الفصل 21 | من 36 فصل

رواية انصاف القدر الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
22
كلمة
3,775
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 58%
حجم الخط: 18

أيام حلوة تمر على الجميع، خصوصاً على رجب. أخيراً هو و"ست البنات" معاً. حلم طال انتظاره كثيراً حتى تحقق بفضل الله. يشكر كل الظروف التي جعلت توفيق دائم الشجار معها، ولا شيء على لسانه غير يمين الطلاق.

والآن رجب يقود بها السيارة، يغادر الإسكندرية. جلست لجواره بصمت تام، لا تعلم ماذا يحدث، ولا حتى شعورها ناحية كل ما يحدث. زواجها بتلك الطريقة الغريبة من رجب، إتمامه الزواج منها، اتفاق توفيق مع رجب على أساس أنه محلل فقط، حديث رجب عنها الأكثر من رائع، ولأول مرة تشعر أنها كائن حي ولديه شعور. إنها امرأة جميلة وهناك من يعجبها، بل ويعشقها ويرى أنها شيء كبير جداً صعب المنال. ولكن... بكل منا جانب سيء.

يجلس رجب وهو يقود سيارته بتركيز. تركيزه ليس بالقيادة فقط، إنما يفكر بشيء مهم آخر. قطعت هي ذلك الصمت تقول: "هو إحنا رايحين فين؟ نظر لها مبتسماً يقول: "جمصة." زوت ما بين حاجبيها مبتسمة تقول: "إيه؟! ده بجد؟ قهقه رجب قائلاً: "قديم أنا صح؟ بس لعلمك... بقت تحفة. أنا عايز أروح معاكي كل الأماكن اللي روحتها زمان وكنت أبقى قاعد أتخيل وأقول ياااه... معقول ييجي اليوم اللي تكوني معايا فيه هنا." "انت بجد غريب أوي."

ابتسم هو قائلاً: "ولا غريب ولا حاجة." ثم أكمل، يغتنم الفرصة التي ينتظرها: "أصلي لما بيبقى معايا حاجة حلوة... بعرف أزاي أقدرها وأحافظ عليها. حد يبقى معاه ست زي القمر زيك وأي واحد يتمناها، وكل شوية يزعق ويرمي يمين طلاق لحد ما بقوا ثلاثة... خسارة والله... ضيعتي عمرك مع حد ما يستاهلش." نظرت له بصمت قاتل وحزن، لا تجد ما تقوله. تحاول بستماتة أن تنسى وهو بكل بساطة يذكرها.

تألم كثيراً لنظرة الحزن والخذلان في عينيها، لكنه بالأول والأخير بشر. لم ولن يكن ملاكاً يوماً. أراد الضغط على جرحها القديم. يخشى لو أتى اليوم الذي تقرر فيه إنهاء كل شيء والعودة إلى حياتها الطبيعية مع ابنتها ووالد ابنتها. لقد تمم زواجه منها، وبكل ما تعنيه الكلمة هو حقاً اقتنصها من الحياة. ولكن لو أتت وقالت إنها تريد الطلاق، لن يستطيع الرفض. لا يستطيع. لن يتحملها على نفسه وعلى قلبه. لو جاءت الآن وطلبت الطلاق للعودة إلى توفيق، سيفعل ويموت بعدها، ولكنه سيفعل بكل تأكيد.

لذا، وبكل أنانية منه، من عاشق تعذب كثيراً في عشقه، سيضع الملح على الجرح ولن يكف عن تذكيرها بمعاناتها مع والد ابنتها. لن يترك لها أي فرصة للتفكير بالعودة إليه مهما حدث. تركها تغوص قليلاً في بعض الذكريات المريرة لها مع توفيق. يعلم أن الأمر يحزن جداً حبيبته، ولكن ليتركها. ربما ببعض العذاب يصلح كل شيء. بعض الحزن لن يضر، ولكن لتبقى معه... بإرادتها. *** داخل الإسكندرية في أحد المطاعم المطلة على البحر.

