وقف توفيق مع شكرى على أعتاب شقة خالد، شقيق نجلاء، يدقان الباب. ثوانٍ وفتح خالد الباب قائلاً: "يا أهلاً يا أهلاً.. أهلاً يا حاج شكرى... اتفضل.. اتفضل يا توفيق." دلف الرجلان بملامح يابسة صلبة، خصوصاً شكرى. خالد بحفاوه: "ده إحنا زارنا النبي... تشربوا إيه." صمت شكرى، كأنه يُميت محدثه بهدوئه القاتل. ينظر له من أعلى لأخمص قدميه، ثم يتحدث ببطء: "قهوة... مظبوط يا خالد... أصلي أحب كل حاجة تبقى مظبوط." ابتلع
خالد ريقه بصعوبة وقال: "طول عمرك... طول عمرك يا حاج." تحرك خطوتين واختفى بالداخل يوصي بالقهوة، ثم عاد ثانية مرحباً. كثرة ترحيبه تظهر مدى ارتباكه. خالد: "منورين... منورين والله." شكرى: "خالد... أنت عارف إحنا جايين في إيه؟ أنا عايز أعرف إنت إزاي سكت على سفر أختك مع رجب كل ده؟ أديلهم مدة مسافرين... دول ولا اللي بيعملوا شهر العسل اللي بنسمع عنه في التليفزيونات ده؟
طيب وخلص، ولو إنه غلط بس هعديها بمزاجي. جم من السفر والمولد انفض. إيه بقا... مش هنفضها سيرة وعيشة ترجع لأم الخير؟! خالد... نظراته مرتبكة، غير واثقة وغير ثابتة، مهتزة. لطالما كان مهتزاً. شكرى كلماته قوية وفي الصميم. حاول التحدث قائلاً: "عداك العيب... أنا عارف إني انشغلت حبتين المدة اللي فاتت... أصل جالي مدير جديد في الشغل، وإنت سيد العارفين... الغربال الجديد له شدته." شكرى: "ده إنت موظف حكومة يا خالد...
يعني بتبدأ شغل عشرة... على ما تفطر وتاخد الشاي وتقلّع الجزمة تهوي رجلك تحت المكتب تكون بقت 12... واحدة ونص بالظبط بتكون قايم تمضي انصراف. وكده ولا كده أنا مش جاي أسمع له كلام ولا أعذار. أنا جاي أحط النقط فوق الحروف. الجدع ده اللي اسمه رجب إيه اللي في دماغه بالظبط ولا ناوي على إيه؟ ده عمل عقد الشقة باسمه وسمعت إنه عارض على صاحب البيت يشتريها. الجدع ده كان بينيمنا ولا إيه؟ أنا عايز أفهم."
كل ذلك وخالد تحت السيطرة التي تفرضها هيبة شكرى. يتسمع ويهز رأسه المنكسة فقط. وتوفيق... صامت. لم يتحدث. لقد ذهب على الفور لشكرى كي يتحدث ويتحمل هو الموقف برمته. وقف شكرى على الفور وقال بحزم: "غير هدومك دي يالا وقوم بينا." وقف خالد مهتزاً، متلجلجاً: "على فين يا حاج." شكرى: "هنروح لرجب المحل نتكلم معاه ونشوف آخرتها. مش على آخر الزمن هيتلعب بينا. قوم يالا... أنا مستنيك تحت أنا وتوفيق." خالد: "والقهوة؟ نظر له شكرى
نظرة تعني الكثير وقال: "إحنا في إيه ولا في إيه... يالا قوام وإنجز." *** خرج من مكتبه يبحث عنها. ما زال يتذكر قبلتهم ليلة أمس. يحبها من كل وجدانه، يشعر أنها جزء منه. هي من خُلقت من ضلعه، هي نصفه الثاني. أين هي تلك السارقة المحتالة؟ من سرقت قلبه وكل عقله. وقف على باب الغرفة بعدما اصطدم بمحمد، الذي وكأنه يبحث عن شيء حوله، غير منتبه لما أمامه. عامر: "مش تفتح يابني." محمد: "معلش ماخدتش بالي." عامر: "مالك كده...
