الفصل 19 | من 36 فصل

رواية انصاف القدر الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
18
كلمة
3,777
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 53%
حجم الخط: 18

تقرع الطبول بداخله أم تلك هي دقات قلبه. اليوم زواجه من ست البنات خاصته. حلم بعد وطال انتظاره أخيراً سيتحقق. وقف أمام المرآة يمشط شاربه للمرة التي لا يعلم عددها. نظر لنفسه برضا. جلباب طويل، حذاء جديد، لحية مهذبة، هيئته مهندمة حقاً. أخذ نفساً عميقاً يسحب أكبر كمية من الأكسجين بداخله، وبعدها خرج من البيت كله بخطوات ثابتة نحو هدفه. في البناية التي يقطن بها الأسطى سيد.

خرج من شقته يهم لغلق الباب في نفس الوقت كانت حكمت تخرج القمامة تضعها أمام باب شقتها. ابتسم سيد قائلاً: صباح الخير يا ست حكمت. حكمت بحرج: صباح الخير يا سطى سيد. سيد: وهنفضل على طول كده لحد امتى؟ قوليلى يا سيد وأنا أقولك يا حكمت ولا إيه؟ حكمت: إلى تشوفوه. تنحنح قائلاً: أنا رايح النهارده أقف جنب رجب. صمت قليلاً كى يقرأ ملامح وجهها جيداً وهو يقول: أصل النهاردة كتب كتابه على الست أم ندى.

بقيت ملامحها ثابتة، صامتة. وعلقت أخيراً بهدوء: ربنا يكتب له الصالح. تنهد براحة وقال: ويكتب لنا إحنا كمان. بقولك إيه.. إحنا كمان عايزين نلم الشمل بقا. وضعت وجهها أرضاً تقول: ربنا يسهل. فوتك بعافية. أغلقت الباب بوجهه فتنهد بقوة مقرراً أنه لن يطول صمته وانتظاره لرضا صديقه. داخل شقة نجلاء. جلست ندى أمامها تقول بصدمة: يخربيتك! وعرفتي تقفي قدامه وتقوليلوا في وشه هتدربي مع عدى؟ مليكة:

آه. أنا لازم أكبر بقا. ضيعت من عمري سنين بجرى ورا وهم اسمه عامر وفي الآخر يوم ما اتكلم جاى يقولي سافري اتعلمي برا وأنا أجلك نتجوز ونعيش معاكي. ندى: الصراحة هو بجح. بس أقولك... ساعات بتعاطف معاه. إلى حد ما هو عنده حق. فرق العمر كبير ومش مقبول. مليكة: والله إلى أعرفه إن لو مش قادر يخليني معاه يبقى يسيبلي حريتي. كده هو لا بيرحم ولا عايز يسبب رحمة ربنا تنزل. ندى: طب بصراحة كده ومن الآخر، انتي ناوي على إيه؟ مليكة:

ناوية أنهي الموضوع ده وأبدأ من جديد وبجد. تعبت من العلاقة دي فعلاً. تعبت وكلي أمل إنها تبقى فعلاً مشاعر مراهقة وتروح لحالها. جايز لما أخرج من دايرة عامر أعرف أشوف العالم إلى بجد ومليكة إلى بجد. ندى: يعني؟ مليكة: يعني الدراسة على الأبواب، جامعتي، صحابي، شغلي. هنزل فعلاً أتدرب مع عدى. ندى: وإنتي مش شايفة إن حكاية تدريبك دي غريبة؟ هو في حد بيتدرب وهو لسه رايح تانية كلية؟ مليكة:

مش عارفة. بس هو اللي عرض عليا وأنا فكرت إنه عادي. ندى: لا هو مش عادي خصوصاً إنه فعلاً من أكبر مكاتب المحاماة اللي في البلد. دول مش بياخدوا أي حد. لازم يكون متخرج ومتدرب ومفحوص شغل مش ييجي يتعلم فيهم لأن الغلطة عندهم بملايين. مليكة: صح عندك حق. ندى: طب وعامر عدّاها كده عادي إزاي؟ مليكة: لا مش عادي. اتعصب وعلى صوته بس أمه اتدخلت وهدته وقالت له سيب البنت تتعلم. ندى: والنبي أنا قلبي حاسس إن أمه دي فاهمة كل حاجة وساكتة.