جلس كارم يسحب كمية كبيرة من هواء البحر المحمل باليود قائلاً لنهى: "الله... الماء والخضرة والوجه الحسن." رفعت شفتها العليا تقول بسخرية: "وهو في قدامك خضرة؟ "يعني هو في قدامي وجه حسن... خليكي فريش." وقفت بحدة تهم بالمغادرة. فضحك وأوقفها قائلاً: "اقعدي يابنتي بهزر... ماهو برضه يانهى انتي على طول لابسة لي وش الكلب ده كده مش نافع." شهقت بغضب قائلة: "وش الكلب... اه يا... قاطعها قائلاً: "شفتي...

اهو كنتي هتشتمي اهو. طيب أنا راضي ذمتك... عمرك شوفتي ظابط بيتشتم؟ ده أنا أترفد فيها. على طول كده شتيمة شتيمة... مافيش مرة تقوليلي صباح الخير يا بيبى." "بيبى؟ "اه. شفتي سهلة ولايقة على النضارة كمان." "بقولك يا جدع انت... انت خطبتني وانت عارف إنك هكده. أنا ما ضحكتش عليك. ومالها النضارة بتتريق كمان على نضارتي." "يانهى... يانهى يا حبيبتي أنا نفسي أقولك كلمة حلوة... تقوليلي كلمة حلوة...

حرام كده يا ناس أنا بقالي سنة خاطب مش عارف أمسك إيدك." شهقت قائلة: "انت عايز تمسك إيدي؟ "اه... سبيه يمسكها يانهى... مافيهاش حاجة يعني." "لا يا أستاذ... لا مش أنا... أنا أصلاً عمري ما أسيب حد يفكر بس يقرب مني... ولو حد فكر بموتوه." "إيه موصلة جسمك بالكهربا... تصدقي بالله أنا ما بقيت عايز أمسكها." رفعت رأسها بزهو تقول: "أيوه كده الأدب حلو."

رغم عنه ابتسم. يعلم كم هي جميلة وخلوقة حتى لو كان لسانها لاذع وحاد قليلاً. أحم، ليس قليلاً بل كثيراً جداً. ولكنها حقاً رقيقة وطيبة القلب، يكفي أنها تحفظ نفسها له. لكنه بشر ولن يستطيع التحمل كثيراً. تحدث بكبت يقول: "نهى... إحنا نكتب الأسبوع الجاي والفرح آخر الشهر." "نعم... إيه اللي بتقوله ده... هو سلق بيض؟ "نهى ماتستهبليش. إحنا مخلصين كل حاجة. حتى إجراءات نقلك جامعة القاهرة خلصانة والشقة والديكور، حتى العفش محجوز...

مش فاضل غير فستان وبدلة." "لا طبعاً... أااهو الفرح فستان وبدلة وبس. في حاجات تانية كتير." ابتسم بتسلية وقال: "كل حاجة ممكن تتحل. قولولي بقى إنك خايفة من الجواز زي كل البنات." "إيه... لا طبعاً." "خلاص يا وحش... خليك بطل كده للآخر واثبتيلي إنك شبح في نفسك ومش خايفة من الجواز ولا حاجة... أنا هاكلم أبوكي." رفع هاتفه بتحدٍ وهو ينظر لها، يبتسم داخلياً عليها. تحاول قدر الإمكان إظهار الثبات، ولكنها كأي فتاة ترتجف. ***

في قصر الخطيب. إنه يوم الإجازة. الكل متواجد... ولكن هناك شيء آخر سيجعل الأمور أكثر صعوبة. فهو الآن يقف أمام والدته، لا يعلم ماذا يفعل وكيف يتصرف. تحدث بغضب: "إزاي يا أمي عزمتيهم من غير ما تقوليلي." "واحدة وعزمت أختها اللي هي خطيبة ابنها اللي هي أصلاً بنت أختها. مش فاهمة فيها إيه." "طيب ومليكة." زمت شفتيها تجيب: "والله مش عارفة... شوف أنت بقى هتحلها إزاي يا أول فرحتي وكبير العيلة." "تقصدي إيه باللي عملتيه وبتقوليه ده؟

