغلقت جفونها بقوة تعتصرهم ثم عاودت فتحهما على صوت "حمزة" الذي قال بخفوت حرج:
"طب ممكن عنوانه أو رقمه بعد إذنك يا حاج!"
"اتفضل يا بني."
ابتسم كلاهما ثم تحركا للخارج بسرعة، بينما "محمود" صعد الدرج متجهًا نحو غرفته تاركًا تلك الشمطاء تتحدث مع ذاتها بحديثٍ كالمعتاد لا يعنيها:
"في حوار كبير ولازم أعرفه، ما هو مستحيل أكون زي الأطرش في الزفة."
عقب خروجهما سويًا، وقف "سعيد" يجلب كل ما يروق لابنته من طعامٍ وحلوى شهية وسط نظرات "مريم" المتعجبة، لكنها سعيدة بهذا التغير المفاجئ الذي طرأ عليه جراء غيابه عنهم.
وصلا إلى البناية التي تقطن بها "نورهان"، ارتجف جسده لهذا اللقاء فهو يعلم جيدًا كيف سيكون بينهم.
نظراتها الخائفة المرتجفة تشحذ صدره إلى أشلاء!
تنفس بعمق ثم طرق الباب بخفة، منتظرًا رؤيتها بلهفةٍ لم يشعر بها من قبل بتاتًا!
فتحت "حنان" الباب، سامحةً لهم بالدخول، فهي تعلم والدتها جيدًا.
جلس "سعيد" ينتظر زوجته بفارغ الصبر كي تجلب ابنته من الداخل، فهي أرادت أن تتحدث معها أولًا قبل المواجهة.
انتفض من مجلسه راكضًا إليهم حينما استمع إلى صراخ "نورهان" ونحيبها الذي لا يعلم سببه!
فتح الباب على مصراعيه ليطلق شهقة عندما وجدها تمسك بسكين حاد لا يعلم كيف وصل إلى يدها.
قبل أن يتحرك أنش واحد، صاحت بوجهه بهستيرية:
"لأ، ما تقربش مني، ابعد عني، أنت وحش، يا حمزة الحقني، هيأذوني."
تساقطت عبراته فوق وجنتيه بغزارة.
لم يتحمل هذا الحديث القاسي الذي وقع على مسامعه، روحه تتمزق، قلبه تحول إلى قطع زجاج تشحذ صدره.
ورغم كل شيء، أسرع بلمح البصر يجذب السكين من يدها، لكنها نفضت يده بعيدًا عنها عقب إصابة إبهامه.
رفعت كف يدها إلى موضع الجرح متحسّسةً إبهامه بخفة، ارتجف جسدها أثناء اقترابها منه، مردفة بتلعثم وتوجس شديد:
"دم، أنت تنزف يا بابا، أنا.. أنا آسفة."
ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة لم تجلِ عليه منذ فترةٍ حينما لاحظ خوفها عليه وانكماشها من فعلتها.
بنبرةٍ هادئة مطمئنة أجاب:
"أنا كويس يا نور يا حبيبتي، ما تخافيش!"
على غفلةٍ جذبها نحو صدره، يضمها بحنانٍ حُرمت منه، يربت فوق ظهرها بخفة مطمئنة كي لا تخاف مرةً أخرى.
ابتعد عنها بعدما لاحظ سكونها ودموعها الغزيرة التي تتساقط تلو الأخرى.
أمسك بيدها واضعًا قبلة بسيطة عليها، معقبًا بإيجاز وتعقل:
"حقك عليا يا نورهان، متزعليش مني. عارف إني أناني وماستهلش أكون أب بس غصب عني. كنت فاكر بعاقبكم، بس طلعت بعاقب نفسي. عارف إنك شوفتي واستحملتي كتير في وجودي اللي زي عدمه."
مستكملًا بغصة تشكلت في حلقه من وجع نحو ما يمرون به:
"حتى جوازك من حمزة كل حاجة كانت غلط برضو بسببي، بس أنا جاي لك ندمان وعايز نرجع تاني أب وبنته. عايز أعوضك عن قسوتي وغبائي في تربيتك، علشان خاطري توافقي."
ظل صدرها يعلو ويهبط من شدة خوفها نحوه، تقبض بيدها على طرف ثوبها، ناظرة إليه بعيون متسعة غير مصدقة حديثه الجاد اللطيف معها، لم تشعر به هكذا من قبل، لمَ هذا التغير الآن؟
"أنت بتعمل إيه هنا يا خالي؟! وإزاي تيجي هنا بدون علمي؟"
وثب واقفًا عندما استمع إلى صراخ "حمزة" الذي جاء للتو بصحبة "فرح" بعدما قامت "حنان" بمهاتفته حين شعرت بتوتر الأجواء نحوهم.
لم يهتم بنبرته الخشنة نحوه، فعقب بخفوت متحكمًا في أعصابه:
"جاي لبنتي يا ابن أختي، هاكون بعمل إيه؟"
"بنتك مين؟ مش بنتك دي اللي مكنتش عايزها؟ مش دي اللي لعنة في حياتك؟ مش دي اللي بتقلل منها ومش عايز وجودها أصلًا؟ أنهي بنتك اللي جاي لها؟!!"
