صباح يوم جديد. تأنقت بزى كاجوال رقيق، مكون من بنطال أبيض وقميص متوسط الطول باللون الزيتوني. جمعت شعرها في جنب واحد على أحد كتفيها. حذاء أرضي مناسب مع شنطة ظهر عملية وشيك. خرجت من غرفتها. من يراها للتو يشعر وكأنها مليكة أخرى غير تلك التي عهدوها. هذا بالفعل ما شعر به الجميع أول ما رأوها. هو نفسه، عينه لم تتزحزح عنها، يريد أن يعرف من أين يكمن الاختلاف. هل من شخصها أم من هيئتها الجديدة أم من روحها. جملة...
رقيقة بزيها هذا، كأنها تخبرهم أنها تخطت مرحلة البنت الصغيرة، وهي الآن في مرحلة الأنثى التي على وشك النضوج. مرت بهدوء، تجلس على مقعدها المعتاد بجوار فادي. شعر بالغيرة الشديدة وهي جنبًا لجنب مع فادي وقريبة من نادر، الذي تحدث: "إيه الجمال ده كله يا ميكا... ما بقيناش صغننين خلاص." ابتسمت ابتسامة صغيرة: "وهو أنا هفضل صغيرة يعني.. كل حاجة بتتغير.. حتى نفوسنا." نظرت لعامر تقول بقوة طفيفة: "وقلوبنا."
بالطبع لن يشعر من حوله أنه اهتز. هو لن يظهر ذلك عليه، ولكنه بالفعل اهتز داخليًا. على الأقل اهتز قلبه. لكن مظهره الخارجي... ثابت، ثابت، ثابت. وعلى نفس الطاولة بالطرف المقابل تجلس كارما تقلب في صحنها بهدوء. لا تنظر لمحمد نهائيًا. وكأنها منذ ذلك اليوم قد فقدت الشغف نحوه. أو ربما شيء آخر... شيء لا يقال ولا يشرح. إحساس مختلط، مشاعر مبهمة... لابد من فك طلاسمها أولاً.
لكن ما باتت تعلمه علم اليقين الآن أنها لم تحبه يومًا ولن تكمل معه. كل اللوم على ذلك الذي عشقته سرًا وتركها وسافر بعيدًا لسنوات. أصبحت تمقته حتى أكثر من محمد. وقفت من مقعدها فجأة تقول: "أنا شبعت.. عن إذنكم." محمد: "رايحة فين؟ أكلك زي ما هو." لم تجب عليه، إنما قالت: "هقولهم يحضرولنا القهوة." ثم تركتهم وغادرت. لا يشعر بكل تلك المشاعر التي تتشاجر داخلها إلا مليكة. ونادر ينظر لها بغيظ وضيق شديد.
كل ذلك وهو عينه عليها. يراها تأكل بهدوء... تكمل طعامها كله. لا يبدو عليها أي حزن أو تغيير. وجدها فجأة ترفع عينيها له تقول: "أبيه لو سمحت أنا عايزة عربيتي." لما تتحدث بهدوء هكذا... لا يبدو بحديثها أي نبرة حزن، غضب منه، أو حتى تحاول أن تتحدث بجفاء. فكرة أنها تتحدث باعتياد وكأنه لم يحدث شيء تقتله أكثر. كأنها تخبره أنه لا موضوع من الأساس... أنت لا شيء. لو كانت ثارت...
