في أقصى أحلامها لم تكن تتوقع أن يكون اعترافه هكذا، أو بهذه الطريقة. ظنت أنه وإن فعل يوماً، مجهود سيكن مع كل فرد على حدى، أن يخبر أمه أولاً، وبعدها شقيقته، يتبعها فرد آخر وهكذا. ولكن، أن يجتمع بهم مرة واحدة، أن يقف يمد يده يوقفها لجواره، يقول بملء فمه إنه يحبها، يحبها هي، شيء ولا في الأحلام. حتى أنها تخشى لو كان كل ذلك حلم جميل، لو كان حلماً ستبقى غافية أبداً. تفاجئت به ينهي كلماته تلك ويضمها له بحب واحتواء.
والجميع من خلفه مصدوم، حتى ندى صديقتها مصدومة، من كانت تسبه منذ قليل تراه الآن أكبر حتى من كلمة فارس أحلام. أما باقي أفراد العائلة، فجميعهم تملكتهم الصدمة والغضب. ما يحدث غير مقبول إطلاقاً، عامر يحب مليكة الصغيرة وخطبته كانت من يومين على أخرى، وليست أي فتاة، إنها ابنة خالته. انتفضت ناهد تقول بغضب:
"انت شكلك اتجننت فعلاً يا عامر، أنا كنت شاكة فيكوا من زمان، نظراتك ليها، عينك اللي مش بتتشال من عليها، مش بتبطل تسأل عنها، أي مكان أنت اللي تجيبها وتوديها، بس كنت بكذب نفسي، بقول ابني كبير وعاقل، عمره ما يتصرف كده، مليكة؟ مليكة يا عامر!
عايز تضحك عليك الخلق، عايز الناس تقول عامر الخطيب اتهطل على كبر، ولما أنت بتحب واحدة تانية وافقت ليه تخطب بنت اختي، الخطوبة دي مش حاجة والسلام، لا دي عيلة بترتبط بعيلة تانية ولو حصل فشكله عمر العلاقات ما بترجع زي الأول ودي مش أي عيلة دي اختي، عايزني أخسر اختي؟ تأثر كثيراً بحديث والدته، ولكنه مهما بلغ به التأثر لا يملك أي خيار. أمره محسوم، إنه يعشقها. تحدث بهدوء قائلاً:
"أمي حاولي تفهميني، مش بإيدي، أنا فعلاً بحبها، وحاولت، كل اللي بتقوليه ده جه على بالي وده اللي خلاني رحت وخطبت هديل، بس غصب عني مش عارف، مش هقدر يا أمي." أخذت نفس عميق وقالت: "كلامنا ما خلصش يا عامر، واللي بتقوله ده مش مقبول."
كل ذلك ومحمد يتميز غيظاً، ذلك عامر الغبي يسير خلف قلبه غير مبالٍ بأي خسائر، أي قلب هذا الذي يسير خلفه كل أفراد ذلك البيت، أولهم فادي المعتوه يريد الزواج من فلاحة بعدما ترك مليكة، وثانيهم السيدة كارما والتي فسخت خطبتها منه معللة أنها لا تحبه وأنه شخص لا يملك قلب، قلب؟ ماهذا الهراء، حديث سخيف جداً ولا ينتهي إلا بالحماقة والخسائر، وأولها الآن مع كبير عائلتهم يعلن عشقه الغبي لأصغر فرد يتعامل معه بيومه من الأساس.