تنهد ثم تحرك يقف قبالته، قائلًا بنبرة حزينة موجعة:
"عارف إني غلطان يا حمزة، بس بالله عليك سامحني، خلي نورهان تسامحني، عايز كلكم تسامحوني، غصب عني والله، الحمد لله رجعت وفوقت لنفسي، بس للأسف بعد فوات الأوان."
فاستطرد بأعين مهزوزة يراقب قسمات وجه الجميع:
"وكنت جاي يعني.. عشمان إنك تطلقها علشان تشوف حياتك وهي تكمل دراستها وحياتها، عارف إن أختي دبستها فيك بس صدقني جميلك ده فوق رأسي طول عمري يا ابني."
صمت قليلًا لا يعلم ما عليه فعله أمام إصراره ورجائه نحو أخذ ابنته معه مرةً أخرى وانفصالها عنه كي تستكمل مرحلتها الدراسية.
فأخذ القرار بعد ثوانٍ معقبًا بجمود يغلفه الإصرار:
"تمام، موافق، بس أقسم بالله يا خالي لو حصل لها حاجة أو عرفت إنك رجعت تضربها وتأذيها تاني، محدش هيقف لك غيري، سامع!"
أومأ له بلهفةٍ، ثم اقترب "حمزة" من "نورهان" التي تراقب كل شيء بدهشة، لكن بداخلها سعيدة بتغير والدها والخروج من هذا المنزل الذي سلب حريتها بالكامل والإذعان لكل الأوامر دون وجه اعتراض منها نحو حديثه.
دنى منها يهمس في أذنيها بدعابة:
"عايزة تروحي مع الراجل ده ولا أقتله لك هنا؟"
قهقهت عالية حتى بانت نواجزها، وعينيها تلمعان بوميض غريب، وجهت له نظرات امتنان نحو كل شيء فعله معها من اهتمام ورعاية طوال تلك الفترة.
بعدما غادروا ثلاثتهم، وقفت "فرح" بجواره ترمق طيفهم بدهشة، معقبة بصدمة:
"دي صغيرة أوي يا حمزة"
اتسعت ابتسامته، مجيبًا بتنهيدة حارة:
"آه بس مش أوي يعني عندها تسعة عشر سنة، هي كانت بتروح المدرسة بس رفضت تروح السنة دي فبإذن الله هترجع تاني."
"شكلها كيوت وعسولة أوي، أنا عايزاها تيجي تعيش معايا."
رفع حاجبيه نحوها من حديثها الأبله، موجهًا حديثه مشاكسًا إياها:
"طب ما نتجوز وتيجي أنتِ تعيشي معانا؟"
كبحت ابتسامتها من التباين، مردفة بغيظ واهٍ:
"لأ يا ظريف مش دلوقتي."
زفر في ضيق، بنبرةٍ حادة تسأل:
"إمتى يعني يا فرح، هانفضل نأجل لحد إمتى يعني؟"
"لحد ما نكشف عاصي، مرات عمي ترجع هي وعنان من العمرة."
تنهد في سأم، قائلًا بحزن دفين نحو علاقتهم:
"هتفضلي موقفة سعادتك وحياتك علشان حد؟"
نظرت أمامها بشرود، مستطردة بعزيمة وإصرار معًا:
"سعادتي مش هاتكمل غير لما عاصي يتفضح ويدوق العذاب ألوان."
قهقه بخفة قبل أن يعقب بدعابة:
"شرسة بس بحبك."
رواية انما للورد عشاق الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ماهي عاطف
عاد من الخارج متجهًا صوب غرفته بتأني.
أطلق شهقة حينما وجد "ورد" جالسة فوق فراشه ممسكة بطرفه في توتر جليٍ فوق قسماتها.
اقترب منها وما زالت الدهشة تعتلي وجهه.
ابتلعت ريقها برعب عصف بكيانها بينما يتقدم منها بتمهل شديد كأنه يستلذ بالخوف الذي تزرعه نظراته المخترقة بداخلها.
حركت رأسها بنفي رافضة تواجدهما معًا في هذا الوقت، رافضة بقائهما من الأساس.
تقدم نحوها حتى وصل إليها وهمس بنبرة تقطر حنانًا وعشقًا:
ورد! أنا مش مصدق أنك هنا.. أنك معايا!
عاودت النظر نحوه وهي تردف برقة واهية أشعلت نيرانه كلما تحدثت إليه:
أنا جيت علشان أتكلم معاك مخصوص يا عاصي، ممكن؟
أنا من الصدمة حاسس أني بحلم والله، اتكلمي يا ورد، قولي اللي عايزاه، هنزل بس لحظة هجيب لك عصير وبعدين نتكلم.
حركت رأسها بنفي، ثم أردفت برفض:
لأ، مش مستاهلة يعني، هتكلم وهمشي على طول.
وافق على مضض، تلاشى غضبه وحل محله الهدوء مرة أخرى، فتحدث بسعادة بالغة:
أنتِ غالية عندي أوي يا ورد، قولي اللي عايزاه، أنا سامعك.
تسارعت نبضات قلبها وطرقت الطبول حتى كاد أن يسمعها.