بتدور على حد." محمد: "هااا... ااا... عايز قهوة... هي توتا فين." رفع عامر حاجبه قائلاً: "هي القهوة ما بقتش تتشرب غير من إيدها ولا إيه؟ وبعدين مش هي اسمها تغريد برضه." محمد بعينين زائغتين: "ا. اه. اه." عامر: "أمال إيه توتا توتا دي؟ بقولك إيه يا محمد، لعب العيال اللي إنت بقالك يومين فيه ده لازم يخلص." محمد: "لعب... لعب إيه." عامر: "إنت عارف... البنتين اللي جايبهم وتقريباً خاطفهم...
إزاي تعمل كده ومبلغ إيه اللي إنت متحجج بيه ده." محمد: "عامر أنا... قاطعه قائلاً: "إنت إيه؟ مش شايف إن كل دي حجج فارغة؟ عاجباك؟ اتسعت عينا محمد وردد مجدداً: "انطق.... عاجباك؟ صمت قليلاً، يحارب ذلك الصراع الذي بداخله، وعامر ينتظر الإجابة. صمت خيّم عليهم إلى أن رفع محمد وجهه وقال: "عجباني... بس مستحيل. أنا محمد الخطيب ودي عيلة نصابة... مش هينفع."
صدم عامر، صدمة عمره. لطالما تأكد أنه سيأتي اليوم الذي ينهار به قلب محمد ويقع للحب، ولن يهتم لأي شيء، لا بمظهر اجتماعي أو أي فوارق. لكن حقاً الطبع غالب. نظر له ثوانٍ باشمئزاز وتقزز، ودون أي حرف واحد ترك له المكان. سيندم كثيراً وهو يعلم. ذهب حيث طاولة الطعام وتغريد تضع آخر صحن من يدها على الطاولة. نظر لها بتعاطف كبير وقال: "صباح الخير يا تغريد." استدارت بزهول تقول: "صباح الخير يا أخويا... مانت حلو أهو وبتعرف تصبّح."
عامر: "وحد قالك إني أخرس مثلاً." تغريد: "لا والنبي الشهادة لله إنت شكلك طيب وابن حلال." ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "فين الجماعة؟ فين مليكة." ابتسمت بمكر: "هروح أناديهم دلوقتي." نظر لها بسخط. لم تجب على أهم جزء. ابتسمت تلك المخادعة وقالت تلاعب حاجبيها: "خرجت من شوية هي وست كارما... ما تقلقش، كانت لابسة فستان طويل ورابطة شعرها." نظر لها بصدمة. من أين علمت؟ دارت حوله تغادر وهي تدندن: "بنحب يا ناس...
نكذب لو قولنا ما بنحبش... بنحب يا ناس وماحدش في الدنيا ما حبش... ههئ.. حتى عامر الخطيب." رغم عنه ابتسم يحدث نفسه: "غبي يا محمد... وهي خسارة فيك أصلاً." *** جلست في إحدى المقاهي الشهيرة تستمع إلى حديث جودي وريتال، تفكر بعمق. إلى أن قالت: "بصي إحنا لازم نأدبه، وكمان نكسب وقت." جودي: "إزاي بس." فكرت أكثر وأكثر إلى أن رفعت هاتفها وقالت: "استنوا هكلم ندى." قامت بالاتصال بندى: "الو... إزيك عاملة إيه...
هو مازن خلاص بقى في مستشفى هنا في القاهرة مش كده." ندى: "آه ليه؟ مليكة: "تعاليلي عشان عايزينه في حوار، وماحدش هيقنعه غيرك." ندى: "مش عارفة تيتا هتسبني أخرج دلوقتي ولا لأ... أنا قاعدة عندها اليومين دول." مليكة: "لا بصي بجد اتصرفي عشان خاطري." ندى: "تمام، هحاول. اقفلي انتي." أنهت الاتصال وكارما تجلس أمامهم تشاهد كل ما يحدث قائلة: "إنتي ناوية على إيه؟ مليكة: "هقولكوا." ***
جلس رجب على مقعد أمام محل الجزّارة خاصته، يتكئ عليه يدخن أرجيلته... يتمطى بظهره، يستند على يديه، يشعر كأنه ملك زمانه بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. يرفع رأسه، يخرج من فمه وأنفه دخان الأرجيلة عالياً بشموخ. هو حقاً ملك. كل ما أراده... وماذا يريد بعد أن اجتمع أخيراً مع سيدة قلبه وأحلامه. تقدم سيد منه قائلاً: "هل هلالك شهر مبارك... إيه يا رجب؟ فينك غايب عننا كده." رجب براحة كبيرة وزهو: "موجود يا صاحبي." سيد: "شكلك مبسوط...