أو غضبت، تجنبته وعاملته بازدراء لأيام لكان ارتاح أكثر. لعلم أنه يفرق معها، أنه موجود. بطريقتها هذه تخبره بمنتهى البراعة والوضوح: "أنت لا شيء". هذه الفكرة أحزنت قلبه. يعلم مليكة عن ظهر قلب. هي أنثى رقيقة، والأكثر أنها ذكية جدًا ولماحة. تصوب نحو هدفها بالصميم. أخذ نفسًا عميقًا يكبح غضبه، يخفي حزنه. يجب أن يبدو طبيعيًا أمام الجميع. وقال بهدوء: "ليه... ما أنا بوصلك وبجيبك." مليكة بنفس الثبات الانفعالي:
"لا مانا مش عايزة أتعبك.. أنا كبرت وعايزة أروح وأجي لوحدي." عامر: "أنا مش تعبان.. وإنتي لسه صغيرة ماكبرتيش." وقفت بهدوء تقول: "هممم.. تمام.. أنا النهاردة متأخرة ومافيش وقت عندي لكلامي مع حضرتك.. ياريت لو سمحت ترجع النهاردة ألاقي مفاتيح العربية مع تيتا.. لو سمحت يا فادي ممكن توصلني." فادي: "طبعًا ده إحنا عنينا يعني." استعدوا للمغادرة وهو يقبض على يده من شدة الغضب الذي تسببت به. استوقفهم بصوت خرج غاضبًا رغمًا عنه:
"استنوا." كان ما زال يجلس على مقعده وهم خلف ظهره. وقف واستدار ينظر لها قائلاً: "أنا اللي بوصلك كل يوم ولا نسيتي." ابتسمت بجانب فمها وقالت ترفع حاجب واحد: "تؤ.. أصل سواقتك مابقتش تعجبني.. بتعمل حساب للمرور والرادار... خليني أنا مع فادي... شاب متهور زيي وبيحب الحوادث." وقف متخشبًا منها ومن حديثها الساخر المبطن. أطلقت كل كلمة تصيب هدفها بشدة. أصبحت بارعة في الجلد.
استدار ينظر ناحية محمد. وجده يضع شريحة من الأنشون في الخبز ويقطمها عادي. كأن لا شيء يحدث حوله. لا ذهاب كارما ولا تجنب فادي له، ولا حتى تغير مليكة. لكن هناك أسهم غاضبة تنطلق من أعين أحدهم جعلته ينتبه. يستدير لها... زوجة عمه الفت. كأنه قتل لها قتيل. تأمر إحدى الخادمات أن توصلها بكرسيها المتحرك إلى غرفتها. أغمض عينيه بغضب. من نفسه قبل أن يكون من حبيبته أو من أحد. هو المخطئ الوحيد... هو من بادر بالخطأ.
هم للذهاب لعمله، ولكن همت هدى تلكز ابنتها. هديل، تلك الفتاة التي أصبحت تمقت ذلك الدور السخيف الذي تلعبه. نظرت لها بغضب ولم تبادر لفعل شيء. لكن هدى لن تصمت. تحدثت هي بسرعة: "عامر... استنى." توقف على مضض. وهل كان ينقصه: "في حاجة؟ هدى: "لا بس دي هديل بقالها فترة عايزة تتعلم شغل الاتش آر عندك في الشركة." عامر: "اتش آر؟! هديل تخصص برمجة مالها هي بشغل الاتش آر؟ هدى:
"عشان ما تبقاش تحت رحمة حد لو مدير الاتش آر عندها مشي في وقت شغلها ما يتأثرش وما تبقاش تحت رحمة حد." رحبت ناهد بالفكرة جدًا وقالت: "صح جدًا.. خدها معاك يا عامر واكيد هتفيدك في شغلك انت كمان." هدى: "طبعًا.. هديل شاطرة وذكية كمان." ابتسم بصعوبة وقال: "أوكي ما عندي مشكلة... اتفضلي معايا يا هديل." وعلى آخر الزمان أصبحت دمية تحركها أمها وتلصقها بالآخرين، وهي أيضًا عليها أن تكون لذيذة ومسلية.
أصبحت غاضبة من كل شيء. حتى عامر نفسه. فلا فرق بينهما الآن. *** لو رقص فرحًا الآن في وسط الحارة هل سينعتوه بالجنون. لقد وافقت الست حكمت على الزواج منه. حتى ابنته مى سليطة اللسان فرحت ورحبت بذلك بشدة. ولكن هناك عقبة واحدة وكبيرة. صديقه رجب. كيف سيخبره أنه يود الزواج من طليقته وأم ابنه. رد فعله طبيعي ومعروف لأي رجل حتى لو كان طلقها نهائيًا. حتى لو لم يحبها يومًا وحتى لو يحب أخرى ويريد الزواج منها. ولكن...
واقعيًا وبالورقة والقلم رد فعله مثل أي رجل شرقي عادي لو أتى إليه أقرب أصدقائه يخبره أنه يريد الزواج من طليقته. كم الأفكار السيئة التي من المؤكد أنها ستندلع من رأسه رهيبة ومعروفة. حرفيًا كان يدور حول نفسه. لا يعلم كيف يبدأ الموضوع مع صديقه. كلما فكر بطريقة يجدها بالنهاية لن تفلح. كان يفكر بعمق وهو يجلس على باب ورشته شارداً. انتبه إلى صوت أحدهم يقول: "جرى إيه يا أخى ده السلام لله... واد يا سيد.. أنت يا ولا...