عيناها تحولت إلى سوداء من فرط غضبها نحوه، فقالت بجمود حاولت إيجاده جيدًا:
سعاد حكت لي كل حاجة يا عاصي، أنت اللي أقنعتها تقتل فريد صح؟
انعقدت الألسن وسبحت الأفكار في محيط لا نهاية له.
تسارعت الأنفاس ببطء بعدما كانت محبوسة في وجودها.
ابتلع ريقه بصعوبة، حمحم كي يجد نبرةً طبيعية مبررًا لها ما علمت به:
إزاي يعني؟ مش الدكتور قال سكتة قلبية؟!! هتلبسيها لي ليه يا ورد؟ وبعدين مين سعاد دي أصلًا؟
عاصي، بطل الحجج دي، وقولي لي الحقيقة، أنا عرفت كل حاجة، بلاش تلف وتدور في الكلام معايا.
أومأ لها ببرود قبل أن يجيب عليها بجمود أثار حفيظتها:
بالظبط كده، اللي سمعتيه من سعاد هو الحقيقة، أنا اللي خليتها تموته، ولو عايش هقتله تاني.
فغرت شفتيها في تعجب وصدمة من اعترافه الدنيء، بينما هو لم يتراجع قيد أنملة بل واصل عمله مقربًا منها بشدة وأنفاسه تلفح بشرتها.
اسرعت مبتعدة على حين غرة، فتحدثت بأعين زائغة مرتعبة:
ليه عملت كده؟! مش خايف من العقاب؟!!
قهقه عاليًا، ردًا بنبرة حادة جعلتها ترتجف:
حتى لو في عقاب يا ورد مش هيكون أكبر من عقاب أنك روحتي لغيري للمرة التانية وأنا واقف مش عارف أعمل حاجة.
لم تنتبه لنظراته القاسية، ذلك الظلام الذي حل على عينيه قبل وجهه، فلو كانت تمنعت به جيدًا لقرأت ما يدور في عقله وما ينوي فعله معها الآن!
في لمح البصر، انفتح الباب على مصراعيه، جعله غير مستوعب ما يحدث حوله حينما وجد رجال الشرطة معهم، وقاموا بتقييد يده في الحال!
رمقه "ماجد" الذي خرج للتو من الخزانة باستشاطة وأعين غاضبة لوقوع جريمته الشنيعة تجاه شقيقه على مسامعه!
لم يهتم " عاصي" لأمر أحد سواها.. غير عابئ بنظرات الجميع سوى هي!
فنظراتها نحوه حملت الكثير بين طياتها، لا يعلم إن كانت غضبًا أم عتابًا أم ماذا!
تحدث مع ذاته ببضع كلمات جعلت من حوله يظنون أنه فقد عقله للتو!
لمَ كل شيء يقف ضده؟
حتى حينما باتت الحياة تبتسم له ولو بصيصًا، تلاشت بسمتها سريعًا كأن الحزن صار كظله!
لاح ببصره نحو والدته وشقيقته اللتين لم تصدقا حتى الآن فعلته، أنانيته نحو كل شيء بغيض كان يرغب به، لم تصدقا بتاتًا حينما أخبرتهما "فرح" بذلك!
ظل الصمت يسود المكان حتى بترت فقاعته "فيروز" حينما قالت بحزن دفين:
ليه؟ ليه يا عاصي تعمل كده؟ تقتل؟!! أنا مش قادرة أفكر ولا أصدق أي حاجة بتحصل، عقلي مش مستوعب لحد دلوقتي، ابني قاتل؟؟؟؟
هي السبب.
كلمة واحدة تحدث بها أثارت غضب "ماجد" حينما أشار نحو زوجته، لكنه حاول التريث حين ضغطت "ورد" بيدها بخفة فوق كفه التي تحتضنه بين راحتها.
فاستكمل "عاصي" هادرًا وعيناه تتساقط منها الدموع بشكل هستيري:
أيوة هي السبب، هي اللي فضلت ولاد عمها عليا، هي اللي اعتبرتني أخوها، عمرها ما حبتني، أيوة هي السبب، أنا كنت هديها عيني الاتنين لو طلبت، بس هي صممت عليهم وسابتني لوحدي بتقطع من غيرها.
فواصل حديثه بازدراء يتطلع نحو "فرح" بأعين غاضبة:
حتى أنتِ يا فرح، يوم ما فكرت أحبك واديكي فرصة تانية خونتيني وبصيتي لصاحبي، اتجوزتك وأنتِ مدمنة وقلت هعالجك بس طلعت غبي أوي، أنتِ حبتيني وأنا لأ، أنتِ كنتي بتعملي المستحيل علشان أحبك ومعرفتيش، حتى أنا كمان فشلت في العلاقة دي.
ألقى بجسده فوق الأرضية جعل الجميع يشفق عليه رغمًا عنهم، تنهد بوجع قائلًا بمرارة:
بس خسرت، طلعت غلطان، ظلمت نفسي وظلمتكم معايا، أنا آسف يا ورد، حقك عليا يا فرح.