"اللي فهمته... أنت عاكت الدنيا. عاكت حياتك وعاكتنا معاك. لسه خاطب من يومين بنت خالتك وبعدها على طول بكام يوم جايب بنت ابن عمك الصغيرة تقول بحبها. عمرك شفت عك أكتر من كده؟ أنا ولا مصدقة ولا فاهمة إيه اللي بيحصل ده. أنا حتى مش قادرة أستوعب إنك أنت اللي تطلع منك التصرفات دي." "إيه اللي جرى لك يا أمي... أنت كنتي بتحبي مليكة أوي."

"ولسه بحبها وجداً كمان. ولو أنا بعمل كده فأنا بعمله عشان كبيرة وعاقلة. بعمل اللي كنت متوقعة إنك أنت اللي تعمله. شايفاك قاعد بتتجاهل وضعك واللي حاصل... مش عايز تواجه الأمر الواقع وهو إنك خاطب وكبير. تقدر تقولي لو أجلت مجيء هديل هنا الأسبوع ده، طب أسبوعين، أقولك شهر، ها؟ هتعمل إيه بعد كده؟ أنا قاعدة أهو بهدوء مستنية أسمع منك...

أنا لا هتعصب ولا هزعق. أنا بس عايزة أعرف دماغك فيها إيه للي جاي عشان أنا كده شايفاها بتضلم. مش عليك لوحدك... لا عليك وعليها." جلس بإنهاك مردداً بقلة حيلة: "أنا بحبها يا أمي." عادت برأسها للخلف تستكين به على ظهر المقعد، تغمض عينيها بتعب. لا تعلم ماذا تفعل. فتحت عينيها تقول: "طب وبعدين؟ وقف بتعب مردداً بضيق وقلة حيلة وهو يغادر بحزن وغضب: "مش عارف... مش عارف." هزت رأسها هي الأخرى بقلة حيلة. لا تعلم ماذا تفعل، ولكن...

عنصر الخبرة وسنوات العمر مهم. ترى مالا يراه. لن تصمت أبداً. خرج من عند والدته متجهاً للحديقة. يريد بعض الهواء، صدره أصبح يضيق عليه من شدة الاختناق. بعد دقائق كان يجلس على أحد المقاعد يفكر وهو مغمض عينيه. رغم عنه ابتسم تلقائياً وهو يشم عبيرها الخفيف بالقرب منه، مردداً وهو مازال مغمض عينيه وعلى وضعه: "وحشتيني." "وعرفت منين إنه أنا؟

فتح عينيه وجدها تقف أمامه تحمل بيدها كوبين من النسكافيه. أخذهم من يدها وضعهم على الطاولة الصغيرة أمامه، وسحبها من يدها تجلس لجواره جداً. "معقول مش هعرف ريحة حبيبتي؟ ده اسمه كلام يعني." ابتسمت باتساع وفرحة وهو ينظر لكل إنش بوجهها بحب واعجاب قائلاً: "انتي حلوة أوي يا حبيبتي." "أيوه أنا حاسة بكده." ضحك بشدة جاذباً إياها لأحضانه وقال: "ياواد يا واثق أنت." استكانت في أحضانه تبتسم وهو أيضاً يمرر يده على ظهرها بحب.

خرجت من حضنه تقول: "يلا اشرب النسكافيه بتاعك قبل ما يبرد." "عرفتي منين إني لسه ما شربتش قهوتي؟ "متبعاك من أول ما صحيت ياباشا." "بحبك." "وأنا كمان." في تلك الأثناء كانت سيارة عائلة هديل قد دخلت نطاق القصر الداخلي وتتوقف الآن أمام الباب الداخلي للبيت، ومن خلفهم يجلس عامر ومليكة معه. انتبهت مليكة للسيارة أولاً، وهديل تهبط من السيارة بعدها والدتها ونادر. نظر إلى حيث تنظر حبيبته وفهم كل شيء. ماذا سيفعل الآن.