مش بسلم عليك." رفع عينيه التي لمعت وكأن النجدة قد أتته من السماء: "شييييييخ منتصر.. أهلاً وسهلاً.. فينك يا راجل." الشيخ منتصر: "لا والله.... أمال مين اللي ماكنش بيرد عليا السلام دلوقتي." سحب له أحد المقاعد بسرعة يقول بلهفة: "سامحني ما علش. ده أنا في كلاب سعرانة بتجري ورا بعض في دماغي." جلس الشيخ منتصر يقول: "خير يا خويا... ده انت حتى راجل حر وعازب ولا عندكش واحدة تهريك زن." سيد: "مانا قررت أجيب حد يزن لي."
الشيخ منتصر: "هتتجوز.. ألف ألف مبروك والله فرحت لك." سيد: "بص يا شيخنا أنا وقعت من السما وأنت استلقتني." الشيخ منتصر: "رقبتي والله.. خير." ابتلع سيد ريقه ثم أخذ يخبره كل شيء. وبعد أن انتهى وجد الشيخ منتصر صامتًا بحيرة. فقال هو: "هااا... إيه يا شيخنا مش تنورني." الشيخ منتصر:
"والله ياسيد مش عارف أقولك إيه.. من ناحية هي ست اتطلقت وعدت عدتها ولا حرج عليها من الزواج وبنتك حباها ومرحبة والست أم يوسف شهادة لله ست كاملة ومحترمة وعلى خلق.. لكن من ناحية تانية كله هيقولك مالقيتش إلا مرات صاحبك." سيد: "مانت لسه قايلها اتطلقت منه." الشيخ منتصر:
"ده في الشرع وأنا بحكم بيه لكن أنا وأنت عارفين إن العرف واللي ماشي بين الناس حاجة تانية خصوصًا لما يبقى في منطقة شعبية هنا.. بتحكمنا العادات والتقاليد والعيب والصح مش سايباه هي ولازم أنا أشتري خاطرك وأنت تشتري خاطري." سيد: "يعني أعمل إيه أسيب الست حكمت بعد ما صدقت لقيت واحدة كويسة وبنتي مرحبة ومبسوطة.. وبينى وبينك أنت مش غريب.. أنا ميال." تنهد الشيخ منتصر: "همممم. ماهي ميال دي يا سيد.. كله هيقولك من إمتى؟ سيد:
"لا والله يا شيخنا... ده من قريب.. يعني ماهي مطلقة من فترة وجت نقلت من بيت سيد للشقة اللي جنبي وأنا مراتي كانت ميتة بردو وما كانش في حاجة.. وأنا مش طالب حاجة حرام." تنهد منتصر فقال هو: "أنا بس عايزك تمهد له الموضوع وتاخده على حجرك كده وتجبهاله واحدة واحدة وأنت راجل محترم وحكمك ماشي على الحارة كلها." تنهد منتصر وقال: "سيبها لله.. وأنا هعمل اللي يقدرني عليه ربنا إن شاء الله." تنهد سيد يعطي لنفسه جرعة من الأمل. ***
جلست مليكة مع ندى التي تندب حظها: "أه. أشوف بس مازن المعفن ده.. إلا ما فكرني بأي حاجة.. ماشوفتيش المعلم رجب اللي هدومه غرقانة دم وزفارة.. جايب لأمي بوكس الشتا.. شراب دفاية، مج حراري على شكل كاميرا.. هوت شوكليت وسحلب.. شوكولاتة أنواع.. أربع كوفيات من الجداد الشيك دول.. وآيس كاب على شكل قطة.. جوانتي تريكو بفرو... عيني عليا وعلى حظي يانا." مليكة بذهول: "يانهار أسود.. أنتِ عديتيهم." ندى:
"من حسرتي.. من حسرتي يا أختي.. المعلم رجب رومانسي أكتر من مازن." مليكة: "ندي هو إنتي ليه لا مستغربة ولا معترضة اللي بيحصل ده." ندى: "مين قالك.. في الأول استغربت.. بس أنا كشفته من أول ما جابلها أكلة السمين وكل يوم والتاني يعمل أي حاجة حجته.. باينة أوي يعني...