لم يستطع النظر نحو والدته وشقيقته، فقال بخفوت لكن وصل لمسامعهم جيدًا:
آسف يا أمي أنتِ وعنان، مش عايز حد يزعل مني بالله عليكم.. آسف.. آسف.
ثم وثب واقفًا في موضعه، متحركًا للخارج مع رجال الشرطة دون أن ينبث بكلمة أخرى، تاركًا الجميع ينحب بشدة لفقدانه، حتى "ماجد" لا يعلم هل يشعر نحوه بالشفقة أم بالغضب لفقدان شقيقه بسببه؟!!
***
كانت تشعر بالضياع والتشتت كونها وحيدة، لكن حينما ترى وميض عينيه، تشعر وكأن الكون بأسره بين راحتيها.
غمرتها السعادة بوجوده بجوارها في رحلتها العصيبة المليئة بالعوائق الحياتية، ولم تشعر بها سوى لحظاتٍ سُرقت من الزمن.
أحست أيضًا أن الريح سرقت أسرارها ونثرتها في كل مكان، فدوى وجعها أكثر.
استفاقت من شرودها على صوت القابع أمامها ينظر إليها بضيق، فقال بنفاذ صبر:
يا بنتي، ركزي معايا بقى!
تنهدت بحزن جليٍ فوق قسمات وجهها قبل أن تُعقب بوجع:
عاصي صعبان عليا أوي يا حمزة، عارفة أن مفيش حاجة تغفر له بس برضو مهما حصل دا ابن عمي وأخويا.
بتر حديثها مصطكًا بأسنانه فوق بعضها، مجيبًا بشراسة:
وحبيبك!
شيل العواطف دلوقتي لو سمحت من علاقتنا، الموضوع ده كان صفحة من حياتي وانتهت، فمافيش داعي كل شوية تفكرني بيها، وبعدين أنت سلبي ليه كده؟! مش ده كان صاحبك؟!
شعر بوخزة مؤلمة شقت صدره لنصفين حينما وجدها تغلق عينيها رافضة سقوط الدموع من مقلتيها، مردفًا بإيجاز عكس ما بداخله من نيران:
مش قصدي أفكرك بالصفحة دي يا فرح، بس كل إنسان له عواقب نتيجة أفعاله، وهو غلط ولازم يتحاسب.
متابعًا بنبرةٍ حادة جعلتها ترتجف كورقة خريفية:
حمزة صاحبي وأخويا قبل ما يكون ابن عمك. وزعلان على اللي بيحصل له، بس مافيش حاجة في إيدي أعملها تساعده يخرج من اللي هو فيه، فأوزني كلامك قبل ما تتكلمي!
رفعت حاجبها الأيسر لتناطحه بقولها الحاد القوي الذي لا يليق سوى بأنثى لم تستطع التريث بتاتًا:
المناقشة معاك مبقتش نافعة نهائي، فعلشان كده الأحسن ناخد هُدنة وبعدين نتكلم.
أحسّ بقبضة تعتصر صدره وهو يراقب اهتزاز عينيها بما تعانيه من عذاب صامت يفترسها وكلمات مُخبأة داخلها، فقال بكل هدوء لا يُقارن بما داخله:
يعني أفهم من كلامك كده أنك عايزة نبعد! عايز أسمع ردك دلوقتي يا فرح علشان ننهي المهزلة اللي بتحصل دي، لأنه واضح أني بريل على علاقتنا ومتمسك بيها أكتر منك!
رمقت ملامحه المقتضبة، ترتشفها بتمعنٍ، تتأنى بها كأنها ترغب في حفظها عن ظهر قلب، فأجابت بخفوت:
أنا عايزاك يا حمزة.. مقدرش أبعد عنك.
أطلق زفرة ارتياح وقد حصل على الإجابة التي تمنى سماعها بعد عناء.
جوابها أرضى كرامته كرجل قبل أن يكون عاشقًا، فقال مستنكرًا أفعالها:
طب طالما بتبادليني نفس الشعور، ليه مش بتحسسيني بكده؟! ليه دايمًا ببين لك أني عايزك في حياتي وأنتِ بتتقلي عليا؟
أنا آسفة يا حمزة، بس مينفعش أبين لك ولا أتعامل معاك غير بحدود، يعني لما يكون في حاجة بينا رسمي.
رفع حاجبيه بدهشة من حديثها، مما جعله يقهقه عاليًا، فقد أرقّ ذاته من كثرة التعجل في تلك الزيجة، لكنها ترفض دومًا أن يبقى سويًا، والآن تخبره بهذا الحديث!
فأردف بجفاء بعدما كف عن الضحك:
خلاص نكتب الكتاب على طول وبعدين نتجوز في أي وقت، معنديش مانع.
صمتت لا تعرف ما عليها فعله، لم تنبث بكلمة عقب حديثه القوي، فلو أخبرته بالانتظار لفقد صوابه وعقله نحوها.
لو تمهّل قليلًا قبل أن تخبر زوجة عمها، ستنفر منها بشدة لما تريده.
شعرت بالحيرة والتردد معًا، لكن تركت الحياة تقودها نحو طريقٍ مجهول لا تعرف إلى أي مدى سيصل بها...
***
وضبت أغراضها كي تغادر هذا المنزل، فلم ترغب في العيش هنا أكثر من ذلك.