باين على وشك." رجب: "إنت جاي تقر عليا بقى ولا إيه." سيد: "يا عم ولا أقر ولا حاجة... أنا جايلك في حاجة تانية بصراحة." رفع حاجبه بتوجس يراقب توتر صديقه وقال: "هممم قول، أنا سامعك." رغم شخصية سيد القوية، إلا أنه ازداد توتراً من طريقة رجب وقال: "بصريح العبارة كده... أنا جاي أديك خبر إن كتب كتابي على الست حكمت بعد بكرة." أخذ رجب نفساً عميقاً من أرجيلته وزفره على مهل عالياً وقال: "آه جاي تعرفني يعني."
سيد: "رجب إنت عارف أنا راجل دوغري... أنا مش بعمل حاجة غلط... وما تاخدهاش من الناحية دي. اعتبرني صاحبك وجاي أعزمك على كتب كتابه يا جدع." نظر له رجب بثبات ثوانٍ ثم قال ووجهه لا يبدو عليه أي رد فعل: "مبروك يا سيد." فهم سيد على الفور. طالما لم ينهِ كلماته كما اعتاد منه بـ (يا صاحبي) يعني أنه لم يصفُ بعد. صمت. لقد فعل كل ما عليه. صبر كثيراً وأعطاه وقتاً كي يستوعب الموقف. هي امرأة مطلقة وهو رجل أرمل... لما لا يتزوجا؟
وإن كان هو فعل الأكثر من ذلك للفوز بالسيدة نجلاء... لا حرج عليه إذا. وقف من المقعد المجاور لرجب يقول: "ماشي يا صاحبي الله يبارك فيك... همشي أنا... لو احتجتني هتلاقيني... سلام." رجب بهدوء: "سلام يا سيد." ذهب سيد وهو يأخذ يعيد محاسبة حاله. لابد وأن يتقبل الموضوع. هذا حقها وحق سيد. استمر في تدخين أرجيلته بشموخ يفكر، إلى أن شاهد من بعيد اقتراب ذلك السمج برفقة أخيه شكرى وخالد شقيق نجلاء.
زم شفتيه جانباً بسأم واستمر على وضعه... كما هو، يدخن بشرود ظاهرياً، لكن بداخله يستعد لتلك المواجهة. تقدموا حتى أصبحوا أمامه وهو على جلسته، يضع قدم فوق الأخرى. ملامح وجهه لا تفسر. ينظر لهم وهو هكذا كأنه يقول: "هات ما عندك." بالطبع من سيتحدث هو شكرى، الوحيد الذي لديه تلك الجرأة والقوة: "مش لما يجيك ضيوف تقف تستقبلهم يا رجب." زفر الدخان من أنفه على مهل... ثم وضع المبسم جانباً، يقف بتروٍ على مهل، كله شموخ وقوة،
إلى أن مد يده لشكرى يقول: "وأنا هقوم لاعز منك يا حاج شكرى... خطوة عزيزة... اتفضلوا." شكرى: "نتفضل فين يا معلم." رجب: "ما طرح ما تحط رجلك هتنور... عايز هنا في المحل ماشي." صمت برهة ثم استأنف حديثه يقول عن عمد: "عايز تطلع فوق في بيتي ماشي... بس... ثانية بس أدي خبر للجماعة عشان يفضوا السكة." اشتعلت عينا توفيق وصرخ به: "إنت اتجننت ولا رافع حبيتين؟ ده بيتي أنا واللي فوق دي تبقى مراتي."
بدون أي مقدمات، ركل رجب الأرجيلة بقدمه، يصرخ وهو يتقدم منه يقول: "مرات مين يا عين أمك." اشتعلت عينا شكرى وهو يراه يذكر سيرة والدته، وأيضاً يقبض على عنق شقيقه. شكرى بصوت جهوري: "رجججب... إنت اتجننت ولا إيه." تجمهر البعض على صوت الشجار وتقدم سيد سريعاً من ورشته يفصل بين رجب وتوفيق، يزيل يد رجب من على رقبة الآخر بعدما بدأ وجهه بالشحوب. سيد: "رجب.. إنت اتجننت... الجدع هموت في إيدك."