بس أمي يا عيني عشان ما جربتش ولا سمعت عن الحاجات دي لسه مش فاهمة ولا مستوعبة أو ممكن كمان فكرة إن مستحيل حد في سنه وسنها يعيش قصة حب زي اللي بتيجي في التليفزيون دي.. الست اللي عدت الأربعين بس أذكى من اللي في العشرينات ده كلام تمثيل أو مجتمع معين بس... لكن في الحقيقة الست اللي من سن أمي كده خلاص زي ما تقولي اتحدد إقامتها وغصب عنها دي بتبقى زي عقيدة...
لعلمك أمي مبسوطة باللي هو بيعمله بس هي يا حبيبتي مش عارفة تستوعب إنه ممكن يكون معجب أو بيحبها من كتر ما اترسخ جواها إنه هي حياتها لبنتها وإن خلاص زمنها خلص وراحت عليها." مليكة: "طب وإيه؟ مش معترضة؟ ندى: "أنا ولا ماما." مليكة: "لا إنتي." ندى: "بصي بصراحة في الأول اتضايقت اللي هو نعم؟
أنت بترسم على أمي وبتصطاد في المية العكرة وكده بس بصراحة مع الوقت وخصوصًا لما أنا ومازن اتخطبنا غيرت تفكيري في كل حاجة.. يعني بابا طول عمره بيعاملها وحش.. وحش جدًا وهي استحملت وعاشت عشاني.. ما افتكرش يوم شفتها فيه فرحانة وبتضحك.. ما فيش يوم جابلها فيه حتى كيلو فاكهة وهو راجع كل كلامه الفلوس معاكي هاتى اللي عايزاه بلاش دلع هو أنا هشتغل بره وجوه...
مليكة أنا عمري ما شفت ماما فرحانة ومبسوطة وحاسة بنفسها إلا اليومين دول ومن اللي بيعمله عم رجب... قعدت وفكرت.. طب وبعدين.. ما أنا سنة ولا اتنين واتجوز.. طب وهي؟! ترجع لعيشتها مع بابا.. ولا أحجز لها في دار مسنين بقا... هي كتر خيرها كده.. سيبها تعيش العيشة اللي هي تختارها أنا شايفة بصراحة إنها كده عملت اللي عليها ناحيتي.. واستحملت العيشة الذل دي عشاني.. لازم أسيبها تعيش بقا." مليكة: "طب وباباكي؟ ندى:
"بصي هو ممكن يكون زوج مش كويس بس أنا اللي يخصني إنه أب كويس فخلاص نتعامل على الأساس ده.. آه بزعل عشان ماما بس طب هو بابا هعمل إيه؟ لازم أتعامل." تنهدت مليكة: "عندك حق." ندى: "بت.. فيكي إيه؟ صمتت قليلاً وأجابت: "هحكيلك." في نهاية اليوم. خرجت من الجامعة وجدته يجلس بسيارته ينتظرها. ندى: "ما تروحيش معاه؟ ده ما عندوش دم." مليكة: "لا ودي تيجي.. ده أبيه.. هروح معاه." ندى:
"بت.. اعقلي كده وخذي موقف ماينفعش كده لازم يتعلم الأدب." مليكة: "أنا حافظة عامر كويس.. لو تجاهلته أو أخذت موقف يبقى هو فارق وفارق أوي كمان... اللي بعمله ده أقوى وأحسن أدب له... اتفرجي واتعلمي." تركتها وغادرت تسير نحو سيارته دون أي اعتراض أو احتجاج. تفتح باب السيارة تقول: "مساء الخير يا أبيه." ثم تغلق بابها وتجلس بهدوء. كأنه والدها...
أو أخوها.. أي شيء غير عامر الذي من المفترض أنها تحترق بنيران حبه. تخفي أي ألم بداخلها. لن ترحمه منذ اليوم. أما هو... فهو على حافة الجنون الآن منها. ما هذه المعاملة؟ لن يستطيع الصمت أكثر من ذلك. خمسة عشر دقيقة للان وهو يقود ولا يوجد أي صوت غير صوت أنفاسه الغاضبة وصوت نقرها على الهاتف تراسل وتستقبل رسائل من أحدهم. تحدث بغضب: "أنا عايز أعرف إيه اللي فيه؟ مليكة: "إيه؟ مش فاهمة؟ هو حصل حاجة؟ عامر: "حصل حاجة؟!