نظرت هدى ناحيتهم بغل تقول: "ودول قاعدين مع بعض ليه والبت دي لازقة فيه كده ليه؟ "باينة أوي يعني... مش محتاجة فصاحة." "اخرس... وانتي ياحلوة... إيه هتقفي تتفرجي؟ قالتها وهي تنظر بغل لهديل، والتي في موقف لا تحسد عليه حقاً. أما عند عامر فالوضع كان متأزماً أيضاً. فهو لا يعلم ماذا يفعل. لا يستطيع ترك حبيبته وتجاهلها والذهاب لهم. لن تتحمل ولن تصمت، يعلمها جيداً. أيضاً هديل لا ذنب لها، علاوة على أنها ضيفة الآن. نظرت

له مليكة بغيرة وغضب تقول: "انت كنت عارف إنها جاية؟ أومأ برأسه موافقة ثم قال بهدوء: "حبيبتي لو سمحتي تتصرفي النهارده بهدوء وعدي اليوم." "نعم... أعدي اليوم وأتصرف بهدوء؟ أنت بتتكلم بجد؟ ليه... ده اللي هو إزاي يعني؟ "حبيبتي عشان خاطري اديني شوية وقت." "حبيبتي إيه بقى... هو أنا حبيتك فعلاً؟ "طبعاً حبيبتي... أنا بحبك أوي ومش عايز أخسرك عشان كده بقولك لو سمحتي عدي اليوم. مش عايز الموضوع يخلص بخناق أو مشاكل وخلافات...

عايز أخلصه بهدوء. ثقي فيا شوية." عند السيارة كانت هدى تكمل حديثها بغضب لابنتها: "إيه... هتفضلي واقفة كده وتسيبها لازقاله كده... اتلحلحي يابت." "خلاص بقى يا ماما... هو حر... شكله بيحبها. نفضيها سيرة أحسن ليه كده؟ "نعم يا حبيبة أمك... قولي اللي قولتيه ده تاني... قسماً عظماً لو اتكررت تاني لأنا اللي هعرف شغلي معاكي ومع أبوكي ومش هتطولي أي حاجة. أظن فاهمة قصدي كويس ها؟

صكت أسنانها بغضب وذهبت من أمامها تجاههم. لا حيلة لديها. نظر نادر لأمه بغضب يقول: "يا شيخة ملعون أبو الفلوس اللي تخليكي تعملي كده في بنتك." "وهو أنا بعمل في بنتي إيه يعني... بحافظ على مستقبلها." "كده؟! بقلة القيمة دي؟ "قلة القيمة دي من نصيب البجحة اللي قاعدة جنبه. بنتي هي اللي خطيبته... فاهم يا حبيبي... ويلا... يلا نروح لهم." تقدمت هديل منهم لا تدري ماذا تفعل. أصبحت دمية وانتهى الأمر. وقف عامر بدوره مرحباً يقول:

"أهلاً وسهلاً يا هديل. البيت نور." "اححمم... منور بيكم... إزيكم يا ميكا." "حلوة... وعامر بس اللي يقولي ميكا." تقدمت هدى تقول بحاجب مرفوع: "عامر؟ مش عيب برضه يا مليكة ياحبيبتي تنادي الأكبر منك كده من غير ألقاب." "ماهو على يدك يا طنط. انتي عارفة إني كنت بقوله كده بس هو اللي طلب مني أقوله يا عامر بس... مش كده يا عامر." نظر لها يهز رأسه بقلة حيلة منها. لن تستطيع الصمت وهو يعلم ذلك. يدعو الله أن يمر هذا اليوم بسلام.

أما هدى فنظرت ناحية ابنتها بغضب تحثها على الحديث. "أوكي حبيبتي... عامر طيب ومش بيحب يحط حواجز بينه وبين حد... مش كده يا حبيبي." اتسعت عينا عامر مردداً داخله: "حبيبي؟ من امتى وهي بتقولي كده أصلاً؟ استر يارب مليكة هتهد الدنيا." وبالفعل... ظهرت غيرتها واضحة للعيان تقول: "حبيبه إيه... انتي إزاي تقولي له كده؟ "الله... جرى إيه... مالك كده ماتهدي... مش خطيبته وقريب قوي هتبقى مراته."