تحولت حياتها التي جاهدت لجعلها تنبض إلى حطامٍ بين ليلةٍ وضحاها.
لقد ذاقت المرارة في منزلهم ولم تشعر بالسعادة بوجودها معهم، فأصبح التفكير بالتخلص من سجينها أمرًا واقعًا أرادته هي.
غارقة في مشاعر مشتتة لا تستطيع فك شفراتها، لكنها جديدة عليها ومؤثرة بشكل يخشاه قلبها الجريح.
باتت لا تستطيع التفكير بأنه سيصبح ماضيها.
لقد عشقته وانتهى الأمر!
تساقطت العبرات من مقلتيها بشكل هستيري، رافضة الخروج من بقعة حبها له، لكنها لا تود أن تبقى عوائق بينهم أكثر من ذي قبل.
انفتح الباب بعد طرق صاحبه لينظر نحوها بذعر حينما وجد عبراتها تلمع وحقائبها بجوار الفراش.
اقترب منها متسائلًا بعدم فهم:
أنتِ رايحة فين يا ورد؟
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه فلم ترغب أن يرق قلبها لنظراته التي تقطر حزنًا نحوها، فقالت بجمود وهي تحاول ضبط أنفاسها:
أنا رايحة عند خالتي يا ماجد، عايزة ورقتي توصل لي بكرة لو سمحت.
بنظرة نارية متوحشة وهدوء يسبق العاصفة، سأل:
أيوة يعني عايزة إيه برضو مش فاهم؟
نتطلق يا ماجد، مفيش حاجة دلوقتي تخلينا نكمل سوا، خلاص خلصت القصة.
لقد طفح الكيل من حديثها المبهم، فأدرك بأن هناك عاصفة قوية قادمة تحمل بين طياتها الكثير، فهدر بها:
يعني إيه عايزة تتطلقي؟ طب وحياتنا اللي هنكملها مع بعض؟ مش دا كان كلامك؟
ابتلعت غصة تشكلت في حلقها، مجيبة بنبرة حزينة جعلته يفقد عقله من استهتارها بمشاعره:
علشان مش هينفع تكمل مع واحدة حياتها عبارة عن وجع، مش هينفع تكمل معايا علشان ابن خالتي قتل أخوك، يعني مشاكل عائلية أكتر، حاجات تانية كتير!
اشتدت الحرب وازدادت اشتعالًا حتى وصلت إلى أكثر نقطة مثيرة، وهو همسه غير المبالي الذي يعبر عن نفس غاضبة:
وأنتِ بَقى البطلة اللي بتحب تعيش دور الضحية دايمًا في الرواية؟
تابع بنبرةٍ حادة جعلتها تلعن ذاتها على تفكيرها بتركه:
أنتِ واحدة أنانية وضعيفة يا ورد، مش بتفكري غير في نفسك وبس.
قلت لك قبل كده كتير طول ما إحنا سوا مفيش حاجة هتحصل، بس أنتِ مفيش غير الطلاق عندك، وعمرك ما حاولتي ولو مرة تخلي علاقتنا تنجح. بس تمام طالما عايزة تتطلقي هنفذ لك طلبك، وبكرة هاخدك عند المأذون علشان اللي بينا ينتهي. يارب تكوني مبسوطة.
كانت مشدوهة ملجمة اللسان لا تستطيع الحركة والحديث بعدما غادر سريعًا.
أطبقت على جفنيها من ذبذبات صوته التي اخترقت قلبها.
كيف ستواجه ذاتها وهو يحقق لها مطلبها بعد إلحاحها الشديد رغمًا عن قلبها وما وراءه؟
هزت رأسها رافضة حديثه القاسي ودموعها انسدلت بشدة فوق وجنتيها.
ارتمت على الفراش تنحب كأنها فقدت عزيزًا للتو..
لِمَ لا؟
فهو أصبح يشكل لها كل شيء تمنته بعد صراع مع حياتها المؤلمة المليئة بالمعاناة.
***
هناك غصّة تعتلي قلبها من شدة الحزن، لم تصدق إلى الآن فعلته، كأن النوم لا يعرف لعينيها الحمراوتين طريقًا.
ارتمت فوق فراشها تبكي بشدة، وظلت تنفث حزنها وغضبها في الوسادة لما حدث لشقيقها.
سمحت لوالدتها التي طرقت الباب أن تلج، فأعتدلت في جلستها تنظر نحوها بترقب في صمت، قائلة بعدم استيعاب:
ماما، أنا مش مصدقة أي حاجة حصلت، إزاي أخويا يعمل كده! هتجنن.
تنهدت "فيروز" قبل أن تعقب بحزن دفين:
محدش مصدق يا عنان، كأن اللي بيحصل حلم.. بس حلم بشع.
صحيح يا ماما، ورد السبب؟
حركت رأسها بالنفي، مردفة بجدية:
لأ يا بنتي، ورد كل حاجة حصلت ملهاش دخل فيها، حتى جوازها من ماجد اتغصبت عليه، ورد أكتر واحدة عانت في الدنيا دي.