مالك بتتعاملي كده وكأن مافيش حاجة بينا." مليكة بهدوء: "وهو إحنا بينا حاجة؟! فلتت أعصابه التي جاهد للتحكم بها أمام الجميع، وهو من كثرة كبحها فقد سيطرته عليها الآن، فصاح بحدة وهو يقود: "يعني إيه ما فيش بن... توقفت عن الحديث وهتفت بخوف: "حاسب." لم يشعر إلا وهو ينحرف بسيارته قليلاً، يضرب بقوة مقدمة سيارة كانت تسير بجانبه وتتقدم عنه قليلاً. أوقف سيارته يقول بخوف وهو يتحسس وجهها يستكشف أي أثر به: "إنتي كويسة... أنا آسف....
حصلك حاجة." حاولت التنفس تقول بخوف: "كويسة كويسة... بس أنت فشفشت العربية اللي جنبنا." نظر بجانبه وجد صاحب السيارة يفتح بابها ويترجل منها ليرى ما أصاب سيارته. أغمض عينيه يهدئ نفسه. سيدفع له أي تعويض وينتهي الأمر. حمدًا لله لم تتأذى صغيرته. ترجل هو الآخر من سيارته وذهب لذلك الشاب. عامر وهو ينظر للسيارة: "أنا آسف ياباشا جت بسيطة... وأي تكاليف على حسابي." رفع الشاب عينيه بغضب نحوه، ولكنه تفاجأ قائلاً: "عامر باشا."
عامر بذهول: "عدي المناويشي؟! مش معقول." عدي: "كده تخبط لي عربيتي يا راجل.. ده أنا لسه مستلمها من كام يوم." عامر: "لا حقك عليا.. تتصلح فورًا ياباشا." عدي: "ياسيدي حصل خير... المهم إنك بخير وال... " نظر ناحية سيارته نحو مليكة يقول: "والآنسة بخير." كانت تجلس لا تفهم شيئًا مما يحدث. قررت أن تهبط لترى ما يحدث. ابتسم عدي باتساع وهو يرى تلك الجميلة تتضح ملامحها له وتتجه نحوهم. كم هي جميلة تلك الفتاة. نظر لها بغضب وقال:
"إيه اللي نزلك." همت لتجيب عليه، لكن قاطعه عدي بصوت به كل ألوان الغزل: "يا خي من حظي الحلو عشان أشوف الشمس والقمر في وقت واحد في عز النهار." نظر له عامر بغضب وهو يراه يتغزل بها بل ويمد يده للسلام قائلاً: "أنا عدي المناويشي... أعرف عيلة الخطيب من زمان... وصاحب محمد بس أول مرة أشوفك." مد عامر يده يلتقطها قبل أن يلمس حبيبته وقال: "في حاجة يا عدي.. شايفك مش على بعضك كده... ماتظبط بدل ما تبقى أنت والعربية في يوم واحد."
عدي بإعجاب وهيام: "مش مهم... كله عشان القمر... اللي لسه مش عارف اسمه." ردت بسرعة تقول: "مليكة." عدي: "يالهوي واسم حلو كمان.. كده كتير." عامر بوجه محمر غضبًا: "فعلاً كتير أوي." قبض على يدها يجرها لسيارته يقول: "ادخلي هنا حسابك معايا بعدين." استدار ليذهب لمقعده يقول لعدي: "هبعتلك حد يوديها التوكيل حالاً والحساب كله عندي." عدي: "لا حساب إيه بس... أنا لازم أعمل لكوا زيارة النهاردة نشوف الموضوع ده." عامر من بين أسنانه:
"ما قولنا خلاص... عربيتك وهتتصلح في إيه تاني." عدي: "وصاحبي.. صاحبي اللي بقالي كتير مقصر في حقه وهو عنده حاجات حلوة كده وأنا مش داري." عامر: "بتقول إيه؟ عدي: "بقول إني لازم ولابد أعمل زيارة لصديقي النهاردة أنا مش قليل الأصل." عامر بغضب: "لا ملوش لازوم كتير خيرك.. أنا هوصله سلامك." عدي: "والله أبداً.. لازم أزوركوا.. ينفع كده الشمس جاية على البياض ده كله."