مهزلة، كل ما يحدث لا يندرج تحت أي وصف أو تصنيف غير بأنه مهزلة. وقف يقول وهو محتج بشدة: "خليك فاكر إنك مش لوحدك، وراك عيلة كاملة واللي بيحصل ده هيضرها كلها، أنت مش حر في نفسك، عايزك تريح وتهدى كده عشان نتكلم، ماتنساش... مستنيك يا كبير." تركهم وغادر أول فرد. وقف من بعده فادي معلقاً:
"هو طبعاً أنت حر وكل حاجة بس اللي بيحصل ده ماينفعش، ده غير إننا مش قراطيس لب، أنت واقف كده وواخدها في حضنك، كانت مراتك مثلاً واحنا مش عارفين؟! قال الأخيرة بسخرية غير منتبهين لعين الفت التي تهز رأسها كأنها تجيب بإلحاح على شيء موافقة. عامر: "خلاص خلصتوا؟ ولا لسه حد عنده حاجة عايز يقولها." تقدمت كارما تقول:
"عامر أنا سبق وفسخت خطوبتي من محمد ومشيت ورا قلبي فمش هقدر أطلب منك ماتمشيش وراه، لكن فعلاً انتوا الاتنين مع بعض استحالة، أنت أكبر منها بكتير أوي، صعب... صعب يا عامر." تركته وغادرت ومن بعدها فادي، تاركين عامر ومليكه مع الفت، وندى تقف بعيداً فرحة بشدة. أشارت لهم الفت بالاقتراب، تحتضنه لأول مرة، فاتسعت عيناه يقول: "ياااه مش معقول، هههه دي هتحضني، ده أنا كنت فاكر إني قاتلها قتيل."
ابتسمت الفت وهي تضع رقبتها على كتفه غير قادرة على ضمه بسبب حركة يديها المحدودة جداً. تشير بعينها لمليكه بأن تنضم لهم، عينها يظهر عليها ألف انفعال، كأنها تخبرهم شيء، لو رأيتها لفسرته كأنها تقول هذا هو المكان الصحيح لكم، لابد أن تظلوا معاً. ابتعدوا عنها ونظر هو ناحية مليكة ثم اقترب منها يمسك يديها بكلتا يديه يقول: "بحبك أوي ومش هاممني حد خلاص، مش عايزك تبعدي عني تاني ممكن؟
كانت تتنفس بسرعة من شدة الفرحة، غير مصدقة كل ما يحدث. أجابت بقوة: "ممكن... أنا بحبك أوووي." ابتسم وهو يضمها له براحة: "وأنا بحبك أووووووي." انتبهوا على صوت تلك المسكينة تقول: "يعني مش كفاية أمي وعم رجب، انتوا كمان طلعتولي في البخت، منك لله يامازن." رغماً عنهم ابتعد كل منهم عن الآخر يضحك بقوة. مليكة: "بس لاحسن البت دي تحسدنا." ندى: "أنا...
اخس عليكي، ماشي، أنا طالعة أجيب موبايلي وأكلم الزفت اللي اسمه مازن اللي جابلي جفاف عاطفي ده." صعدت على الدرج تندب حظها: "الله يخربيت الطب واللي بيدخلوه، أخدنا منه إيه، ماشي يامازن يابن دلال، ده حتى عامر ربنا فك عقدة لسانه وانت لسه... عامر نطق وانت لسه." كان مازال يقف معها يردد بزهول: "عامر نطق وانت لسه؟ أنا بقى يتدرب بيا المثل، إيه اللي صاحبتك بتقوله عليا ده." أخذت تملس بيدها على مقدمة بذلته تهدهده كطفل قائلة بنعومة:
"هو أنت ماتعرفش ياحبيبي؟ عامر: "لا ما اعرفش." مليكة: "أصل أنا مسيحالك وسط كل صحباتي وكلهم عارفين إنك حجر." اتسعت عيناه: "حجر؟!! مليكة: "اممم." عامر: "لا كتر خيرك والله وكمان مسوءة سمعتي وسط صحابك، قايلة عني إيه تاني." مليكة ببساطة: "ولا أي حاجة ياروحى هو كل مافي الموضوع إني مسجلاك على فوني ال... ال... عامر: "ال إيه قولي." مليكة: "الجبله ابن الـ****" اتسعت عيناه أكثر وأكثر بصدمة مردداً:
"الجبله ابن الـ**** يانهارك أسود، مليكة أنا همشي قبل ما أرتكب جريمة... ماشي حبيبتي... باي." مليكة بهيام: "بااااي." قبل مقدمة جبهتها وانصرف، لكنه عاد إليها مجدداً يقول: "إيه ده... تعالي معايا لحد العربية وصليني." ضحكت بحب وذهبت معه وهو يوصيها على نفسها حتى يعود وأن تهاتفه عندما تحتاج لأي شيء. طوال اليوم وهو تقريباً يهاتفها كل ساعة، ماذا يفعل وهو يشتاق لها. *** في الحارة
دق سيد منزل السيدة حكمت التي فتحت له وهي تنظر أرضاً. سيد مبتسماً: "مساء الخير يا ست حكمت." حكمت: "يسعد مساك يا سطى سيد... اتفضل." سيد: "لا انتي اللي هتجيبي يوسف وتيجوا تتعشوا معانا أنا ومي برا، أنا عازمكوا، إيه رأيك." نظرت له بتفاجئ وقالت: "برا؟ سيد: "اه وماله، فيها إيه يعني واسم النبي حارسه يوسف ابنك هيبقي معانا." أكمل حديثه يغمز لها بعبث ومزاح: "أنا بقول واجب يكون معانا محرم بردوا الأمر ما يسلمش." رغماً
عنها ضحكت وقالت: "طب هشوف كده وأرد عليك." سيد: "وماله بس أحياة النبي ما تتأخري إلا عصافير بطني بتصوصو." حكمت: "ماشي." أغلقت الباب بعدما ذهب، لا تصدق نفسها، لأول مرة يدعوها أحد للطعام بالخارج، رجب رغم عشرته الطيبة لكن لم يفكر ولو لمرة بأن يأخذها ويذهبوا لأي مكان، ومع ازدياد الخلافات بينهم زادت الفجوة وزاد الابتعاد.
لأول مرة تشعر أنها أنثى ومن بني البشر، لا تستطيع وصف سعادتها، من كثر ماهي غير معتادة على السعادة تعتبرها شيء دخيل بل وكثير عليها، قررت بشيء من البديهية أنها لن تقبل ذلك العرض، منذ متى وهي تذهب مثل هذه المشاوير، كما كانت وتعودت وتربت على حديث أمها خالتها وجدتها، ليس للمرأة غير بيتها، هذه الأماكن والنزهات ليست لهن. في نفس الوقت خرج يوسف من غرفته يقول: "أمااااا... جعاااان." لم تنتبه له بادئ الأمر فردد بصوت أعلى:
"أمااااااااا." حكمت: "يخربيتك خضتني." يوسف: "اللي واكل عقلك." حكمت: "يا ساتر يارب... عايز إيه مني يابني." يوسف: "عايز أكل... جعااان." حكمت: "طيب حاضر ساعة بس وأجهز الأكل." يوسف: "ايييييه... والاكل ماجهزتش ليه... وانتِ بتعملي إيه طول النهار؟ استاءت حكمت كثيراً وقالت: "يابني مش عيب تجعر فيا كده، أول ما صوتك يتخن هتتخنه عليا؟ يوسف: "اييييه.. جعااان ماكلش، أنا شقيان طول اليوم من المدبح للمحل لما رجلي اتهرت." حكمت:
"وطي صوتك يالا، أنا اللي ماعرفتش أربي...
بقولك طول اليوم قالبه البيت وبغسل الفرش والسجاد وبمسح الأرض لما وسطى اتحل، ده بدل ما تقولي كتر خيرك ياما انتي بتتعبى معايا، ريحي انتي ياما وأنا هبعت أطلبلك أكل من برا، انت ياواد مش بتشتغل وبتقبض من أبوك وماسك قرش حلو، ماتجيش في مرة تقول أما أريح أمي وأجيب أكل وأنا راجع ليا وليها، ده انت لو يوم كلت برا مابتفتكرش تجيب لامك وانت راجع، ياشيخ ده انت حتى مش بتفتكر تتصل بيا تقولي كلي انتي أنا هاكل برا وانت عارف إنك بتستناك على الأكل."
يوسف وبعد كل هذا قال: "ايوه يعني الأكل على إمتى كده؟! وقفت بغضب وخيبة أمل لا توصف:
"مافيش أكل يايوسف، واعمل حسابك تعتمد على نفسك، أصلي يومين واتجوز، أنا كنت هرفض عزومة الأسطى سيد بس رجعت في كلامي وهوافق، اللي مستعدة أضيع عمري وأضحي بسعادتي عشانه مش داري بيا أصلاً ومش بعيد لما أكبر يرميني في دار مسنين عشان ياخد الشقة يتجوز فيها، ولا مراته تقوله يانا يا أمك في البيت، أنا قايمة البس وأخرج عايز تيجي معانا تعالي، مش عايز براحتك أنا كده كده رايحة."