مليكة: تفتكري؟ ندى: أيوه طبعاً. ليه هي عبيطة؟ معقول مش هتلاحظ كل اللي بيعمله ابنها والتغيير اللي هو فيه خصوصاً بعد ما راح قالهم إنه بيحب بنت صغيرة. مليكة: ممكن. عندك حق. صمتت قليلاً ثم قالت: وإنتي هتعملي إيه النهارده؟ ندى: أبدا. هروح أزوق أمي عشان أسلمها لعريسها. مليكة: هههههه. ندى: شفتيش قهر أكتر من كده؟ بدل ما هي اللي تزوقني أنا اللي هزوقها. مليكة:

ههههههه. يخربيت الحقد انتي يا بت مش من يومين كنتي بتقولي خليها تعيش وتنبسط وهي حقها تفرح. ندى: أيوه. بس أنا متغااااظة. المفروض أنا اللي اتجوز. شكلي هخلل جنب ابن خالتك الحيوان ده. بقت كل حياته نبطشيات مش عارفة ألم عليه. مليكة: آآآه قولي كده. عشان كده بقا فضيتيلي. ندى: لا اخص عليكِ ما تقوليش كده. مليكة: على العموم أنا بقا عندي صاحبة جديدة ومش محتاجة. ندى: نعم؟ بتخونيني؟ مليكة: آه. إنتي زبالة أصلاً. ندى:

قوليها تاخد بالها منك زي ما كنت أنا بخاف عليكي وأحاول على قد ما أقدر أحميكي وأحافظ عليكي. مليكة: ههههههه. إيه يا هبلة إنتي محسساني إنك جوزي. بس هي بنت عسولة وطيبة أوي. عايزة أبقى أعرفك عليها. ندى: أوكي. قومي نشوف إيه اللي بيحصل برا يالا. خرجت الفتاتان بعد استماعهما لصوت جرس الباب. ذهبت ندى لتفتحه. وجدت المعلم رجب برفقة خالها ورجل بحوزته دفتر الزواج. خالد: إزيك يا ندى. ندى: الحمدلله يا خالو اتفضل.

ذهبوا خلفها حيث اتجهت بهم إلى الصالون. يجلس على أحر من الجمر. في انتظار تلك اللحظات الحاسمة. قلبه ينبض بعنف. جسده يسخن ويبرد بين اللحظة والأخرى من شدة التوتر والسعادة والترقب. لحظات قليلة فاصلة عن حلم حياته. تحدث خالد يقطع الصمت: أمك فين؟ ندى: هروح أناديها. ذهبت ندى وبعد ثوانٍ عادت وخلفها نجلاء. لازالت ترتدي ملابس الحداد. لا بأس هي جميلة بكل الحالات.

كانت تسير بحرج تنظر أرضاً. لا تستطيع استيعاب الموقف ولا على أي شيء هي مقبلة. الأمر الأكثر غرابة هو موقفها. بعد طلاقها مباشرة من توفيق كانت قد اتخذت القرار أنها لن تعود له نهائياً. عندما حدث ذلك الشجار وتدخل المعلم رجب وسيد واقترحوا ذلك الحل وافقت من كثرة الضغط. لكن أين رفضها العودة لتوفيق؟ لما تسير موافقة على تلك الزيجة؟ ولما تشعر بالخجل الشديد وكأنها عادت فتاة في العشرين. تقدمت وهي تضع عيناها أرضاً تقول بخفوت:

السلام عليكم. ردد الجميع: وعليكم السلام. إلا هو. هو بعالم آخر. لا شيء به غيرها. يتمعن في ملامحها بارتياح وشوق. أخيراً ستكون له. في دقائق كان كل شيء قد انتهى تقريباً. لقد أصبحت زوجته. لما لا يقف ويحتضنها الآن. لقد أصبح حقه. تمالك رجب. تمالك الجميع حوله. في تلك اللحظة كان سيد يدق الباب أيضاً وفتحت له مليكة. سيد: السلام عليكم جميعاً. أوعوا أكون اتأخرت. خالد: مش قوي. منور يا سطا. سيد: ده نورك يا أستاذ خالد. تقدم