رجب: "وهقطعه له لسانه اللي جاب سيرتها بيه كمان." شكرى: "لا ده انت اتجننت بجد بقى يا رجب." رجب: "حاج شكرى الزم حدودك." شكرى: "ولو ما لزمتش هتعمل إيه يعني يا رجب." احتد الموقف كثيراً فتدخل سيد: "استهدوا بالله يا جماعة مش كده." أخيراً نطق خالد يقول: "إنت مش كنت حاضر يا سطى سيد وشهدت على اتفاقنا... الاتفاق إنه يبقى محلل مش يكمل في الجوازة." صمت سيد لا يجد رد، بينما تحدث رجب: "كان فيه وخلص، والاتفاق ده اعتبره لاغي."
شكرى: "يعني إيه لاغي؟ هو لعب عيال." رجب بغضب: "أنا لسه محترم سنك ومقامك يا حاج مش عايز أزعلك." شكرى: "وهتزعلني إزاي يا رجب؟ أنا عايز أعرف." تدخل سيد مجدداً: "استهدوا بالله، استهدوا بالله يا جماعة مش كده... وإنت يا حاج شكرى خد أستاذ توفيق واستاذ خالد دلوقتي... مش عايزينها تقلب بخناقة." شكرى: "تقلب زي ما تقلب يا سيد... مش إحنا اللي هنتقرطس ونتخرس كمان." تقدم الشيخ منتصر يقول: "وحدوا الله...
وحدوا الله يا جماعة الخير. في إيه بس." سيد: "الحقنا يا شيخنا... أنا مش قادر عليهم لوحدي." وضع منتصر يده على كتف شكرى يقول: "إيه ياحاج صلى على النبي كده في قلبك." الجميع: "عليه الصلاة والسلام." منتصر: "إحنا نهدا دلوقتي وبإذن الله نتجمع ونعمل قاعدة نحل بيها الخلاف ده... مش عايزين حد يقع في النص لو نقدر نلم الدنيا نلمها، ولا إيه يا حاج شكرى." شكرى: "وإنت شايف إن ده شكل ولا طريقة واحد ناوي يلم."
نظر منتصر تجاه رجب وقرأ بعينه الكبر والتمادى بما هو به، لكنه قال: "خير... خير إن شاء الله... مش عايزين الموضوع يكبر... يالا استهدى بالله وخد أخوك واستاذ خالد وروحوا دلوقتي." على مضض تحرك من أمام ذلك الرجب وخلفه توفيق وخالد. ورجب ينظر لأثرهم بغضب. لن يتركها مهما حدث. *** وقف سامح أمام تحية ينظر لها بمكر وانتصار، وهي مصدومة. كيف لم تنتبه بأن هاتفه خاصية التتبع؟ يمكنه تحديد مكان السارق.
لا تعلم بماذا تجيب ولا ماذا تفعل. لا تعلم لماذا يحدث معها هكذا هي وشقيقتها هذه الأيام. تحدثت بصوت هامس ساخط: "ما طول عمرها ماشية معانا زي السكينة في قلب الحلاوة، مش عارفة منحسة معانا اليومين دول ليه؟ دي أكيد علامة يامارد." يستمع لبعض حديثها يقول: "بتبرطمي تقولي إيه يابت." تحية باندفاع: "بت أما تبتك.. إيه بت دي." اتسعت عيناه بزهول من سلاطة لسانها وقال: "نعم؟! أدركت سريعاً
ما فعلت وقالت: "ااا.. إنت تقول اللي إنت عايزه يا باشا." سامح: "والله... هممم اعمل أنا إيه فيكي دلوقتي." تحية: "ولا تعمل ولا تغلب روحك يا كبير... خد الموبيل اهو وفوقيها المحفظة بتاعتك كمان." سامح بزهول: "المحفظة كمان يابنت ال... بجد لساني عاجز حتى عن الوصف." تحية: "ما خلاص بقى خلصنا، خد حاجتك أهي.... يالا الحرام ما بيدومش." سامح: "بالسهولة دي... أنا سهل أوي أحبسك على فكرة." ارتعبت عيناها تقول: "ليه بس يابشا؟
هو أنا كنت عملت حاجة؟ ده حتى الموبيل ما غابش عنك غير سواد الليل، وأهو زي ماهو بحالته. وبعدين ليه.. ليه أقسام وبوليس؟ ما إحنا نوصل للترضيّة اللي تعجبك." ابتسم سامح بخبث وقال: "أي حاجة... أي حاجة." تحدثت بلهفة: "أي حاجة يا باشا." سامح: "حتى لو كان الحاجة دي؟ تحية: "لو أسد ما عنديش مانع... أنا أبيع نفسي لأول مشترى آت." ضحك يهز رأسه ثم قال: "حلو... متفقين." أخرج من جيب بدلته زوجي من العقود يقول: "خدي أمضي."
