صباح اليوم التالي مباشرة. بعد ذلك اليوم الكارثي، كان هناك حالة جديدة بينهم، لا توصف بكلمات، مزيج من العناد، الحب، والكبرياء. المعضلة أن كل منهم يرى أنه صحيح والآخر هو الظالم والمخطئ. ولكن، مليكة بعدما فعلت فعلتها تلك أمس، أصبحت أهدأ بكثير. لقد ثأرت لنفسها ولقلبها بنفس الأحداث، الوقت، المكان. حتى صوت الضحكات وعدد الأنفاس.
حينما يكون هناك ثأر على دم أو أي شيء، ويقوم الشخص بأخذ ثأره، تهدأ روحه وأعصابه، فكما يقال "لقد بردت ناره". كذلك الأمر بالنسبة لمليكة بالضبط، لقد تمادى معها كثيراً. جار على حقها كثيراً، تحكم بكل شيء بها كأنها دمية، استهزاء بها في بادئ الأمر. اتخذ عام تقريباً حتى قال إنه يحبها. فعل وقال أشياء تقلل من شأنها كثيراً، وآخرهم عرضه الأخير المشين.
لكنها ومنذ الأمس أهدأ بكثير، في عامها التاسع عشر هذا تتنفس براحة أكثر من عامها الثامن عشر. روح السباق التي كانت بها كي يحبها هدأت، فهو بالفعل أحبها وقالها أخيراً. المشكلة الآن أنها لديها الشعور وعكسه في آن واحد، بالإضافة إلى أشياء كثيرة غير مفسرة. هي حتى لا تستطيع تحديد وجهتها القادمة. هل ستزيله نهائياً من عالمها وتنتظر شريك أفضل، أم أن عامر، رغم أي شيء، عالق بقلبها وروحها وقد كبر داخل قلبها كما يكبر الجسد.
صراعات كثيرة ومشاحنات، أمور لم تحسمها مع نفسها أولاً. على بعد خطوات، بالتحديد داخل غرفته، كان قد ارتدى كل ثيابه مستعد للنزول. الغريب أنك لو رأيته الآن لشعرت أنه ليس بعامر القديم، كأنه شخص آخر، هناك شيء تغير به. هل يجلس الآن بعند طفولي ينتظر سماعه لفتح بابها وغلقه دليل على خروجها من غرفتها؟ هل يتعمد أن تجلس هي تنتظره ولا ينتظرها هو؟
لو رأيته بجسده مكتمل البنيان وهيئته المهيبة، لن تصدق أنه نفس الشخص الذي يفكر هذا التفكير الآن. وقف من مكانه وهندم بدلته الزرقاء، ثم تحرك بخطى ثابتة ليهبط لهم. جلست في مكانها المعتاد، لجوار فادي رغم أي شيء، تبحث بعينيها عنه. هبط الدرج بفخامة ووقار، ينظر أمامه بزهو. تقدم بخطى واثقة يلقي تحية الصباح. وأول شيء نطقه: "أمال فين خالتي وهديل؟ ناهد:
"رجعوا بيتهم امبارح. بصراحة يا عامر أنا حاسة إن خالتك عايزاك لهديل، وأنا كلمتك كتير في الموضوع ده وأنت لا بترفض ولا بتوافق. أنت شايف بنفسك إزاي البنت مهتمة أوي بيك، عيب لو فضلنا نمثل إننا مش فاهمين." بتصرف غير محسوب منه قال: "خلاص يا أمي، حددي معاهم معاد بكرة نروح نخطبها." سعلت مليكة وسط طعامها، نظرت له بأعين جاحظة، وألفت تود إلقاء أي شيء بوجهه. أما على الطرف الآخر فالكل يهنئه، وأخيراً عامر سيتزوج.