صمتت "عنان" تشرد من جديد، لكن والدتها ربتت فوق كتفها بحنان جعلتها تنتبه لها، فقالت بخفوت حزين:
كفاية كده، وقومي روحي مع جوزك يلا.
أجابت برفضٍ قاطع:
لأ، أنا هقعد هنا، مستحيل أسيبك.
نهرتها بعتاب محاولةٍ الوقوف من موضعها:
مينفعش، روحي ارتاحي وخدي بالك من صحتك علشان البيبي.
طب وأنتِ؟!
زفرت بنفاذ صبر ثم أردفت بنبرةٍ مطمئنة:
هبقى آجي أطمن عليكِ، يلا امشي مع جوزك بقى مستنيكِ برا من بدري.
أومات لها ثم غادرت بعدما أخذت متعلقاتها، بينما "فيروز" تحركت صوب غرفة "عاصي" تتأمل كل شيء بها، لمحت صورتها معه فوق الكومود فأخذتها ثم جلست فوق المقعد، تساقطت دمعة حارة رغمًا عنها جعلتها تقول بنحيب:
ياربّ أنا عارفة أني غلطت لما سيبت ورد تروح من إيده مرتين بس متعاقبنيش بفراقه ياربّ.
رواية انما للورد عشاق الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ماهي عاطف
وقفت مصعوقة لرؤية ابنها يبكي لأول مرة، رقّ قلبها الحجر له. أرادت أن تحتضنه وتبث له الأطمئنان كما كانت تفعل مع "فريد"، لكن شيئًا داخلها كان مستحوذًا عليها بالرفض لفعلتها تلك.
لا تعلم ماذا تفعل، هل تذهب نحوه وتطمئن على أحواله أم تتركه ينفث غضبه وبكائه لعله يرتاح قليلًا مما يحمله بين طياته من وجع؟
حركت رأسها بالنفي لمجرد التفكير في هذا الشيء، تحركت صوبه بخطواتٍ متأنية ثم وضعت يدها فوق ذراعه كي يستدير لها. التفت "ماجد" بعينين حمراوتين يرمقها بصمت.
ابتلعت لُعابها قبل أن تستفهم بإرتباك:
مالك يا ماجد؟ في حاجة حصلت بينك وبين ورد؟
لم يجد إجابة كي يخبرها بها، فالحديث أصبح عاتقًا عليه كالجبل. فارتمى في حضنها باكيًا، فبادلته العناق سريعًا بذعر لفعلته وبكائه الهستيري بهذه الطريقة.
لم تبتعد ولو خطوة واحدة، فقط تربت فوق ظهره بحنوٍ أفتقده منها، كأنها لم تلده ولا تعلم من هو.
استطاع بصعوبة الابتعاد عنها بعد دقائق عصيبة كالدهر. هدأ قليلًا من حالته المثيرة للشفقة لكل من يراه. نظر نحو عينيها وكأنه وجد سببًا ليعبر عما يجول بمخيلته وبحياته من وجع.
فتحدث ساردًا عليها ما يمر به مع زوجته:
ورد عايزة تتطلق، عايزة تسيبيني وتروح تقعد عند خالتها على طول، خايفة من المشاكل تزيد خصوصًا بعد ما عرفنا مين قتل فريد.
مستكملًا حديثه بتوسل كي تساعده وتتحدث إليها:
أنا عارف أنك بتكرهيها بس علشان خاطري كلميها، لو ليا خاطر عندك قولي لها أي حاجة تخليها تكمل معايا، أنا عارف أنك عمرك ما حسيتي أني ابنك زي فريد بس ساعديني وخلاص، أنا حياتي من غيرها متسواش أي حاجة والله.
رمقته بدهشة بالغة من رجائه لها، ناهيك عن هيئته المبالغة بحبه نحوها. كل شيء تطلعت إليه بأعين متسعة، فأسرعت بانتشال يدها من راحته قبل أن يقبلها بتوسل، وقالت بغضب سافر:
أنت اتجننت يا ماجد! أنت بتعمل إيه؟ يخربيت الحب اللي يخليك دلدول كده، عايز تبوس إيدي وتترجاني علشان تفضل معاك!! مين العاقل اللي بيعمل كده، ما تسترجل وتفوق كده.
شعر بإهانة كبيرة عقب حديثها الحاد معه، فابتسم بسخرية مجيبًا بقوة:
لو الحب زي ما بتقولي بيخلي الراجل دلدول فعندك حق أنا دلدول، أنا لو كنت بتكلم معاكِ وبلجأ لك تحلي لي مشاكلي فده علشان أنتِ أمي زي ما بيقولوا، فبطريقتك دي عايز اقول لك إن شاء الله عنها ما تحلت، أنا آسف إني جيت لك.. يا أمي.
لم يلتفت إليها ولم ينبس بحرف آخر، فواصل طريقه إلى الخارج يجر خيبة آماله نحو حبيبته، ووالدته!
بعد نصف ساعة، جلست في شرفتها تنظر في الفراغ، شاردة، تتذكر حديث ابنها القوي عن علاقته بحبيبته. شعرت بتأنيب ضمير لنفورها من أفعاله الطائشة وتمسكه بتلك الفتاة بهذه القوة.