تحية: "إيه ده؟ سامح: "ورقتين عرفي." تحية: "جبتهم منين." سامح: "مابمشيش من غيرهم." تحية: "ما شاء الله." سامح: "هتمضي ولا إيه؟ تحية بسرعة: "أمضي يا خويا مامضيش ليه؟ مش لو أنا مضيت هتسبيني؟ سامح: "آه.... أصلك عجبتاني أوي... مزة." تحية: "إن شاء الله يجبر بخاطرك... أمضي فين بقى." كان ينظر لها بزهول. من المفترض أن تخاف وترفض حتى لتمثل عليه دور الشرف والنزاهة. لأول مرة يخاف هو بدلاً من أن تخاف منه فريسته.
أشار لها بزهول شديد... تتسع عيناه أكثر وأكثر وهو يجدها توقع باسمها ثم تقول: "خلاص كده... امشي." سامح بزهول: "عادي كده." تحية: "آه عادي، إحنا هنفتح عكا يعني." رفع العقدين بيده ينظر لهما يتأكد من توقيعها، ثم أخذ أحد العقدين يعطيه لها قائلاً: "طب خدي نسختك." مدت يدها ترجع يده ناحية جسده تقول: "خليه معاك ياخويا... هو أنا هخونك... ده الحاجة في إيدك تزيد." فكّه وصل للأرض. لا يصدق ولا يستوعب.
تحية: "خد بقى موبيلك اهو والمحفظة... حبايب؟ من شدة زهوله لم يجيب، فجابت هي عوضاً عنه: "حبايب... أتمسى بالخير ياخويا." ثم اختفت من أمامه سريعاً وهو ما زال على صدمته من هذه التحية. لم يسبق وقابل لها مثيل. لا يصدق حقاً. *** يجلس بسيارته وهي لجواره بعدما نفذت خطتها مع جودي. يسير بغضب شديد من كل شيء. نظرت له بغضب قائلة: "ممكن أعرف إنت إزاي تكلمني كده قدام الناس؟ عامر: "نعم... وكمان إنتي اللي مش عاجبك؟
يقرب منك كده إزاي وكمان يقولك يا حبيبتي؟ إنتي الظاهر اتجننتي." عادت تحاول الهدوء تنظر أمامها بصمت، فجأة جعلته ينظر لها بغضب مختلط بالاستغراب. مليكة... كأنها شخص جديد عليه. يعلم عليه كل الذنب. هو من حولها إلى تلك التي لا يعرفها ولا حتى يتوقع ردود أفعالها. أغمض عينيه يحاول أن يهدأ وقال وهو يكبت غضبه: "إنتي مش عارفة إني بغير عليكي؟ مش عارفة إنتي إيه بالنسبة لي؟ تروحي سايباه يقولك كده؟ طب اعملي حساب حتى لمشاعري."