نظر ناحية مليكة وجدها تجلس داخل سيارته بذراعيها ووجهها ناصع البياض تحت أشعة الشمس فقال: "بص قدامك.. سلام." دخل سيارته وقاد بها سريعًا للبيت يقول: "أنا عايز أفهم إنتي إيه اللي نزلك من العربية... وشيفاه واقف عينه هتطلع عليكي ومكملة وكمان تقولي له اسمك." كل هذا وهي صامتة. لا تجيب. حتى لم تتأثر بصوته العالي. تركته يتحدث كأن الأمر لا يخصها.
حتى أنه وصل للبيت وتوقف أمام الباب الداخلي للقصر وما زال يتحدث ويصرخ بها بغضب وهي فقط تنظر له نظرة هدوء وبرود غريبة. والأكثر أنه وهو وسط حديثه حملت أشياءها وفتحت الباب وذهبت لغرفتها. كأن أحدهم صفعه على مؤخرة عنقه الآن؟! ما الذي فعلته للتو؟! هل تركته يثرثر وينفعل.. يثور ويحتج ثم وبكل هدوووء ذهبت. كأنه ذبابة أزاحتها عن وجهها وذهبت. مستغلة الوضع. لن يقدر على الصراخ أو الذهاب خلفها أمام الجميع.
لقد كبرت مليكة كثيرًا. حتى أنها كبرت عليه هو. ذهب لغرفته بعدما مر على غرفتها وجدها قد أغلقتها من الداخل: "ماشي.. ماشي يا مليكة.. أنا هوريكي... أنا هعرفك إنتي بتاعت مين." ذهب سريعًا إلى أحد الأدراج المغلقة يبحث بينها عن شيء ما. بعد مدة من البحث وجدهم. تلك النسخة الاحتياطية من كل مفاتيح البيت. ظل يقف أمام باب غرفتها مستغلاً انشغال الجميع بالغداء. يجرب واحدًا تلو الآخر حتى فتح الباب.
كانت قد بدلت ثيابها للتو. ارتدت تلك المنامة التي تعشقها. نظرت له بتفاجؤ. كيف دلف لها هنا. هي متأكدة أنها قد أغلقت الباب. كأنه فهم عليها فقال بهدوء: "ناسية إني كبير البيت ومعايا نسخة احتياطية لكل مفتاح هنا." أغمضت عينيها ثم فتحتهم تقول: "عايز إيه يا أبيه." تقدم منها بغضب: "أنا عامر.. مش أبيه.. أنا حبيبك." أدبرت له ظهرها تقول بنفاذ صبر: "لا أنت أبيه... أبيه وبس. قولي عايز إيه عشان راجعة تعبانة." استدار لها يقول:
"إيه اللي بتعمليه ده.. بتتصرفي كده ليه... إزاي تسيبيني بكلمك وأمشي كأني كلب بيهوهو جنبك." مليكة ببساطة: "لأن كلامك بالنسبة لي غريب... مش عارفة أنت بتقول كده ليه أصلًا... مشيت لأن الكلام مش عاجبني." عامر: "كلام إيه اللي مش عاجبك.. إنتي غلطانة وبتتكلمي." مليكة: "بتعلم منك يا كبير العيلة مانت أكتر واحد بتبقى غلطان وتتكلم عادي وأكبر دليل دلوقتي أهو." عامر: "عندك ده أكبر غلط يا مليكة...
واعرفي إني مش هسيبك تتكلمي ولا تتعاملي مع رجالة أبدًا سامعة." تحاول أن تبدو هادئة باردة وذلك عكس طبيعتها تمامًا. وهو الآن يخرجها عن شعورها بحديثه المتملك والمتحكم هذا. بالفعل خرجت عن السيطرة تقول: "لا هتعامل.. وهعمل كل اللي أنا عايزاه.. ولما إنت متعصب أوي كده ليه ما قولتلش شيل عينك عنها دي تخصني.. لما تبقى قادر على اللي برا تعالي أقدر عليا الأول."
همت لتغادر، لكنه قبض على يدها يجذبها نحوه يقبلها بجنون. يغرس يده بشعرها يعتصرها بين ذراعيه. غاضبة منه بشدة ومن تصرفاته. فصلت قبلته تنظر له بغضب: "إيه اللي بتعمله ده.. أنت.." قاطعها يضع يده على شفتيها يقول: "طب أنا عندي حل.. حل مؤقت بس توافقي." نظرت له باستغراب. تشعر أن ذلك العرض سيكون غير لائق وغير مرضٍ تمامًا لها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!