من أجل إنهاء الأمر بهدوء وحكمة، لا يريد أن يحتد على خالته الآن ويقلب كل شيء رأساً على عقب. لكنها تنظر له بعينين متسعتين، تنظر له وشفتيها تردد بذهول لا تراه يعترض: "مراته؟ "اه يا حبيبتي. عقبالك كده لما تكبببري ها... تكبري كده ونشوفك عروسة حلوة." نظرت لهم بتحدٍ وغيظ قائلة: "قريب... قريب أوي هوافق على حد من خطابي الكتير يا طنط وأفرحك بيا." نظر لها بغضب. ماذا تقول هي وبأي سخافات تهذي؟

حتى لو غارت لا يحق لها قول أو فعل ذلك أبداً. أما هي، فغادرت المكان تصعد مباشرة لغرفتها، تحبس دمع عينيها. لا تستطيع التحمل ولا القوة. كانوا هم في حربهم تلك، ونادر في عالم آخر، يبحث عنها. ظل يبحث ويبحث حتى وجدها. تجلس تحتضن علبة النوتيلا كأنها لم تأكل ظهراً. "في إيه يا كارما انتي قافشة حرامي؟ نظرت له بفمها الملطخ بالنوتيلا من جميع الجوانب كالأطفال: "إيه في إيه أنا حرة." "حرة إيه وزفت إيه... وشك كله ملطخ... إيه ده...

إيه الفجعة دي... البرطمان بيقول أغيثوني." "اضحك يعني كده الأفيه خلص؟ هاهاها... مش بتضحك على فكرة." "أموت وأعرف راحت فين كارما اللي كانت قبل ما أسافر رقيقة وكيوت." ظهر عليها بعض الحزن تقول: "موجودة." عاودت التهام النوتيلا مجدداً تخفي أي ألم. "طب هي فين؟ وليه اتخطبت لمحمد؟ "وبتسأل ليه؟ "عايز أعرف ليه اتخطبت لمحمد." "عادي... نصيب... وأهو ما كملش." "زعلت والله... ده حتى محمد كينج الإحساس يعني... لا فعلاً زعلت."

وضعت المعلقة بفمها تخفي أي وجع من حديثه تجيب متصنعة اللامبالاة وهي تتقطع من الألم: "لا ماتزعلش على غالي." "مانا ما عنديش أغلى منك يا كرمتي." رفعت وجهها له بعينين متسعتين وفم مغلق على النوتيلا. فردد مجدداً بمنتهى القوة كأنه يقول صباح الخير: "أنا بحبك يا كارما." قالها... وغادر. خرج من المطبخ كله، وهي... سقطت من يدها المعلقة. جلست على أقرب مقعد لا تصدق. هل سيتحقق حلمها؟ ***

خرجت حكمت تقوم بوضع بعض الملابس على أحبال من البلاستيك بشرفة بيتها كي تجف في الهواء. وجدت سيد هو الآخر يقف في شرفة شقته والقلق يظهر بوضوح على وجهه، فقالت: "خير يا سطى سيد. واقف كده ليه؟ كفا الله الشر." "البنت مي اتأخرت. المفروض درسها يخلص من ساعة." "طب اهدى، اهدى ياخويا زمانها جاية خير إن شاء الله." "يارب." بدأ القلق يتسرب إليها هي الأخرى فالوقت فعلاً قد تأخر. لكنها تنفست الصعداء وهي تجدها تسير بغضب وخلفها يوسف.