الكل سعيد إلا حزب المعارضة، مليكة وألفت. وقفت من مقعدها، رغم ما فعلته ورغم أي شيء تشعر بآلام ومرار في قلبها. تحدثت باختناق: "أنا شبعت، هطلع أجهز شنطتي." همت للانصراف ولكنه تحدث بثبات وهو عينه على صحنه: "استني عندك." وقفت تقبض على أصابع يدها، تحاول السيطرة على ذلك الحريق بداخلها. مليكة: "نعم؟ تحدثت وهو مازال على جلسته: "رايحة فين؟ مليكة: "زي ما حضرتك سمعت وعارف إن كل سنة بعد عيد ميلادي بسافر إسكندرية لخالتو." ابتسم
نصف ابتسامة وقال بثبات: "ده كان قبل كده، من هنا ورايح في نظام جديد، من بعد امبارح." قالها يقصد بها الكثير الذي لا يعرفه غيره هو وهي. تدخلت ناهد تقول: "إيه يا عامر فيه إيه، سيبها على راحتها. ماهي كل سنة متعودة تروح ليه التحكمات دي وبعدين هو إيه اللي حصل امبارح." عامر بلا مبالاة: "اللي حصل إنها كبرت سنة، بقت آنسة، ماينفعش تروح تبات في شقة فيها شاب كبير كده." ناهد: "ده ابن خالتها ومتربيين سوا وخطيب صاحبتها." عامر:
"ابن خالتها، مش أخوها." مليكة: "ثانية ثانية بس يعني اعذروني، هو حضرتك بتتحكم كده على أساس إيه مش فاهمة؟! قادرة على استحضار شياطينه ببراعة، مرهقة مرهقة مرهقة. وقف عن مقعده يقبض على يدها يسحبها معه داخل مكتبه. ناهد: "عامر، رايح فين بالبنت؟ قال وهو يسير بها: "مش عايز أزعقلها قدام حد يا أمي، هفهمها وأجي." تقدم بها وهي تتماشى مع خطواته، لا تعلم لما تطاوعه قدماها. أغلق الباب خلفه ينظر لها بغضب ولكنها
هي من بادرت تقول بعصبية: "إيه اللي أنت بتعمله ده، مش من حقك تتحكم فيا كده." عامر: "لا بصي، أنا سكتلك كتير، وعديتلك كتير. قولت عيلة، قولت مش مستوعبة. أنتِ بردو مضايقاها، لكن توصل للي عملتيه امبارح ده؟ كنتي بترديهالي؟ كل ده شايفني زي باباكِ أو أخوكي الكبير ومشاعر مراهقة؟ مليكة: "أنا مش بردلك حاجة، دي الحقيقة." اغتاظ كثيراً من ذلك العناد فهو يرى اهتزاز مقلتيها جيداً. اقترب منها أكثر يقول:
"كذابة، وأكبر دليل، قلبي اللي أنتِ لسه معلقاه في رقبتك وأنا ملبسهولك بإيدي." نظرت له بغيظ، تسب وتلعن نفسها. بالفعل صعب عليها كثيراً أن تتخلى عن سلساله المميز هذا وظلت مرتدية إياه كما لبسه لها بيده. ابتعد عنها بعدما زلزلها كلياً وقال: "من هنا ورايح في نظام جديد عشان أنا شكلي دلعتك بزيادة، ومافيش ولا سفر ولا خروج غير بإذني، واعتبريها زي ما تعتبريها، أصل أنا راجل ظالم." نظرت له قائلة: "مش من حقك، هو أنت اشتريتني." عامر:
"آه اشتريتك، إيه رأيك بقا. أنتِ اللي وصلتي بينا لهنا، أنتِ السبب في كل اللي بيحصل." مليكة: "أحلى حاجة فيك إنك مش بتعرف تشوف نفسك، ولا عمايلك ومش شايف إنك أنت اللي وصلتنا لهنا وللنقطة دي، هتفضل شايف نفسك صح لامتى." نظر لها يكابر أي شيء وقال: "آه أنا صح وأنتِ اللي غلط، وسفر مافيش. لو عايزة تروحي لخالتك استني يوم نسافر فيه كلنا وابقى روحي قضى معاها اليوم لكن بيات هناك لا." هاجت ثورتها تتحدث بانفعال:
"أنت بتتحكم فيا بتاع إيه ولا بأمارة إيه، بأمارة مانت رايح تخطب هديل. أنا مش هسيبك تتحكم فيا ولا تعمل أي حاجة من الكلام ده، عايز تخطب، تتجوز أنت حر، حر في نفسك بس مش حر فيا." عامر بغضب: "ما تعليش صوتك." مليكة: "أنا حرة، هعلي وأعلي وأ... قاطعها بنفاذ صبر، لقد اشتاقها رغم كل شيء، ابتلع كلمتها في فمه وهو يضمها له يقبلها. بعد مرور ثوانٍ بطيئة على كلاهما، فصلت قبلته ينظر كل منهما بعجز للآخر.