من رجب يهم لاحتضانه يقول: مبروك يا صاحبي. احتضنه رجب مرغماً يقول: لا فيك الخير. سيد: أنا معاك في المشوار ده من أوله. ما قدرتش ما أكملش وأيجي أقف معاك وأبقى في ضهرك. صمت قليلاً إلى أن ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: وده العشم برضو يا صاحبي. تهلل وجه سيد يقول: طالما قلت يا صاحبي تاني يبقى سامحت ووافقت. رفع رجب حاجبه يقول: ده انت مش جاي تقف جنبي زي ما بتقول بقا. سيد:

يا أخي فكها علينا بقا. فكها يا صاحبي. ده أنا طالب اللي ربنا حلله. مين إحنا عشان نحرمه. رجب: ربنا يسهل يا سيد. ربنا يسهل. سيد بفرحة كبيرة: تبقى وافقت. مبروك عليا. قطع الحديث صوت خالد يقول: مش يالا إحنا بقا يا جماعة. التف له رجب يقول: يالا على فين يا أستاذ خالد؟ خالد: كل واحد يروح يشوف أشغاله. يعلم سيد كل ما سيقال فتدخل هو: إزاي يعني يا أستاذ خالد؟ أمال كتبنا الكتاب ليه. ماتقولوه حاجة يا شيخنا. المأذون:

أيوه يا أستاذ خالد لابد أن يدخل بها. ده شرع الله. وغير كده يبقى جريمة وهو شارك فيها. وأنا معاكوا. خالد: نعم. بس ده ما كانش اتفاقنا. كل هذا وهى تجلس عيونها جاحظة وجهها محمر خجلاً مما يقال وهي المقصودة الوحيدة به. سيدة وأم تخطت الخامسة والأربعين يتحدثون أمامها ويتشاجرون على أنه لابد من أن يدخل بها. هكذا. شعور محرج. لا يوصف. تود لو تنشق الأرض وتبتلعها. رجب: أنا مش هتكلم. رد انت يا سيدنا الشيخ. المأذون:

أستاذ خالد ده شرع ربنا. لو حصل غير كده أنا بنفسي هبلغ عنك. سيب الراجل يختلي بزوجته. ظل الشد والجذب بينهم مستمر وهناك بعيداً تقف ندى مصدومة لجوار مليكة التي لا تقل عنها صدمة تقول: إنتي سامعة؟ واقفين بيتخانقوا على أمي؟ مش مستوعبة المهزلة اللي أنا فيها دي. هههههههه. مليكة: حظوظ. ندى: شكلي هاجي أبَات عندك النهاردة. مليكة: يالا معايا بكرامتك أحسن قبل ما يطردوكِ. بعد دقائق كانت ندى قد غادرت مع مليكة والجميع كذلك.

تبقى هو بمفرده معها. حبيبته الأولى والأخيرة. حلمه الذي اعتقد بل كان موقناً أنه صعب المنال. أصبحت زوجته وله حتى لو بالحيلة. لا يهم. كل شيء مباح في الحب. وقف ينظر لها وهي تجلس تفرك أصابع يدها ببعض وتنظر أرضاً. كم تبدو جميلة وصغيرة رغم أنهم من نفس العمر تقريباً. شرد قليلاً وهو يتذكر حديث سيد له منذ قليل: واحدة واحدة على الست وبلاش غباء. واوعى تعمل أي حاجة غير لما تخليها تحبك. يا إما تحبك يا إما ماتعملش كده. رجب:

بس ياض يا هبل إنت. أنا مش كده. مش لسه هستنى يا تحبني يالا. أنا اتعلمت أمد إيدي وأكبش الحاجة من الدنيا. اللي مالوش قلب مالوش رزق. وطلاق تلاته مانا سايبها إلا أما تحبني أنا كمان. بس كل ده وهي مراتي. مش هقعد ألمح أنا من بعيد لبعيد. الدنيا عايزة قلب جامد. روح. روح يالا انت بتحب تنام بدري. سيد: طب براحة ماتزوقش. سلام. عاد من شروده وهو ينظر لها وهي تفرك يدها ببعض. مد يده يلتقط كفها يحرره من الآخر يقول: مبروك يا ست البنات.