نظرت له فجأة بحدة تقول: "وهو إنت كنت راعيت مشاعري عشان أنا أراعي مشاعرك؟ ولا هو الكبار بس اللي عندهم مشاعر." صمت. لم يجد ما يقوله. صمت قليلاً ثم جذب يدها، يشبكها بيده، يقبلها ثم يضمها له قائلاً: "حقك عليا... هصلح كل ده." جذبت يدها من يده تقول: "سيب إيدي... أنا مش زيك أبقى خاطب واحدة وماسك إيد واحدة تانية. أنا دلوقتي مخطوبة يعني على اسم راجل تاني." احتدت عيناه يصرخ: "إنتي بجد اتجننتي؟ إنتي بتقولي إيه؟
مليكة: "زي ما سمعت يا أبيه." توقف أمام باب القصر يقول: "ماشي يا مليكة أنا هفضل ماسك نفسي عنك لحد بس ما كل حاجة ترجع زي الأول... أرجعك ليا وبعدين نتحاسب." لم تهتم أو تعير حديثه انتباه. اعتادت وسئمت من تلك الكلمات التي لا يتبعها أي فعل. فتحت باب السيارة وخرجت سريعاً تصعد غرفتها، لا تريد مقابلة أو حديث أحد معها. وهو ظل ينظر لأثرها بشرود يغمض عينيه بتعب. ***
جلست تحية تكمل طعامها باستمتاع غير مهتمة بتغريد حينما شهقت تضرب صدرها بيدها على ما قصته عليها أختها تقول بعويل: "يا حزن الحزن.. اتجوزتي عرفي يابنت عبسلام." توقفت تحية عن الطعام لثانية واحدة، ترفع شفتها العليا باندهاش لانفعال أختها الغير مبرر. هزت رأسها باستغراب ثم عاودت إكمال الطعام. صرخت تغريد مجدداً: "ردي عليا يابت... إيه اللي هببتيه ده... إنتي عايزة تفضحينا." تحدثت
تغريد وهي تأكل الطعام: "اسم الله ده إحنا لا أهل ولا صحاب.... مقطوعين من شجرة... حتى مانعرفلناش قرايب." تغريد: "تقومي تتجوزي عرفي؟ أغمضت عينيها بسأم تجيب: "إنتي هبلة يابت؟ هو الجواز اعرفي دلوقتي بقى جواز بحق وحقيقي.. دي ورقة هبلة قالي امضي مضيت." صمتت تغريد تقول: "يعني إيه؟ تحية: "يعني إيش ياخد الريح من البلاط هيعمل إيه يعني؟ آخره إيه؟ تغريد: "إنتي مستقله بنفسك ده إنتي ملكة جمال وسيد مين يتمناك...
أكيد طمعان فيكي إنتي." تحية بزهو: "هو أنا حلوة آه، هو الصراحة معذور." وضعت ملعقة محملة بالطعام في فمها وتتحدث: "بس برضه هيعمل إيه... دي ورقة سكّت بيها زي اللعبة كده لما تشتريها لعيل زنان... مش أخدها كبيرة هيعمل إيه؟ تغريد: "هو مش قالهالك بصريح العبارة كده وعلى بلاطة... إنتي عاجباني... أكيد عايز يطولك." تحية: "وماله ياختي... خليه يقرب وأنا أصوّت وألم عليه أم محمد واللي يحصلني يفرجني."
زمت تغريد شفتيها وقالت: "مش مرتاحة يا توحا." وضعت تحية الملعقة من يدها تقول: "أنا مش عارفة هي ملخبطة معانا اليومين دول كده ليه... ما كانت ماشية معانا زي الحلاوة... مش عارفة غفلت كده ليه." تغريد: "أنا عايزة أمشي من هنا... إحنا عمرنا ما كنا خدامين... نشتغل ونجمعله الفلوس اللي علينا." صمتت تحية برهة ثم قالت: "عندك حق... هو كده زودها أوي... أنا كمان ما بقتش متحملة... أنا طول عمري أحب الشغل الطياري... ما أحبش أتقيد." نظرت
تغريد للفراغ تقول بشرود: "مش عارفة يابت. بس حاسة إننا خلاص... عيشة الحرية راحت وهنتقيد." *** وقفت نجلاء تعد الطعام وهي تفكر بشرود... كيف كانت الأمس... وأين أصبحت اليوم. خلطة عجيبة من المشاعر تجول بصدرها... تحديداً قلبها... الأغرب أنها لا تريد تفسيراً لما هي به... أو مواجهة نفسها. هل أحبت ورضت بالعيش مع رجب الجزار؟ هل ستترك نهائياً حياة توفيق... والد ابنتها.