أحست بوخزة في قلبها عقب استهزائها بمشاعره الصادقة. هي ترى دائمًا أن الرجال أقوياء لا يغمض لهم جفن، يفعلون كل ما يجول بخاطرهم، فلماذا أمام الحب يظلون ضعفاء هكذا؟
حسمت أمرها ثم تحركت صوب غرفة "ورد" التي تقبع بداخلها منذ أن أتت. طرقت الباب بتردد، واستجاب لها في الحال. بأعين متسعة راقبت "ورد" هيئة زوجة عمها، فهي لم تأتِ إلى هنا بتاتًا. شعرت بوقاحة فعلتها فأسرعت بإعطائها إذن الدخول إلى الغرفة.
جلست فوق مقعدها، تفرك في يدها بتوتر لم تعتد عليه أمامها، فدومًا كانت صلبة في مواجهتها، في جمودها معها. شعرت بالشك يتسلل إلى قلبها بوجود خطب ما، لهذا جاءت إليها.
نظرت لها بتمعن شديد حينما حمحمت لها كي تجذب انتباهها، تنهدت "كوثر" ثم قالت بنبرةٍ جعلتها هادئة بعض الشيء:
ورد، أنا عارفة أن قعدتنا دايمًا مليانة مشاكل وزعيق، بس حاولت كتير أصفي من ناحيتك على قد ما أقدر، وعارفة كمان أنك عمرك ما حبتيني حتى لما كان فريد الله يرحمه عايش.
تابعت بخفوت حزين عندما تذكرت حديث ابنها:
أنا مستعدة أنسى كل حاجة حصلت بينا ونبدأ صفحة جديدة، بس بلاش تخربي حياتك وبيتك، بلاش تبعدي عن جوزك اللي هيموت من غيرك.
واصلت بدعابة لأول مرةً معها:
المشاكل دايمًا موجودة في كل بيت مصري، فمتقلقيش يعني.
رغمًا عن "ورد"، ابتسمت لها، تسارعت ضربات قلبها من حديث زوجة عمها التي شعرت به بعد صراع دائم، التزمت الصمت وأجفلت عينيها لأسفل، تنظر صوب الأرضية، تستمع إلى حديث الأخرى بسعادة لم تشعر بها من قبل.
بينما "كوثر" أضافت بصدق:
ماجد بيحبك يا ورد، فبلاش تبعدي عنه يا بنتي. يمكن أبان أني قاسية وقلبي جاحد، بس الظروف هي اللي بتجبرنا نتعامل بالقساوة دي. سامحيني يا ورد على كل حاجة عملتها فيكِ.
أطلقت شهقة عندما اقتربت منها تعانقها بأمومة لم تعتد عليها من قبل. بتوتر جلي وارتجافة جسدها، امتدت يدها تحتضن ظهرها هي الأخرى، مغمضة جفونها تستمع إلى هذا الحنان الذي افتقدته كما افتقده زوجها.
ابتعدت عنها ثم نظرت بعينيها، ظلت صامتة مما جعل زوجة عمها تشعر بالخجل، تلعن ذاتها على مجيئها إليها والتحدث في شيء لا يعينها من الأساس!
لكن عكس المتوقع، فاجأتها "ورد" بدموع تتساقط تلو الأخرى ثم قالت بنشيج:
أنا استنيتك كتير تيجي تتكلمي معايا، كنت عايزاكي تحسسيني أني مش يتيمة، كنت مستنية حضنك على الأقل علشان تواسيني، الحمد لله يارب الحمد لله.
ثم أمسكت بيدها تضع فوقها قُبلة، متابعة حديثها بسعادة وبكاء في آنٍ واحد:
شكرًا يا مرات عمي، مش هسيب ماجد، مش هسيب بيتي اللي اتربيت فيه، هفضل هنا.
انشرح قلب "كوثر" لما وقع على مسامعها من حديثٍ أرضاها، عانقتها مرةً أخرى بتهلل، فها هي قد حققت أول خطوة لإرضاء ابنها كي يرى بها والدته الحنونة رغم قسوتها وحديثها الفظ الدائم مع والده، معه.
جلست تهز قدميها من شدة الغيظ، عيناها كجمرتين مشتعلة بهما النيران، ملامحها الصغيرة البريئة كافية لجعل أي رجل ينصاع لتلك الدموع الطفولية، وهذا ما حدث عندما سمعت طرق الباب. هرولت تفتحه، صدمت بوجوده أمامها بعد أن تجاهلت مهاتفته عدة مرات.
دقق "حمزة" النظر إلى وجهها لبرهة من الوقت، هامسًا بصوت رخيم:
كنت متأكد أنك مش هتردي على مكالماتي نهائي، فجيت لك.
أذنت له بالدخول ثم هتفت بعناد شديد، وعيناها تَأْبَى أن تزرف الدموع:
ومش هرد ولا هسمع كلامك يا حمزة، أنا واحدة ابن عمها اتسجن، ومستحيل أتجوز من ورا مرات عمي حتى لو طلبت مني ده.
"يا فرح، أنا كلمتك كتير علشان أقول لك إنها وافقت أننا نكتب الكتاب بكرة أصلًا، مافيش حاجة من هرتلتك دي هتحصل."