لما هربت الكلمات منها. نجلاء من فتيات الزمن الجميل. الخجل والبراءة. حتى لو أصبح عمرها ستون أو أكثر. في أول موقف مثل هذا ستتحول وتصبح بخجل فتاة عذراء. خصوصاً وهي لا تستوعب كل ما يحدث معها في هذا العمر وابنتها على وشك الزواج. كل ما يحدث ولا بالأحلام. مد أصابع يتلمس باطن كفها. أغمض عينيه بتلذذ وسحر. كم تمنى تلك اللحظة. يده بيد سيدة أحلامه. شعور لا يوصف. حتى الكلمات لا توفيه حقه. أخيراً أخرج صوته يقول: بصيلي. رفعت نظرها

إليه فقال بدون مقدمات: كل اللي حصل ده لعبة. اتسعت عينيها فاكمل مؤكداً: آه لعبة عملتها أنا وسيد عشان أتزوجك وتبقى مراتي. زادت صدمتها أكثر. لم يرحمها وهو يكمل بقوة وإصرار: ومش ناوي أطلقك يا ست البنات. *** في صباح يوم جديد.

استيقظت ندى ومليكة بوقت متأخر من اليوم. لقد سهروا بالأمس كثيراً يتحدثون عبر الفيديو مع جودي. تحكي لهم عن قصة حبها وذلك القاسم الذي عشقها وحارب وتحدى الكل لأجلها. كذلك كيف أعلن خطبته منها هكذا فجأة وأمام الصحافة ولم يبالي لأحد. خرجت ندى تحاول أن تستفيق قليلاً تريد تستمتع بهواء الصيف الخفيف. كتمت ضحكاتها وهي تراه يجلس على كرسيه كأنه يحرس أحدهم من الخروج أو الدخول. أسرعت للداخل تقفز على الفراش فوق مليكة التي صرخت بفزع:

عااااااا. حرام عليكي مش كفاية طول الليل بتشلطي برجلك ارحميني. ندى: بت يابت اصحي وسيبك من الهبل ده قومي شوفي عامر عامل إيه؟ مليكة: عامل إيه؟ ندى: ههههه. جايب كرسي وقاعد قدام باب البيت من تحت. ههه عامل زي الكلب اللي حارس صاحبه. مليكة: ده بجد؟! ندى: آه والله حتى تعالي شوفي. خرجت معها للشرفة تنظر أسفل غرفتها. وجدته يرفع عينيه وينظر لها بتحدي كأنه يخبرها: أنا قاعدلك اهو. أما أشوف هتدخلي ولا تخرجي إزاي.

دلفت داخل غرفتها ثانية لا تصدق. وندى خلفها تردد بزهول: يا عيني. ده لسع. كان عاقل ووقور والله. مليكة: ده أكيد اتجنن. إيه اللي هو بيعمله ده. أنا لازم أخرج. ده ناوي يفرض سيطرته عليا بالعافية. ندى: هتعملي إيه؟ مليكة: هعمل كتير. ذهبت لغرفة ملابسها وفي دقائق بدلت ثيابها وخرجت. ندى: إنتي رايحة فين وسيباني أنا؟ مش هينفع أروح دلوقتي. مليكة: خليكي مع تيتا الفت لحد ما أجي. لازم أرد على كل اللي بيعمله ده وإلا هيسوق فيها.