عجز أمام عند كل منهما، أمام الظروف، وفارق العمر، والقرارات الخاطئة. أفلتت نفسها من بين ذراعيه تهرب لغرفتها سريعاً، ما يحدث غير مقبول وغير طبيعي أو حتى منطقي. هل مازالت تحبه، أم ستكمل مع غيره، مع شخص يستحقها؟ هل لقصتهم نهاية سعيدة؟ هل سيخطب هديل حقاً؟ أفكار كثيرة ومشاعر مختلطة، لا تعلم لما نفذت حديثه ولم تذهب للإسكندرية. بعد ساعة من القيادة في الشوارع، لم يذهب لعمله ككل يوم.
وجد حاله يتوقف أمام قسم الشرطة الذي يعمل به كارم. صف سيارته وذهب إليه. والآن بعد أن أنهى حديثه مع قهوته، يجلس كارم في مقابله ينظر له بصمت واستغراب. عامر: "بتبصلي كده ليه، أنا مش فايقلك." كارم: "أنت ياض حمار، ولا أهبل، ولا عندك ربع ضارب." أغمض عينيه يصطك على أسنانه. بارع في إثارة غضبه مثلها: "ما تلم لسانك ده بدل ما أقل أدبي عليك." كارم:
"لا بس ابلع ريقك كده وأهدى على نفسك عشان أنت مبهدل الدنيا، أنا عايز أعرف إيه العك اللي أنت بتعكه في حياتك ده، ولما أنت مش عارف تبعد عنها ولا تشيلها من بالك وعمال تفرض تحكمات وأوامر عليها كده رايح تتسحب من لسانك وتقول هتخطب بنت خالتك ليه يا قفل مصدي أنت." انفجر به كالقنبلة: "مش عارف، مش عارف، طيرتلي برج من نفوخي، حاسس إني...
مش عارف بس متعصب على متغاظ على زن من أمي ومحمد، واهتمام هديل اللي واضح للكل، كذا حاجة كذا حاجة." كارم:
"لا هو أنت بس عامل زي اللي واخد خبطة فوق نفوخه وعمال يضبش، بتلوش هنا وهنا. أنت عايز تضايقها بس يا عامر وترد على اللي هي عملته امبارح، بس كده غلط، أنت داخل في خطوبة ومش من أي حد دي بنت خالتك اللي زي ما بتقول بنفسك إنها طيبة وكويسة وأنك لسه مش عارف تخرج مليكة من حياتك، طيب براحة كده بقا وواحدة واحدة. دلوقتي أنت هتخطب بنت خالتك لمجرد شوية عند في دماغك اللي هما في الآخر هيلبسوك في حيطة عارف ليه؟
لأنك لسه عايز مليكة ليك ومش هترضا تسيبها لحد، كمان رايح تخطب بنت خالتك، طيب هتكمل وتتجوزها وتخسر مليكة للأبد ولا كمان شوية وبدون أسباب تفسخ خطوبتك من البنت وتخسر خالتك وبنتها؟ أنت مدرك أنت رايح على فين؟ أرجع رأسه للوراء، يغمض عينيه بتعب، أنه يخطئ بكل تلك التصرفات الهوجاء. لازال طعم شفتيها عالق بشفتيه، إحساس لا يوصف ولا ينسى. عاد للبيت تدور برأسه صراعات كثيرة.