جحظت عيناها، تراقب ملامحه بدهشة، غير مستوعبة ما وقع على مسامعها من حديثٍ صادم غير واقعي بالنسبة لها بتاتًا!
ابتلعت لُعابها معقبةً بشك نحوه:
إزاي؟! وبعدين إمتى كلمتها أصلًا وحصل كل ده إزاي؟! أنت أكيد بتكدب عليا وهي زعلانة مني صح؟
حرك رأسه بيأس من حديثها الأبله، مردفًا بصدق:
والله ده اللي حصل، قلت لها هكتب الكتاب بكرة وهاخدك ونسافر برا، مش هنرجع مصر تاني، وافقت ومقالتش حاجة تاني ولا إنها زعلانة منك حتى.
أغلقت عيناها ثم جلست بتوتر فوق المقعد في صمت مريب، ابتلعت غصة مؤلمة كالأشواك تمزق حلقها.
كانت شاردة، لم تنبس بكلمة واحدة، وبعد ثوانٍ مرت كالدهر عليهما، قالت بخفوت:
بس يا حمزة..
لا توجد كلمات معارضة في قاموس "حمزة" المتلهف، الذي قطع حديثها.
وبلحظة كان قريبًا منها، أصبح وجهها بين كفتيه ملتهمًا شفتَيها في قبلة متلهفة شغوفة. فقد حقق أول حُلم تمنى تحقيقه عندما تصبح ملكه، ولو كان وهميًا إلى الآن!
بينما هي باتت كالصنم بين يديه، تحاول استيعاب ما يحدث وإسكات تلك الفراشات التي تطير في معدتها، لكن كالعادة كانت صامتة وكأن الحديث لا يعد له فائدة بينهما الآن.
تركت "شعيب" مع زوجة عمها التي ألحت عليها لتجعلها تعطي فرصة أخرى لحياتها الزوجية، بعد تفكير دام لفترةٍ لا تعلم ما مر عليها من حديثٍ سوى أنها عاشقة له.
طوال عمرها المنصرم لا تعلم ما هو الحب إلا حين شعرت به معه، وكأنه يعلم جيدًا كيف تكون المعاملة مع امرأة لم يكن شيء كهذا في حياتها بتاتًا!
حسمت أمرها في النهاية ثم ارتدت فستانًا قصيرًا أزرق اللون، تاركة العنان لخصلاتها، وضعت ملمع شفاه بسيطًا وكحلًا زين عينيها بطريقةٍ تجعله مهوسًا بها كعادته.
انفتح الباب مما جعلها تبتلع لُعابها حينما رأت نظراته المصوبة تتأملها من أعلاها لأخمص قدميها، متوجهًا نحوها في خطواتٍ متأنية زارعًا بداخلها توترًا، جعل نبضاتها تتسارع بشدة كأنها تقابل وحشًا مجهولًا بمفردها!
وقف أمامها صامتًا، عيناه تراقبان اهتزاز عينيها، ملامحها بإعجاب ظاهر لا يمكن إخفاؤه عنها، تأمل فستانها، كل شيء فعلته بذاتها دون أن ينبس بكلمة واحدة عقب دخوله، وكأن الزمان والمكان لا يتناسبان معه!
وبعد حرب النظرات، تحدث أخيرًا بنبرة حاسمة جعلتها ترتجف:
أنتِ مراتي، مستحيل أسيبك حتى لو طلبتِ مني ده، الكلام منهي في الموضوع ده بالذات، فاهمة؟
رفع حاجبيه لها بدهشة عندما طوقت عنقه بذراعيها، قائلة بمكر أنثوي:
ومين قال لك إني هسيبك أو هسيب بيت جوزي؟
ألقي نظرة عتاب نحوها دون إجابة، فعقبت بحزن قائلة:
حقك عليا يا ماجد، بس غصب عني. أنت فعلًا عندك حق، أنا واحدة ضعيفة، بس ده مش ضعف صدقني، قد ما هو خوف عليك وعلى حياتنا الجاية سوا.
لتسترسل بنبرةٍ تقطر عشقًا له:
أنا بحبك وحلمي نعيش ونكمل مع بعض، صعب أوي عليا أسيبك وأمشي كده، ساعات بنعمل حاجات الدنيا بتكون جاية علينا بزيادة فيها، فبنعملها غصب.
لم يُجب عليها، بل أسرع بمعانقتها في صمت، ورغمًا عنه زرف دمعة من عينيه، تمنى لو يستطيع أن يحارب من أجلها ولو مرة مثلما تفعل هي، لو ينعم الله عليه بطفل واحد يكون لهم وبينهم رابط قوي، لكنه لا يعلم ما يمكنه فعله، فليس بيده حيلة ليفعله، فقد ترك أمره لله، تمنى أن يرزقه بحياة بعيدًا عن الصراع والعوائق.
حاسمًا أمره معها، فلا يرغب بسواها بجواره، أن تكون له للأبد وأن تتخلى عن حديثها المحطم لقلبه وتهديدها دومًا بتركه والذهاب بعيدًا عنه، فهو لا يستطيع العيش بدونها قط.