ظل على جلسته. كما قال وقرر لن يسمح لها بالتحليق بعيداً. حتى لو اضطر لأن يقص أجنحتها. وكما توقع. وجدها تخرج إليه مستعدة للخروج تتحرك وهي لا تنظر له كأنها لا تراه. همممم حسناً. سيرها من هو عامر. تحدث بقوة وهو ما زال على جلسته: استنى عندك. رايحة فين؟ رغم كل شيء وأي شيء تظهره هي لازالت تهابه. توقفت خطواتها تقول: زي ما حضرتك شايف. خارجة. وقف عن مقعده وتقدم منها ببطء. آثار الخوف داخلها وقال:

ده إحنا بقينا نخرج ونروح ونيجي ولا كأن ليكي راجل. زمت شفتيها تدعي الجهل تقول: لا ما علش مش فاهمة. هو أنا مخطوبة ولا متجوزة حد وأنا مش عارفة؟ أنا قولت لتيتا إني خارجة ووافقت فهخرج. عامر: ياسلاام. ده حلو أوي الكلام ده. لا وجديد كمان. اسمعي بقا الأجدد. أنا سكتلك وعديتلك بمزاجي. رغم إن دي مش طبيعتي. لكن أكتر من كده مش هعرف أتحكم في أعصابي وإنتي حرة يا مليكة. عايزة تطلعي جناني عليا براحتك. نظرت داخل عينيه تقول بتحدي:

لا هخرج وهعمل اللي أنا عايزه. وبعدين المفروض حضرتك مش فاضي دلوقتي. إنت بتجهز لخطوبتك. هي مش بكرة بردوا. قطع حديثهم صوت سيارة خالته وزوجها. قادمين مع هديل ونادر. مليكة بسخرية تخفي ألمها: اتفضل عروستك جت. أصل طنط ناهد مامتك عازماهم النهاردة على الغدا. سلام. قبل أي خطوة منها كان يحذبها يجرها خلفه غير مهتم بسيارة زوج خالته وهي لازالت تعبر الحديقة في طريقها للباب الداخلي. صعد بها لغرفتها وأغلق الباب يصرخ بها:

إنتي عايزة إيه؟ عايزة إيه قوووولى. عايزة تجننيني. عايزة توصلي بيا لفين؟ مليكة: عايزاك تسبني في حالي. صرخ بها أكثر: مش عارف يا غبية. مش عارف. ومش عارف أبطل أحبك. افهمي بقا. نظر لها وأكمل: اسمعي. خروج مافيش. دروس السواقة اللي روحتي تكمليها بردو مافيش. لو الزفت اللي اسمه عدى ده قرب منك مش هيحصل خير. أنا على أخرى ومش هسكت على المهزلة دي. سامعة. تركها وخرج لا يرى أمامه وهي تردد: روحلهم يا خوي روح. *** في شقة نجلاء.

استيقظت على قبلات خفيفة تتوزع على وجهها وعينيها. فتحت عينيها بصدمة وهي تنظر للمعلم رجب بجوارها على فراش نومها. لا تستطيع استيعاب كل ما حدث. كيف تعامل معها رجب بكل هدوء وترقب وبنفس الوقت تشعر أنه انتزعها نزعاً. كأنها حقه بالحياة. أو شيء طال انتظاره. ولا تعلم كيف استطاع إذابة خجلها والتعامل معه. شعورها الآن لا يوصف. تشعر حقاً أنها فتاة صغيرة. ضمها لاحتضانه براحة يقول:

عارف بتفكري في إيه. بس لو كنت استنيت عليكي عمرك ما كنتي هتبطلي كسوف. تشعر بتخبط شديد بكل شيء. لا تستطيع الاستيعاب. ضمها له أكثر وهو يقول ما جعلت عينيها تجحظ: أنا بحبك يا ست البنات. ظلت على صدمتها لمدة كبيرة لا تستمع ولا تدرك أي شيء. حتى وهي الآن معه بسيارته في طريقهما لأسكندريه. فما استوعبته بعد صدمتها تلك أنه سيأخذها ويسافر بعيداً عن الجميع فترة.