دلف لغرفتها مباشرة، وجدها تجلس على أحد الأرائك تنظر أمامها بشرود، لم تشعر حتى بدلوفه عندها. لكن شعرت بأحدهم يجلس بجوارها، نظرت له فقال: "مليكة أنا بحبك." أغمضت عينيها رغم أي شيء تستمتع لتلك الكلمة التي لطالما حلمت بها. مد يده وهو يتنفس بعد تنهيدة طويلة يتحسس مجموعة خصلات من شعرها بين أصابعه يقول: "أنا عارف إنك متضايقة مني ومن تحكماتي، بس أنا بحبك وأنا حبي كده." مليكة: "بتحبني لدرجة إنك رايح تخطب هديل." عامر:
"هكلم أمي نلغي كل ده." مليكة: "أمك كلمت خالتك خلاص، قولي بقا يا كبير هتحلها إزاي." عامر: "قوليلي أنتِ أعمل إيه، حطي نفسك مكاني، ولا أقولك أنا هحطك مكاني فعلاً، تعالي معايا." مد يده يسحبها خلفه، يبحث عن الجميع وأين هم. وجد أمه تجلس مع ألفت وكارما، محمد بالعمل، فادي يهبط الدرج لينضم لهم. جلس أمامهم بعدما جلست هي لجوار كارما.
طريقة دلوفهم هكذا آثار انتباه ناهد خصوصاً مع حديثه غير المقبول صباحاً وأخذه لها داخل مكتبه بهذه الطريقة. لكنها كذبت نفسها وعقلها، لا يمكن أن يكن هناك شيء بين ابنها ومليكة بالتأكيد. جلس عامر يقول: "أنا في موضوع بقالي فترة عايز أكلمكم فيه." كارما: "موضوع إيه؟ عامر: "بصراحة أنا بقالي فترة كبيرة بحب بنت وعايز آخد خطوة." اتسعت أعينهم جميعاً ماعدا ألفت. تحدثت ناهد بزهول وشك: "وهي مين؟ هديل؟ عامر:
"لا مش هديل، وفي كذا مشكلة في الموضوع أولها إنها صغيرة أوي." زاد الشك داخل ناهد وقالت: "صغيرة بإيه يعني، ست سبع سنين؟ زم شفتيه وقال: "لأ، أكتر من كده بكتير." كل ذلك وهي تجلس، تراه يضعها بقلب الأحداث. يخبرها أن... انظري بعينك. كارما: "طب وهديل؟ عامر: "قرار غلط ومتسرع، أنا بحب واحدة تانية." هبت ناهد من موضعها:
"متسرع إيه وغلط إيه، أنا خلاص كلمت أختي وهي كلمت جوزها وأعمام بنتها وليلة كبيرة وأنت جاي زي العيال ترجع في كلامك. ثم إنك إزاي عايز ترتبط ببنت صغيرة كده، وباين أوي إنها أصغر منك بسنين، أنت عايز تضحك الناس علينا وعليك، ده أنت كبير البيت والعيلة." تدخل فادي: "عامر، أنت بتتكلم بجد؟ أنت يا عامر؟
ما صدقش أبداً، ده أنت رمز للخطوات الصح والقرارات الصح، معقول بتفكر بجد ترتبط ببنت أصغر منك بكل ده، طب هتتعامل معاها ومع دماغها إزاي، في فجوة زمنية بينكم." ناهد: "انسى يا عامر مش على آخر الزمن هنضحك الناس علينا، خطوبتك على هديل لازم تتم مش لعب عيال هو." عامر: "طيب يا أمي لو قلتلك إني سعادتي مع البنت دي. هتقولي إيه؟ ناهد:
"هقولك إن بكرة بالتفاهم تلاقي سعادتك مع هديل واحدة من سنك ومن قيمتك وهتعرف تتعامل معاها، لكن أنا هتكسف وأنا واقفة في فرح ابني على عيلة صغيرة أصغر منه بكل ده، هنورّي وشنا للناس إزاي، خد نصيبك وهي تاخد نصيبها." فادي: "طنط عندها حق يا عامر، فعلاً حاجة محرجة جداً ومش مقبولة، وشكلك كده بيقول إن البنت اندر إيدج، هتعمل كده إزاي، انسى الموضوع ده لأنه غلط من كل الجهات."