وقفتها لإعداد الطعام هذه المرة مختلفة. تعلم وتثق أنه سيثني على طعامها مهما كانت النتيجة. أغمضت عينيها تبتسم وهي تستمع لصوته يقول: "اللهم صلى على سيدنا محمد... إيه الروايح الحلوة دي." لم يخيب ظنها يوماً منذ تزوجا. ابتسمت بمرارة تتذكر توفيق. كان دائماً يذم طعامها ولا يحبه... حتى لا يقدر أنها تعبت به حتى لو لم يعجبه. وضعت تلك الملعقة من يدها واستدارت له تقول: "حمد الله على السلامة." رجب: "الله يسلمك يا ست البنات."
شعرت أن به خطب ما. نظرت له بحيرة وقالت: "مالك... في حاجة مضيقاك." ابتسم براحة وقال: "والله وبقيتي تحسي بيا." ابتسمت بحرج تنظر أرضاً. رفع وجهها بيده ينظر لها قائلاً: "ربنا ما يحرمني منك أبداً." نجلاء: "طب ما تقولي مالك." رجب مبتسماً: "ولا حاجة... يمكن أكون جعان... فين أكلك الحلو؟ ابتسمت بحماس قائلة: "هوا.. ده أنا عملالك برياني تحفة." رجب: "إيه؟ نجلاء: "برياني... دوّق بس هتعجبك."
رجب وهو يراقص حاجبيه: "طالما من إيدك يبقى هتعجبني يا عسل." أغمضت عينيها من شدة الحرج واختفت من أمامه تجلب الطعام... لا تصدق كل ما أصبحت تحياه. *** مر أسبوع على الجميع، وطوال هذه المدة كانت هديل منشغلة عن الجميع بعادل. يساعدها في جمع عدد من مهندسي البرمجة بمصر. بعدها أصبحت المشكلة في إيجاد مكتب ولو صغير لبدء مشروعها من أبجدياته.
أما سيد فقد عقد قرانه على حكمت أخيراً، وهي الآن تجمع أشياءها لتنتقل لشقة سيد الملاصقة لشقتها هي وابنها. كانت مي تساعدها بجمع أغراضها وهي تثرثر: "قام الراجل أبو حامد مديها بالكف على صرصور ودنها... الولية أم حامد قامت رافعة بالصوت لامّت عليه العمارة كلها... على مجيء حامد من الجيش... آه لو شوفتيه.. بقى قمر." حكمت: "مش قلت مية مرة ما ترميش ودنك مع الجيران يا مي." مي ببراءة: "وأنا كنت رميت حاجة؟ بقولك صوتت ولمت الناس."
هزت حكمت رأسها بيأس وذهبت تجلب بعض الأشياء من غرفتها. استدارت مي تكمل جمع الأغراض... شهقت برعب وهي تجد يوسف يقف خلفها ينظر لها بغيظ قائلة: "مش ترن الجرس؟ مش عارف إن في حد غريب هنا... قول أحم ولا دستور." يوسف: "والله أنا واحد داخل بيتي... الدور والباقي على اللي مركزة مع الشباب." مي: "شباب مين يا ضنا." تقدم منها بغضب يقبض على رسغها قائلاً: "أنا ما قابلتش في طول لسانك حد... إنتي جايبة البجاحة دي منين...
أما عيلة ما تربيتيش صحيح." نفضت يده عنها بعنف... لكن لم تستطع منع ترقرق عينيها بالدمع. كل ما استطاعت فعله بتلك اللحظة هو حبس دمعها بقوة والفرار من أمامه. ذهبت لشقة والدها وتركته لا يشعر بأي راحة أو نصر بعد سبها وتعنيفها وملاحظته ضعفها... بل ما شعر به كان على النقيض تماماً. *** أما كارم ونهى فقد فعلت ما برأسها. قامت بتأجيل العرس أسبوع آخر. جلس كارم بغيظ يقول لصديقه: "دماغها جزمة قديمة...