حقاً لا تستطيع استيعاب كل ما يحدث معها وبذلك العمر. تنظر جانبها لذلك الرجل وهو عين على الطريق وعين عليها. من المفترض أنه زوجها. ظلت لسنوات طويلة وهي زوجة لتوفيق. اعتادت على ذلك وأصبح أمر مسلم به. لا تستطيع الاستيعاب حقاً. *** في قصر الخطيب. على حافة المسبح. كانت كارما تجلس وهي تضع قدميها بالماء شاردة بلا شيء. شعرت بمن يجلس بجوارها يقول بسخرية مبطنة: سمعت إنك فسختي خطوبتك. ليه كده؟

زعلت والله. ده حتى محمد راجل حساس وكله حنان ومشاعر. نظرت له بجانب عينيها. هو آخر شخص تود رؤيته الآن. أشاحت بوجهها عنه وعادت للنظر أمامها تقول: عايز إيه يا نادر؟ نادر: لا ولا حاجة. مش بنت خالتي وواجبي عليا أطمن عليكي. كارما: لا كلك واجب والله. ولسه فاكر الأصول. أعادت النظر له تكمل: أنا فكرت إن قعدتك برا نسّتك الأصول. نادر: هو بصراحة بنات برا اللي نسّوني. دول يخلوا الواحد عقله يسيح. وقفت بحدة وقالت:

طب أسيبك أنا بقا لذكرياتك العظيمة. ابتسم بتلاعب واستمتاع وهو يراها تبتعد ينظر لأثرها بمشاعر مبهمة. بعد مرور أيام. وقف الكل في حديقة منزل والد هديل. في حفل خطوبة مميز يليق بها وبعامر الخطيب. يوم أكثر من صعب على الكثير منهم. عامر وهو يجلس هكذا لجوار واحدة أخرى غير حبيبته. وحبيبته تقف بعيد تمنع الدمع عن عينيها. تجاهد وتجاهد ولكن بلا فائدة. مع لبسه خاتم خطبته لها. وجدت قدميها تتقدمان منه تمد يدها تصافحه قائلة:

مبروك. مبروك يا أبيه. يشعر بمعنى حديثها وهذا ما لن يسمح به. أبداً. الكل سعيد. الكل مرحب بهذه الزيجة خصوصاً مع اقتراب الانتخابات. إلا هو وهي. رغماً عنه ينظر لها بألم وعشق واشتياق. وهي ترتدي ذلك الفستان الأحمر القصير. يصل حتى ركبتيها. كم بدت جميلة بزينتها البسيطة تلك. أجمل فتاة بالحفل وبالعالم أيضاً. يقف وهو يرقص مع هديل يفتتح الرقص. وهي لا تستطيع أن تتحمل كل هذا. ليست بهذه القوة على أي حال.

خرجت من الحفل. خرجت سريعاً لن تستطيع الصمود أكثر من هذا. منذ ذلك اليوم وهو تقريباً لا يراها. لا تخرج من غرفتها وندى تلازمها. لن يستطيع الصمت أكثر من هذا وهو يرى حبيبته تضيع منه. حسم أمره أخيراً. لابد من مواجهة الجميع. أرسل لها رسالة بأن تحضر حالاً للأسفل. لا تعلم ماذا يريد هو بعد كل ذلك. ولكنها تفاجئت بأن الجميع حاضرين أيضاً. همست ندى: هو عامل اجتماع ولا إيه؟

لم تجب عليها. حقاً لا طاقة لها. أكملت هبوط الدرج لتعرف ماذا يحدث. جلست ومرت دقائق وهو ما زال صامت ينظر لها باشتياق وتفحص. منذ ذلك اليوم لم يراها. لاحظ الجميع نظراته لها. لكن كذبوا أنفسهم. لكنه تحدث أخيراً بنفاذ صبر: أنا سبق وجمعتكوا. قولتلكوا إني بحب بنت وعايز أتزوجها. شعرت ناهد بالخطر فبادرت بالهجوم تقول: تاني. هنعيده تاني الموال ده. ودلوقتي. بعد ما خطبت بنت خالتك إنت بتهزر يا عامر. عامر:

لا يا أمي مش بهزر. بس أنا بني آدم ومن حقي أحب أعيش مع اللي بحبها. وأنا جمعتكوا النهاردة عشان أقولكوا هي مين. جحظت عينيها وهي تستوعب ما يحدث وما يفعله. رأته يتجه لها يمد يده يوقفها. ثم وأمام الجميع يضمها له قائلاً: مليكة. أنا بحب مليكة. صمت أطبق على المكان من هول الصدمة لها قبل أن تكون لهم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...