تستمع لكل شخص منهم، كل منهم يلقي بكلمة تزيد الأمر صعوبة عليها وعليه. لقد وضعها في قلب المواجهة، يريها ما سيحدث لو تحدث. كل هذا وهو لم يصرح لهم أنها هي مليكة. فما العمل لو صرح أنه يحب ربيبته. مليكة. لكان رد فعلهم أقوى وأعنف. صمت كل شخص منهم وهو ينظر لها بألم وهي لأول مرة تنتبه إلى ما كان يقوله وأنه قد يكن فعلاً معذور. _مرت أشهر كثيرة ورجب مازال على موقفه من سيد.
انقطاع علاقتهم منذ ذلك اليوم أمر محزن جداً خصوصاً بعد صداقة سنوات بينهم. حسم أمره وقرر الذهاب لرجب، لن يجلس يضع يده على وجنته هكذا كالعاجز. تقدم من رجب الذي زم شفتيه ونظر للناحية الأخرى أول ما رآه. سيد: "سلام عليكم يا صاحبي." رجب: "عليكم السلام والرحمة." سيد: "ومالك بتقولها من غير نفس كده؟ رجب: "عايزني أقولهالك إزاي يعني؟ تنهد سيد وجلس لجواره قائلاً: "وبعدهالك يا رجب. هتفضل مقاطعني كده لامتى، ده أنا طالب شرع الله."
رجب: "وهو شرع الله ده ما ينفعش غير مع طليقتي، الناس تقول علينا إيه؟ سيد: "وأنت يعني كنت عملت حساب للناس وكلامهم والكل عارف إنك راضي على نفسك تبقى محلل." احتدمت أعين رجب يقول: "أنت بتعايرني يا سيد." سيد: "مش القصد يا صاحبي وانت عارف، مش أخلاقي أبداً، بس أنا بعرفك إنك لو عايز تعديها هتعديها." رجب: "الستات مالية الدنيا، ما جتش على حكمت يا سيد." سيد:
"يا سيد البت بتحبها وراضية بيها، دي يتيمة، يتيمة يا رجب، هتكسر بخاطر بنت يتيمة بتدور على أم ليها." رجب: "ولاااا. هتصيع عليا؟ اللي عملناه في توفيق هتيجي أنت تعمله عليا؟ أنا وأنت نغني على الناس أه، لكن هتيجي أنت تغني عليا مش هياكل، سامع." في نفس الوقت وصل أحد الصبية للمعلم رجب يحمل بيده شيئاً يقول: "الطلب جهز يا معلم." رجب: "براوه عليك يا سحس، روح كمل شغلك أنت."
أخرج هاتفه من جلبابه، لا يستطيع السيطرة لا على خفقات قلبه ولا على تلك الابتسامة الواسعة، يبعث رسالة نصها (نزلي السبت يا ست البنات) تهلل وجهه وهو يراها تقوم بإنزال ذلك الوعاء بخجل كبير، ترتدي الزي الأسود حداد على شقيقتها، وكم بدت بديعة به. قاربت رقبته على الالتواء وهو يركز بعينيه عليها ويرفع رقبته لأعلى حتى سحبت الوعاء ثانية تنظر لمحتواه بفرحة، تنظر له بخجل ثم تختفي بالداخل سريعاً. اغتنم سيد اللحظة واقترب منه يهمس:
"فكها يا رجب على اللي تحت عشان ربك فوق يفكها عليك، ارحم ترحم يا صاحبي." زفر بضيق فقد عاد بصوته وحديثه لأرض الواقع. نظر له مطولاً ثم قال: "ربنا يسهل يا سيد." ثم أعطاه ظهره واتجه لمحله. أما سيد فقد تهلل وجهه، لقد اقترب كثيراً من إقناع رجب وحل عقدته. _تعب من كثرة التفكير، وهي منذ تلك الجلسة تختفي داخل غرفتها، لا يعلم بماذا تفكر ولا إلى أين وصل عقلها. وقف أمام غرفتها بتردد ولكنه حسم أمره، سيتركها قليلاً تستوعب.