ذهبت من أمامه بعدما قالت ما فاضت به روحها، عاشت نصف عمرها شمعة تحترق، لابد من وجود ولو زقاق ضيق لطريق السعادة. *** في الإسكندرية جلس رجب مقابل نجلاء يقول: "هطلب لك بقى أكلة سمك من اللي وصى عليها لقمان." نجلاء: "إحنا لسه واكلين من شوية." رجب:
"لا أنا عايزك تاكلي كده وتتغذى، أنا لو أطول أجيبلك الدنيا كلها تحت رجلك أجبهالك، انتي حاجة غالية عليا أوي.. أوي.. يااااه.. كنتي زي نجمة بعيدة، عارفة لما تبقى ممددة كده على أرض تراب من تحتك، وتبقى باصة لنجمة حلوة أوي وبتلمع وكل ليلة تواعديها وتقعدي تستنيها بس عارفة إنك على الأرض ولامسة التراب عمرك ما هتعرفي تطلعي القمر عشان تقابلي نجمتك، انتي بقى نجمتي ياست البنات."
كل هذا كثير، كل ما حدث خلال العام المنصرم شيء وما يقوله الآن شيء آخر، حديث لا يوصف ولا تسعه الكلمات، حقاً ولا بالخيال. رغماً عنها بكت، لا تعلم لما القدر ظالم هكذا، لما لم تحظى برجب منذ البداية، ولما تعذبت كل هذه السنوات مع زوج مثل ذلك التوفيق. تحدث بلهفة: "يقطعني... اهو أنا كده دبش ماعرفش أقول كلمتين حلوين على بعض." تحدثت من بين دموعها وقالت: "بالعكس....
بالعكس ده كلام حلو أوي ومش مترتب وطالع من القلب، أنا بعيط على حاجة تانية." رجب: "حاجة إيه؟ نجلاء: "بعيط على القسمة والنصيب، أقصد يعني... قاطعها هو قائلاً: "ليه من الأول اتجوزتي توفيق وأنا اتجوزت حكمت صح؟ أومأت برأسها موافقة فقال: "وتفتكري لو أنا كنت اتقدمتلك أهلك كانوا هيوافقوا، انتي كل واحدة في أخواتك ماشاء الله تبارك الله اللي متجوزة محامي واللي متجوزة محاسب واللي واللي.... كانوا هييجوا يوافقوا برجب الجزار؟
جوازنا عمره ما كان هيتم إلا بالحيلة، يمكن لو كنت وصلت لك سهل كنت أضيعك مني، أبويا كان دايماً يقول اللي ييجي سهل يروح سهل، يمكن ربك عمل كل ده عشان لما ألاقيكي أحافظ عليكي وأعوضك وانتي كمان تعوضيني." نجلاء: "أعوضك؟! أعوضك بإيه أنا مابقاش فيا حاجة ولا حيلتي حاجة أعوضك بيها، أنا مش متفضل مني غير روح، روح شبه عايشة، فاهمني؟ ابتسم بحزن وقال:
"فاهماك ياست البنات، مش عشان يعني مش مكمل تعليمي أبقى مش فاهم كلامك الكبير ده، أنا راجل سميع وأحب أسمع وأفهم وأوزن الكلام، ومن ناحية هتعوضيني بإيه فإنتي عندك كتير، كفاية وجودك جنبي، أشم نفسك في مطرح اللي أنا قاعد فيه، البصة في وشك بالدنيا واللي فيها، كفاية بس الواحد يتصبح بوشك، يلاقي الخير في يومه، انتي إزاي شايفة نفسك كده، أنا شايفك حاجة كبيرة أوي، أمل ماكنتش أحلم بيها."