هتفت بفرحة: "أهي جت تحت آهى." أخيراً ابتلع ريقه يقول: "الحمد لله... بس هو يوسف ماله؟ "مش عارفة... هروح أشوفه." بالخارج. كانت اقتربت من باب شقتهم تهم لفتح الباب، فلحق بها بغضب يقول: "بنتي انتي أما أكون بكلمك تقفي وتسمعي لحد ما أخلص كلامي خالص. انتي سامعة." "نعععم ياخويا... ليه إن شاء الله تكونش أبويا ولا أمي... اتكلم على قدك ياض." "ياض؟! بتقوليلى ياض... ده انتي يومك مش معدي النهاردة."

خرج كل من سيد وحكمت، كل منهم من شقته على صوت شجارهم الذي أصبح شبه معتاد في الفترة الأخيرة. "فيه إيه؟ فيه إيه يا مي... إيه يا يوسف." "شيلوا البت دي من قدامي ياما، إلا وأقسم بالله هفصل راسها عن جثتها." "يوسف... جرى إيه... ابلع ريقك كده وما تنساش إني عايش وواقف قدامك كمان. فيه إيه بتزعق في البت كده ليه؟ "اسأل بنتك... إيه اللي موقفها مع الواد الني ده في وقت متأخر كده؟ "وانت مالك يا تنح يابارد... كنت من بقية أهلي." "مي...

ردي عليا أنا... الكلام اللي بيقوله ده صح... كنتي واقفة مع واحد؟ "يا بابا، إحنا كلنا كنا بنصور ورق وهو كان جاي يوزع علينا باقي فلوس كل واحد فينا. وأنا كنت آخر واحدة عشان ما لقيتش فكة الـ 100 اللي انت مديهالي وأنا نازلة. فوقفت لحد ما لاقى فكة وجه أديهالي... غلط في إيه أنا بقى." "طيب خلاص... بس ما تحطيش نفسك في موقف زي ده تاني. ما حدش هيفهم كل الظروف دي وهيفهم غلط على طول." "أنا مش بعمل حاجة غلط...

والبيه ده بيعلي صوته عليا في نص الشارع ليه؟ زي ما يكون واصي عليا... ده فرج عليا الناس." "بنتي انتي وطّي صوتك." "شايف يابابا... شايفه يا طنط." "شايفه يابنتي حقك عليا أنا... أنا اللي معرفتش أربي." "بقا يوسف هو الغلطان دلوقتي... ماشي... ماشي ياما." ثم غادر البناية كلها مجدداً وهو يتوعد لها. "حقك عليا أنا يامي... ماتزعليش... معلش يا سطا سيد." "حصل خير... ابننا برضه." "ماتقوليش كده يا طنط انتي مش ذنبك حاجة."

"تصبحوا على خير. هروح أكلمه أشوفه راح فين." أومأ لها سيد وأغلق كل منهم باب شقته. *** طوال اليوم ونادر عينه لا تتزحزح عن كارما المرتبكة بشدة. وهديل تحت ضغط والدتها تزيد من جرعة الاهتمام بعامر. وعامر عقله وقلبه مع تلك التي لم تريه وجهها ثانية طوال اليوم. يعلم أنه أخطأ بعد الشيء، ولكن هناك أمور يجب أن تؤخذ بحكمة حتى لا تتعقد. كانت بغرفتها تبكي...

تبكي بصمت ولا تريد حتى الحديث مع ندى وطلبت منها أن تذهب الليلة لأي غرفة أخرى. تريد أن تبقى وحدها. في وقت متأخر من الليل، تقلب في نومها لا تشعر براحة ولا تعلم لماذا. فتحت عينيها تنظر بتشوش حولها بخوف ورهبة. أين هي؟ تتذكر أنها قد غفت على فراشها بعد وصلة بكاء مريرة. أخذ الوقت منها ثانية أو اثنتين. تعلم هذا المكان وجاءت إليه مسبقاً ذات مرة.

اتسعت عيناها وهي تدرك. تنظر حولها بذهول وأعين مستعرة. إنها على متن طائرة عامر الخاصة مجدداً. وهو يجلس مقابل لها يتأمل صدمتها بابتسامة لعوب يقول: "صح النوم يا حبيبتي...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...