خرج مقرراً الذهاب وحده لمكان هادئ، يجلس يفكر وحده. في أحد المقاهي الفخمة. كان يجلس على طاولة بعيدة عن أي شخص. بعد دقائق وجد أحدهم يضع يده على كتفه يقول بفرحة: "عامر الخطيب! عاش من شافك يا راجل." نظر خلفه وتهلل وجهه وقالا: "قاسم مهران، وحشني والله، بتعمل إيه هنا." قاسم: "أنا بعمل معظم اجتماعات الشغل هنا عشان جنب مقر المجموعة، أنت عامل إيه وإيه أخبارك، سمعت إنك داخل الانتخابات الجاية." عامر:
"غالباً آه، محتاجين الخطوة دي الفترة الجاية." قاسم: "ولو إني مش بفضل الحياة السياسية، بتخليك تحت الميكروسكوب، بس اللي أنت شايفه صح اعمله." عامر: "تؤ، سيبك مني، قولي أنت إيه سر السعادة اللي فيك دي، ماكنش شهر اللي انشغلت عنك فيه، آخر مرة شفتك كنت قاسم الكئيب اللي أنا أعرفه." قاسم بسعادة وابتسامة: "حبيييت." رفع عامر حاجبه يقول: "نعم؟ أنت؟ قاسم: "آه أنا إيه مش بني آدم؟ عامر: "يعني مش أوي." قاسم: "لم نفسك يالا." عامر:
"طب وهي مين؟ قاسم: "لا مش هتعرفها طبعاً." عامر: "مش مصرية؟ قاسم: "لا مش الفكرة بس هي بنت صغيرة، وسنها صغير مش من معارفنا عشان كده مش هتبقى عارفها." نظر له عامر بتركيز يقول: "بنت صغيرة؟ عندها كام سنة يعني ولا الفرق بينكوا كام؟ قاسم: "بص هي فعلاً أصغر مني بـ أكتر من 12 سنة، بس أنا أول مرة أبقى متعلق بحد كده، أول مرة أحس إني بحب، بحب نفسي وأنا معاها، عندي استعداد أواجه أي حاجة عشان أبقى معاها وتبقى ليا." عامر:
"مش خايف من كلام الناس عليك؟ قاسم: "ليه يعني 12 سنة مش أوفر؟ كتير آه بس إشطا، أنا راضي وهي راضية مالهم هما، ولا أنا أول ولا آخر واحد يتجوز واحدة أصغر منه بكل ده، التوافق مالوش سن، مجرد روحين توافقوا مع بعض خلاص، بيختفي العمر والتعليم وكل حاجة." عامر: "عندك حق بس.... قاطعه قاسم: "مبسش، أقولك على حاجة، مافيش أي تمن يتقدر بيه سعادتك، إحساسك وأنت ماسك إيد حبيبتك." ضحك عامر قائلاً بسخرية:
"هههه قاسم مهران زير النسا بيتكلم عن مسكة الإيد بس، ده أنت سيديهاتك معايا." ابتسم قاسم وقال بحب: "بالظبط كده، أنت لخصت اللي عايز أقوله، لما تبقى بعد كل ده، تحس إن لمسة كف حبيبتك أحلى من 100 بوسة، لما نبقى عايز تفضل تمرر صوابعك كده في باطن إيدها تحس بيها، إحساس حلو، خالي من أي حاجة تانية، فاهمني." شرد عامر معه بحديثه يقارن بين تفكيره وتفكير قاسم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!