أغمضت عينها لاتدري هل تفرح بذلك الكلام الجميل أم تحزن من توفيق وما فعله بها جعلها حتى لا ترى بنفسها شيئاً يستحق الحب، كما قالت، هو حقاً قد سرقها. رجب: "بالك، أنا الود ودي آخد بعضي وأروح على مصر في قلب الحارة وأديله علقة من اللي هو وصلك ليه ده." أنهى كلامه وهو يضحك قائلاً: "بس أنا بقول ياواد الطيب أحسن، هنزل وأضيع على نفسي يومين عسل مع أجمل ست في الدنيا."
رغماً عنها ضحكت، أصبحت تضحك كثيراً مع هذا الرجب، فريد من نوعه جدًا. في نفس الوقت حضر النادل بالطعام فقال: "بسسسس.... الأكل جه ياست الكل وأنا ساعة الأكل مابعرفش أمي." نظرت له بعيون القطط فقال: "بس كله يتغير لأجل عيون ست البنات." ابتسمت له مجدداً وهو يقوم بتقشير أحد قطع الجمبري، ثم فتحت فمها وهو يحثها على ذلك كي يضع لها الطعام بفمها. *** في المساء بمنزل الخطيب
جلس الجميع على طاولة الطعام كأن على رأسهم الطير خصوصاً بعد اعتراف عامر بالصباح، قلب كل الموازين والحسابات، لكن لابد من وضع حد لكل ذلك. بنفس الوقت كانت تخرج من غرفتها بعدما اعتذرت ندى فهي قد تناولت الطعام بوقت متأخر. خرج هو من غرفته قائلاً: "ياسلام... كنتي نازلة تحت من غيري ولا إيه؟! مليكة: "اه." عامر: "كمان بتقولي اه؟ مليكة: "اه وفيها إيه ما أنا كل يوم بنزل فطار وغدا وعشا من غيرك."
تحسس يدها يضمها بين كفه الكبير قائلاً: "قبل كده حاجة ومن النهاردة حاجة تانية، انتي بقيتي حبيبتي قدام الناس دي كلها، فاهمة يعني إيه." أخذت نفس عميق تبتسم وهي ترفع رأسها بزهو وفخر قائلة: "ايوه فهمت." عامر: "طب يلا بينا." هبط الدرج وهي معه، لا يهمه رأي الآخرين بعد الآن. كانت الخادمة تضع آخر طبق على السفرة وتغادر باحترام.
نظر الكل مسلط على كبير البيت بجوار أصغر فرد به، مهزلة، ما يحدث أمامهم لا يصنف إلا بشيء واحد وهو المهزلة. تقدم من الطاولة وهى همت لتجلس بمقعدها المعتاد. نظر لها بغيرة وغضب يقول: "رايحة فين؟ مليكة: "هقعد مكاني." عامر بحدة: "جنب فادي؟ أنا لسه قايل إيه حالا." ارتعبت قليلاً من طريقة حديثه، تعلم أنه يغار ولكن اليوم كأنه يعلن بداية لكل شيء جديد ومن نوع آخر حتى غيرته. أما فادي فقال:
"بقى كخه فادي دلوقتي، اقعدي ياهانم جنب البيه، مانتي هتبقي كبيرة البيت بعد كده." ضحكت كارما وبعدها فادي رغماً عنهم وهم يجدوها كالأطفال تنظر لهم بتحدي طفولي وتسحب لنفسها المقعد المجاور له لتجلس عليه ككبيرة العائلة. ضحك عامر عليها، حقاً مظهرها بجواره غير عادي، ضئيلة الحجم جداً. كانت الفت أكثر من سعيدة وهي تراها وأخيراً بجوار عامر.
أما ناهد ومحمد فتقريباً أفكارهم واحدة ورفضهم القاطع واحد، من نظرات عيونهم تشعر كأنهم اتفقوا بدون أن يتفقوا أو حتى يتحدثوا، مصلحة الجميع هي الأهم. طوال الوقت وفادي يناوش عامر ويشاغله بالحديث مما يجعل عامر يضحك، ومليكه هائمة في ابتسامته تلك، وأحياناً يتحدث مع محمد في أمر من أمور العمل، تجده يأتي أخيراً بالكلام العملي المفيد ويختصر المشكلة وتحل فوراً وتردد هي داخلها (جووووووووون)
وناهد رغم فكرتها ورفضها لتلك العلاقة إلا أنها أمه وتعلمه أكثر من أي فرد آخر، ابنها سعيد، فرح، تشعر به، حتى في عز حديثه عن العمل والصفقات والمشاكل عينه تضحك، باتت في حيرة من أمرها، ولكن هم فعلاً في موضع شائق، خطيبته ليست أي شخص، إنها هديل ابنة شقيقتها، مصير عائلتين وعلاقتها بشقيقتها، كذلك مستقبل ابنها نفسه، سيتضرر كثيراً من ارتباطه بتلك الصغيرة حتى لو كانت تحبها، حتى لو تربت على يدها هي، بالنهاية مستقبل ابنها هو الأهم.