عملت اللي هي عايزاه برضه وكل اللي عليها إننا كده بنستعجل." عامر: "على فكرة هي عندها حق... إنت نفسك مش عارف تخلص كل ترتيبات الفرح والمعازيم." ارتفع رنين هاتفه، ابتسم بخبث وفتح الهاتف يقول: "الو... أيوه يا محمد... مالك؟ مصيبة؟ لالا مصيبة إيه وقعت قلبي... طب أنا جاي.. جاي حالا ماتقلقوش." أغلق الهاتف يقول لكارم: "طب همشي أنا بقى." أمعن كارم النظر له وقال: "في إيه ياض؟ شكلك عامل مصيبة." عامر: "أنا؟ إنت تصدق عني كده؟
بقا أنا وش ذلك؟ كارم: "ده إنت ذلك بذاته." عامر: "مظلوم يا صاحبي." وقف كارم يقول: "لا أنا جاي أشوف في إيه، اتحرك قدامي." بعد مدة وصلا اثنتيهم للقصر. لاحظ وجود سيارة عدي. سب بصوت واضح. لن يبتعد عنهم. كانت مليكة تجلس معه، لا تشعر بالراحة أو الانتماء له. لم تحبذ يوماً علاقتها به، لكنه حقاً شاب ممتاز، ماذا تريد أكثر من ذلك. جاءها اتصال من جودي. استأذنت منه وابتعدت تجيب عليه. في نفس الوقت خرجت توتا تحمل معها القهوة لعدي.
توقفت أمامه تقول بضيق: "القههههوووه." اتسعت عيناه ينظر لها بخوف يقول: "إيه يابنتى مالك بتقوليها زي ريا وسكينة كده ليه." توتا: "أهو هو كده.. ينفع." عدي: "ينفع... ينفع... ياساتر... إنتي مالك مكشرة كده؟ أنا دايماً بشوفك بتضحكي وتملي المكان حواليكي بهجة." توتا بضيق مما مرت به هي وأختها: "إنت مالك ومركز معايا ليه من الأساس؟ القهوة عندك أهي عجباك اشربها مش عجباك ارميها... ياساتر... هو انتوا كنتوا اشتريتونا."
ذهبت من أمامه بغضب تركته ينظر لأثرها بزهول. عقله مشغول. يريد معرفة سبب ضيقها هذا. على بعد. جلست مليكة تتحدث في الهاتف وعامر يقترب منها بغضب. لم ينس ما حدث منذ أسبوع في المشفى، والآن تجلس مع ذلك العدي. استمع لها تقول لمحدثها: "يانهار أسود. إيه اتكشفنا؟! استدارت برعب وهي تستمع لصوته بجانبها يقول: "هو إيه اللي اتكشفتوا؟ عملتي إيه تاني." رددت بخوف: "أبيه عامر؟! زاد غضبه منها: "إيه هي خلاص لزقت في لسانك؟ أبيه أبيه...
أنا مش أبيه... أنا عامر بس." أشاحت وجهها عنه بغضب فقال: "تمام... قولتلك الحساب يجمع... استعدي بقى للمفاجأة اللي جوا." مليكة: "مفاجأة؟ مفاجأة إيه؟ عامر: "تعالي وإنتي تعرفي." سار معها للداخل متجنباً الطريق الذي يجلس به عدي. دخلا معاً فاستقبلهم محمد بهلع: "مصيبة.. مصيبة يا عامر... إنت لازم تكتب على مليكة حالا." صعقت مليكة وهي تستمع لناهد تقول هي الأخرى: "ما فيش وقت يا عامر قبل ما بكرة ييجي لازم تكون كاتب عليها."
ابتسم لها جانباً وهي فقط متسعة الفم والعين، ثم قال: "إيه اللي حصل بس يا جماعة." وقف شاب في منتصف العشرين وقال: "أنا سيف اللي محمد بيه زارعه وسط حملة معتز الموسى الانتخابية. الورقة دي كان ناوي يوديها لكل الصحف بكرة عشان يفضحك." عامر... وكأنه لا يعلم: "يا خبر... ورقة إيه دي؟ سيف: "دي ورقة جواز عرفي... باسمك إنت وإنسة مليكة... عايز يسوق سمعتك." استدار ينظر لمليكة ويبتسم، ثم استدعى
الجدية ونظر لهم بغضب يردد: "اتجوز مليكة... العيلة الصغيرة... مستحيل... وبعدين أنا راجل خاطب... خاطب بنت خالتي... لا لا مش ممكن..........
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!