قطعت كارما كل تلك الأجواء قائلة: "ميكا... بقالك كتير ماغنيتيش لينا، غني يالا." بدون تردد وبلا تفكير وعيونها مازالت مرتكزة عليه غنت:
"حبيبي.. حبيبي اه من حبيبي.. عليه احلى ابتسامة.. لما بتضحك عيونه بقول يالا السلامة.. حبييبي.. حبيبي اه من حبيبي.. عليه احلى ابتسامة لما بتضحك عيونه بقولك يالا السلامة.. لما يسلم عليا.. واما يقولي كلاااام عايزه ورا كل كلمة اقوله ياسلام يا سلام يا سلااام.. لما يسلم عليا.. واما يقولي كلااام عايزه ورا كل كلمة... اقولو يا سلام يا سلام يا سلااااام." صفقت كارما، وأخذ فادي يصفر مردداً لعامر: "الله يسهله يا عم...
ربنا يوفق الدنيا على بعضيها." أما عامر فكان ينظر لها بأعين لولا الملامة لبكت، تلك الجميلة تجعله محلق من شدة السعادة، شعور أن هناك شخص يحبك حلو، أن من تهواها تبادلك بل وتهيم بك يجعلك تشعر بأن لا مثيل لك، بل لا يوجد من يضاهيك سعادة، تشعر أنك أوسم رجل قد خلق. وجد نفسه بدون تردد يجذب باطن يدها لفهمه مردداً: "ربنا يخليكي ليا ياحبيبتي."
ابتسمت بحب وزهو، كل شيء انكشف، لن تصبح مضطرة بعد الآن أن تناديه أبي، يدعوها حبيبتي أمام الجميع، ماذا تريد بعد ذلك أو أكثر من ذلك هي. ستعشقه أمام الكل، وهو قد أعلن حبه وانتهى ذلك الماراثون. خرج كل منهم من دنياه تلك على صوت مقعد محمد أثر وقوفه فجأة من شدة الغضب، تاركاً لهم المكان كله، لا طاقة ولا صحة له لتحمل كل تلك السماجة من وجهة نظره. في نفس اللحظة تبعته ناهد غير راضية هي الأخرى عن كل ما يحدث أمام عينها وعلى العلن.
فادي: "بس.. بس.. كارما.. كارما." كارما وهي تأكل الطعام: "هممم." فادي: "خلي عندك دم وبطلي أكل وقومي بعدي، كله قام، سيبيهم مع بعض." كارما: "مش شايفني بأكل أنا." فادي: "ما طول عمرك بتاكلي، يلا عشان تنامي خفيف قومي." وقفت على مضض تمسح فمها وتقول: "قومت أهو، تصبح على نقالة." فادي: "بيئة." بعدها وقف هو الآخر يتجه لغرفته يقول لعامر بغمزة: "أي خدمة، فادي بيمسي يا كبير." قهقه عامر مما زاده وسامة وزاد تلك المسكينة هيام به.
كل الأفراد غادروا، وأخيراً بقا هو معها، هم ليقبل يدها مجدداً ولكنه انتبه على حمحمة شخص. أوه الفت لقد نسوها تماماً. عامر: "احمم.. يااااجماعة.. ياأفادي.. ياكارما... ياجماعة انتو ناسيين حد هنا." نظر لها وجدها كأنها تخبره بعينها بتحدي: "أنا قاعدة لك محرم." نظر لها يبتسم بسماجة مردداً: "منورة يامرات عمي.....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!